إجراءات محاكمة مرتكبي الجرائم البيئية أمام المحكمة الجنائية الدولية

إجراءات محاكمة مرتكبي الجرائم البيئية أمام المحكمة الجنائية الدولية

تحظى البيئة في عصرنا الحالي باهتمام فريد من قبل الأفراد والدول والمنظمات الدولية، وقد نتج عن التقدم العلمي والتكنولوجي إلى زيادات هائلة في كميات النفايات بمختلف أنواعها والمنتجة بدورها للآثار بالغة الخطورة على حياة الإنسان ومسببة لتلوث الموارد والمكونات البيئية.

 ومن الجانب القانوني شرع الفقهاء القوانين البيئية لإحاطة الأمر بالأطر القانونية اللازمة فجاءت القوانين المجرمة لانتهاكات البيئة على الصعيد الوطني أما على الصعيد الدولي جرمت الهجمات على البيئة أثناء النزاعات المسلحة لتصبح محظورة دوليًا بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني القائم على مبدأ الحصانة تجاه البيئة الطبيعية الذي يعتبر من قبيل الأذى المادي.

ومن المعروف أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لم يُنشأ أصلاً لمحاسبة مجرمي البيئة، ومع ذلك، يعتد بالاعتداء على البيئة في نفس الوقت كجريمة واقع ضمن اختصاص المحكمة، فإن للمحكمة اختصاص مقاضاة المعتدين البيئيين في حدود صلاحياتها واختصاصها.

جدول المحتويات

المسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاكات البيئة في ضوء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية :

دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم البيئة:

التعريف بالمحكمة الجنائية الدولية:

اختصاص المحكمة على الجرائم البيئية وتقييم دورها في ملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية:

المسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاكات البيئة في ضوء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية :

 إن احترام البيئة لهو واجب إنساني والتزام قانوني في وقت السلم ووقت الحرب، لذا فإن احترام الحق في البيئة من الهجمات في وقت الحرب والنزاع المسلح أمر ضروري، لأن الاعتداءات الواقعة على البيئة أثناء النزاعات المسلحة بشكل مباشر أو غير مباشر ظاهرًا جليًا كأمر طبيعي في مسار الحروب أو النزاعات المسلحة حيث يتم تدمير عناصر البيئة المختلفة من خلال تدمير البيئة المحيطة بساحة المعركة، ولذا جاء تجريم الإضرار بالبيئة أثناء سير العمليات العسكرية كحل منطقي ووسيلة مشروعة لحماية النظام البيئي العالمي حتى لو كانت تلك النزاعات أو العمليات العسكرية منطوية في ذاتها على تحقيق مزايا عسكرية، فما هي تلك الحالات التي تكون فيها المحكمة الجنائية الدولية مختصة بملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية ؟ وكيف يضمن النظام الأساسي للمحكمة الحماية اللازمة للبيئة من جميع الجرائم البيئية؟

دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم البيئة:

بالنظر للاختصاص الموضوعي للمحكمة نجد أنها قد حددت الجرائم الخاضعة لنظامها الأساسي وفقًا للمادة (5) من قانون روما الأساسي المحددة على أنها جرائم بالغة الخطورة على المستوى الدولي، وتلك الجرائم هي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وعليه يمكن للجرائم المرتكبة ضد البيئة أو أي فعل مشكلًا اعتداءً على البيئة في نفس الوقت أن يصنف كجريمة بيئية وأن يكون ضمن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية والتي يتم تكييف اختصاصها للنظر في القضية ومن ثم يجوز لها محاكمة المجرمين وعلى الرغم من أن الجرائم البيئية لا ترقى إلى مستوى الجرائم الجسيمة وفق الإحصاء المذكور في المادة (5 ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلا أنها لا تخرج عن اختصاص المحكمة.

وقد اتفق أطراف المعاهدة الخاصة بإنشائها على حتمية التحقيق مع المجرمين من مرتكبي الجرائم الخطرة وتجدر الإشارة إلى أن النظام الأساسي للمحكمة لا يجعل اختصاص محاكمة المجرمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية قائمًا على محاكمة الأفراد فقط، بل تختص أيضًا بمحاكمة الأشخاص الاعتباريين مثل الدول والمنظمات والهيئات الدولية. ومن المعلوم سلفًا وفقًا للقانون أن أي شخص قد بلغ سن الثامنة عشرة خاضع لنظام المحكمة ويمكن لها محاكمته أيًا كان منصبه.

التعريف بالمحكمة الجنائية الدولية:

لكي نتحدث عن دور المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم لابد لنا أن نتحدث بنبذة بسيطة عن المحكمة الجنائية الدولية التي يمكن أن تعرف على أنها كيان دولي دائم متمتع بالشخصية القانونية الدولية وذلك تنفيذًا لبنود معاهدة قانونية وتُعرف هذه المحكمة باسم محكمة روما، باستثناء أن مقرها في لاهاي بهولندا. ومن ثم تعقد المحكمة جلساتها في أي مكان حسب الدعوى المعروضة عليها، وهي هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة في تكوينها ومهامها وصلاحياتها، وتتمتع بشخصية معنوية ومستقلة عن الأمم المتحدة مثل المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة التي تستمد شخصيتها القانونية من الشخصية القانونية للأمم المتحدة.

والمحكمة الجنائية الدولية هيئة دولية مستقلة ذات شخصية اعتبارية، تعمل بالتوازي وفق اختصاصها الموضوعي مع القضاء الجزائي لأنه لم يحقق الهدف المنشود في محاربة الجرائم سواء في الجرائم البيئية وغير البيئية، وذلك لأن الواقع قد أثبت أن العديد من المجرمين تمكنوا من الإفلات من العقاب إلا أن النظام الأساسي للمحكمة لا يسمح بذلك منذ البداية، كما لا يمكن التعذر بالسلطة السياسية أو أن مرتكبي تلك الجرائم منتمون إلى دول كبرى والجدير بالذكر هو أن مفهوم المسؤولية الجنائية قد تطور تطورًا كبير فتفاوت مفهوم المسؤولية ليصبح أكثرًا شمولًا وأكبر نطاقًا خاصة في مجال الأنشطة البيئية.

اختصاص المحكمة على الجرائم البيئية وتقييم دورها في ملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية:

إن الاختصاص الجنائي للمحكمة الجنائية الدولية ليس اختصاصًا مطلقًا، بل هو اختصاص مقيد قد تم تحديده بموجب المادة 5 من نظام روما الأساسي في أربع جرائم دولية لما تمثله من خطر جسيم على الصعيد الدولي وهي جريمة الإبادة الجماعية والجريمة ضد الإنسانية وأيضًا جرائم الحرب وجرائم العدوان ومع ذلك ليست كل الجرائم الدولية خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية والتي تعد في الوقت نفسه إحدى الجرائم الأربع التي تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وفيما يلي سنستعرض كيف يتم تكييف الجرائم البيئية وتضمينها ضمن نطاق اختصاص المحكمة.

وهذه الصور من جرائم العدوان قد تشكل في نفس الوقت جريمة بيئية إذا أدت إلى الإضرار بالبيئة، ففي حال أدى الغزو المسلح أو القصف أو الهجوم على القوات المسلحة براً أو بحراً أو جواً إلى تدمير البنية التحتية للدولة الضحية مثل شبكات المياه أو الغزو الذي يؤدي إلى حرق الغابات والمحاصيل أو تلوث مياه البحر أو تلوث الأنهار أو تلوث طبقات الغلاف الجوي لأن الجريمة في الوقت اعتبرت بمثابة جريمة بيئية والمحكمة الجنائية الدولية تدرجها على أساس أنها جريمة داخلة في اختصاصها بموجب المادة 5 والمادة 5 مكرر من النظام الأساسي للمحكمة.

أولًا: اعتبار الجرائم ضد البيئة جرائم حرب

بموجب المواثيق والمعاهدات التي تم بها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية فإنه يكون لها اختصاص على جرائم الحرب في حال إذا كان من المسموح وصف تلك الجريمة بأنها جريمة بيئية وفي ذات الوقت جريمة حرب ومن ثم ينعقد للمحكمة الاختصاص وفق المواد المقررة لحق المحكمة ضمن النظام الأساسي حيث أنه يتم تعريف جريمة الحرب على أنها شن هجوم عمدًا مع العلم المسبق أن ذلك الهجوم سيسبب أضررًا طويلة الأمد واسعة النطاق وطويلة الأجل وذات تأثير سلبي شديد على البيئة الطبيعية وظاهر بشكل واضح ومفرط حتى لو كان الفعل متعلق بامتياز عسكري عام نتيجة للنتائج الملموسة على أرض الواقع وضمن المباشرة الفعلية والواقعية.

ووفقًا لذلك نجد أن الفعل الذي يعتبر جريمة حرب في حال مثل ذلك هو العدوان والإجرام الذي يمثل انتهاكًا صارخًا للبيئة وكنتيجة حتمية لذلك تقع تلك الجريمة البيئية ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية وهي مجرمة وفق النظام الأساسي للمحكمة، فيعد الاعتداء على البيئة – جريمة حرب – سواء أكان جرم واقع أثره على الفضاء أو البيئة الأرضية.

ثانيًا: تكييف الاعتداء على البيئة كجريمة إبادة جماعية أو جريمة ضد الإنسانية

إن المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تحمل في مضمونها نفس المعنى المنصوص عليه في المادة السادسة من نظام روما الأساسي واللتين قد أقرتا أن الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية هو أي فعل يؤدي إلى الإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة بشرية معينة، بالنظر إلى صفتها القومية أو العرقية أو الجنسية، وقد أوردت تلك المواد بعض الأفعال على سبيل المثال التي يكون فيها العنصر المادي للجريمة الدينية من الإبادة الجماعية مثل:

أ- قتل أعضاء جماعة معينة.

ب- الاعتداء الجسيم على السلامة الجسدية أو العقلية لأفراد المجموعة.

ج- إخضاع الجماعة لظروف معيشية قاسية تؤدي إلى القضاء عليهم كليًا أو جزئيًا.

د- إعاقة الإنجاب داخل الجماعة.

هـ- نقل الشباب قسراً من مجموعتهم إلى مجموعة أخرى.

وتنص المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أنه: “تعتبر جريمة ضد الإنسانية أحد الأفعال التالية متى ارتكبت في إطار واسع أو منهجي ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم: (أ) القتل والإبادة والتعذيب والاغتصاب

في البند “أ” يعتبر فعل القتل إذا كان منهجيًا بمثابة جريمة إبادة جماعية أو جريمة ضد الإنسانية موجهة ضد مجموعة، سواء كانت من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أو إذا كان استهداف المجموعة بالقتل بتدمير المواد التي لا غنى عنها للبقاء، مثل تلويث مياه الشرب المتاحة فقط وحرق المحاصيل والأشجار وتدمير المباني في مكان يستحيل العيش فيه دون مأوى أو إبادة الماشية التي تعتمد عليها الجماعة وفي تلك الحالة، يأتي اختصاص محكمة الجنايات وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأفعال تعتبر جريمة بيئية في حد ذاتها.

والجدير بالذكر أن نذكر أن تلك الأفعال تعد جريمة بيئية في حد ذاتها وقد تم حظرها في المادة 54 من البروتكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لاعتبارها بمثابة انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، غير أن قتل الأشخاص في حد ذاته يعد جريمة بيئية لقيامه على انتهاك القواعد المقررة لحماية الأشخاص المدنيين باعتبارهم عنصرا حيًا في البيئة.

ثالثًا: تكييف الجرائم البيئية باعتبارها جرائم عدوان

ترتكز جرائم العدوان على استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما للتعدي على سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية ،أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع المواثيق الأخلاقية للأمم المتحدة لذلك فإن استخدام القوة لقطع العلاقات الودية بين الدول هو عدوان لا يمكن إيجاد مبررات له، والاستثناء الوحيد لذلك هو العمل الذي تلجأ فيه الدولة إلى استخدام القوة وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والذي يكون في غالب الأحيان متمثل في حالة رد العدوان والدفاع الشرعي.

تضمنت المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف ما يلي: “يحظر مهاجمة، أو إتلاف، أو نقل، أو تعطيل الأشياء والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين مثل المواد الغذائية، والمناطق الزراعية التي تنتجها، والمحاصيل، والماشية ومرافق مياه الشرب، والشبكات وأعمال الري، إذا كان الغرض من فعل الاعتداء هو حرمان السكان المدنيين أو اقتطاعها من قبل قيمة حيوية مهما كان الدافع سواء كان تجويع المدنيين أو إجبارهم على النزوح أو أي مهمة أخرى”. وعلى ذلك فإن استخدام القوة بين الدول الأعضاء هو عمل ينتهك مواثيق القانون الدولي بشكل عام ويعتبر عملاً عدوانيًا، إلا إذا كان للدفاع المشروع أو بناءً على إجراءات يتخذها المجتمع الدولي وفقًا للميثاق.

وقد حددت المادة 3 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 بتاريخ 12-14-1974 وقد ذكرت بعض أشكال استخدام القوة المسلحة على سبيل المثال لا الحصر واصفة إيها على أنها عدوان على السيادة الوطنية، بما في ذلك:

– الهجوم على القوات المسلحة براً وبحراً وجواً (المادة 3 فقرة د): قد يقتصر الهجوم على ضرب القوات المسلحة للدولة المعادية والهجوم عليها برًا وبحرًا وجوًا.

– القنبلة (المادة 3 فقرة ب): وهو أن تستحل دولة ما إسقاط القنابل المدمرة والمميتة  لضرب مواقع أو مناطق معينة في بلد ما بالقنابل أو بأي أسلحة أخرى من قبل القوات المسلحة في دولة أخرى مستخدمة في ذلك المدفعية أو أسلحة الطيران وغيرها.

– الغزو والهجوم المسلح (المادة 3 الفقرة أ) عن طريق استغلال الجيوش المقاتلة داخل أراضي الدولة المعتدى عليها سواء كان الهجوم بريا أو بحرا أو جوا.

تقييم مدى فاعلية دور المحكمة في ملاحقة مرتكبي الجرائم البيئية:

لقد رأينا مما ورد أعلاه أن المحكمة الجنائية ليس لها اختصاص قضائي في المقام الأول على الجرائم البيئية، ولكن إذا كانت الجرائم البيئية في نفس الوقت جرائم تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فإن اختصاصها يشمل قضايا البيئة على الرغم من أن النظام الأساسي للمحكمة يحرز تقدمًا من وقت لآخر إلا أنه لا يزال قائم مقيدًا – خاصة في مجال حماية البيئة – بعدة طرق.

ومن الانتقادات الموجهة لاختصاص المحكمة للنظر في القضايا بشكل عام والجرائم البيئية بشكل خاص تقييد حق إحالة القضية إلى المحكمة في الدول والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، وحرمانه من الحق في رفع الدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي المقابل لا يعني ذلك سوى تكدير الأشخاص الطبيعيين فيما يتم السماح للضحية بإنشاء طرف مدني أمامها والمطالبة بالتعويض.

وقد دافع الاجتهاد القضائي بقوة عن حق الفرد في رفع دعوى أمام القضاء الدولي على أساس أنه إذا كان القضاء الدولي مكرسًا لمحاكمة الأفراد، فيجب أن يكون لهم الحق في ذلك بالإضافة إلى حقيقة أن التزام الدول بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية منصوص عليه في نظام روما الأساسي التزامًا حقيقيًا لكن للأسف انتهاكه لا يستتبع أي عقوبة. وعليه يبقى للدول الأخرى فقط أن تجمد عضوية الدولة التي ترفض التعاون كشكل من أشكال الضغط فقط. ورغم أن تجميد العضوية يمثل ضغطًا على الدولة الرافضة للتعاون، إلا أنه لا يعتبر عقوبة حقيقية ولا يكفي لإجبار الدولة على تنفيذ التزامها بالتعاون.

ولم يسلم النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من النقد في جزئية أنه غير منصرف إلى الماضي، وبالتالي يفلت مرتكبو هذه الجرائم طالما حدثت قبل دخول هذا النظام حيز التنفيذ حيث تشير المادة 24 من القانون الدولي إلى عدم إمكانية تحميل أي شخص المسؤولية الجنائية بموجب ذلك النظام عن التصرف قبل دخوله حيز التنفيذ.

ومن بين تلك القيود أنه حتى الآن لم يتضمن تجريم استخدام الأسلحة ذات الآثار العشوائية على الإنسان والبيئة والأسلحة النووية، بالنظر إلى ما لهذه الأسلحة من تأثير هائل وطويل الأمد على البيئة وذلك لأن تجريمها يحرم الدول من استخدام أسلحة دمار شامل جديدة مثل قنابل الفوسفور الأبيض واليورانيوم وهي مواد محرمة كما أن استخدام الأسلحة النووية مجرم.

وهناك انتقاد آخر هو إمكانية قيام مجلس الأمن بتأجيل متابعة مرتكبي الجرائم الدولية بشكل عام والجرائم البيئية بشكل خاص، لأنه يجوز لمجلس الأمن وفق ما نص عليه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن يؤجل متابعة الجرائم. أو أن يتدخل خلال المحاكمة لمد تأجيلها اثني عشر (12) شهرًا قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى بناءً على قرار يتخذه المجلس وفقًا لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

أخيرًا نقول إن المحكمة الجنائية الدولية غالبًا ما فشلت في متابعة المجرمين على سبيل المثال فشلت في العراق في محاسبة مرتكبي الجرائم البيئية. كما فشلت بريطانيا في محاسبة الجنود البريطانيين، لأن بريطانيا – حتى لو صادقت على قانون المحكمة – لم تظهر أي استعداد للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لتقديم الأدلة والشهادات التي تدين قادتها.

واستنادًا إلى حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست طرفًا في النظام الأساسي للمحكمة لعدم التصديق عليه. وصدور قرار مجلس الأمن بمنح الحصانة لجنود القوات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية بجانب قرار مجلس الأمن إعفاء جميع الأمريكيين من المثول أمام المحكمة لمدة اثني عشر شهرًا عام 2003-2004، فشلت المحكمة أيضًا في محاسبة الجنود الأمريكيين لأنه يمكن قانونًا ملاحقة الجنود الأمريكيين على الجرائم المرتكبة في العراق.

خاتمة المقال:

نظرًا للأضرار المترتبة على الحروب التي تكون أضرارًا طويلة الأمد وممتدة النطاق، أقر مشروعا القانون الدولي قواعد لحماية البيئة أثناء فترة النزاع المسلح إذا ما تم انتهاك حقوق البيئة، وعليه فإن الجرائم الناتجة عن الاعتداء على البيئة قد تشكل في نفس الوقت جريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وعليه يكون للمحكمة الحق الكامل في نظر الدعوى المقررة عن الاعتداء على البيئة في مثل تلك الحالات.

وتظل تلك الحماية غير كافية ومحدودة نظرًا لأن المحكمة الجنائية الدولية لم يتم إنشاؤها في الأصل لمحاكمة مجرمي البيئة، لذلك فهي جريمة مرتبطة بجريمة أخرى تدخل في اختصاص المحكمة كما أن نظام المحاكم في حد ذاته لا يوفر الحماية اللازمة حتى مع اختصاص المحكمة للنظر في تلك الجرائم ومن ناحية أخرى ولا ينطبق النظام الأساسي للمحكمة على الجرائم التي ارتكبت قبل تنفيذها فلا يحق لأي فرد رفع دعوى أمام المحكمة بخصوص جريمة سابقة على إنشائها.

ومن بين الانتقادات المأخوذة على المحكمة أن التزام الدول بالتعاون وهو التزام رسمي غالبًا ما تنتهكه القوى الكبرى، وللمجلس الحق في تأجيل محاسبة مرتكبي تلك الجرائم لمدة 12 شهرًا ويمكن تجديدها إلى أجل غير مسمى. وذلك يجعل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية غير فعال وغير مجدي في الواقع في محاسبة مرتكبي الجرائم البيئية لذلك من المناسب اعتبار الاعتداء على البيئة أثناء النزاعات المسلحة انتهاكًا لحقوق الإنسان، مع ضمانات سلطة المحاكم في مجال حقوق الإنسان، وصلاحية ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم ومعاقبتهم وفقًا للقانون.

كتابة : أميرة محمد والمحامي سامي العوض

Scroll to Top