العلاقة السببية
ما هو المقصود بعلاقة السببية؟
إن السببية تعني العلاقة بين السبب والمسبب، أي مدى الارتباط بين الفعل والنتيجة، والمقصود بعلاقة السببية في القانون هي العلاقة المباشرة بين الفعل والنتيجة، وعلاقة السببية في القانون تعد من أهم أركان العلاقة القانونية، وتتواجد في كل من القانون المدني في أركان المسؤولية التقصيرية، وفي القانون الجنائي في أركان المسؤولية الجزائية.
العلاقة السببية في القانون المدني
في أركان المسؤولية التقصيرية
قبل الحديث عن العلاقة السببية كأحد أركان المسؤولية التقصيرية ، لا بد أن نتعرف أولاً على مفهوم المسؤولية التقصيرية في القانون المدني ، أن المسؤولية التقصيرية تنشأ نتيجة لارتكاب خطأ أو التسبب بضرر أو الإخلال بالتزام مصدره القانون ، مما يتوجب على فاعله تعويض الطرف المتضرر ، للمسؤولية التقصيرية ثلاثة أركان مهمة لا تقوم هذه المسؤولية إذا انتفى واحد منها، وهي: الركن المادي والمتمثل بالخطأ التقصيري، والركن المعنوي والمتمثل بالضرر الذي يلحق بالغير، والعلاقة السببية بينهما ، وما يهمنا في هذا المقال معرفة مدى أهمية العلاقة السببية في قيام المسؤولية التقصيرية من عدمها .
العلاقة السببية بين الركن المادي والمعنوي
فتعتبر الركن الثالث من أركان المسؤولية التقصيرية، وهي الأساس بنشوء الحق بالمطالبة بالتعويض، فالقانون يشترط على من لحقه الضرر إثبات وجود علاقة السببية بين الخطأ والضرر الذي لحق به، حتى يتمكن من المطالبة بالتعويض، فإذا لم ينشأ عن الخطأ ضرر فلا يُعقل بأي حال من الأحوال، أن يطالب المضرور بالتعويض عن ضرر يسببه الغير، ويكون الضرر إما مباشرة أو بالتسبب والمدعي عليه إذا أراد دفع المسؤولية عنه يجب أن ينفي علاقة السببية وذلك من خلال إثبات السبب الأجنبي الذي لا دخل له فيه ، سنداً لنص المادة261 من القانون المدني ،
هل يمكن أن يكون الشخص مسؤول مسؤولية تقصيرية عن خطأ لم يرتكبه؟
نعم فالمسؤولية التقصيرية تقسم إلى مسؤولية ناتجة عن أخطاء شخصية وعن أخطاء الغير ، والمقصود بالغير هم صغار السن ، وفاقدي الأهلية ، الذين تقوم الرقابة عليهم من قبل الشخص الذي قامت المسؤولية التقصيرية بحقه نتيجة اقتراف هؤلاء خطأ تسبب بالضرر للغير ، سنداً لنص المادة 256 من القانون المدني ، ومسؤولية المتبوع عن أعمال التابع ، ومسؤولية الشخص عمن يقع تحت حيازته أو حراسته كالحيوانات وتسبب ضرر ، فهنا لا اعتبار بأن يكون الخطأ الموجب للتعويض صادر من الشخص المسؤول بالرقابة أو المتبوع ، وإنما مدى ارتباط الخطأ الصادر عن الصغير أو فاقد الأهلية أو المتبوع بالضرر الذي الحقه بالغير أي وجود علاقة السببية بين الخطأ والضرر .
مثال على قيام المسؤولية التقصيرية
قيام طفل صغير ولو غير مميز أي لم يبلغ السابعة من عمره برمي حجر على زجاج إحدى السيارات مما تسبب بكسره، فهنا توافرت علاقة السببية بين خطأ الطفل والضرر الذي وقع، مما يتوجب قيام المسؤولية التقصيرية بحق الولي أو الوصي، والمتمثل بتعويض المضرور بقدر من لحقه من ضرر، وما فاته من كسب إن وجد، سنداً لنص المادة 266 من القانون المدني.
عبء إثباتها في المسؤولية التقصيرية
يقع عبء إثبات العلاقة السببية على عاتق المدعي بالتعويض والذي لجأ إلى القضاء، وبعد إثبات المدعي لوجود علاقة السببية بين الخطأ والضرر، للمدعى أن ينفي وجود هذه العلاقة، فعلاقة السببية مفترضة ما دام أن هناك ضرراً متصلاً بفعل شخص إلا إذا أقام هو الدليل على عكس ذلك.
انتفائها في المسؤولية التقصيرية
نصت المادة261 من القانون المدني على إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية، أو حادث فجائي ،أو قوة قاهرة ،أو فعل الغير ،أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك، هذه المادة تقرر مبدأ خاصا بعلاقة السببية بمعنى انه إذا لم توجد رابطة السببية بين الفعل والضرر لا يكون الشخص الذي وقع منه الفعل مسؤولا وتنتفي علاقة السببية، فيمكن نفي الخطأ في بعض الأحيان ما لم يمنع هذا بنص.
تطبيقات قضائية على العلاقة السببية في المسؤولية التقصيرية
الحكم رقم 2757 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية
إن الأساس القانوني الذي تم الاستناد عليه في هذه الدعوى بمخاصمة المدعى عليها المسؤولية المدنية الناشئة عن الإصابة البدنية التي تلحق بأي شخص من جراء تقصيره ويكون التزام المتسبب بقيمة ما يحكم به قضائياً من تعويض مهما بلغت قيمته وإن التزام المدعى عليها بدفع التعويض للمضرور لا يستلزم سوى وقوع الضرر الناجم عن الفعل الضار أي العلاقة السببية.
نجد أن المستفاد من نص المادة (291) من القانون المدني أنه يكفي من المضرور في دعوى التعويض الناتجة عن مسؤولية حارس الأشياء سوى إثبات أن المدعى عليها في حارس الشيء الذي أحدث الضرر وبالتالي يتولى الإشراف والرقابة والركن الثاني الذي يتوجب إثباته هو أن الضرر ناتج عن الشيء الذي تتطلب حراسته عناية خاصة وبمجرد إثبات هذين الركنين فقد تحققت المسؤولية دون أن يكلف إثبات ركن الخطأ ذلك أن المسؤولية في جانب متولي الحراسة تقوم على خطأ مفترض غير قابل لإثبات العكس.
وحيث إن الألغام زراعتها وإزالتها من مسؤولية القوات المسلحة وأنها تشكل خطراً على الناس والممتلكات وتحتاج إلى عناية خاصة من حارسها وحيث إنها قصرت في حراستها للمنطقة المزروعة بالألغام فإنها تغدو ضامنة للضرر الذي أحدثه اللغم بعد انفجاره بالمدعي وفقاً لمنطوق المادة (291) من القانون المدني فيكون هذا السبب غير وارد ويتعين رده.
العلاقة السببية في القانون الجنائي
في أركان المسؤولية الجزائية
إن العلاقة السببية أحد العناصر المكونة للركن المادي لقيام أي جريمة، فالجريمة تقوم على ثلاث أركان الركن القانوني وهو نص التجريم، والركن المادي المتمثل بالسلوك الجرمي، والركن المعنوي المتمثل بالقصد الجرمي، والركن المادي يقوم على ثلاثة عناصر وهي الفعل والنتيجة وعلاقة السببية.
العلاقة السببية وعناصر الركن المادي للجريمة
تعد علاقة السببية الرابط بين العنصر الأول والثاني للركن المادي، أي الرابط بين السلوك الجرمي والنتيجة الجرمية، فوجود هذه الرابطة أساس لقيام المسؤولية الجزائية بحق الجاني، لكن ماذا لو ساهمت أو كانت هناك عوامل أخرى هي المسببة للنتيجة الجرمية، فهل تبقى العلاقة السببية بين السلوك الجرمي والنتيجة الجرمية قائمة؟
المسؤولية الجزائية بين العلاقة السببية وتدخل عوامل أخرى في تحقيق النتيجة الجرمية
عند تحقق النتيجة الجرمية لجرم ما وتكون ناتجة عن سلوك الجاني فهنا العلاقة السببية قائمة بين السلوك والنتيجة وعليه لا مجال للتشكيك في قيام المسؤولية الجزائية بحق الجاني من عدمها ، فهي قائمة لا محالة ، أما في حال تداخلت عوامل أخرى وساهمت مع نشاط الجاني في تحقيق النتيجة الجرمي هنا نشكك بمدى وجود العلاقة السببية بين النشاط الجرمي والنتيجة الجرمية ، مثال أن يقوم شخص بضرب شخص أخر بأداة حادة قاصداً قتله ، فيصيبه بجرح بسيط غير قاتل وعند نقله إلى المستشفى يتوفى بسبب إهمال الطبيب المعالج أو بسبب خطأ في العلاج ، فهنا لا يكون نشاط الجاني هو الذي أدى وحده ومباشرة إلى النتيجة ، ولكن تداخلت عوامل أخرى ساهمت في إحداث الوفاة ، وهذه العوامل قد تكون سابقة على نشاط الجاني أو معاصرة له أو لاحقة لذلك النشاط ، فما مدى قيام المسؤولية الجزائية للجاني ؟.
نظريات علاقة السببية والعوامل الأخرى
1_ نظرية السببية المباشرة
وهي أن يكون نشاط الجاني هو وحده السبب المباشر لتحقيق النتيجة الجرمية لقيام المسؤولية الجزائية، أما في حال تداخل عوامل أخرى ساهمت في النتيجة الجرمية فلا يسأل الفاعل إلا عن الشروع إذا كانت الجريمة مقصودة، أما إذا كانت الجريمة غير مقصودة فلا مسؤولية عليه، لأنه لا شروع في الجرائم غير المقصودة، كما ذكرنا في المثال السابق فيسأل عن شروع بالقتل فقط.
2_ نظرية تعادل الأسباب
وفق هذه النظرية فإن علاقة السببية بين النشاط والنتيجة تبقى ولا تنتفي، حتى لو ساهمت في إحداث النتيجة الجرمية أفعال أخرى تفوق فعل الجاني في الأهمية، وعليه يعد الجاني مسؤولاً جزائياً، إن هذه النظرية محل انتقاد لأنها تحمل الجاني نتائج العوامل الأخرى التي تتدخل في إحداث النتيجة، وهي نظرية تناقض نفسها، تسمى نظرية تعادل الأسباب ثم تلقي المسؤولية الجزائية على الجاني.
3_ نظرية السبب الملائم
وفق هذه النظرية إن العلاقة السببية بين نشاط الجاني وبين النتيجة الجرمية تبقى قائمة ولا يقطعها أن يساهم في إحداثها ظروف وعوامل أخرى ما دامت تلك الظروف متوقعة وفق المألوف من الأمور ، أما إذا كانت العوامل شاذة وغير مألوفة فإن هذه العوامل تقطع العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة ، ومن قبيل العوامل المألوفة أو المتوقعة مثلاً في جريمة القتل أن يكون المجني عليه ضيف البنية أو مريض حين إصابته فتحدث مضاعفات تؤدي بحياته ، فلا تنقطع العلاقة السببية وتقوم المسؤولية الجزائية بحق الجاني عن جريمة القتل ، ومن العوامل غير المألوفة أن يتعمد المجني عليه عدم معالجة نفسه من الإصابة التي أحدثها الجاني ، فتسوء حالته مما يؤدي إلى وفاته .
موقف المشرع الأردني
المشرع الأردني حسم موقفه في مسألة العلاقة السببية
في جرائم القتل والإيذاء المقصود
أن ترك مسؤولية الجاني قائمة حتى لو تدخلت عوامل أخرى مستقلة أدت إلى حدوث النتيجة، إلا أنه جعل العوامل الأخرى سبباً مخففاً من العقوبة، على أن يكون الجاني جاهلاً لهذه العوامل، وأن تكون مستقلة عن فعله، بغض النظر عما إذا كانت هذه العوامل سابقة أو معاصرة أو لاحقة لنشاط الجاني، وعليه فإن العلاقة السببية تبقى قائمة وإن تداخلت عوامل أخرى ساهمت في النتيجة الجرمية سواءً كانت مألوفة أو غير مألوفة ، قضت محكمة التمييز الأردنية في أحد الأحكام الصادرة عنها بأنه إذا نتجت العاهة عن عدم اعتناء المجني عليه بالعلاج وعن إهماله معالجة نفسه، فإن هذا الإهمال لا يؤثر على وصف الجريمة.
في جرائم القتل والإيذاء غير المقصود
إذا كانت العوامل المتداخلة مع النشاط الجرمي مألوفة فلا تنقطع العلاقة السببية بين نشاط الجاني وتحقق النتيجة الجرمية، كالتراخي في العلاج أو الإهمال فيه أو مرض المجني عليه أو تقدمه في السن، أما إذا كانت العوامل غير مألوفة وشاذة فإنها تقطع العلاقة السببية بين نشاط المتهم الخاطئ وبين النتيجة التي وقعت، وعندها تنحصر مسؤولية الجاني في نطاق القدر المطيقين مما قام به من أفعال، ومن قبيل هذه الأفعال أن يموت المجني عليه في حادث حريق شب في المستشفى الذي يعالج فيه.
العلاقة السببية وحكم المحكمة
على المحكمة أن تتثبت على وجه اليقين من العلاقة السببية حتى ترتب المسؤولية الجزائية ، وعلى محكمة الموضوع أن تقوم ببيان العلاقة السببية في الحكم ، لأنه عنصر من عناصر الركن المادي للجريمة ، ويستخلص القاضي توافر العلاقة السببية أو انتفائها من مختلف وقائع الدعوى ومن الظروف التي أحاطت بها ، وإذا لم تقم بذلك فإن حُكمها يكون معيباً وقاصراً قصوراً يستوجب نقضه ، ويعتبر الدفع بانعدام رابطة السببية من الدفوع الجوهرية ويجب على المحكمة أن تناقشه وتفنده في حالة رفضه ، وإذا هي لم ترد على هذا الدفع اعتبر حكمها معيباً أيضاً .
تطبيقات قضائية على العلاقة السببية في المسؤولية الجزائية
1_ الحكم رقم 2169 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
وحيث إن النية هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون وهي أمر داخلي يستدل عليه من خلال ظروف الدعوى وملابسات القضية واستدلت عليه المحكمة من خلال الأداة المستخدمة سلاح (بمباكشن) ومكان الإصابة في الصدر والبطن وهي أماكن قاتلة من جسم الإنسان وحيث تحققت النتيجة التي أرادها المتهم بوفاة المغدور وارتبطت هذه النتيجة بفعل المتهم (علاقة السببية) فإن أركان وعناصر جناية القتل القصد تكون متوافرة بأفعال المتهم ومن ثم يوصف فعله بأنه قتل مقصود.
2_ الحكم رقم 2341 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
نجد أن ما أقدم عليه المتهم من أفعال تجاه المجني عليها بتاريخ الواقعة وأثناء تواجدها أمام منزلها بإشهار الأداة الحادة التي كان يحملها بيده وهي (موسى) وتوجيهها نحو منطقة الوجه لدى المجني عليها من الجهة اليسرى وإيذائها بطريق ضربها (بالموسى) وجر الأداة الحادة على وجهها مما أحدث لديها جرحاً على الوجه من الجهة اليسرى بشكل سطحي على الجلد ونتج عنه إصابة تخلف عنها ندبة سطحية في وجهها وبالتالي توافر في فعله كافة أركان وعناصر الركن المادي في فعل الإيذاء المسندة إليه من (فعل، ونتيجة وعلاقة سببية) كما توافر في فعله سائر عناصر القصد الجرمي (الركن المعنوي) وتوافر العلم والإرادة لديه وبالتالي فإن فعل المتهم والحالة هذه يشكل بالتطبيق القانوني جميع أركان وعناصر جناية الإيذاء خلافاً لأحكام المادة (334/1) مكررة من قانون العقوبات المسندة للمتهم، مما يتعين تجريمه بها وطبقاً لما جاء بإسناد النيابة العامة.
إعداد المحامية: – ليلى خالد

