مفهوم المقاصة وأحكامها في القانون الأردني

هناك العديد من الآليات التي ينقضي بها الدين وذلك مثل الوفاء والإبراء والتجديد واتحاد الذمة والمقاصة، وتعني المقاصة انقضاء دينين متقابلين متماثلين بمقدار الأقل منهما، بيد أن انقضاء الدين بالمقاصة رهين تحقق شروط معينة، وتلك الشروط تتوقف على نوع المقاصة بحسب ما إذا كانت مقاصة قضائية أو قانونية أو اتفاقية.

وفي مقالنا الحالي سنوضح المفهوم القانوني للمقاصة مع بيان أنواعها والأحكام المتعلقة بتلك الأنواع وذلك في ضوء كل من القانونين الأردني والمصري.

جدول المحتويات 

أولًا: تعريف المقاصة

ثانيًا: المقاصة القانونية أو الجبرية:

ثالثًا: المقاصة الاتفاقية:

رابعًا: المقاصة القضائية:

أولًا: تعريف المقاصة

تُعرف المقاصة في القانون المدني الأردني بمقتضى نص المادة (343) بالآتي: (إيفاء دين مطلوب لدائن بدين مطلوب منه لمدينه).

أما في القانون المصري فقد نص المشرع في المادة (362) من القانون المدني على الآتي : ( للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له قبل هذا الدائن، ولو اختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقودا أو مثليات متحدة في النوع والجودة وكان كل منهما خاليا من النزاع مستحق الأداء ، صالحا للمطالبة به قضاء).

ويتضح ادن من التعريفات السابقة للمقاصة أنها وسيلة لانقضاء الديون المتقابلة بحيث ينقضي الدين في حدود الدين الأقل ويبقى الدين المتبقي في ذمة صاحبة، فمثلًا إذا كان الطرف الأول مدين للطرف الثاني بملغ 1000 دينار ودائن له بمبلغ 800 دينار فان الطرف الثاني يصبح دائن للطرف الأول ب 200 دينار فقط.

وفي ذلك قضت محكمة استئناف اربد في الحكم رقم 6381 لعام 2014 بالآتي: (إذا اجتمع في شخص واحد صفتا الدائن والمدين بالنسبة إلى دين واحد انقضى هذا الدين بالقدر الذي اتحدا فيه).

وفي هذا الصدد – أيضًا – قضت محكمة النقض المصرية في الحكم رقم ٦٧٣ لسنة ٧١ قضائية الصادر بجلسة 24/6/2009 بأن (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن المقاصة قانونية كانت أم قضائية فهي انقضاء الالتزام المستحق عليه لدائنه دون تنفيذه عينًا نظير انقضاء ما هو مستحق له قبل هذا الدائن وهو ما يقتضي وجود التزامين متقابلين متماثلين في المحل ولو كان لكل منهما سبب مغاير لسبب الالتزام المقابل).

ثانيًا: المقاصة القانونية أو الجبرية:

لما كانت المقاصة تعد وسيلة لانقضاء الالتزام في حدود الالتزام الأقل فان ذلك يتطلب توافر عدة شروط، وقد بينت المادة (345) من القانون المدني الأردني تلك الشروط بنصها على أن (يشترط في المقاصة الجبرية ان يكون كلا الطرفين دائنا ومدينا للآخر وان يتماثل الدينان جنسا ووصفا واستحقاقا وقوة وضعفا والا يضر أجراؤها بحقوق الغير).

ومن ثم فان شروط المقاصة القانونية هي :

1- التقابل بين الدينين:

يعني هذا الشرط وجوب أن يكون كل من الطرفين دائن ومدين للطرف الآخر في ذات الوقت، ويترتب على ذلك عدم جواز وقوع المقاصة إذا كان أحد الطرفين دائنًا للآخر بصفته الشخصية ومدينًا بصفته وصي على قاصر أو مديرًا لشركة مثلًا.

وفي هذا الصدد قضت محكمة استئناف عمان في الحكم رقم 6253 لسنة 2017 بــ (عدم جواز وقوع المقاصة بين حق الشركة والدين على الشريك أو بين حق لاحد الشركاء ودين على الشركة فالمقاصة هي إيفاء دين مطلوب الدائن بدين مطلوب منه لمدينه ولا تنطبق وهذه الحالة على المحكوم عليها وعلى شركة ادينا للأعمال الهندسية ذات الشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة عن شركائها).

2-التماثل في المحل بين الدينين:

وهذا يعني اشتراط أن يكون الدينين المتقابلين من نوع واحد، ومن ثم لا يجوز أجراء المقاصة بين دين مدني ودين طبيعي، وكذلك لا يجوز أجراء المقاصة بين بضائع ذات جودة مختلفة.

وتأكيدًا على ذلك قضت محكمة استئناف اربد في الحكم رقم 6381 لعام 2014 بالآتي: (يشترط في المقاصة الجبرية ان يكون كلا الطرفين دائناً ومديناً للأخر وان يتماثل الدينان جنساً ووصفاً واستحقاقاً وقوةً وضعفاً).

3-استحقاق الدينين للأداء:

لما كان يترتب على وقوع المقاصة انقضاء الدين في حدود الدين الأقل فانه يلزم لذلك أن يكون كل من الدينين مستحق الأداء، أما إذا كان أحد الدينين – أو كليهما – مضاف إلى أجل أو معلق على شرط فلا يمكن تصور وقوع المقاصة في هذه الحالة وذلك لعدم قابلية أحد الدينين – أو كليهما – للوفاء.

وقضت محكمة النقض المصرية في الحكم رقم ٤٨٩١ لسنة ٧٤ قضائية الصادر بجلسة 10/3/2014 بالآتي: (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن استحقاق البائع ثمار المبيع يقابله استحقاق المشترى لفوائد الثمن وتحصل المقاصة بينهما بقدر الأقل منهما).

وجديرًا بالذكر أن المهمة القضائية التي يمنحها القاضي للمدين – نظرة الميسرة – لا تحول دون وقوع المقاصة، وهذا ما أكد عليه المشرع الفرنسي في المادة (1347/3) من القانون المدني الفرنسي بنصه على الآتي: (لا تحول مهلة الوفاء دون وقوع المقاصة).

4-ألا يضر وقوع المقاصة بحقوق الغير:

فلا يجوز أجراء المقاصة إذا كان من المترتب عليها المساس بحق الغير وذلك كما في حالة إذا تم توقيع حجز من الغير على أحد الدينين، ففي هذه الحالة يمتنع إيقاع المقاصة لعدم الأضرار بحق الحاجز.

5ـ- صلاحية الدينين للمطالبة به قضاء:

وبناء على هذا الشرط لا يجوز التمسك بالمقاصة إذا كان أحد الدينين لا يجوز المطالبة به أمام القضاء ويحدث ذلك إذا كان أحد الدينين دين طبيعي بحيث توافر فيه عنصر المديونية وتخلف عنه عنصر المسئولية، ويحدث ذلك بأن يكون هذا الدين قد انقضى بالتقادم مثلًا، وهذا ما نص عليه القانون المدني الأردني في المادة (449) والتي نصت على الآتي: (لا ينقضي الحق بمرور الزمان، ولكن لا تسمع الدعوى به على المنكر بانقضاء خمس عشرة سنة بدون عذر شرعي مع مراعاة ما وردت فيه أحكام خاصة).

وتجدر الإشارة إلى وجوب مراعاة نص المادة (351) من القانون المدني الأردني والتي تقضي بأن: (إذا كان الدين لا تسمع فيه الدعوى لمرور الزمان وقت التمسك بالمقاصة فلا يمنع ذلك من وقوع المقاصة ما دامت المدة المانعة من سماع الدعوى لم تكن قد تمت في الوقت الذي أصبحت فيه المقاصة ممكنة ).

6-خلو الدينين من النزاع:

فحتى تقع المقاصة القانونية يجب أن يكون كل من الدينين محدد المقدار وخاليا من النزاع.

 وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية في الحكم رقم ٤٢٩ لسنة ٤٢ قضائية الصادر بجلسة 30/3/1977 بالآتي: ( إذ كانت المقاصة القانونية ، و على ما تقضى به المادة ٣٦٢ من القانون المدني تستلزم في الدين أن يكون خالياً من النزاع مستحق الأداء أي محققاً لا شك في ثبوته في ذمة المدين و معلوم المقدار ، و كان لابد من اجتماع الشرطين ، لأن المقاصة تتضمن معنى الوفاء الإجباري و لا يجبر المدين على دفع دين متنازع فيه أو دين غير معلوم المقدار و كان البين من الحكم المطعون فيه إن مورث المطعون ضدهم – البائع – نازع مورث الطاعنين – المشترى – في قيمة المدفوع له من الثمن – بمقتضى العقد الذى قضى بفسخه – و أنكر عليه استحقاقه لفوائد ما دفعه كما نازعه في قيمة ما أجراه من إصلاحات و ما أقامه من المباني و ما أداه من أموال أميرية بما استوجب ندب خبير لتقدير ذلك . فإن مؤدى ذلك تخلف الشرطين الواجب توافرهما إجراء المقاصة القانونية ).

حالات لا يجوز أن تقع فيها المقاصة:

لا تقع المقاصة في الحالات التالية:

  • إذا كان أحد الدينين نزع بدون وجه حق من مالك.
  • إذا كان أحد الدينين شيء مودعًا أو معارًا وكان من الواجب رده.

ثالثًا: المقاصة الاتفاقية:

وفقًا لنص المادة (346) من القانون المدني الأردني فانه: (يجوز ان تتم المقاصة الاتفاقية إذا لم يتوفر أحد شروط المقاصة الجبرية سواء اتحد سبب الدينين ام اختلف).

وبناء على ما تقدم يتضح أنه حال تخلف أحد شروط المقاصة القانونية فانه يحق للطرفين اللجوء إلى المقاصة الاتفاقية التي تقع بتراضي الطرفين على الرغم من تخلف أحد شروط المقاصة، كأن يكون أحد الدينين طبيعيًا والآخر مدنيًا، أو يختلف الدينين في جنسهما أو نوعهما.

رابعًا: المقاصة القضائية:

وهي المقاصة التي تقع بناء على حكم القاضي وذلك إذا تمسك بها أحد الخصوم، ويكون لأي من الخصوم التمسك بالمقاصة القضائية إما في صورة طلب عارض أثناء سير الدعوى أو أن يرفع بها دعوى قضائية ابتداءًا، وهذا ما تم النص عليه بمقتضى نص المادة (347) من القانون المدني الأردني والتي نصت على لآتي: (تتم المقاصة القضائية بحكم من المحكمة إذا توفرت شروطها وبطلب أصلي أو عارض).

وفي هذا قضت محكمة التمييز الأردنية في الحكم رقم 5340 لسنة 2020 بالآتي: ( للمدعى عليه أن يقابل أي ادعاء من ادعاءات المدعي مع لائحته الجوابية بطلب المقاصة القضائية وطلب الحكم له بتضمينات عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء حصل فيها).

وكذلك قضت محكمة النقض المصرية في الحكم رقم 7199 لسنة 78 قضائيا بأن: (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن طلب إجراء المقاصة القضائية بين دينين يقتضي إبداؤه في صورة طلب عارض حتى تلتزم المحكمة بتحقيق وإجراء المقاصة بين الدينين بمقدار الأقل منهم ).

ويكون اللجوء إلى المقاصة القضائية حال تخلف الشرط المتعلق بخلو الدينين من النزاع أو إذا كان أحد الدينين غير محدد المقدار حيث تتولى المحكمة في هذه الحالة أن تحدد مقدار الدين أو تنهي النزاع القائم بسببه.

ويكون حكم القضاء بالمقاصة في هذه الحالة حكم كاشف وليس منشئ، الا أن ذلك لا يقدح في أن آثار المقاصة تتحقق من وقت صدور الحكم الذي يكون بدوره قد أدى إلى استكمال الشروط الواجب توافرها في المقاصة.

أعداد : احمد منصور

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هناإلغاء الرد

error: Alert: Content is protected !!