التعهد عن الغير

إن من القواعد العامة التي تحكم العقد هي قاعدة نسبية آثار العقد بحيث لا تنصرف آثار العقد إلا إلى أطرافه فقط حيث لا يكون هناك ثمة إلزام على الغير الذي لم يكن طرفاً في العقد، مع ملاحظة أن العقد قد يولد حقوقاً للغير الذي لم يكن طرفاً فيه كما في حالة الاشتراط لمصلحة الغير. أما في حالة التعهد عن الغير فإن الغير هنا لا يكون له حق أو يُحمَل بالتزام بمقتضى العقد، حيث إن إرادة المتعهد تتجه لإلزامه هو دون المتعهد عنه، وفي مقالنا الحالي سنبين ما هو تعريف التعهد عن الغير وما هي شروطه وآثاره بشيء من التفصيل :

أولاً: تعريف التعهد عن الغير:

في بيان تعريف التعهد عن الغير تنص المادة (153) من القانون المدني المصري على أن (إذا تعهّد شخص بأن يجعل الغير يلتزم بأمر فلا يلزم الغير بتعهده. فإذا رفض الغير أن يلتزم، وجب على المتعهّد أن يعوِّض من تعاقد معه، ويجوز له مع ذلك أن يتخلّص من التعويض بأن يقوم هو نفسه بتنفيذ الالتزام الذي تعهّد به، أما إذا قبل الغير هذا التعهد، فإن قبوله لا يُنتج أثراً إلا من وقت صدوره، ما لم يتبيّن أنه قصد صراحةً أو ضمناً أن يستند أثر هذا القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد).

وقد ورد تعريف التعهد عن الغير في القانون المدني الأردني بمقتضى نص المادة (209) والتي نصت على أن (إذا تعهد شخص بأن يجعل الغير يلتزم بأمر فلا يلزم الغير بتعهده فإذا رفض الغير أن يلتزم وجب على المتعهد أن يعوض من تعاهد معه، ويجوز له مع ذلك أن يتخلص من التعويض بأن يقوم هو بنفسه بتنفيذ الالتزام الذي تعهد به، أما إذا قبل الغير هذا التعهد فإن قبوله لا ينتج أثراً إلا من وقت صدوره ما لم يتبين أنه قصد صراحة أو ضمنا أن يستند اثر هذا القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد).

فيتضح لنا وجود تطابق بين النصين المصري والأردني في تعريف التعهد عن الغير والأثر المُترتب عليه.

والواقع من الأمر أن التعهد عن الغير من الأمور نادرة الوقوع في العمل، ولكن قد يتصور حدوثه مثلاً في حالة وجود شركاء على الشيوع وبينهم قاصر فإذا ما أرادوا التصرف في المال الشائع دون المرور بإجراءات المحكمة الحسبية فإنهم يتعاقدون على المال الشائع فيما يتعلق بأنصبائهم ويتعهدون عن الغير – وهو القاصر في هذه الحالة – بأن يبيع نصيبه ببلوغه سن الرشد.

ثانياً: شروطه:

1- يجب على المتعهد أن يتعاقد باسمه وليس باسم الغير، فالمتعهد يلتزم شخصياً بالحصول على رضاء الغير وفي هذه يختلف المتعهد عن الوكيل، حيث أن الأخير يبرم العقد باسم الأصيل ولحسابه فينصرف أثر العقد إلى الأصيل أما المتعهد عن الغير فيعمل باسمه وينصرف إليه أثر العقد[1].

وكذلك يختلف التعهد عن الغير عن الفضولي الذي يعمل باسم رب العمل ولمصلحته فيكون رب العمل هو الملتزم بالآثار الناشئة عن الأعمال التي قام بها الفضولي.

2- أن يريد المتعهد عن الغير أن يلزم نفسه بهذا التعهد لا أن يلزم الغير[2]، حيث لا يمكن إلزام أحد ليس بطرف في العقد بدون إرادته، فلو حدث وتم النص في العقد على إلزام الغير مباشرة لكان العقد باطلاً لاستحالة محله.

وفي هذا يتحلى الفارق بين التعهد عن الغير والاشتراط لمصلحة الغير، حيث إن المشترط لمصلحة الغير تتجه إرادته إلى منح الغير حقاً مباشراً بموجب العقد لذلك يعد الاشتراط لمصلحة الغير استثناء على نسبية آثار التعاقد.

3- يجب أن يكون محل التزام المتعهد عن الغير متمثل في إلزام الأخير بحمل الغير المُتعهد عنه على قبول الالتزام أو الإقرار بأمر معين كأن يتمثل في حمله على قبوله الامتناع عن منافسة متجر أو أن ينقل حق عيني لمال معين.

ومن ثم يصبح التزام المتعهد التزام بتحقيق نتيجة وهي حمل الغير على قبول أو إقرار الالتزام، ولكن ينبغي الإشارة إلى أنه لو قبل الغير هذا التعهد فإن مسئولية المُتعهد تقف عند هذا الحد بحيث يصبح قد أوفى بما عليه من التزام، حيث إنه لا يكون ضامناً لقيام الغير – المُتعهد عنه – بتنفيذ الالتزام، وفي هذا الصدد يتجلى الفارق بين التزام المُتعهد والتزام الكفيل، فالأخير مُلزم بتنفيذ التزام المدين بعد وجوده، أما المُتعهد فإنه يضمن إيجاد الالتزام ولا يضمن تنفيذه.

ثالثاً: آثاره:

مما سبق بيانه يتضح لنا أن الغير يكون له مُطلق الحرية في قبول الالتزام أو رفضه، حيث إنه يُعد أجنبي عن عقد التعهد ولذلك فلا تقع عليه ثمة مسئولية حال رفضه الالتزام بما ورد في عقد التعهد، ومن ثم سنكون بصدد أحد فرضين وهما:

ا- قبول الغير أو إقراره:

بادئ ذي بدء نشير إلى أن قبول الغير قد يكون صراحة أو ضمناً، حيث يعد شروع الغير في تنفيذ الالتزام الوارد في عقد التعهد بمثابة قبول ضمني على إقراره لهذا الالتزام مما يترتب عليه براءة ذمة المتعهد في مواجهة من تعاقد معه، أما القبول الصريح فلا يشترط أن يفرغ في شكل معين إلا إذا نص القانون على غير ذلك.

وفي حالة قبول الغير للالتزام فإننا نكون بصدد عقدين مختلفين من حيث الآثار والمحل:

  • فالعقد الأول: طرفاه هما المتعاقد والمتعهد عن الغير ومحله هو التزام المتعهد بحمل الغير على قبول الالتزام المُتفق عليه في هذا العقد.
  • أما العقد الثاني : فلا يكون له وجود قانوني إلا من لحظة قبول الغير للالتزام، فوفقاً للقاعدة العامة لا يكون لهذا القبول أثر رجعي إلا إذا تبين أن الغير قد قصد صراحة أو ضمناً أن يستند أثر القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد كما هو مبين بنص المادة (153) من القانون المصري والمادة (209) من القانون الأردني السابق الإشارة إليهم. ويكون أطراف العقد الثاني هما المُتعاقد في العقد الأول والغير الذي قبل الالتزام، أما عن محل هذا العقد فيتمثل في التزام الغير بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سواء تمثل في قيامه بعمل أو امتناعه عن عمل أو نقله لحق عيني.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في الحكم رقم ٥٢٩ لسنة ٤٥ قضائية الصادر بجلسة ١٩٧٩/١٢/٢٦ والتي قضت فيه بأن  (عندما تعاقد الطاعن باسمه لاستئجار شقة النزاع لتكون مقر الجمعية فإن هذا التعاقد كان يتضمن تعهد الطاعن بأن تقبل الجمعية عند إنشائها استئجار الشقة ، ويعتبر العقد المبرم بين الطاعن والمطعون ضده – المؤجر – مشتملاً على إيجاب من هذا الأخير موجهاً للجمعية ، إذا قبلت صارت مستأجرة للعين محل النزاع بموجب عقد إيجار جديد بينها وبين المؤجر ، يحل محل العقد الذي أبرمه الطاعن).

ومثالاً على الحالة التي يستند أثر القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد أن يتعاقد شركاء مُشتاعين متعهدين عن قاصر بينهم فإذا قبل القاصر هذا التعهد بعد بلوغه سن الرشد فإن قبول القاصر هنا يكون له أثر رجعي.

2- رفض الغير للتعهد:

تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم 18 لسنة 1ق الصادر بجلسة 17/12/1931 بأن ( التعهد عن الغير لا يولد التزاما على عاتق الغير حيث لا يضار هذا الغير من التعهد ويبقى حراً في قبول التعهد أو رفضه).

ومن ثم فلا تكون هناك ثمة مسئولية على الغير إذا رفض الالتزام، وتبقى المسئولية تثقل كاهل المتعهد الذي يظل مسئولاً عن العقد المبرم بينه وبين المتعاقد معه، حيث لا يكون له التحلل من التزامه إلا إذا أثبت أن عدم قيامه بتنفيذ التزامه راجع إلى سبب أجنبي، وفي هذه الحالة لا يعد رفض الغير لقبول الالتزام سبباً أجنبياً مما يؤدي إلى إثارة مسئولية المتعهد الذي يكون ملزماً في هذه الحالة بتعويض المتعاقد معه عما أصابه من ضرر جراء عدم قيام المتعهد بتنفيذ التزامه المتمثل في حمل الغير على قبول الالتزام.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 318 لسنة 2005 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2005-06-23 بأن (يستفاد من المادة 209/1 من القانون المدني أن الإقرار الموقع من المدعى عليه ما هو إلا تعهداً منه بإقرار الغير لبيع الحصص التي اشتراها المميز – المدعي – من المدعي عليه في قطعة الأرض ، وعدم المطالبة بتملكها بحق الشفعة وبحال امتناع الغير عن إجازة ذلك فالمتعهد وهو المميز ضده – المدعى عليه – ملزم بالتعويض للطرف الآخر وهو من صدر التعهد لمصلحته – المدعي – والمقدر بمبلغ سبعة آلاف دينار طالما لم ينازع بمقداره . وبما أن المدعو نايف .. قد أقام الدعوى الحقوقية رقم 97/2001 لدى محكمة بداية مادبا بمواجهة المدعي في هذه القضية للمطالبة بتملك الحصص المباعة بقطعة الأرض موضوع التعهد. فيكون المدعى عليه قد أخل بتنفيذ ما تعهد به ويتوجب عليه التعويض خاصة وأن ما تعهد به وهو عدم مطالبة الغير بتملك الحصص المباعة من قطعة الأرض لا يخالف القانون وإنما يهدف للتعويض بحال مطالبة الغير تملك الحصص المباعة).

ومع ذلك فيجوز للمتعهد – إذا أراد أن يتخلص من مسئوليته – أن يقوم بتنفيذ هذا الالتزام إذا كان التنفيذ ممكناً ولم يكن متصل بشخص الغير[3]، فيتضح لنا إذن أن التزام المتعهد هو التزام بدلي فيكون له إما أن يدفع تعويض أو أن ينفذ الالتزام الذي كان من المتعين تنفيذه من قبل الغير إذا كان ذلك ممكناً وذلك وفقاً لنص كل من القانون المدني الأردني والمصري.

وفي هذا ينص المشرع المصري في المادة (278) على أن (يكون الالتزام بدلياً إذا لم يشمل محلّه إلا شيئاً واحداً، ولكن تبرأ ذمة المدين إذا أدى بدلاً منه شيئاً آخر)، وفي ذات الصدد تنص المادة (407) من القانون المدني الأردني على أن (يجوز أن يكون محل التصرف عدة أشياء على أن تبرأ ذمة المدين إذا أدى واحدا منها).

ولكن تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن إجبار المتعهد على التنفيذ العيني للالتزام الذي كان يراد من الغير قبوله، حيث يكون له الخيار بين دفع التعويض أو تنفيذ هذا الالتزام طواعية دون أن يكون للمتعاقد إلزامه بتنفيذ الالتزام.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الدكتور/نبيل سعد – النظرية العامة للالتزام – دار الجامعة الجديدة – 2017 – ص339.

[2] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد نظرية الالتزام بوجه عام (الجزء الأول) – ص 558.

[3] الدكتور/رمضان أبو السعود – مصادر الالتزام – دار الجامعة الجديدة – 2018 – ص 271.