سلطة محكمة العدل الدولية في اتخاذ التدابير المؤقتة
كانت محكمة العدل الدائمة – الجهاز القضائي في منظمة عصبة الأمم – أولى المحاكم الدولية التي تمتعت باختصاص قضائي عام وشامل بنظر كافة النزاعات الدولية، وبانقضاء منظمة عصبة الأمم وإنشاء منظمة الأمم المتحدة عام 1945 تم انشاء محكمة العدل الدولية التي تعد امتداد لمحكمة العدل الدائمة، ويكون لمحكمة العدل الدولية ان تصدر قرارات تنطوي على تدابير مؤقتة أثناء نظرها للنزاع وذلك استناد الى النظام الأساسي لحكمة العدل الدولية. ولكن ماهي ماهية تلك التدابير ؟ وماهي خصائصها ؟ وماهي الغاية وراء إصدارها ؟ وما مدى تمتعها بالإلزامية؟، إجابة تلك الأسئلة ستكون محلا لمقالنا الحالي.
جدول المحتويات
أولا: مفهوم التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية:
ثانيا: خصائص التدابير المؤقتة التي تصدرها محكمة العدل الدولية:
رابعا: مدى تمتع التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بالقوة الإلزامية:
استناد مجلس الأمن الى المادة (94/2) من الميثاق في تنفيذ التدابير المؤقتة:
استناد مجلس الأمن الى المادة (41) من النظام الأساسي للمحكمة في تنفيذ التدابير المؤقتة
أولًا: مفهوم التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية:
وفقًا لنص المادة (41) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية فانه (للمحكمة أن تقرر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حق كل من الأطراف وذلك متى رأت أن الظروف تقضي بذلك).
تعد تلك المادة هي المصدر الرئيسي لاختصاص محكمة العدل الدولية بإصدار التدابير المؤقتة أثناء نظرها للنزاع المعروض أمامها، وتكمن الغاية من إصدار تلك التدابير في أنها تحفظ حقوق أطراف النزاع وتكفل تطبيق الحكم الصادر من المحكمة على نحو سليم حتى لا تصدر المحكمة حكمًا يصبح هو والعدم سواء.
فتلك التدابير تواجه خطر محدق يحيق بحقوق أحد أطراف النزاع، أي خطرًا يصعب تدارك المساوئ التي قد تترتب على حدوثه، لذلك تكون تلك التدابير هي الحائلة لمنع وقوع هذا الخطر.
ويكون إصدار تلك التدابير إما بناء على طلب من أحد أطراف النزاع، وإما أن تقدر المحكمة خطورة الموقف فتتولى هي من تلقاء نفسها إصدار تلك التدابير، وجدير بالذكر أن المحكمة تبلغ مجلس الأمن – الذي يعد الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة – الذي يتولى كفالة تطبيق التدابير التي قضت بها المحكمة.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الاستجابة إلى طلب اتخاذ تلك التدابير من أحد الخصوم هو أمر يرجع إلى مطلق السلطة التقديرية للمحكمة التي لها – أن رأت ذلك – أن تغض الطرف عن اتخاذ تلك التدابير وذلك كما حدث في قضية الافريز القاري بين تركيا واليونان.
ونشير إلى أن التدابير المؤقتة تعرف أيضًا في الأنظمة القانونية الداخلية حيث ينص قانون التحكيم الاردني في المادة (23) على أن :(يجوز لطرفي التحكيم الاتفاق على ان يكون لهيئة التحكيم ، سواء من تلقاء نفسها او بناء على طلب أي من طرفي التحكيم ، ان تأمر أيا منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة او تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع ، وان تطلب تقديم ضمان كاف لتغطية نفقات هذه التدابير).
ثانيًا: خصائص التدابير المؤقتة التي تصدرها محكمة العدل الدولية:
1- تصدر التدابير المؤقتة بخصوص نزاع قائم:
حيث إن محكمة العدل الدولية لا تقرر إصدار تلك التدابير إلا إذا وجد ثمة نزاع قائم معروض أمامها، فالقضاء الدولي لا يعرف ما يسمى بالقضاء المستعجل المعروف في الأنظمة الوطنية الداخلية.
ويحق لأي من أطراف النزاع التقدم للمحكمة بطلب اتخاذ التدابير الوقتية بمجرد تقديم الطلب الأساسي بالدعوى – أي بمجرد رفع الدعوى – ، وكذلك يمكن تقديم طلب باتخاذ تلك التدابير في أي حالة تكون عليها الدعوى.
2-التدابير المؤقتة تدابير تمهيدية:
حيث إنه يكون الهدف منها محاولة التوصل إلى أفضل الطُرق الموضوعية لحل النزاع، وهي عادة ما تصدر تمهيدًا للفصل في النزاع.
3-التدابير المؤقتة تدابير وقتية:
حيث يحق للمحكمة – في أي وقت – أن تعدل تلك التدابير أو تعدل عنها إذا رأت من مستجدات الأسباب ما يستدعي إلى ذلك، وفي جميع الأحوال فإن تلك التدابير تسقط بمجرد صدور حكم يحسم موضوع النزاع.
4-التدابير المؤقتة تتسم بالاستعجال:
فهي تدابير تواجه خطر محدق يحق بحق أحد أطرف النزاع، لذلك فإن تطبيقها لا يحتمل التأخير.
5- التدابير المؤقتة لا تمس أصل النزاع:
ومن ثم فإن إصدارها لا يقيد المحكمة التي تستطيع أن تصدر حكم على خلاف الاتجاه الذي قررت له اتخاذ تلك التدابير، بمعنى آخر أنها تستطيع أن تحكم ضد مصلحة الخصم الذي سبق لها وأن قررت اتخاذ تدابير وقتية ترمي إلى حماية حقه.
ثالثًا: الغاية من التدابير:
1- حماية حقوق أطراف النزاع:
وفقا لنص المادة (41) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية السابق الإشارة إليه فان المحكمة تصدر تلك التدابير الوقتية بهدف حماية حقوق أحد أطراف النزاع، لذلك فإنه ينبغي أن تكون تلك التدابير بالقدر اللازم لحماية الحق الصادر من أجله التدبير، ومن ثم يشترط وجود ثمة تناسب بين التدبير والخطر الذي يهدد الحق المعني بالحماية.
وطالما كانت محكمة العدل الدولية محكمة قضائية فإن صفة الحيدة التي تلتزم بها تلزمها بأن تحمي حقوق طرفي النزاع دون الاقتصار على حماية حقوق الطرف المطالب باتخاذ تلك التدابير، فالمحكمة دائمًا يجب عليها أن تقيم توازنًا بين مصالح الخصوم المتعارضة.
وهذا ما التزمت به محكمة العدل الدولة وهي بصدد النزاع المتعلق بالولاية على مصائد السمك بين المملكة المتحدة وجمهورية ألمانيا ضد أيسلندا عام 1973 ، حيث أصدرت المحكمة أمرًا باتخاذ عدة تدابير لحفظ حقوق الأطراف المتنازعة والتي تمثلت في:
- أمرت أيسلندا بالامتناع عن اتخاذ أي تدبير لتطبيق النظام الجديد الصادر بشأن موضوع حدود منطقتها الخالصة لصيد السمك.
- أمرت الأطراف جميعًا بالكف عن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يزيد من حجم النزاع.
- وجهت أمرًا لألمانيا والمملكة المتحدة بالحد من كميات السمك التي يقومون باصطيادها.
2- حفظ الأدلة:
من أهم الأهداف التي ترمي إليها التدابير المؤقتة التي تصدرها محكمة العدل الدولية هي أن تبعد يد العبث عن الأدلة المتعلقة بالنزاع، وعلى الرغم من عدم ذكر ذلك الهدف صراحة في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلا أن المحكمة قد أقرته في النزاع الذي قام بين بوركينافاسو ومالي بشأن الحدود المشتركة بينهم، حيث أمرت المحكمة حكومة الدولتين بالامتناع عن إتيان أي عمل من شأنه أن يعيق جمع الأدلة المتعلقة بهذا النزاع.
3- منع تفاقم النزاع:
تهدف تلك التدابير إلى منع تفاقم النزاع بين الأطراف المتنازعة سعيًا للوصول إلى تطبيق أفضل حل ودي بين الطرفين الذين ارتضيا اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للتوصل إلى الحل السلمي للنزاع المندلع بينهم.
ومن تطبيقات هذا النوع من التدابير ما اتخذته المحكمة بخصوص قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا، حيث أصدرت المحكمة قرارها بان تضمن الولايات المتحدة الأمريكية ونيكاراغوا عدم اتخاذ أي عمل من شأنه أن يزيد من تفاقم النزاع.
4- ضمان تنفيذ الحكم النهائي:
أحيانًا يكون الهدف من إصدار تلك التدابير هو كفالة تطبيق الحكم الصادر في النزاع حتى لا تصدر المحكمة حكمًا يصبح هو والعدم سواء، بل وفي بعض الأحيان قد تكون تلك التدابير هي موضوع الحكم النهائي وهو ما حدث في قضية الرهائن المحتجزين بطهران بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وذلك عندما تطابق الحكم النهائي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية مع ما أمرت باتخاذه من تدابير مؤقته.
وكذلك يتجلى هذا الهدف في قضية شركة البترول الأنجلو إيرانية عندما اتخذت المحكمة تدابير مؤقتة مؤداها أن تلتزم كل من الحكومة الإيرانية وحكومة المملكة المتحدة بالامتناع عن اتخاذ أي إجراء قد يؤثر في الحكم الذي سيصدر من المحكمة، والالتزام باحترام ما قد تتخذه المحكمة من تدابير لاحقة.
رابعًا: مدى تمتع التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بالقوة الإلزامية:
بداية يتعين التفرقة بين القوة الإلزامية للأحكام والقرارات التي تصدرها محكمة العدل الدولية وتنفيذ تلك الأحكام والقرارات، حيث إن الحزامية الأحكام تعد من الخصائص التي تعتري الأحكام الصادرة عن القضاء ذلك أنها تكون ملزمة لأطرافها، أما عن تنفيذ تلك الأحكام فهذا يعد مرحلة لاحقة على إصدار الحكم.
فوظيفة محكمة العدل الدولية – كما قررت في قضية حق اللجوء بين كولومبيا والبيرو عام 1951 – تتمثل في النطق بالقانون، أما عن تنفيذ الحكم الصادر عنها فهو أمر يخص الأطراف المتنازعة، ولا يعني المحكمة أن تبين للأطراف كيفية تنفيذه ولا المدة الواجب فيها وضع الحكم موضع التنفيذ لأن ذلك يعد من الأمور الخارجة عن اختصاص المحكمة.
أما فيما يتعلق بالتدابير المؤقتة التي تصدرها محكمة العدل الدولية ومدى تمتعها بقوة الإلزام فهو أمر لم يكن محل اتفاق بين فقهاء القانون الدولي العام.
1- القوة الإلزامية للتدابير المؤقتة التي تأمر بها محكمة العدل الدولية:
إن التعرض لمدى تمتع تلك التدابير بقوة الحزامية هو أمر جوهري، حيث إن القول بعدم تمتع تلك التدابير بالقوة الإلزامية هو قول يفرغ التدابير المؤقتة من محتواها ويحيد بها عن أهدافها المنشودة ويجعلها مجرد توصيات غير ملزمة تصدر من المحكمة، ان شاء انصاع لها الخصم او له أن يضرب بها عرض الحائط ان لم تنل رضاه.
وقبل أن نبين موقف محكمة العدل الدولية سنوضح – بداية – الآراء الفقهية المتعارضة حول هذا الشأن:
أ- الخلاف الفقهي حول مدى القوة الإلزامية للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية:
ذهب الاتجاه الأول إلى عدم تمتع تلك التدابير بالقوة الإلزامية وأن لها مجرد قيمة أدبية، واستند هذا الرأي إلى أن واضعي النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية لو أرادوا أن يضفوا على تلك التدابير قوة الحزامية للجئوا إلى استخدام عبارة ( تأمر المحكمة ) بدلًا من استخدام كلمة (تبين) أو (تشير) التي استخدمت في النظام الأساسي للمحكمة.
فضلًا عن أن نص المادة (94/1) من ميثاق الأمم المتحدة يقتصر على ذكر القوة الإلزامية للأحكام التي تصدرها المحكمة وتكون فاصلة في موضوع النزاع ولم يتطرق غلى قوة القرارات الوقتية.
وعلى الجانب الآخر فقد ذهب جانبًا من الفقه إلى أن التدابير الوقتية شأنها شأن الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة تتمتع بالقوة الإلزامية في مواجهة أطراف النزاع، وقد أسسوا حجتهم على أن تلك التدابير تعد جزأ لا يتجزأ من الوظيفة المنوطة بالمحكمة فضلًا عن أنها من متطلبات العملية القضائية.
بالإضافة إلى أنه طالما كانت الأحكام ملزمة فإنه يتعين أن تكون تلك التدابير ملزمة هي الأخرى استنادًا إلى قاعدة أن الفرع يتبع الأصل في الزميتة، ناهيك عن أن نص المادة (94) قد اشتمل على مصطلح القرارة التي تصدر من المحكمة دون أن يحدد القرارات الوقتية أم النهائية الفاصلة في موضوع النزاع، فالنص جاء عامًا لم يخصص الأحكام النهائية دون غيرها.
ب- موقف محكمة العدل الدولية من مدى تمتع التدابير المؤقتة بالقوة الإلزامية:
حسمت محكمة العدل الدولية الجدل حول القوة الإلزامية للتدابير الوقتية في قضية ( لا غراند ) بين ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 وذلك عندما قررت المحكمة أن التدابير الوارد ذكرها في نص المادة (41) من النظام الأساسي للمحكمة تتمتع بالقوة الإلزامية في مواجهة أطراف النزاع، وأن عدم احترامها واتخاذ ما يلزم من الإجراءات لكفالة تنفيذها يعرض الدول المتخلفة للمسئولية.
ومما يؤكد ذلك أن محكمة العدل الدائمة قد أكدت على أن أطراف النزاع عليهم أن يمتنعوا عن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يزيد من حدة النزاع، وهو ما قررته محكمة العدل الدائمة في قضية شركة كهرباء صوفيا وبلغاريا.
وكذلك فان محكمة العدل الدولية أكدت على أن المادة (94) من ميثاق الأمم المتحدة يسبغ على التدابير القوة الإلزامية.
2- تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية:
إن تنفيذ القرارات المؤقتة التي تصدرها محكمة العدل الدولية رهين بإرادة الدول، ومع ذلك فإن الدول تلتزم بتنفيذ أحكام وقرارات المحكمة بحسن نية، ولكن ذلك لا يقدح في أن الطرف الذي صدر ضده التدبير له أن يمتنع عن تنفيذه كليًا أو جزئيًا الأمر الذي سيؤدي إلى خلق مشكلة جديدة تعرقل السير نحو إيجاد حل سلمي للنزاع، فضلًا عن تحميل كاهل العضو المتقاعس بمسئولية دولة ناتجة عن الأخلال بتنفيذ التزام دولي.
فيكون السؤال المطروح الإن هو كيف يتم تنفيذ تلك التدابير ومن هو المعني بتنفيذها؟؟؟
أ- محكمة العدل الدولية ليس لها سلطة تنفيذ تدابيرها المؤقتة:
وفقا لما تم الاستقرار عليه في الاجتماعين المنعقدين في سان فرانسيسكو فليس لمحكمة العدل الدولية ان تؤمن تنفيذ قراراتها بنفسها، حيث لم يخول النظام الأساسي للمحكمة ثمة سلطات تنفيذية تكفل لها أن تؤمن تنفيذ قراراتها، وهذا ما يتضح من نص المادة (41) التي منحت المحكمة حق اتخاذ تلك التدابير دون أن تمنحها السلطة اللازمة لكفالة تنفيذها.
ولكن على الرغم من ذلك فإن المحكمة تمتلك وسائل غير مباشرة تستطيع بواسطتها أن تسهم في تنفيذ القرارت التي تصدرها، حيث يحق لرئيس المحكمة – وفقًا للائحتها التنفيذية – أن يدعوا أطراف النزاع إلى التصرف بطريقة معينة يكون من شأنها أن تكفل تنفيذ القرار الذي أصدرته المحكمة، فضلًا عن أن للمحكمة أن تطلب معلومات من أطراف النزاع حول المسائل المتعلقة بتنفيذ القرار الخاص بالتدابير الوقتية.
ب- سلطة مجلس الأمن في تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن المحكمة:
إن مجلس الأمن هو الجهاز التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة، ومن ثم فهو الجهاز المعني بوضع القرارات الصادرة عن أجهزة الأمم المتحدة موضع التنفيذ، لذلك فهو المختص – استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة – بتنفيذ القرارات والأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وفي ذلك تقضي المادة (41/2) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية بالآتي: (إلى أن يصدر الحكم النهائي يبلغ فورا أطراف الدعوى ومجلس الأمن نبأ التدابير التي يرى اتخاذها).
استناد مجلس الأمن الى المادة (94/2) من الميثاق في تنفيذ التدابير المؤقتة:
وفقًا لنص المادة (94/2) من الفصل الرابع عشر من ميثاق الأمم المتحدة فإنه (إذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، ولهذا المجلس، إذا رأى ضرورة لذلك أن يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم).
على الرغم من صراحة النص في شمول أحكام المحكمة بقوة النفاذ التي يكفلها مجلس الأمن إلا انه ثار جدل حول مدى دخول التدابير المؤقتة في هذا النص، ولكن يذهب رأي فقهي إلى أن التدابير الوقتية تدخل في هذا النص على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من الحكم الذي يصدر عن المحكمة.
وبناء على ما تقدم يكون من حق العضو المتضرر جراء عدم تنفيذ قرار المحكمة باتخاذ التدابير الوقتية ان يلجأ إلى مجلس الأمن الذي بدوره يصدر القرارات والتوصيات المناسبة التي تضع تلك القرارات موضع التنفيذ، مع ملاحظة أن مجلس الأمن يكون له مطلق السلطة التقديرية في ان يتدخل ليكفل كفالة تنفيذ القرار.
استناد مجلس الأمن الى المادة (41) من النظام الأساسي للمحكمة في تنفيذ التدابير المؤقتة
وفقا لنص المادة (41) – التي تعد المصدر الرئيسي لتدخل مجلس الأمن في تنفيذ تلك التدابير – فانه يتعين على محكمة العدل الدولية أن تخبر مجلس الأمن بالتدابير المؤقتة التي تتخذها أثناء نظرها للنزاع، وبناء على ذلك يتدخل مجلس الأمن لوضع تلك القرارات موضع التنفيذ، ويكون تدخله في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان النزاع المطروح أمام محكمة العدل الدولية من شأن استمراره أن يهدد السلم والأمن الدوليين فتصدر المحكمة – بناء على ذلك – قرارات بتدابير مؤقتة لمنع تفاقم النزاع، وتلك المسألة تدخل في صميم اختصاص مجلس الأمن حيث يتمثل اختصاصه الرئيسي في حفظ السلم والأمن الدوليين.
ففي هذه الحالة يتدخل مجلس الأمن ليحول دون تفاقم الخطر الذي يهدد بالسلم والأمن الدوليين ويكون ذلك بإلزام الأطراف بتنفيذ ما أمرت به المحكمة من قرارات مؤقتة.
الحالة الثانية: إذا رفض الطرف الذي وجه إليه الأمر بتنفيذ التدابير المؤقتة التي أمرت بها المحكمة فهنا يحق للطرف الآخر اللجوء إلى مجلس الأمن حتى يجبر الطرف المتقاعس على تنفيذ تلك التدابير.
مع ملاحظة أن للمجلس في هذه الحالة مطلق السلطة التقديرية، فقد يرى المجلس أن الأمر لا يستدعي تدخله وذلك إذا لم يوجد حالة ضرورة أو خطر جسيم محدق يحق بالطرف المتضرر.
مع ملاحظة أن للدول الخمس الدائمين بالمجلس أن يعترضوا على ما يتخذه المجلس من قرارات في هذا الشأن باستخدام حق الفيتو المخول لهم لمنع إصدار القرار، وبالتالي يكون لهم سلطة التأثير على قرارات المجلس مما يضعف فعالية المجلس في وضع تلك القرارات موضع التنفيذ.
وتنبغي الإشارة إلى انه إذا كانت للدول الدائمة حق الاعتراض على القرارات الصادرة من المجلس فانه لا يحق لهم الاعتراض على مجرد التوصيات التي قد يصدرها المجلس في هذا الصدد.
ومن ضمن التطبيقات التي استعمل فيها حق الفيتو لمنع إصدار قرار المجلس ما حدث في قضية الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث استعملت روسيا حق الفيتو لتحول دون إصدار المجلس تدابير قسرية ضد إيران.
الحالة الثالثة: في بعض الأحيان قد يلجأ الطرف المتضرر جراء تقاعس الطرف الآخر عن تنفيذ ما أمرت به المحكمة من تدابير إلى ان يستخدم القوة أو يهدد باستخدامها، فهذا الأمر سيدفع مجلس الأمن إلى التدخل نظرًا لانطواء هذا الفعل على تهديد بالسلم والأمن الدوليين.
ومن التطبيقات الدولية التي تم اللجوء فيها إلى استعمال القوة قضية الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران، حيث عندما رفضت إيران تنفيذ التدابير التي أمرت بها محكمة العدل الدولية قامت الولايات المتحدة الأمريكية بأجراء عملية عسكرية يومي (24 , 25) من شهر أبريل عام 1980 بغرض تحرير تلك الرهائن، ولكن تلك العملية بائت بالفشل مما أدى إلى احتدام النزاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
إعداد : احمد منصور

