انقضاء شرط التحكيم
اللجوء إلى التحكيم يتطلب اتفاق الأطراف على اتخاذ التحكيم كآلية لتسوية المنازعات، وذلك عبر إدراج شرط التحكيم في متن العقد أو في مستند مستقل عنه يحيل إلى التحكيم. وفي هذا المقال سنبين الأحكام القانونية التي تترتب على انقضاء شرط التحكيم، وأسباب انقضاء شرط التحكيم ، وأثر انتهاؤه ومدى صلاحية الأحكام الصادرة قبل الانقضاء
ولكون اتفاق التحكيم عقد فبالتالي هو ينتهي بالطريقة التي ينتهي بها العقود، ولكن نظرًا لطبيعته الخاصة فهو لا يتأثر بالعوارض الخاصة بأطرافه أو بهيئة التحكيم كالوفاة، الرد، التنحي، العزل، إضافة لذلك فاتفاق التحكيم لا يتأثر بأسباب انقضاء الاتفاق الأصلي.
أسباب انقضاء شرط التحكيم :
آثار انتهاء التحكيم :
وسنعرض في مقالنا، أسباب انقضاء شرط التحكيم، وآثار انقضاء شرط التحكيم.
أسباب انقضاء شرط التحكيم :
شرط التحكيم ينتهي إما بنهاية طبيعة أو غير طبيعية وذلك في الحالات الآتية.
النهاية الطبيعية لشرط التحكيم :
شرط التحكيم ينقضي في حال إذا عُرض النزاع على التحكيم وصدر حكم من هيئة التحكيم بغض النظر أكان من المُحكم أو المحكمين في النزاع موضوع التحكيم وهذه هي النتيجة الطبيعية لاتفاق التحكيم، وهذا التحكيم يخضع من ناحية الطعن فيه للقاعدة المقررة بالنسبة للأحكام كما لو كان صادرًا من المحكمة المختصة أصلًا بنظر النزاع.
وفي الوضع الذي يكون فيه اتفاق التحكيم شاملًا لعدة منازعات، وصدر حُكم مُتعلق بإحدى هذه المنازعات، فإن اتفاق التحكيم يبقى قائمًا للأعمال في المنازعات الأخرى.
النهاية غير الطبيعية لشرط التحكيم :
يُمكن أن ينقضي شرط التحكيم بإرادة الأطراف، فينقضي شرط التحكيم أو اتفاق التحكيم صراحة مثل أن يدون في اتفاق لاحق وموقع من طرفي العقد أو عبر وسائل الاتصال الحديثة أو في مراسلات متبادلة، وشرط التحكيم يُمكن أن ينقضي ضمنيًا كأن يتقدم أحد طرفي الاتفاق إلى المحكمة بطلباته ويستكمل الطرف الآخر الإجراءات ويقوم بتقديم دفاعه دون التعرض لوجود شرط التحكيم.
كما يُمكن أن ينقضي شرط التحكيم بوفاة المحكم، أو تنحيته، أو عزله، أو رده، وذلك في حالة وجود سبب فعلي أو قانوني يمنع المحكم من أداء مهمته أو وظيفته، والسبب الفعلي فهو كحالة الوفاة أو المرض أو القوة القاهرة التي تحول دون قيام المحكم بمهمته، أما السبب القانوني فهو مثل أن يتم تعيين المحكم قاضيًا عندما لا يجيز القانون الواجب التطبيق على الإجراءات أن يكون المحكم من بين القضاة، أو عندما يفقد المحكم أهليته.
والجدير بالذكر أن نزول صفة المحكم لأي سبب من الأسباب التي سبق سردها لا يترتب عليه زوال التحكيم في العديد من التشريعات العربية مثل ما نصت عليه المادة (503) من قانون التحكيم المصري، وما نصت عليه بعض الاتفاقيات الدولية، مثلما جاء في المادة (14) من قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي.
ينقضي شرط التحكيم إذا لم يصدر المحكم حكمه خلال المدة المعينة أو المحددة بالنسبة لخصومة التحكيم التي بدأت ولا يمنع من بقاء شرط التحكيم لتبدأ وفقًا له خصومة تحكيم جديدة يبدأ لها ميعاد جديد.
وينقضي شرط التحكيم كذلك في حال عدم توصل المحكمين إلى اتخاذ قرار قاطع يحسم النزاع، وهذا غالبًا ما يحدث عند وجود هيئة تحكيم تتكون من ثلاثة محكمين أو أكثر وانقسمت آرائهم دون تحقيق الأغلبية لرأي محدد، فلا يبقى أمامهم إلا أخبار الخصوم بذلك، ومن ثم فإن اتفاق التحكيم يُصبح منتهيًا.
وشرط التحكيم يزول ويُعتبر في حُكم العدم في حال صدور حُكم يقضي ببطلان العقد الذي تضمن شرط التحكيم أو ببطلان العقد الذي تمت بصدده مشارطة التحكيم للفصل في الخلافات الناشئة عن تنفيذه أو استحال تنفيذه ذلك العقد.
كما أن اتفاق التحكيم ينتهي أيضًا باستحالة تنفيذ هذا الاتفاق، والاستحالة يُمكن أن ترجع إلى ارتباط النزاع المتفق على التحكيم بشأنه بنزاع آخر مطروح على القضاء، ولا يجوز فيه التحكيم أو يكون هذا الموضوع خارج نطاق التحكيم ، ومن ثم فإن التحكيم ينتهي بسبب استحالة حسمه أمام هيئة التحكيم ويتعين طرح النزاع أمام القضاء.
والجدير بالملاحظة أن اللجوء للقضاء المستعجل برفع دعوى أمامه أو بالرد عليها والدفاع فيها لا يكون سببًا في سقوط شرط التحكيم، لأن الاتفاق على التحكيم لا ينفي اختصاص القضاء المستعجل، إلا في حال وجود شرط يعطي للمحكم وحده سلطة القضاء المستعجل أيضًا، ولم يكن القائم برفع الدعوى المستعجلة في حالة استعجال اضطراري يتعين معها حتمًا الالتجاء إلى القضاء المستعجل.
آثار انتهاء التحكيم :
يترتب على انتهاء شرط التحكيم آثار تتمثل فيما يلي :
زوال صلاحية هيئة التحكيم :
بانقضاء شرط التحكيم بغض النظر أكان السبب طبيعي أو غير طبيعي، فإن صلاحية هيئة التحكيم تزول، ويُصبح من غير الجائز لها أن تفصل في النزاع أو أن تتخذ أي إجراء فيه ويعود للقضاء المختص صلاحيته في ذلك، والحكم أو الإقرار الذي سيصدر من المحكم بعد زوال التحكيم يُعتبر باطلًا، وللأطراف الحق في التمسك بهذا البطلان كسبب للتظلم من الأمر بتنفيذ الحكم أو كسبب للطعن على الحكم.
بيد أنه في حال إذا صدر الحكم من هيئة التحكيم مع توافر سبب من أسباب انتهاء التحكيم وارتضي الأطراف به بغض النظر عن شكل الرضا صريحًا كان أو ضمنيًا، فهذا الحُكم يُعتد به ويكون له كامل الحجية، ولكن بشرط أن يثبت بشكل قاطع أن الخصم قد تراجع عن التمسك ببطلان الحكم أو القرار ورضي به، لأن بطلان الحكم الصادر في مثل هذه الحالة لا يتعلق بالنظام العام، والجدر بالملاحظة أن اتفاق الأطراف على الرضا بما قضي به مثل هذا الحكم يُعتبر بمثابة حكم على النتيجة التي توصل إليها ويكسب الحكم كامل حجيته.
وفي حال انقضى التحكيم بسبب يعود لبطلانه أو بطلان العقد الذي يحوي شرط التحكيم، فإن أي إجراء أو حكم يقوم المحكم بإصداره يكون باطلًا ولا يُعتد به على الأطلاق، ما لم يقبله صاحب الصفة والمصلحة بشرط كمال أهليته.
مدى صلاحية الأحكام الصادرة قبل الانقضاء :
الجدير بالانتباه أنه في حال توافر سبب من أسباب انقضاء انتهاء الاتفاق على التحكيم بعد بدء الإجراءات وكانت قد صدرت أحكام فرعيه، فإنها تظل منتجة لآثارها رغم انتهاء الاتفاق على التحكيم ويُعتد بها أمام القضاء إذا ما رجع إليه نفس النزاع أو أمام هيئة تحكيم أخرى بناء على اتفاق تحكيم آخر.
وأما ما يتعلق بالأحكام الصادرة في شق أو جزء واحد من الموضوع فإنها تبقى، هذا إن لم يكن الموضوع غير قابل للتجزئة، ففي هذه الحالة إذا طرح النزاع على القضاء فإن المحكمة لا تتقيد بهذه الأحكام.
وفي حال اتخذت إجراءات إثبات أمام المحكم وبدر من جانب الخصوم عند تنفيذها اعتراف أو إقرار أو تنازل عن حق أو عن أمر متنازع فيه، فإنه يجوز الأسناد إليه بعدئذ على شرط أن يكون قد ثبت هذا الإقرار أو التنازل في محضر الجلسة ووقع عليه المحكم بالقضاء، وبعد توقيع المقر عليه، ولا يعتبر هذا الإقرار بمثابة إقرار قضائي لأن المحكم أيًا كانت سلطته فإنه في نهاية المطاف لا يُعتبر قاضيًا.
وإذا توفي المحكم أو زالت صفته لسبب ما، ثم جرى تعيين محكم غيره، وجب على المحكم الجديد أن يقوم بفتح باب المرافعة من جديد ويستمع إليها ويأمر بما يرى الأمر من إجراءات الإثبات مع الاعتداد بالأحكام التي صدرت من المحكم الذي سبقه في شق من الموضوع متي كانت صحيحة في ذاتها، وكل ذلك تطبيقًا لقاعدة إن القاضي الذي يصدر الحكم هو الذي يسمع المرافعة.

