درء المضار أولى من كسب المنافع

درء المضار أولى من جلب المنافع

قاعدة درء المضار أولى من كسب المنافع قاعدة فقهية مقررة الشريعة حيث هكذا قرر علماء أصول الفقه الإسلامي، وذلك من حيث اعتبار أن الضرر الذي تحدثه المفسدة يكون من شأنه تقويض أحد المقاصد الخمس التي جاء الإسلام لحراستها وحمايتها وبذلك يكون مسبقا على المصلحة باعتبارها إضافة إلى الرأسمال الذي يملكه المسلم. والخطاب الديني الإسلامي مطالب بفقه هذه القاعدة، أي أن يكيف ويقدر معنى المفسدة والمصلحة ثم يقدم درء الأولى على جلب الثانية. وجميع شرائع الدين ترجع إلى تحقيق ثلاث مصالح:

الأولى وهي درء المفاسد حيث شُرِعَ لها حفظ (الضروريات) وهي ستة: الدين، والنفس، والمال، والنَّسل، والعِرض، والعقل.

الثانية وهي جلب المصالح حيث شُرِعَ لها ما يرفع الحرج عن الأمة في العبادات والمعاملات وخلافها وهي المعبّر عنها بـ«الحاجيات».

الثالثة وهي الجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات حيث تعرف بـ«التحسينات ».

أولا : مشروعية القاعدة في الشريعة 

إن أحكام الله سبحانه وتعالى والتشريعات التي سنها مبنية على مصلحة العباد سواء كان ذلك في الأمر أو النهي وسواء في الدنيا أو في الآخرة حيث إن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة العبد، ولا ينهي عن شيء إلا فيه ضرر على العبد نفسه، وحيث أن هذا المعنى هو الذي من أجله بعث الله الرسل كما قال الله عز وجل { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }, ولذلك السائر في دراسة أحكام الشريعة يجد أنها خيراً محضاً، لكن هذا الخير يحتاج إلى عقول تعي هذه المسائل. حيث لذلك نجد أن الله تعالى لا يأمر بأمر ولا ينهي عن شيء إلا ويعطي السبب سواء بشكل مباشر أو بشكل باطني يحتاج التأني،  وهذا الأمر أو النهي هو لمصلحة المكلف { لعلكم تتقون } , { لعلكم تتذكرون } , { هو أزكى لكم } , وغير ذلك من الآيات الكريمة الكثيرة، فمعرفة الإنسان لهذا الأمر تجعله يوقن بعظمة هذه الشريعة ولما كان الأصل في الشريعة أنها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، فمن الواجب على المجتهد الباحث في المسائل الفقهية التي لم يرد فيها دليل أن ينظر إليها بعين الاعتبار والتمعن.

ومن أدلة القاعدة في الشريعة قول الله عز وجل { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الانبياء:107، ومن الرحمة بعباده رعاية مصالحهم الدنيوية والأخروية وإعطائها الأولوية،  ومن ذلك قول الله تعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والأحصان} النحل: من الآية90، وقول الله جل وعلا { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } لأعراف: من الآية28. ومنه قول الله عز وجل { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) لأعراف: من الآية157.

ثانيا : قاعدة درء المضار أولى من كسب المنافع في القانون الأردني.

أما في القانون الأردني فقد جاء نص المادة (64) من القانون المدني الأردني والذي جاء فيه “درء المضار أولى من كسب المنافع”، هذا النص القانوني جعل الأولوية في استعمال الحق هي عدم إحداثه أضرارا وقدم ذلك على المنافع التي تعود على الشخص نتيجة استعماله لحقه، أي قدم مصلحة الغير على مصلحة النفس بمعنى آخر قدم المصلحة العامة على المصلحة، فنجد أنه جاء بشرط من شروط استعمال الحق عدم إحداث ضرر.

وعليه فإنه يمنع المالك من التصرف في ملكه تصرفا يلحق ضررا بغيره، فتصرف المالك ببناء سور ألحق بجابرة فيتوجب عليه إزالة الضرر المتمثل بسور المنزل، ولأن الأصل في تشريع الحقوق هو تحقيق المنفعة منها لا تدبير المكائد للأخرين.

ثالثا : الأساس المعتمد في تحصيل المصالح والمفاسد

الفعل بأصله إذا تضمن مصلحة خالصة جلبناها وإذا تضمن مضرة خالصة درأناها، وإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة توقفنا على المرجح، وإذا لم يستو ذلك، بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة فعلناها إذ ان العمل بالراجح متعين شرعا وعلى هذا تتخرج جميع الأحكام عند تعارض المصالح و المفاسد فيها أو عند تجريدها .”

يقول العز بن عبد السلام : إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى :” فاتقوا الله ما استطعتم ” سورة التغابن /16. وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة وإن فاتت المصلحة ..”

وإن الأصل في إدراك المصالح ودرء المفاسد في الشريعة كما رأينا هو القرآن الكريم وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان من أفضل نعم الله تعالى على عباده العقل الصالح و البصيرة النافذة ، لهذا فهو يدرك المصالح و يدرك حسن الشريعة ، و قبح ما خالفها،  وبه ومنه تعرف الأمور على ما هي عليه ، و يميز الحق من الباطل بالعقل المستنير، فإن قدر العبد على اتباع النصوص لا يعدل عنها، و إلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه و النظائر .

يقول ابن تيمية :” ..معيار مقادير المصالح هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ، وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها و بدلالتها على الأحكام “

رابعا : أحكام قاعدة درء المضار أولى من كسب المنافع.

عند اجتماع المصالح والمفاسد في نفس ذات الحالة فإن فقه الموازنة بينهما لا يخرج عن ثلاث حالات :

الحالة الأولى وهي أن تكون المصلحة هي الراجحة فتقدَّم،  حيث تحتمل المفسدة الأدنى في سبيل تحصيل المصلحة الأعظم، ومن أمثلت ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان في حالة الإكراه ، وذلك تقديما لمصلحة حفظ الروح على مفسدة الكفر اللساني. حيث لا يخفى أن تقرير كون المصلحة أرجح وأعظم من المفسدة في هذه الحالة بشكل واضح، ومن المباحث الدقيقة التي تقتضي كثيراً من التأني والتأمل في الأدلة الشرعية من ذلك مراعاة تعلق المصلحة، أو المفسدة بالضروريات أو الحاجيات أو التحسينات ، ومراعات هذه المستويات أثناء المقارنة الترجيحية بينهما ، وإلا وقع الخطأ والخلل في القياس ومن ثم في الحكم، واضطربت القواعد بسبب الإجمال. وهذا يدل على أن تقديم المصالح على المفاسد يدخل في جميع الدرجات سواء الضروريات والحاجيات والتحسينات؛ إذ ليس ثمة ما يمنع من انطباق القاعدة على التحسينات . وإن لما قرر العز بن عبد السلام رحمه الله وأحسن متواه القاعدة قسم المصلحة المرجحة على المفسدة إلى أقسام حيث قال إن هذه المصالح أقسام : أحدها ما يباح . وثانيها ما يجب لعظم مصلحته. وثالثها ما يستحب لزيادة مصلحته على مصلحة المباح، ورابعها مختلف فيه.

ومن هنا نتأمل كيف أدخل المصالح المباحة تحت هذه القاعدة ، وهي مصالح تحسينية ، ومؤكد أنه لن يتم تقديم مصلحة تحسينية على مفسدة تتعلق بالضروريات ، بل لا بد من مراعاة انضراجها تحت ميزان واحد . وأمثلة المنافع الضرورية أو الحاجيات توسع بذكرها العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه ” قواعد الأحكام في مصالح الأنام “،وأما أمثلة ترجيح المصالح على المفاسد في بعض القضايا التحسينية أو التكميلية فهي قليلة إلا أنها موجودة ومنها : ما ذكره العلماء في شرح حديث ذهاب ابن عمر إلى سرادق الحجاج في الحج وقوله له : ( الرواح إن كنت تريد السنة ) رواه البخاري (1660) وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر : ” فيه احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المصلحة الكبيرة. ومن الأمثلة أيضا ما ذكره العز بن عبد السلام في قوله رحمه الله ” هجرة المسلم محرمة لما فيها من المفسدة ، لكنها جازت في ثلاثة أيام دفعا للمشقة عن المحرج الغضبان …”.

الحالة الثانية وهي أن تكون المفسدة هي الراجحة ، وأعظم من المصلحة ، فدرؤها مقدم على جلب المصلحة ، وذلك كمن خير بين مصلحة المال ومفسدة قتل النفس ، فإن الواجب والمرجح أن الأولى أن يضحي بالمال لأجل درء القتل .

خامسا : شروط إعمال القاعدة.

وضع أهل العلم والفقهاء شروط لقاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح وقد عمل بهذه الشروط المشرع الأردني كما هو الحال بالمشرع المغربي، حيث إن هذه الشروط أربعة وهي :

  • عدم إمكان الجمع بين دفع المفسدة وجلب المصلحة في تصرف واحد.
  • أن تكون المفسدة غالبة على المصلحة، حيث هنا يعد المفسدة أولى بالدرء أما إذا كانت المفسدة ضئيلة مقابل المصلحة الكبيرة فالأولى هنا جلب المصلحة لأن المفسدة أو المضرة غير كبيرة مقارنة مع المصلحة.
  • تحقق كل من المفاسد والمصالح حيث إن المراد هنا أنه لابد لإعمال القاعدة وجود ضرر ومصلحة في الحالة نفسها.
  • التقدير الجيد والصحيح للمصلحة والضرر في الحالة حيث إنه لابد أن يكون تقدير المصلحة والمضرة أو المفسدة في الحالة محل إعمال القاعدة صحيح لكي يصح إعمال القاعدة بشكل صحيح.

سادسا : مقتضى القاعدة في القانون المغربي.

لم ينص القانون المغربي بشكل صريح على القاعدة الى أنه ينص عليها ضمنيا حيث قضـت المحكمــة الإداريــة العليــا بإحالــة المـوظفين العمــوميين للمعــاش فــي حالــة الاعتصام داخل منشآت العمل أو الإضراب عن العمل وتعطيل المرافق العامة. ويعد الحكم نافذا وباتا ونهائي ولا يجوز الطعن فيه. وكانــت المحكمــة الإداريــة العليــا، فيما سبق قـــد أحالــت ٣ مســئولين بالوحــدة المحليــة فـــي المنوفيـة للمعـاش، وقضـت بتأجيـل ترقيـة ١٤ آخـرين لمـدة عـامين بعـد ثبـوت صـحة التحقيقات الخاصة بالنيابة الإدارية بشأن إضرابهم عن العمـل وتعطيـل سـير المرفـق عـن تلبية مطالب وأداء مصالح المواطنين.

وقالــت النيابــة الإداريــة فــي بيــان لهــا : إن المحكمــة اســتندت إلــى أحكــام الشــريعة الإســلامية وفقــا لقاعــدة درء المفاســد المقــدم علــى جلــب المنــافع “، وبالتــالي فــإن الإضراب يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمحتاجين من المرفق العام وفقا لأحكـام الشـريعة الإسلامية.

المراجع :

القانون المدني الأردني.

شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي شرح : خالد بن إبراهيم الصقلبي.

لسان العرب، مرجع سابق , 7 /384 ؛ الفيروز أبادي، القاموس المحيط، بيروت-لبنان، مؤسسة الرسالة، ط 6 , 1998.

محمد سلام مدكور، مناهج الاجتهاد في الإسلام، جامعة الكويت-الكويت، ط 1, 1973 م.

مقاصد الشريعة الإسلامية -الطاهر بن عاشور:ًص:278 دار النفائس الأردن.

عمـر بـن علـي ابـن الملقـن، البـدر المنيـر فـي تخـريج أحاديـث الشـرح الكبيـر للرافعـي، أحمد شريف الدين عبد الغني(الرياض: دار العاصمة، ط1 ،1414ه).

عبـد العظـيم بـن عبـد القـوي المنـذري، الترغيـب والترهيـب، محمد محيـي الـدين عبـد الحميـد(دار الفكر، ط3 ،1399ه/1979م، د.أ)

Scroll to Top