الوعد بالتعاقد
يلجأ الأشخاص إلى إبرام الوعد بالتعاقد في الأوقات التي تكون لديهم الرغبة في التعاقد مع الغير للحصول على شيء منه سواء كان بيع شيء لهم أو إجارته أو التزام الواعد بأداء عمل للموعود له، إلا أنهم لا يكون لديهم المكنة لتنفيذ العقد في الحال بسبب الظروف المالية للموعود له أو أن تكون حاجته لمحل الوعد لا تتحقق إلا في المستقبل، و إزاء ذلك فقد نظم المشرع الأردني أحكام الوعد بالتعاقد في القانون المدني الأردني ووضع الشروط اللازمة لصحة هذا الوعد والأثار المترتبة عليه، وهو ما سوف نتناوله خلال هذا المقال على التفصيل الآتي :
رابعا: الأثار المترتبة على الوعد بالتعاقد
خامسا: أحكام قضائية متعلقة بالوعد بالتعاقد
أولا: المقصود بالوعد بالتعاقد
عرفت المادة ( 92 ) من القانون المدني الأردني الوعد بالتعاقد بقولها : ( صيغة الاستقبال التي تكون بمعنى الوعد المجرد ينعقد بها العقد وعدا ملزما إذا انصرف إليه قصد العاقدين ).
وعرفه بعض الفقه بأنه العقد الذي يلتزم فيه أحد طرفيه أو كلاهما بأن يتم عقد العقد الموعود به متى طلبه الموعود له في خلال المدة المتفق عليها في الوعد بالتعاقد.[1]
- وترتيبا على ذلك فإن الوعد بالتعاقد هو عقد يقصد منه ترتيب التزام على أحد طرفيه أو على كلاهما بإنفاذ عقد من العقود سواء كان عقد بيع شيء من الأشياء، أو كفالة، أو غيرها من العقود، بشرط أن يكون مضافا إلى المستقبل ولمدة و أجل محدد، بحيث يجوز للطرف الموعود له طلب إنفاذ العقد متى كان طلبه قد صدر في خلال المدة المحددة في الوعد بالتعاقد وبالشروط الواردة في عقد الوعد بالتعاقد.
-
و لاشك أن للوعد بالتعاقد أهمية كبيرة في الزام أحد أطرافه بتوقيع العقد المتفق عليه في المستقبل خاصة في الحالات التي لا يكون من الممكن توقيعه في الحال، لرغبة أحد الطرفين في توقيعه في ميعاد محدد في المستقبل لذلك كان تقرير هذا النوع من العقود تستلزمه الضرورة ومصلحة الأفراد ولحسن سير المعاملات، وهذا ما أكدته المذكرة الإيضاحية للقانون المدني عند شرحها لنص الماد ة( 92 ) من القانون المدني حيث نصت المادة ( 61 ) منها على : ( القانون الحديث يجيز الوعد بالبيع وبالشراء وفي جوازه فوائد عملية لا تخفى فهناك ظروف تحمل الموعود له بالبيع مثلا أن يقف البت في الشراء حتى يتبين أمره وهو في الوقت ذاته لا يامن أن يعدل الطرف الأخر عن الصفقة إذا لم يستوثق منه بوعد يقيده. ففي مثل هذه الحالة لا سبيل للموعود له على الواعد إلا أن يتقيد هذا الأخير بوعد يصدر منه يلزمه بإنفاذ البيع في المستقبل إذا اظهر الموعود له رغبته في الشراء والوعد بالبيع في هذا الفرض يكون عقدا ملزما لجانب واحد هو الواعد ولا يلتزم الموعود له بشيء ما بل ليس عليه أن يأتي بأي عمل إيجابي لينقضي اثر العقد إذا لم ير الشراء كما يجب أن يفعل في بيع التجربة وفي البيع بخيار الشرط وفي البيع على سوم النظر ….. ).
ثانيا: خصائص الوعد بالتعاقد
يختص الوعد بالتعاقد بعدة خصائص تجعله مميزا عن غيره مما يتشابه معه من عقود، ومن أهم هذه الخصائص أن الوعد بالتعاقد هو في حقيقته عقد، و هو عقد مؤقت ليس دائم، إلى جانب أنه عقد يوقع التزام على جانب واحد من أطرافه في الغالب، وسوف نتناول هذه الخصائص على التفصيل الآتي :
1- الوعد بالتعاقد عقد : ويترتب على ذلك وجوب أن يتوافر في المتعاقدين الشروط اللازمة لإنشاء العقد، فيجب أن يكون طرفي التعاقد متمتعان بالأهلية اللازمة لإبرام التصرفات القانونية، سواء أهلية الوجوب أو أهلية الأداء كما يجب أن يبت صدور الإيجاب والقبول من طرفي التعاقد، وأن يكون صادرا عن تراضي منهما وخلوه من أي عيب من عيوب الرضا كالغلط أو الإكراه أو الغش أو التدليس.
كما يجب أن يكون الوعد بالتعاقد وقد وقع على محل مما يجوز التعامل فيه شرعا، و أن يكون غير مخالف للنظام العام وأن يكون المحل معينا ومقدورا على تسليمه، كما يجب أن يكون محل الوعد راجعا إلى سبب مشروع، فإذا كان الباعث غير مشروع كأن بكون الوعد بالتعاقد راميا إلى إبرام عقد بيع أو إجارة مكان لاستعماله في امر منافي للآداب أو أمر مجرم قانونا بطل الوعد بالتعاقد.
والجدير بالذكر أن مشروعية محل أو سبب الوعد بالتعاقد لا تشترط أن تكون متوفرة عند حصول الوعد ما دام ثبت توافرها عند إبرام العقد محل الوعد. [2]
2– الوعد بالتعقد عقد مؤقت: وتظهر هذه الخصيصة بشكل واضح من استظهار طبيعة الاتفاق بين الطرفين، حيث يكون اتفاقهما يهدف إلى الوصول إلى العقد المراد انعقاده من وراء هذا الوعد وينتهي الوعد بالتعاقد بمجرد تنفيذه أو فوات ميعاده، فإذا كان الوعد بالتعاقد راجعا إلى الوعد بإبرام عقد البيع فإن الوعد بالتعاقد ينتهي أثره بمجرد إيقاع هذا العقد وإبرامه، وبالتالي فإن طبيعة الوعد بالتعاقد طبيعة مؤقتة تهدف إلى تحقيق غرض معين وهو الزام أحد الأطراف بتوقيع العقد محل هذا الوعد في الميعاد المتفق عليه، بحيث يكون العقد الناشئ عن هذا الوعد هو الذي يرتب أثار العقد محل الوعد بالتعاقد، فعقد البيع الناشئ عن عقد الوعد بالتعاقد يترتب عليه نقل الملكية والتسليم وهو ما لا يرتبه عقد الوعد بالتعاقد.
3- الوعد بالتعاقد عقد ملزم لجانب واحد: وهو الجانب الواعد إذ يقع عليه التزاما بالوفاء بوعده وإتمام التعاقد متى طلب الموعود له بتنفيذ الوعد بالتعاقد ،بشرط أن يكون طلبه قد صدر منه في المدة المحددة لذلك الوعد. – والجدير بالذكر أن الوعد بالتعاقد قد يكون ملزما لطرفي التعاقد وذلك إذا ما كان كلا من الطرفين واعدا من ناحية وموعدا له من ناحية أخرى، ومثال ذلك أن يعد احدهما الآخر ببيع العقار إليه في المستقبل، ويصدر من الآخر وعدا بأن يقوم بتأجير أحد شقق العقار له بعد إتمام عقد البيع، فهذه الوعود توافرت فيها الشروط اللازمة للوعد بالتعاقد من ناحية كما أنها قررت التزامات متبادلة بين أطرافها.
ثالثا: شروط الوعد بالتعاقد
1- أن يرد الوعد بالتعاقد على عقد مستقبلي فلا يجوز أن يكون الوعد بالتعاقد واردا على عقد حال انعقاده، إذ تنتفي الغاية التي تغياها المشرع منه وهو منح أطرافه حق الزام الواعد بإتمام الاتفاق وإبرام العقد في المستقبل لا في الحال، وهو ما يفهم من نص المادة ( 92 ) السابق ذكرها وشرحها في المذكرة الإيضاحية.
2- أن يتناول الوعد بالتعاقد جميع المسائل الجوهرية الخاصة بالعقد المراد إبرامه مستقبلا، سواء كان العقد المراد إبرامه بيعا أو إيجارا أو غيره من العقود، ويرجع السبب في هذا الشرط أن الوعد بالتعاقد هو اللبنة الأولى التي يبنى عيها العقد محل هذا الوعد، وبالتالي فيجب بيان جميع المسائل الجوهرية الخاصة بالعقد حتى يمكن للموعود له المطالبة به على وجه التحديد، و حتى يتمكن القضاء من التثبت بأن العقد المراد إبرامه هو محل الوعد بالتعاقد.
ولا يقصد بتحديد المسائل الجوهرية الخاصة بالعقد أن يتم تحديدها تحديدا محكما، بل يكفي أن تكون تلك المسائل قابلة للتحديد، وأن تكون كافية بذاتها لمعرفة طبيعة العقد ومحله الذي اتجه الطرفان إلى إبرامه مستقبلا، وعلى ذلك فإذا كان الوعد بالتعاقد محل عقد بيع شيء فلا يشترط أن يكون الثمن محددا على سبيل الجزم بل يكفي أن يكون قابلا للتحديد. [3]
3- أن تحدد المدة التي يجب إبرام العقد محل الوعد بالتعاقد خلالها، فلا يكفي تحقق الشرطين السابقين لانعقاد الوعد بالتعاقد، بل يجب أيضا أن يتم تحديد المدة التي يجب على الموعود له مطالبة الواعد في خلالها بتنفيذ العقد، وتظهر أهمية تحديد المدة في تمكين الموعود له من اختيار الميعاد المناسب له خلال المدة المحددة لإبرام العقد محل الوعد إلى جانب أن في تحديد مدة التعاقد ما يحفظ حق الواعد من إساءة استعمال الموعود له للوعد بالتعاقد وحتى لا يجعله دائما عائقا أمام أي تصرف يقوم به الواعد في محل الوعد بالتعاقد، فمرور المدة المتفق عليها دون مطالبة الموعود لها بإعمال الوعد بالتعاقد يسقط حقه في المطالبة به، ويصبح الواعد متحللا من أي التزام مبني على هذا الوعد.
- والجدير بالذكر أن المشرع لم يحدد مدة الوعد بالتعاقد بل ترك الأمر لمحض حرية المتعاقدين، بحيث يكون لهم لحق في تحديدها بالأيام أو بالشهور أو السنوات حسب ما يتراءى لهم ويحقق مصالحهم، إلا أنه رغم ذلك فيجب على المتعاقدين أن يراعوا عند تحديد الميعاد الانتهائي للوعد بالتعاقد أن يكون هذا الميعاد متوافقا مع توافر العناصر القانونية أو الاتفاقية اللازمة لتكوين العقد النهائي، فإذا كان العقد الموعود به يتوقف إبرامه على الحصول على تصريح من جهة معينة، أو يتوقف على تطهير العقار مما لحقه من رهون أو حقوق، فيجب أن يكون الميعاد بعد تحقق تلك الأمور أي بعد الحصول على التصريح أو بعد تطهير العقار حتى ينتج العقد الموعود به اثره بمجرد إبرامه. [4]
ويرى جانب من الفقه أنه لا يشترط أن يتم ذكر مدة الوعد بالتعاقد بشكل صريح مادام من الممكن الوقوف على المدة المقصودة ما دام من الممكن استخلاصها من طبيعة التعاقد وما قصده الطرفان ،وكذلك إذا كان العقد الموعود به لا يحقق الغرض إذا فات ميعاد محدد حيث يكون ذلك الميعاد هو مدة الوعد بالتعاقد. [5]
4– شرط الشكلية: قرر المشرع الأردني شرطا أخر زيادة على الشروط السابقة، وهو أنه في حالة كان العقد محل الوعد بالتعاقد من العقود التي اشترط المشرع لها شروط معينة كالكتابة مثلا فيجب أن يتضمن الوعد بالتعاقد بندا يقرر هذا الشرط، أي أن يأتي العقد محل الوعد في ذات الشكل الذي اشترط القانون وجوده.
وتظهر الحكمة من هذا الشرط في رغبة المشرع في تفويت الفرصة على المتعاقدين في التحايل على أحكام القانون المتعلقة بوجوب اتخاذ بعض العقود شكلا معينا، إذ قد يلجأ الطرفين إلى إبرام وعد بالتعاقد بقصد التهرب من شرط الشكلية، حيث يقوم الموعود له بمطالبة الواعد أمام القضاء بتنفيذ الوعد ومن ثم صدور حكم قضائي يقوم مقام العقد المراد عقده و يفلت الطرفان من شرط الشكلية المقرر في القانون للعقد محل الوعد،[6] وهو ما فطن له المشرع ووضع هذا الشرط للحيلولة دون حصول ذلك، وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن المشرع قد حدد العقود الشكلية على سبيل الحصر وبالتالي فلا يجوز الزيادة عليها أو القياس عليها.
وقد نصت المادة ( 105 ) من القانون المدني على هذه الشروط بقولها : ( 1. الاتفاق الذي يتعهد بموجبه كلا المتعاقدين أو احدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها.
- 2. واذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد).
- كما نصت المادة ( 72 ) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني في معرض شرحها للمادة (105) منه على : ( ويشترط لصحة مثل هذا الاتفاق التمهيدي تحديد المسائل الأساسية في التعاقد والمدة التي يتم فيها أما فيما يتعلق بالشكل فلا يشترط وضع خاص إلا إذا كان القانون يعلق صحة العقد المقصور إبرامه على وجوب استيفاء شكل معين، ففي هذه الحالة ينسحب الحكم الخاص باشتراط الشكل على الاتفاق التمهيدي نفسه، والمقصود بالشكل الرسمية في عرف الفقه والقضاء فمثلا إذا كان عقد الهبة لا يتم إلا إذا عمل رسميا طبقا للأوضاع المقررة له فالوعد بالهبة لا يصلح إلا إذا عمل رسميا أيضا ويوجه هذا النظر إلى أن إغفال هذا الاحتياط يعين على الإفلات من قيود الشكل الذي يفرضه القانون ما دام أن الوعد قد يؤدي إلى إتمام التعاقد المراد عقده . فيما إذا حكم القضاء بذلك ويكفي لبلوغ هذه الغاية أن يعدل المتعاقدان عن إبرام العقد المقصود الإفلات من القيود الخاصة بشكله، ويعمدا إلى عقد اتفاق تمهيدي أو وعد بإتمام هذا العقد، لا يستوفى فيه الشكل المفروض، ثم يستصدرا حكما يقرر إتمام التعاقد بينهما، وبذلك يتاح لهما أن يصلا من طريق غير مباشر إلى عدم مراعاة القيود المتقدم ذكرها .
ومع ذلك فالوعد بإبرام عقد رسمي لا يكون خلوا من أي اثر قانوني إذا لم يستوف ركن الرسمية فاذا صح أن مثل هذا الوعد لا يؤدي إلى إتمام التعاقد المقصود فعلا فهو بذاته تعاقد كامل يرتب التزامات شخصية طبقا لمبدا سلطان الإرادة . وهو بهذه المثابة قد ينتهي عند المطالبة بالتنفيذ إلى إتمام عقد الرهن أو على الأقل إلى قيام دعوى بالتعويض بل والى سقوط اجل القرض الذي يراد ترتيب الرهن لضمان الوفاء به) .
رابعا: الأثار المترتبة على الوعد بالتعاقد
أ- أثار الوعد بالتعاقد بالنسبة للواعد: يعتبر الوعد بالتعاقد عقد ملزم لجانب الواعد بحيث يجب عليه أن يبرم العقد محل الوعد عندما يطلب الموعود له ذلك، ويشترط لهذا الإلزام أن يكون طلب الموعود له قد صدر في خلال المدة المتفق عليها في الوعد بالتعاقد، وتأكيد على هذه القوة الملزمة للوعد بالتعاقد في جانب الواعد فقد قرر المشرع جواز إحلال الحكم القضائي المقرر بالزام الواعد بتحقيق الالتزام الواقع على عاتقه محل توقيعه على العقد محل الوعد، بحيث يصبح الحكم القضائي في مقام العقد الموعود به وذلك في حالة توافر شروط الوعد بالتعاقد ونكول الواعد عن التنفيذ، وفي ذلك فقد نصت المادة ( 106 ) من القانون المدني على : ( إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل وقاضاه الآخر طالبا تنفيذ الوعد، وكانت الشروط اللازمة للعقد وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل متوافرة قام الحكم متى حاز قوة القضية المقضية مقام العقد).
ب- أثار الوعد بالتعاقد بالنسبة للموعود له: يعتبر من اهم الأثار المترتبة للموعود له في الوعد بالتعاقد أنه وبمجرد تقرير هذا الوعد بالتعاقد أصبح للموعود له حقا شخصيا على محل الوعد بالتعاقد وله في خلال المدة المتفق عليها صراحة أو ضمنا طلب إنفاذ العقد محل الوعد، إلا أن الوعد بالتعاقد لا يرتب أي حقوق للموعود له على الشي محل هذا التعاقد، مثل الحق في ثمار وغلة الشي محل التعاقد وتبعة هلاكه، إذ أنها حقوق مقررة لصالح الواعد فقط، ومع ذلك فإذا أبلغ الموعود له الواعد برغبته في إتمام التعاقد في خلال المدة المتفق عليها فإن العقد ينعقد وينتج كافة أثاره منذ ذلك الحين.
ج- أثار الوعد بالتعاقد الصادر من الغير: افترض المشرع الأردني قيام أحد الأشخاص بالتعهد للغير بتنفيذ شيء معين أو توقيع عقد معين، إلا أن الواعد في هذا الحالة لا يكون مالكا للشيء محل الوعد بالتعاقد، وقد نصت المادة ( 209 ) من القانون المدني على هذه الحالة بقولها : ( 1. إذا تعهد شخص بان يجعل الغير يلتزم بأمر فلا يلزم الغير بتعهده فاذا رفض الغير أن يلتزم وجب على المتعهد أن يعوض من تعاهد معه.
ويجوز له مع ذلك أن يتخلص من التعويض بان يقوم هو بنفسه بتنفيذ الالتزام الذي تعهد به.
- أما إذا قبل الغير هذا التعهد فان قبوله لا ينتج أثرا إلا من وقت صدوره ما لم يتبين انه قصد صراحة أو ضمنا أن يستند اثر هذا القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد) .
وجاءت المذكرة التوضيحية للقانون المدني لتشرح هذا النص بقولها في المادة ( 163 ) منها : ( 1. ليست أحكام هذه المادة إلا تطبيقا للقواعد العامة في اقتصار أثار العقود فاذا تعهد شخص بان يجعل الغير يلتزم بأمر ونصب نفسه زعيما بذلك فلا يكون من اثر هذا التعهد الزام هذا الغير، وكل ما هنالك أن المتعهد يتعهد بالوفاء بالتزام بعمل شيء، هو الحصول على إقرار الغير للتعهد الذي بذله، ذلك هو مدى التزام المتعهد على وجه الدقة . فليس يكفي عند رفض الإقرار أن يكون هذا المتعهد قد بذل ما في وسعه للحصول عليه ولا يشترط كذلك أن يقوم من بذل التعهد عنه بتنفيذ تعهده إذا ارتضى إقراره وهذا ما يفرق الوعد بالتزام الغير عن الكفالة .
- واذا امتنع الغير عن إجازة التعهد فلا تترتب على امتناعه هذا أية مسئولية ذلك أن التعهد لا يلزم إلا المتعهد ذاته ويكون من واجبه تنفيذ التزامه، أما بتعويض العاقد الأخر الذي صدر الوعد لمصلحته، وأما بالوفاء عينا بالتعهد الذي ورد الوعد عليه، إذا امكن ذلك دون الحاق ضرر بالدائن، ويستوي في هذا أن يكون التعهد متعلقا بالتزام بنقل حق عيني، أو بعمل شيء أو بالامتناع عنه .
- ويتحلل المتعهد من التزامه بمجرد إقرار الغير للتعهد، الواقع أن التزام المتعهد ينقضي في هذه الصورة من طريق الوفاء، ويترتب على الإقرار أن يصبح الغير مدينا مباشرة للعقد الأخر، لا على أساس التعهد الذي قطعه المتعهد بل بناء على عقد جديد يقوم بداهة من تاريخ هذا الإقرار ما لم يتبين انه قصد صراحة أو ضمنا أن يستند اثر الإقرار إلى الوقت الذي صدر التعهد فيه . وغني عن البيان الإقرار ينزل منزلة القبول من هذا العقد الجديد .(
خامسا: أحكام قضائية متعلقة بالوعد بالتعاقد
1- الحكم رقم 6425 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-01-24 حيث جاء فيه : ( وحيث نجد أن الوعد بالتعاقد لا ينعقد ولا يرتب آثاره استناداً لأحكام المادة (105) من القانون المدني إلا إذا عيِّنت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها وذلك حتى يكون السبيل مهيأً لإبرام العقد النهائي بمجرد رغبة الموعود دون حاجة إلى اتفاق على شيء آخر والمقصود بالمسائل الجوهرية أركان العقد وشروطه الأساسية التي يرى المتعاقدان الاتفاق عليها والتي لما كان ليتم العقد بدونها (تمييز حقوق رقم 3742/2004 تاريخ 24/2/2005).
وأن محكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع تملك السلطة التامة في وزن وتقدير البينة عملاً بأحكام المادة (34) من قانون البينات ما لم يكن هناك مخالفة للأصول والقانون وجدت أن المدعية لم تقم بكافة الإجراءات المتعلقة بالبيع الصادرة بموجب مذكرة البيع الصادرة عن المدعية المتمثلة بفتح اعتماد مستندي وبالشروط المحددة بالفاتورة ووثائق أخرى يتعين تقديمها إضافة إلى توقيع وختم فاتورة العرض وإعادتها على سبيل القبول.
وحيث نجد أن هذه المسائل (متطلبات المدعية/ الإجراءات المذكورة) تعتبر مسائل جوهرية يتعذر إتمام العقد بدونها مع أنه تم تعيين بعض هذه المسائل كتحديد المبيع والثمن فإن مؤدى ذلك تخلف أحد ركني الوعد بالتعاقد وهي تعيين المسائل الجوهرية سالفة الذكر.
وهي النتيجة ذاتها التي توصلت إليها محكمة الاستئناف هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ينبغي تعيين المدة التي ينبغي إبرام عقد البيع فيها حيث إن ذلك هو الركن الثاني في الوعد بالبيع بصريح نص المادة (105) سالفة الذكر والحكمة من ذلك أنه يترتب على حلول هذه المدة نفاذ العقد إذا رغب الموعود دون حاجة إلى اتفاق على أي مسائل أخرى لذا ولما لم يتم تحديد المدة على الوجه المتقدم ذكره يكون أيضاً قد تخلف الركن الثاني من الوعد بالبيع وبالتالي فإن ذلك الوعد لم ينعقد بين الطرفين ولا آثار له بينهما.
ومن ناحية ثالثة فإن تضمين الإيجاب الصادر من المدعى عليها الموجه إلى المدعية اشتراط القيام بالمتطلبات المشار إليها إنما يعد من جهة أخرى إيجاباً مشروطاً بتحقيق تلك المتطلبات وهو ما يتنافى مع طبيعة الوعد بالتعاقد الذي يأبى تعليقه أو تقييده بشرط ما قد يتحقق وقد لا يتحقق إذ الأصل في الوعد بالتعاقد إتمام العقد الذي عين جميع مسائله الجوهرية عند حلول المدة المتفق عليها في حال رغبة الموعود بذلك ونجد أن ما تم بين الطرفين وفق الوقائع المذكورة إنما هو ثمة مشروع عقد لم يتم.
وعليه وإزاء ما تقدم بيانه ولانتفاء ركني الوعد بالبيع يكون قول المميزة بأن ما تم بين الطرفين يشكل وعداً بالتعاقد وفقاً لأحكام المادة (105) من القانون المدني لا أساس له من القانون وبالتالي لا وجه لإلزام المدعى عليها بشيء وتغدو كافة الدفوع المثارة من قبل المميزة بهذا الشأن مستوجب الالتفات عنها مما يقتضي معه رد دعوى المميزة (المدعية) وحيث توصلت محكمة الاستئناف إلى النتيجة ذاتها يكون حكمها من هذه الناحية واقعاً في محله مما يتوجب معه رد هذه الأسباب).
2- الحكم رقم 182 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-03-05 حيث جاء فيه : ( وعن الأسباب الثاني والثالث والرابع والسابع وفي حاصلها يخطئ الطاعن محكمة الاستئناف بالنتيجة التي وصلت إليها باعتبار أن البيع الذي تم بين فريقي الدعوى باطل دون مراعاة أن المميز والمميز ضده قد شرعا بتنفيذ البيع من خلال المعاملة الإفرازية وأن المادة 105 مدني تجيز الاتفاق على إبرام عقد في المستقبل (الوعد بالتعاقد).
وفي ذلك نجد أن واقعة الدعوى الثابتة من مجمل الأوراق تتلخص في أن الطاعن أقام دعواه يطلب فيها الحكم بتثبيت بيع حصة (100 دونم) من حصة المدعى عليه في قطعة الأرض رقم 6 حوض 12 وإصدار حكم بتسجيلها باسم المدعي في دائرة التسجيل.
وقد أسس المدعي دعواه على أن المدعى عليه قد باعه تلك الحصة وأنه (أي المدعي) دفع ثمنها للمدعى عليه وأن الأخير ممتنع عن تسجيل الأرض باسم المدعي. فلما كان ذلك وكان المقرر قانوناً في المادة 16/3 من قانون تسوية الأراضي والمياه أنه في الأماكن التي تمت التسوية فيها لا يعتبر البيع أو المبادلة والمقاسمة في الأراضي أو الماء صحيحاً إلا إذا كانت المعاملة قد جرت في دائرة التسجيل). كما أن المادة 105/2 مدني تنص على أنه إذا اشترط القانون لتمام عقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد. وبالرجوع لأوراق الدعوى فإننا لا نجد ما يفيد بأن الاتفاق على بيع الحصة المطالب بتسجيلها باسم المدعي قد سجل في دائرة الأراضي والمساحة وفق متطلبات المادة 105/2 مدني وذلك على اعتبار أن بيع الأرض خارج دائرة الأراضي والمساحة باطل لعدم مراعاة شرط صحة هذا البيع من الناحية الشكلية وهي تسجيله في دائرة الأراضي المختصة.
وعليه فإن الاتفاق بين فريقي الدعوى على بيع حصة المدعى عليه في قطعة الأرض موضوع الدعوى للمدعي باطل بطلاناً مطلقاً لانعدام الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده/ ركن التسجيل/ فلا يرتب أثراً ولا ترد عليه الإجازة وفق ما هو مقرر في المادة 168 من القانون المدني.).
3–الحكم رقم 6719 لسنة 2022 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2022-10-10 حيث جاء فيه : ( وبذلك نجد أن العقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول بصورة يثبت اثرها بالشي المتعاقد عليه وبالتالي ينعقد العقد ويرتب أثارة ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينه لانعقاد العقد سنداً لأحكام المواد ( 87 و 90 ) من القانون المدني وحيث أن صيغة اليمين الحاسمة المقدمة من قبل المستأنفين تتضمن الاتفاق على إبرام عقد جديد وبأجرة جديدة فان المستفاد من ذلك أن اليمين تتناول تعهد بالتزام مستقبلي وأن عقد الإيجار المشار إليه ضمن صيغة اليمين الحاسمة لم يتم إبرامه والاتفاق على تفاصيله الجوهرية ومنها الأجرة ومدة العقد وبالتالي لا يعتبر هذا التصرف من قبيل التعاقد أو الوعد المستقبلي الملزم للمتعاقد وبالتالي يكون قرار محكمة الدرجة الأولى بعدم إجازة اليمين الحاسمة من حيث النتيجة متوافق وصحيح القانون وان جاء هذا القرار غير مسبب وغير معلل وعيب بالقصور بالتسبيب والتعليل من هذه الناحية).
إعداد: محمد إسماعيل حنفي
[1] محمود عبدالحكيم، الوعد بالتعاقد دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة، كجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنصورة كلية الحقوق، 2002 ، ص 404، 405
[2] السنهوري، الوسيط فـي شـرن القـانون المـدني الجديـد، العقـود التي تقع علد الملكية البيع والمقايضة، ط3 ،ج4 ،بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، ص 82، 83
[3] حسام الدين كامل الاهواني، عقد البيع في القانون المدني الكويتي، ط1 ،الكويت، ذات السلاسل،1989، فقرة 53، ص 91
[4] عبد المنعم فرج الصدة، مصادر الالتزام، دار النهضة العربية، ، 1986 / فقرة 105، ص 131
[5] مصطفى الجمال، النظرية العامة للالتزامات، الجزء الأول، مصادر الالتزام، فقرة 75، ص 87
[6] مجموعة الاعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، ج 2، ص 74

