معاملة القادة أمام المحكمة الجنائية الدولية
من المبادئ السامية التي حثت عليها المحكمة الجنائية الدولية مبدأ سيادة القانون وعدم الاعتداد بالحصانة ونرى هذا جليًا من خلال ما نصت عليه المادة (28) من نظام روما الأساسي والذي ينص على أن القادة العسكريين والرؤساء مسئولون مسئولية كاملة عما يرتكبونه من جرائم، دون النظر إلى ما يتمتعون به من حصانات وامتيازات، إلا أن هذا يتعارض مع سياسات ودساتير بعض الدول التي تُحَرم مثول أي من ملوكها ورؤسائها أمام المحاكم الدولية، الأمر الذي يجعل هناك تعارضًا بين مبدأ الاختصاص الإقليمي والذي يعد مبدأ أساسيًا من مبادئ القانون الدولي ومبدأ عالمية الاختصاص، أي منهما سيطغي علي الآخر هذا ما سنعرفه من خلال مقالنا التالي.
عالمية الاختصاص القضائي ومسألة الحصانة
أولاً :- مفهوم الجريمة الدولية :-
ثانياً :- مدى الإخلال بالحصانات القانونية لرئيس الدولة:-
ثالثاً :- أوامر الرؤساء في نظام المحكمة الجنائية الدولية :-
وسوف نبين هذا من خلال مقالنا التالي بشيء من الإيجاز غير المخل:-
أولاً :- مفهوم الجريمة الدولية :-
للجريمة الدولية العديد من التعريفات ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :
- فقد عرفها جانب من الفقه بأنها ” كل واقعة تُرتكب إخلالاً بقواعد القانون الدولي، والتي من شأنها إلحاق الضرر بالمصالح التي وفر لها ذلك القانون حماية جنائية “.
- كما تعرف بأنها ” سلوك إرادي غير مشروع يصدر عن فرد باسم الدولة أو رضى منها، ويكون منطوياً على مساس بمصلحة دولية محمية قانونياً “.
- ومن تعريفاتها أيضاً ” الجريمة المرتكبة باسم الدولة وعن طريق أشخاص لهم صفة تمثيلها، ومن شأنها الإضرار بمصلحة الدول الأخرى، أو حقوق الآخرين، أو مصلحة مواطني هذه الدولة، وتؤدي الى توتر العلاقات بين الدول “.
- وأيضاً تم تعريفها بأنها (الفعل الذي يُرتكب قصد الإخلال بقواعد القانون الدولي للإضرار بالمصالح التي يحميها هذا القانون، مع الاعتراف له قانونًا بصفة الجريمة واستحقاق فاعلها العقاب).
ثانياً :- مدى الإخلال بالحصانات القانونية لرئيس الدولة:-
إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد أحدثَ من خلال مادته 27 و 28 جدلاً فقهياً كبيراً فيما يخص الحصانة الممنوحة لرؤساء الدول من قِبَل القانون الدولي، حيث أنه وفقًا لنظام المحكمة فإنه لا يُعتد بالحصانة إذا تعلق الأمر بارتكاب جرائم دولية، ومن هنا تبدأ الإشكالية، حيث أن بعض دساتير الدول الأوروبية تبالغ في منح الحصانة لملوك ورؤساء دولها، فلا تسمح بأي حالٍ من الأحوال بمحاكمتهم أمام أية جهات قضائية دولية، الأمر الذي يستدعي تغيير تلك الدساتير بما يتسق مع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو محاولة تفسير قوانينها بما يوافق عدم امتداد تلك الحصانة في حال ارتكابهم لجرائم دولية، وهو ما تفعله بعضًا من الدول التي ترى عدم التمسك بتلك الحصانة حال ارتكابهم لجرائم دولية، وفي تلك الحالة يمكن أن يتم إجراء اقتراع داخل البرلمان الخاص بالدولة التي يراد رفع حصانة رئيسها مرتكب الجريمة حتى يتم رفع الحصانة منه، ومثوله أمام القضاء.
أما فيما يخص الدول العربية فهناك تقسيم قد ذكره الفقيه الدكتور (محمود شريف بسيوني) يوضح ما ترمي إليه الدول العربية في تلك المسألة حيث قسمهم إلى طائفتين:
- الطائفة الأولى :- لا تواجه أية مشاكل إزاء انسجام قوانينها مع نصوص وشروط نظام المحكمة الجنائية الدولية، وخير مثال على ذلك جمهورية مصر العربية، وذلك لأن دستورها قد نظم حصانات رئيس الدولة وهو لا يعطي لرئيس الدولة حصانة عند ارتكابه لجرائم، ولكن يضع إجراءً خاصاً وقد نظم هذا الإجراء الخاص القانون الذي صدر عام 1976، ومن ثم إنه لا يوجد أي عائق دستوري بالنسبة لمصر أو الدول العربية التي تنتهج ذات النهج وبما يتفق مع نصوص وشروط نظام المحكمة الجنائية الدولية من تسليمه ومحاكمته.
- الطائفة الثانية :- ويمثل هذه الشريحة الدول التي تأخذ أنظمتها بنهج منح رئيس الدولة حصانات مطلقة ومن هذه الدول السودان التي لم توقع على اتفاقية روما والتي لم تعترف باختصاص المحكمة وصلاحيتها لملاحقه الرئيس البشير.
ويذهب الفقه القانوني الدولي إلى أنه حينما لا يتم النظر إلى الحصانة وقت ارتكاب الجرائم الدولية فذلك يكون لسيادة مبدأ القانون الدولي على القانون الداخلي حيث إن حصانة الرئيس تكون وفقا لقانون دولته ولا يجب أن تمتد إلى القانون الدولي حينما يقوم بوظيفته لتحقيق العدالة، فيجب أن يتم ترسيخ مبدأ سيادة القانون فيما يخص القانون الدولي، ويجب أيضاً أن يمتد هذا المبدأ عند تطبيق للقانون الداخلي للدولة.
وقد تضمن نظام المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ في مادته (السابعة) التأكيد على مبدأ سيادة القانون الدولي حيث أكدت على أنه لن يتم إعفاء أي من المسؤولين أو الموظفون الرسميون من العقوبة أو حتى تخفيفها لمجرد أنه يشغل منصب بالدولة.
كما نصت المادة (1/7) من نظام محكمة الجنايات الدولية اليوغسلافية على أنه: (لا يعفي المنصب الرسمي للمتهم سواء أكان رئيس دولة أو حكومة أو مسئولاً حكومياً، هذا الشخص من المسئولية الجنائية أو يخفف من العقوبة).
ومن الأهمية بمكان أن نذكر بأن من الضروري أن يتم معاقبة رئيس الدولة الذي يرتكب جريمة من الجرائم التي تُشكل خطورة بأمن الأفراد أو المجتمع الدولي مستتراً خلف حصانته ظناً منه بأن تلك الحصانة ستحميه من العقوبة، ومن الضروري أيضاً أن يتم تطبيق مبدأ سيادة القانون الداخلي وذلك من خلال انتزاع الحصانة والمثول أمام القضاء لتلقي العقوبة المناسبة لحجم الجريمة ودون النظر إلى حجم مرتكب الجريمة وما يتمتع به من حصانة.
وقد ذكرت العديد من نصوص القوانين الدولية مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة، وهو ما تضمنته معاهدة فرساي لسنة 1919 إزاء معاقبة الإمبراطور غليوم نظراً للجرائم المُرتكبة من طرفه إبان الحرب العالمية الأولى، وحينها أراد معاونيه تملصه من العقاب بدافع أن شعبه المختص بمحاسبته، ولا يحق لأحد غير شعبه معاقبته، إلا أن كل المحاولات قد باءت بالفشل وتمت محاكمته، حيث أن لجنة القانون الدولي قد أكدت على تعزيز مبدأ سيادة القانون وعدم الاعتداد بالحصانة وفقاً لما جاء بلائحة نورمبرغ ” لا يُعفى مرتكب الجريمة من مسئوليته ولو كان وقت ارتكابها يتصرف بوصفه رئيساً للدولة أو حاكماً “.
وأيضاً فقد ورد بالتقرير الخاص بلجنة القانون الدولي المُقدم من المُقَرِر الخاص باللجنة والمختص بصياغة مشروع قانون الجرائم المخلة بسلم البشرية وأمنها لعام (1987) وقد نص على ” أن الصفة الرسمية للفاعل وخصوصاً كونه رئيس دولة أو حكومة لا تعفيه من مسئوليته الجنائية).
وإضافة إلى ما تقدم فقد تم التأكيد على هذا المبدأ وفقاً لتقرير الأمين العام المقدم إلى مجلس الأمن بالقرار رقم 808/1993والخاص بإنشاء محكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا السابقة والذي نص على ( النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا يجب أن يتضمن نصوصا متعلقة بالمسؤولية الجنائية الفردية لرؤساء الدول والمسئولين الحكوميين والأشخاص الذين يتصرفون بمقتضى وظائفهم الرسمية، ولذلك يجب النص علي أن الادعاء بحصانة رئيس الدولة، أو أن الفعل قد تم ارتكابه بمقتضى الصفة الرسمية للمتهم لا يشكل دفاعاً مقبولاً أو ظرفاً مخففاً للعقوبة ).
ثالثاً :- أوامر الرؤساء في نظام المحكمة الجنائية الدولية :-
هناك بعض الشروط التي يجب توافرها حتى يتم معاقبة الرئيس عن الجرائم المُرتكبة من قِبل مرؤوسيه، وإعفاء مرؤوسيه من تلك المسئولية، وهو ما حصرته المادة (33) من نظام روما الأساسي والتي تنص على أنه:-
1- في حالة ارتكاب أي شخص لجريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، لا يعفي الشخص من المسئولية الجنائية إذا كان ارتكابه لتلك الجريمة قد تم امتثالا لأمر حكومة أو رئيس، عسكرياً كان أو مدنياً، عدا في الحالات الآتية:
- إذا كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني.
- إذا لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع.
(ج) إذا لم تكن عدم مشروعية الأمر ظاهرة.
2- لأغراض هذه المادة، تكون عدم المشروعية ظاهرة في حالة أوامر ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.
أي أنه في حالة ما إذا كان الرئيس على علم بما ارتكبه مرؤوسيه من جرائم، وقام بالسكوت عنها، وأيضاً في حالة تجاهله الجرائم المرتكبة، أو على وشك ارتكابها، أو كانت تتم تحت إمرته أو سيطرته الفعليتين، أو أنه لم يتخذ التدابير الموجبة لمنع تلك الجرائم، أو إحالتهم لسلطات التحقيق في حال ما إذا علم بارتكاب الجريمة.
فمن المفترض أن يعلم بما يتم من انتهاكات من جانب مرؤوسيه.
وهنا فإننا نلاحظ ترسيخ مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة، عندما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم من شأنها زعزعة السلم والأمن داخل المجتمع الدولي
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُعفى مرتكبو جرائم الحرب والإبادة الجماعية، بدافع تنفيذهم لأوامر الحكومات، حيث وضعت المادة (33) حداً لتلك الدوافع حينما أكدت على أن عدم المشروعية الظاهرة تُعد دافعاً لعقابهم، نظراً لبشاعة جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتي تُظهر للعيان عدم مشروعيتها، وكثيراً من الانتهاكات والتجاوزات أثناء الحروب والتي يندى لها الجبين خير مثال على ذلك، ومنه ما تعرض له المدنيين في البوسنة والهرسك، وما نشهده يومياً من كم الاعتداءات الفادحة التي تحدث في فلسطين دون أدني حد من الإنسانية والرحمة، وغيرهم الكثير.
وما نراه أن المادة (33) من نظام روما الأساسي قد أضفت مزيد من الحماية المفترضة للمدنيين وقت الحروب والنزاعات المسلحة.
وقد رأى الفقه الدولي أن مسئولية الرئيس المتمثلة في إعطاء الأوامر، لا تُعفي مرؤوسيه من المسئولية والعقاب لما ارتكبوه من جرائم أثناء الحروب والمفترض عدم مشروعيتها ظاهرياً، إلا في حالة الإكراه المعنوي الذي يُشَكل من قِبل الحكومات، مع المعارضة الذهنية للقيام لتلك الجرائم البشعة، على الرغم من تطبيق قواعد قانون الإثبات الجنائي والتي تتعلق بتوافر ركني الجريمة المعنوي والإرادة لتطبيق المسئولية الجنائية، إلا أنه دائماً ما توجد استثناءات عملية في الواقع.
وقد جاء نظام روما الأساسي لمحاولة الحد من تلك الجرائم والتي ترتكب ببشاعة في الكثير من دول العالم وقد رأيناه كثيراً قديماً وحديثاً مثلما حدث في إقليم البوسنة وكوسوفو ورواندا وما يحدث في العراق وفلسطين والفلبين وكشمير، وغيرها في الكثير من الدول التي تُنتهك فيها حقوق الإنسان بشكل ٍ مُهين، بدافع الحروب للقضاء على الإرهاب وإخماد المقاومة الشرعية في بؤر الاحتلال والهيمنة العالمية،
لذا فقد جاءت المواد 28 و33 من نظام روما الأساسي لكي تعالج تلك الإشكالية، ووضع حد لتلك الجرائم المرتكبة من قِبل المرؤوسين بدافع أنها ترتكب وقت الحرب تنفيذاً لأوامر قادتهم ورؤسائهم فقد جاءت لتضع حد لتلك الانتهاكات والفظاعات المرتكبة في حق الإنسانية جمعاء.
وقد تحدثت المادة (25) من نظام المحكمة الجنائية الدولية فيما يطلق عليه المسئولية الجنائية الفردية وقد تضمنت أركان هذه المسئولية، حيث نصت على:-
- يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي.
- الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسئولاً عنها بصفته الفردية وعرضة للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي.
- وفقاً لهذا النظام الأساسي يُسأل الشخص جنائياً ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي
- ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية، أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الشخص الآخر مسئولاً جنائياً.
- الأمر أو الإغراء بارتكاب، أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها
(ج) تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكلٍ آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
(د) المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، على أن تكون هذه المساهمة متعمدة وأن تُقدم :-
- إما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة، إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطوياً على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
- أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة.
ومنه يبين لنا مسئولية الأفراد عن تلك الجرائم مادامت من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فلا يهم ارتكابها بشكلٍ جماعي أو فردي، وسواء أمر بارتكاب الجريمة أو حرض أو قدم كل ما من شأنه أن يساعد في ارتكاب الجريمة أو شرع في ارتكابها، أو تمت الجريمة بالفعل
وما قضت به كلاً من المادتين ( 31 ،33) من شروط الإعفاء من العقوبة والمسئولية الجنائية، أما عن المادة( 31) فإن المسعفون من المسئولية الجنائية هم من يعانون بقصورٍ أو مرضٍ عقلي، وحالات السُكر التي تؤثر بالسلب على إدراكه ومحاولة التحكم في أفعاله، أو في حالات الدفاع الشرعي، وفي حالات الإكراه.
أما ما نصت عليه المادة (33) فقد ذكرناه آنفا.
كتابة : نسمة مجدي والمحامي سامي العوض

