الإحالة أمام المحكمة الجنائية الدولية

حالات الإحالة أمام المحكمة الجنائية الدولية

استحوذت فكرة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية على جزء كبير من جهود المجتمع الدولي في العلاقات الدولية، وذلك لارتباطها الوثيق بإرساء السلم والأمن الدوليين، حيث أدركت الدول أن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين باقٍ على أساس محاربة الجرائم الدولية، وإنشاء هيئة قضائية دولية يحاكم بموجبها مرتكبو هذه الجرائم.

وتعود الفكرة الأولى لإنشاء عدالة جنائية دولية إلى السويسري (غوستاف وينير) في كتابه “قانون الشعوب”، في تقرير قدمه إلى لجنة مساعدة جرحى الحرب اقترح إنشاء محكمة تتكون من تعيين خمسة أعضاء من قبل اثنين من قبل أطراف الحرب، وثلاثة آخرين من قبل الدول المحايدة.

تاريخ إنشاء المحكمة الدولية:

أهمية المحكمة الدولية واختصاصاتها:

الاختلافات بين محكمة العدل الدولية والمحاكم العادية:

اختصاصات المحكمة الدولية الجنائية:

الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية:

حالات الإحالة إلى المحكمة الدولية الجنائية:

وقبل أن نتطرق إلى حالات الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، سنمضي سريعًا بذكر نبذه عن نشأة المحكمة الدولية الجنائية، أهمية المحكمة واختصاصاتها وذلك كما يلي:

تاريخ إنشاء المحكمة الدولية:

مع تزايد الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي، برزت الحاجة إلى إنشاء جهاز قضائي دائم مهمته معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية، وانتهى الأمر بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.

 وتم تحديد اختصاصها الموضوعي بموجب نظامها الأساسي الذي تم التوقيع عليه والمصادقة عليه في مؤتمر روما بشأن إنشاء المحكمة الجنائية في 17 يوليو 1998، والذي منح مجلس الأمن أيضًا الحق في إحالة أي حالة يوجد فيها تهديد محتمل للسلم والأمن الدوليين للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة.

واستناداً إلى السلطة التقديرية التي يمنحها ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن لتكييف أي منها

يعتبر النزاع أو الأزمة بمثابة تهديد للسلم والأمن الدوليين أم لا، وتعتبر المحكمة مكونًا أساسيًا من مكونات النظام القانوني الدولي، ومساهمة أساسية للمحاكم الوطنية في جهودها لمحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية

وجريمة العدوان وهي جرائم تدخل في اختصاصها.

أهمية المحكمة الدولية واختصاصاتها:

تعتبر المحكمة الجنائية الدولية مكملة لاختصاص القضاء الوطني، حيث أرست المحكمة الجنائية الدولية مبدأ المسؤولية الفردية، وقد حددت المادة (5) على سبيل الحصر الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة الجنائية الدولية :

“1- يقتصر اختصاص المحكمة على أشدّ الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدوليّ بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسيّ اختصاص النظر في الجرائم التالية:

أ) جريمة الإبادة الجماعيّة.

ب) الجرائم ضدّ الإنسانيّة.

ج ) جرائم الحرب.

د ) جريمة العدوان.

2- تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادّتين 121 و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلّق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متّسقاً مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتّحدة”.

وتتمثل الأهداف الخاصة بمحكمة العدل الدولية في الآتي:

أولًا: تحقيق العدالة وحماية حقوق الأنسان

ثانيًا: تقليل النزاعات والخلافات

ثالثًا: تفادي الثغرات في المحاكم الخاصة

رابعًا: تطوير القواعد القانونية الدولية الخاصة

خامسًا: تفادي سلبيات ونواقص المحاكم الوطنية

الاختلافات بين محكمة العدل الدولية والمحاكم العادية:

  1. اختصاص المحكمة الجنائية ساري على كافة الدول التي صادقت على ميثاق إنشائها بجانب الاعتماد على مبدأ العالمية على خلاف المحاكم الأخرى المرهون قضائها بالدولة التي يتبعها ويلتزم بالمساحة الإقليمية الخاصة بها فقط.
  2. وسعت المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها على الرغم من أن اختصاصها قائم على نفس المعايير والأسس التي يتم تحديد اختصاصات المحاكم الجنائية الخاصة وفقًا لها.
  3. تعد المحاكم الدولية مؤقتة متعلقة بالمهمة التي أنشأت لأجلها وبالقضايا المطروحة أمامها وتنتهي متى أنجزت المهام الموكلة إليها، على خلاف المحكمة الجنائية الدولية تعرف بأن اختصاصها القضائي دائم ومستمر.
  4. أخرجت المحكمة الجنائية الدولية من فئة الأشخاص الخاضعين لها كافة الأشخاص ممن لم تتعد أعمارهم السن القانوني وهو (18) عام على عكس المحاكم العادية فهي لا تستثني أي فئة من الأشخاص الطبيعية من نطاق المسائلة الجنائية

اختصاصات المحكمة الدولية الجنائية:

ليس للمحكمة أي اختصاص للنظر في القضايا المتعلقة بالجرائم التي ارتكبت قبل دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، والمعروف باسم (الاختصاص الزمني) للمحكمة، كما أنها مختصة، وفقًا لذلك النظام، في الجرائم المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعدوان والإبادة الجماعية، ما يعرف بـ (الاختصاص الموضوعي)، أما فيما يتعلق بالاختصاص الشخصي، فلا تستبعد المحكمة أي فرد من المحاكمة طالما تم استيفاء جميع الشروط.

الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية:

تعد قضية تنشيط اختصاص المحكمة الجنائية الدولية من أهم القضايا التي واجهها واضعو القانون الأساسي خلال “مؤتمر روما“، حيث انقسمت مواقف الدول حولهم إلى اتجاهين الأول يدعم الاتجاه دور مجلس الأمن في تحريك اختصاص المحكمة، بينما الاتجاه الثاني يعارض هذه الفكرة على أساس عدم ملاءمة اختصاص المجلس لطبيعة المحكمة، مما يجعله يهيمن عليها واستقلاليتها وصلاحياتها وفعاليتها في ممارسة اختصاصها.

ومصطلح “الإحالة” مصطلح حديث في القانون الجنائي الدولي، وتظهر أهمية تحديد طبيعته في تقرير مصيره أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وتعني الإحالة بالمعنى الواسع لقاموس القانون الدولي العام رفع قضية أو تحريك دعوى أمام هيئة مختصة بالفصل فيها، ولكنها تعني بالمعنى الضيق تدبيرًا أوليًا يجب أن يتخذه طرف معين.

حالات الإحالة إلى المحكمة الدولية الجنائية:

أولًا: الإحالة من الدول

  • الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

عمل المحكمة الجنائية الدولية هو عمل قائم بالضرورة على التكاتف المقدم من المحكمة الدولية بالتعاون مع الأعضاء وفقًا للمادة 12 في فقرتها الأولى التي تنص على أن كافة الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة تقبل باختصاص المحكمة مباشرة في الجرائم المعنية وعليها أن تقدم كافة التسهيلات والضمانات لعمل المحكمة في حال دعت الحاجة لذلك، وأن تستجيب الدول الأعضاء إلى كافة طلبات المحكمة بالتعاون المثمر والجاد من أجل تحقيق الغاية الحقيقة من إنشائها وقد استقرت الآراء على ان المحكمة لكي تمارس اختصاصها الأصيل وجب أن تكون الجريمة وقعت بإقليم دولة طرف أو بمعرفة أحد رعاياها.

ويجدر بنا الإشارة إلى أن يجب على كافة الدول تتخذ كافة التدابير والإجراءات الاحترازية لتجنب التعدي على السيادة الدولية لأحد الدول أو خرق القانون الوطني المعترف به داخل الحدود الإقليمية للدولة من خلال تجريم كافة الانتهاكات التي أقرتها المحكمة الدولية، وكذلك ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم.

  • الدول التي ليست أطرافًا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

ويفرق الفقه الدولي بين فرضين أولهما الدول التي لم تعلن عن قبولها لاختصاص المحكمة وذلك بهدف رفض التعاون مع المحكمة أو الالتزام بالتدابير التي تتخذها وتلك الدول ليس للمحكمة أن تمارس أي اختصاصات معها بأي شكل كان ولا تملك أية ولاية قضائية على أقاليمها وليس لها حق التزامها بأية طلبات.

ولكن ليس لتلك الدول التذرع بذلك في حال أحال مجلس الأمن حالة قضائية للنظر أمام المحكمة فلطالما أحالها مجلس الأمن فللمحكمة أن تمارس كافة اختصاصاتها القضائية عليها.

 أما عن الدول التي ليست أطراف في النظام الأساسي للمحكمة، ولكنها قبلت بالاختصاص فأنه لا تثور أية منازعات بشأن ذلك لأن اختصا المحكمة القضائي في نظر تلك الجرائم مقبول بطبيعة الحال من قبل تلك الدول.

ثانيًا: الإحالة من مجلس الأمن

تستند سلطة مجلس الأمن في إحالة القضايا إلى المدعي العام إلى الاعتبارات القانونية والعملية، ويستمدها من الصلاحيات التي يتمتع بها في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين ، الواردة أصلاً في ميثاق الأمم المتحدة، وجاء القانون الأساسي لتأكيدها فقط، وهو من أبرز المبررات القانونية. ودفع إلى الاعتراف بسلطته في نقل اختصاص المحكمة، بالإضافة إلى ذلك بناءً على مبررات عملية أخرى لا تحيد عن واجباته المحددة في ميثاق الأمم المتحدة والصلاحيات التي يتمتع بها بموجب النظام الأساسي للمحكمة.

لم يشر ميثاق منظمة الأمم المتحدة إلى مدى اختصاص مجلس الأمن بإحالة مرتكبي الجرائم الدولية إلى القضاء الجنائي الدولي أو الوطني، حيث استمر في ممارسة هذا الاختصاص ضمن الصلاحيات الضمنية التي يتمتع بها على أساس الفصل السابع منها، ويستند هذا الموقف إلى نظرية التفسير المرن لبنود مواثيق المنظمات الدولية، والتي تنص على أن أجهزة المنظمات الدولية لا تلتزم بالصلاحيات الممنوحة لها صراحة في مواثيق إنشائها، بل تأخذ جميع الصلاحيات الضمنية اللازمة للقيام بأنشطتهم وتحقيق أهدافهم ، وكلها أسباب قانونية وعملية للاعتراف بصلاحية مجلس الأمن لتحريك اختصاص المحكمة.

استحوذت مسألة اعتراف مجلس الأمن بسلطة الإحالة على أساس القانون الأساسي على جزء كبير من المحادثات في “مؤتمر روما”، حيث أثارت جدلاً طويلاً داخل لجنة القانون الدولي منذ انكشافها على قضية إنشاء المحكمة، ومن ثم داخل اللجنة التحضيرية المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة وانتقد الأساس لتحريك المجلس.

ويستند اختصاص المحكمة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لأسباب تتمثل في حقيقة أن صلاحيات المجلس فيما يتعلق بصون السلم والأمن الدوليين يحددها ميثاق الأمم المتحدة وليس أحكام النظام الأساسي للمحكمة، لذا من الممكن أن يؤدي تدخله يؤدي إلى تسيس دور المحكمة وإعاقة عملها.

ولا ننسى أن القانون الدولي كما أباح لمجلس الأمن سلطة الإحالة للدعوى لتنظرها المحكمة الجنائية الدولية إلا أنه قد منح سلطة إيقاف التحقيق أيضًا بموجب نص المــادة (16)

  إرجاء التحقيق أو المقاضاة فنصت على الآتي:

“لا يجوز البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة اثنى عشر شهراً بناءً على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعنى يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها”.

ثالثًا: الإحالة من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية

أعطى نظام روما الأساسي للمدعي العام بصفته مفوضًا للمجتمع الدولي الحق في رفع دعوى جنائية دولية بناءً على المادة 13 / ج والمادة 15 منها، والتي تضمنت سلطة المدعي العام في بدء التحقيقات بمبادرته الخاصة، ومنح نظام روما الأساسي حق الملاحقة أمام المحكمة للدول الأطراف وفقًا لأحكام المادة 13/1 والمادة 14، ولمجلس الأمن وفقًا لنص المادة 13/2 وفقًا لأحكام الفصل. سابعاً من الميثاق بإحالة القضية إلى المدعي العام للمحكمة بخصوص إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة.

 والمحكمة الجنائية الدولية هي وسيلة متاحة للدول الأطراف في نظامها الأساسي ولمجلس الأمن في حالات معينة من خلال حق الملاحقة أمامها، أو ما أطلق عليه نظام روما الأساسي “إحالة قضية”.

ويمكننا القول إن تلك الصلاحية الممنوحة للمدعي العام مقيدة بعدة قيود :

أولًا: يجب على المدعي العام طلب الإذن في حال ما كانت النتيجة التي انتهى إليها يتوجب معها فتح التحقيق وللدائرة المذكورة ان ترفض طلبه أو تسمح وتأذن له بالسير في ادعائه.

ثانيًا: قرار الاتهام يجب أن يكون صدر مباشرًا من الدائرة التمهيدية الذي تم تقديم الإذن إليها لتكون بمثابة غرفة اتهام، وذلك في حالة الأذن بالتحقيق وأجرائه بمعرفة المدعي العام.

كتابة: أميرة سعيد والمحامي سامي العوض

Scroll to Top