عقد المقاولة من الباطن في التشريع الأردني
لقد نظم المشرع الأردني عقد المقاولة من خلال نصوص القانون المدني، ولما كان الواقع العملي قد أوجد شكل من عقود المقاولة وهو عقد المقاولة من الباطن ولا يمكن إلغاءه فقد احتوى المشرع الأردني تلك الضرورة، ويأتي تنظيمها أما بمواد مستقلة بهذا النوع من العقود أو عن طريق الخضوع للمواد العامة من القانون المدني، وسنناقش ذلك من خلال النقاط التالية:
ثانيًا: التعريف بعقد المقاولة من الباطن وسنده القانوني
ثالثًا: الالتزامات والعلاقات المترتبة على عقد المقاولة من الباطن
رابعًا: حظر المقاولة من الباطن
خامسًا: انقضاء عقد المقاولة من الباطن
أولًا: تعريف العقد بوجه عام
قبل الحديث عن عقد المقاولة أو عقد المقاولة من الباطن يجب أولًا التعرض لتعريف العقد بوجه عام، والعقد عرفته المادة (87) من القانون المدني الأردني إذ نصت على (العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من احد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت اثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر.).
والعقد من الفعل عقد، ومنه عقد العهد يعقده عقدًا بمعنى أكد الالتزام به، بمعنى أوكد الالتزام به، والعقد أكد من العهد يقال عهدت إلى فلان بكذا أي ألزماه به[1].
ومن خلال هذا التعريف نجد أن المشرع الأردني قد وضع تعريفًا عام للعقد دون التقيد بشكل معين، ولعل ذلك ما يجعل من عقد المقاولة من الباطن عقدًا مشروعًا طالما لم يحظر بموجب نص قانوني.
ثانيًا: التعريف بعقد المقاولة من الباطن وسنده القانوني
عرفت المادة (780) من القانون المدني عقد المقاولة حيث نصت على (المقاولة عقد يتعهد احد طرفيه بمقتضاه بان يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر.)، ومن خلال التعريف يتضح لنا أن عقد المقاولة عبارة عن عقد يوكل فيه أحد أطرافه للطرف الأخر القيام بعمل معين لقاء بدل معين وفق البنود المتفق عليها.
ونظرًا للواقع العملي فقد أقر المشرع الأردني عمل المقاول من الباطن ضمانًا لحفظ الحقوق، وفي ذلك نصت المادة (798) من القانون المدني على:
- يجوز للمقاول ان يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر اذا لم يمنعه شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تقتضي ان يقوم به بنفسه.
- وتبقى مسئولية المقاول الأول قائمة قبل صاحب العمل.
ويتضح من خلال نص المادة هذه أن المشرع الأردني منح المقاول الأصلي حق الاستعانة بمقاولين من الباطن لتنفيذ جزء من الأعمال، شريطة عدم وجود أي مانع صريح أو ضمني يمنع ذلك. وعلى الرغم من أن المنع من المقاولة من الباطن قد يكون ضمنيًا وغير صريح، فإن ذلك لا يعني منع المقاول من الاستعانة بأشخاص آخرين لإنجاز العمل، سواء كانوا فنيين أو غير فنيين، طالما لم يكونوا مقاولين من الباطن. وفي حال وجود أي مانع صريح أو ضمني يمنع استخدام مقاولين من الباطن، يتعين على المقاول الأصلي الالتزام بهذا القيد، وإلا فإنه سيكون معرضًا للجزاء الذي تفرضه القواعد العامة[2].
وعقد المقاولة من الباطن هو عقد بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن، وعلى الرغم من أن أثار هذا العقد تنسحب وتسري على المتعاقد الأصلي إلا أنه من الناحية الشكلية لا يعد المتعاقد الأصلي طرفًا في هذا العقد. وبذلك فالمقاول من الباطن لا يستطيع الرجوع على المتعاقد الأصلي فيما يخص العقد بينه وبين المقاول الأصلي إلا لخطأ راجع للمتعاقد الأصلي متى كانت بعض الالتزامات تقع على عاتقه لتنفيذ العمل كتوفير مواد مثلًا.
ثالثًا: الالتزامات والعلاقات المترتبة على عقد المقاولة من الباطن
اقر المشرع الأردني كم بينا عقود المقاولة من الباطن بإيجازه للمقاول في تكليف أخر في القيام ببعض الأعمال ويترتب على هذا العقد مجموعة من الالتزامات، وسنبين تلك الالتزامات والعلاقات التي تنشأ عن عقد المقاولة من الباطن من خلال تلك النقاط.
1- التزامات المقاول الأصلي ورب العمل
يظل التزام المقاول الأصلي تجاه رب العمل هو الالتزام الأصيل الذي لا ينفك بمجرد إبرام عقد المقاولة من الباطن، فالمقاول الأصلي يظل ملتزم تجاه رب العمل بكافة الالتزام التي تم الاتفاق عليها سواء تلك التي يقوم بها بنفسه أو التي يكلف أخر بها عن طريق المقاولة من الباطن، ويستطيع رب العمل الرجوع على المقاول الأصلي حالة مخالفة المقاول من الباطن للشروط المتفق عليها ولا يستطيع الأخير التنصل من المسؤولية مقالة مسؤولية المقاول من الباطن.
فأساس مسؤولية المقاول الأصلي عن أعمال المقاول من الباطن لا يمكن أن يتم إدراجها تحت مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وذلك لسببين، الأول أن العلاقة التي تربط المقاول من الباطن مع المقاول الأصلي ليست علاقة عمل وإنما هي علاقة تعاقدية للقيام بعمل محدد يكون فيها المقاول من الباطن غير خاضع لرقابة المقاول الأصلي، والسبب الثاني أن مسؤولية المقاول الأصلي تجاه رب العمل مسؤولية مفترضة مترتبة على العلاقة التعاقدية فيما بينهما، فرب العمل حينما أختار المقاول الأصلي للقيام بالأعمال كان لغاية له فلا يمكن تنصيل الأخير من المسؤولية بمحض إرادته المنفردة متى قام بتكليف المقاول من الباطن ببعض أو كل الأعمال الموكل بها. وفي مقابل ذلك يلتزم رب العمل بأداء مقابل تلك الأعمال التي قام بها بموجب ما تم الاتفاق عليه.
2- التزامات المقاول من الباطن والمقاول الأصلي
الالتزام فيما بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن لا يشوبها الغموض حيث أنها علاقة تعاقدية بحته يقوم فيها التعاقد بين المقاول من الباطن والمقاول الأصلي، يلتزم المقاول من الباطن ببعض الأعمال التي يلتزم بها المقاول الأصلي أو كلها حسب التعاقد، والمقاول الأصلي يلتزم بمقابل تلك الأعمال.
3- علاقة المقاول من الباطن ورب العمل
لا تقوم علاقة مباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن وهكذا تكون العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن علاقة غير مباشرة حيث لا يطالب رب العمل المقاول من الباطن مباشرة بل يطالب بها المقاول الأصلي , وأيضا في المقابل لا يطالب المقاول من الباطن رب العمل مباشرة بالتزاماته, وإنما يطالب بها المقاول الأصلي وأخيرا لا يجوز لرب العمل ان يطالب المقاول من الباطن مباشرة بالضمان , وان كان يستطيع بالدعوى غير المباشرة وان يستعمل حق مدينة المقاول الأصلي في الضمان قبل مدينة المقاول من الباطن[3].
4- حلول المقاول من الباطن واشتراط العمل لصالح رب العمل
كذلك يجوز بعد أن يعقد المقاول الأصلي مقاولة من الباطن أن يقبل رب العمل حلول المقاول من الباطن محل المقاول الأصلي في كل حقوقه والتزاماته، فتتحول المقاولة من الباطن إلى تنازل عن المقاولة. كذلك يجوز أن يتعهد المقاول من الباطن للمقاول الأصلي أن يقوم بالعمل لمصلحة رب العمل، فيكون هذا اشتراطاً من المقاول الأصلي لمصلحة رب العمل. ويستطيع رب العمل في هذه الحالة ان يرجع بالدعوى المباشرة على المقاول من الباطن، طبقاً لقواعد الاشتراط لمصلحة الغير، ويحتفظ في الوقت نفسه بحق الرجوع على المقاول الأصلي بموجب عقد المقاولة[4].
ومن الملاحظ أنه في هذه الحالة فإن المقاول من الباطن ورب العمل تنشأ بينهما رابطة قانونية، ففي الحلول ينتقل الالتزام من المقاول الأصلي للمقاول من الباطن وذلك بعد موافقة رب العمل، فتكون تلك الرابطة كرابطة الأصلية بين المقاول الأصلي ورب العمل، أما من حيث اشتراط العمل لمصلحة رب العمل بعد اشتراط المقاول الأصلي ذلك بموجب عقد المقاولة من الباطن يخلق حقًا لرب العمل في الرجوع على المقاول من الباطن عن طريق الدعوى المباشرة أساس هذا الحق اشتراط المقاول من الباطن الملزم له، وأخيرًا فيجب التنبيه إلى أن الحلول يجعل الالتزامات متبادلة بين رب العمل والمقاول من الباطن بحيث يلتزم المقاول من الباطن بأداء العمل ويلتزم رب العمل بالمقابل بأداء المقابل. وذلك على عكس اشتراط العمل لصالح رب العمل حيث أن هذا الاشتراط ينشأ حقًا منفردًا في حق المقاول من الباطن ولا يرتب التزام على رب العمل في مواجهة المقاول من الباطن. وفي ذلك نصت المادة (799) من القانون المدني على (لا يجوز للمقاول الثاني ان يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول إلا اذا إحالة على رب العمل.)
5- الالتزام بالضمان
اقر المشرع الأردني كم بينا عقود المقاولة من الباطن بإيجازه للمقاول في تكليف أخر في القيام ببعض الأعمال الموكل بها، وجراء ذلك فإن المقاول من الباطن يتحمل المسؤولية حال تقصيره بنوعيها المدنية والجزائية.
وبالنسبة إلى مدى ضمان المقاول من الباطن لعيوب البناء , ينتهي التزام المقاول من الباطن بالضمان بمجرد ان يتسلم المقاول الأصلي العمل تمكنه من فحصه وكشف ما به من عيوب فاذا ظهرت عيوب خفية بعد ذلك فلا يكون المقاول من الباطن مسؤولاّ إلا في المدة التي يقتضي بها العقد أو العرف. وعلى ذلك لا يكون المقاول من الباطن مسؤولاّ مباشرة نحو رب العمل , بل يبقى مسؤولاّ نحو المقاول الأصلي , وبالتالي يكون المقاول الأصلي هو المسؤول الأصلي على المقاول من الباطن وبالطبع اذا اخل المقاول من الباطن بالتزاماته بشأن تسليم العمل مثلا بعد إنجازه , كان المسؤول عن ذلك نحو رب العمل هو المقاول الأصلي لا المقاول من الباطن فيرجع رب العمل على المقاول الأصلي حيث يرجع المقاول الأصلي على المقاول من الباطن[5]. ووفقًا لما بينا فإن التزام الضمان في مواجهة رب العمل تظل على عاتق المقاول الأصلي، إلا أن ذلك لا يعني عدم خضوع المقاول من الباطن للمسؤولية المترتبة على عمله والمتمثلة في:
1- المسؤولية المدنية
نصت المادة (786) من القانون المدني على (يضمن المقاول ما تولد عن فعله وصنعه من ضرر أو خسارة سواء أكان بتعديه أو تقصيره أم لا وينتفي الضمان اذا نجم ذلك عن حادث لا يمكن التحرز منه.)
وكذلك المادة (788) من القانون المدني نصت على:
- اذا كان عقد المقاولة قائما على تقبل بناء يضع المهندس تصميمه على ان ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث في خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقاماه من منشآت . وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته اذا لم يتضمن العقد مدة أطول .
- يبقى الالتزام في التعويض المذكور ولو كان الخلل أو التهدم ناشئا عن عيب في الأرض ذاتها أو رضي صاحب العمل بإقامة المنشآت المعيبة.
- تبدا مدة السنوات العشر من وقت تسلم العمل.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 549 لسنة 2016 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2016-08-10 (اذا تضمن عقد إدارة التنفيذ لخدمات المياه والمجاري المبرم بين المدعى عليهما سلطة المياه وشركة ليما على أن يكون المشغل ( شركة ليما ) مقاولاً مستقلاً في أدائه للعقد ، وجاء في باب موضوع العقد تحت عنوان التزامات المشغل أن المشغل ينفذ الخدمات ويوفي بالتزاماته بموجب العقد بما يلزم من العناية والجهد والكفاءة والاقتصاد ووفقاً للعقد كما جاء في ملحق الخدمات من الشروط العامة أنه على المشغل تنفيذ العمليات نفسها والصيانة للمرافق كما كانت تؤديها سلطة المياه في منطقة الخدمات وأنه على المشغل تحسين العمليات والصيانة ، كما جاء في باب التعاقد من الباطن أنه على المشغل ضمان أيّاً من التزاماته المتعلقة بمجال عمل المقاول من الباطن وفقاً للعقد وان عقد المقاولة من الباطن لا يعفي المشغل من أي من التزاماته بموجب العقد، وعليه فإن سلطة المياه على ضوء ما جاء في هذا العقد وملحقه غير مسؤولة عن الضرر موضوع المطالبة بهذه الدعوى وحيث توصلت محكمة الاستئناف إلى هذه النتيجة فإنه يتعين رد هذه الأسباب.)
2- المسؤولية الجزائية
المادة (175) من قانون العقوبات نصت على:
1- من وكل اليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة ، فاقترف غشا في احد هذه الأعمال أو خالف الأحكام التي تسري عليها أما لجر مغنم ذاتي أو مراعاة لفريق أو أضرارا بالفريق الآخر أو أضرارا بالإدارة العامة عوقب بالأشغال المؤقتة.
2- أ- كل من اقترف غشاً في تنفيذ كل أو بعض الالتزامات التي يفرضها عليه عقد مقاولة أو توريد أو غيره من العقود التي ارتبط بها مع الحكومة أو إحدى الإدارات العامة أو مرافق النفع العام بقصد جر مغنم له أو لغيره أو إضرار بأي منها يعاقب بالأشغال المؤقتة.
ب- ولا تقل العقوبة المقررة في البند (أ) من هذه الفقرة عن خمس سنوات إذا كان الغرض من العقد الوفاء بمتطلبات الدفاع والأمن متى كان الجاني عالماً بهذا الغرض.
ج- يعاقب بأي من العقوبتين المنصوص عليهما في هذه الفقرة المتعاقدون والمقاولون من الباطن والوكلاء والوسطاء إذا كان الغش راجعاً إلى فعلهم.
3- ويحكم على الجاني إضافة للعقوبات المقررة في الفقرتين (1) و(2) من هذه المادة بالرد وبغرامة مساوية لقيمة المال موضوع الجريمة أو المتحصل منها أو ما لحق بجهة الإدارة من ضرر.
رابعًا: حظر المقاولة من الباطن
الأصل كما بينا هو مشروعية العقود طالما لم يتم حظرها بموجب نص قانوني، وفي نطاق الحديث عن عقد المقاولة من الباطن فيجب بيان حالات حظر المقاولة من الباطن، ويمكن إرجاع هذا الحظر لأحد سببين:
1- الحظر الاتفاقي
يكون هذا الحظر عندما يتفق المتعاقدان منذ بداية العقد أو بموجب عقد لاحق على حظر الاتفاق على المقاولة من الباطن، فالعقد شريعة المتعاقدين، وفي حالة مخالفة الملتزم بهذا الاتفاق يتم ترتيب المسؤولية المدنية المتفق عليها.
2- الحظر القانوني
في هذه الحالة يكون الحظر بموجب نص قانوني لغاية يجدها المشرع في منع المقاولة من الباطن والذي قد يكون الغاية منه حرص المشرع في بعض الأحيان على قيام المتعاقد الأصيل بالقيام بالأعمال الموكل إليه، ومثال على ذلك منع المقاولة من الباطن في عقود مشاركة القطاع الخاص والقطاع العام والمنظمة بموجب القانون رقم 23 لسنة 2021، وفي ذلك نصت المادة (42/ل) من نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص – رقم (23) لسنة 2021 (نصت يجب ان يتضمن عقد الشراكة الشروط الأساسية التالية غير القابلة للتفاوض والتي تلتزم شركة المشروع بالتقيد بها طيلة مدة مشروع الشراكة:- (عدم التعاقد مع مقاولين من الباطن إلا بعد الحصول على الموافقة الخطية المسبقة من الجهة المتعاقدة على أن لا يخل هذا التعاقد بالتزامات شركة المشروع في عقد الشراكة والقانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه.)
خامسًا: انقضاء عقد المقاولة من الباطن
ينقضي عقد المقاولة الباطن إما بإتمام الأعمال المنوط بها المقاول من الباطن ووفاء كلًا من طرفي العقد بالتزامه، أو بالاتفاق على إنهاء العقد لأي سبب من الأسباب وفق الشروط التي يضعها طرفي العقد، وأخيرًا قد يكون انتهاء عقد المقاولة من الباطن راجعًا لفسخ عقد المقاولة من الباطن.
ومتى انتهى عقد المقاولة بالانفساخ على هذا الوجه، استحق المقاول تعويضاً، لا بموجب عقد المقاولة فقد انتهت، ولكن بموجب مبدأ الإثراء بلا سبب. وهذا التعويض يكون بأقل القيمتين، قيمة ما أنفقه من ماله ووقته، وقيمة ما استفاد به رب العمل[6].
سادسًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 621 لسنة 2022 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية- الصادر بتاريخ 2022-09-14
ورداً وبرجوعنا إلى لائحة الدعوى والبينات المقدمة فيها نجد أن العلاقة بين المدعي والمدعى عليه هي علاقة عقدية(عقد مقاولة من الباطن) ترتب التزامات متقابلة في ذمة كلا المتعاقدين توجب على كلا منهم الوفاء بها بشكل يتفق وحسن النية في تنفيذ العقد وفقا للمادتين (199 و202) من القانون المدني كون أساس العقد الذي ينظم العلاقة بينهما يتمثل بعقد مقاولة من الباطن, وإن إخلال المدعى عليه في تنفيذ العقد يرتب المسؤولية العقدية إذا امتنع المدين عن تنفيذ التزامه العقدي أو نفذه على وجه معيب الحق ضرراً بالدائن أو تأخر في تنفيذ التزامه العقدي بشكل يلحق ضرر بالدائن، وإن المسؤولية العقدية تتحقق بتوافر شرطين:
أولاً:- وجود عقد صحيح بين الدائن ( المدعي) والمدين ( المدعى عليه).
ثانياً:- أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن ( المدعي) راجعاً إلى عدم تنفيذ المدين (المدعى عليه) للالتزام الذي فرضه العقد .
- وأنه ولقيام المسؤولية العقدية يتطلب توافر الأركان التالية:
- وجود الإخلال في تنفيذ التزام العقدي المتمثل بعدم تنفيذ المدين لالتزامه العقدي أو التأخر بتنفيذه أو تنفيذه بشكل معيب أياً كان السبب في ذلك.
- الضرر ويتمثل بما يصيب الدائن من أذى بحق مشروع نتيجة إخلال المدين بالتزامه العقدي, ولا بد من وجود ضرر حتى تترتب هذه المسؤولية في ذمة المدين، والدائن هو الذي يحمل عبء إثبات الضرر لأنه هو الذي يدعيه، ولا يفترض وجود الضرر لمجرد أن المدين لم يقم بالتزامه العقدي فقد لا ينفذ المدين التزامه ولا يصيب الدائن ضرر من ذلك.
- رابطة السببية بين الخطأ والضرر بمعنى أن يكون الخطأ هو السبب في الضرر, ويشترط في الضرر الناشئ عن الإخلال بالتزام العقدي بأن يكون:
أ- الضرر حالاً أو محقق الوقوع بان يكون الضرر وقع فعلاً أو محقق الوقوع مستقبلاً .
ب- أن يكون الضرر مباشراً بان يكون نتيجة طبيعية للإخلال بالتزام العقدي.
ج- أن يكون الضرر متوقعاً ويقصد به الضرر الذي كان متوقعاً حين إبرام العقد.
د- العلاقة السببية ما بين الضرر والإخلال في التزام العقدي.
وباستعراضنا لأركان المسؤولية العقدية وفيما يتعلق بالركن الأول (الخطأ) برجوعنا إلى البينات الشخصية المستمعة للمدعي نجد انه قد ورد بشهادة الشاهد زهير حجير المستمع إليها في جلسة 5/1/ 2021 (……وفي السعودية قام المدعى عليه بالعمل لمدة أسبوعين وإن المدعى عليه قد أنجز ما يتجاوز المئة باب ولا أتذكر عددها بشكل دقيق وبعد ذلك لم يتم إكمال العمل في السعودية وقام المدعى عليه بالعودة إلى الأردن ، وإن المدعى عليه لم يكمل العمل في السعودية …) , كما جاء بشهادة الشاهد ياسر أبو عثمان المستمع إليها بذات الجلسة (اعرف بأن المدعي اتفق مع المدعى عليه وقد كنت موجود على أكثر من مرة على هذا الاتفاق وكان الاتفاق أن يقوم المدعي بأخذ المدعى عليه لغايات القيام بعمل في السعودية [تركيب أبواب ] وعددها [2500] باب ، والذي سمعته بأن المدعى عليه أنجز 183 باب من هذه الأبواب ، وإن المدعى عليه قد قام بترك العمل والعودة إلى الأردن من تلقاء نفسه….),
وعليه وسندا لما تقدم فإننا نجد أن البينات الشخصية للمدعي قد أثبتت أن المدعى عليه لم يقم بإنجاز كافة الأعمال الموكول له والمتفق عليها في مشروع (KAP4) وهي تركيب كافة الأبواب الخشبية في المملكة العربية السعودية مما يتحقق معه الركن الأول من أركان المسؤولية العقدية ألا وهو الخطأ العقدي.
الحكم رقم 1092 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-05-03
وفي ذلك ومن الرجوع إلى أوراق الدعوى ومحاضرها وبيناتها بما في ذلك الحكم الطعين والصادر عن محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية نجد أن المحكمة المذكورة قد عالجت الدعوى على أساس علاقة العمل التي تربط المدعي بالمدعى عليه محمد صالح عبد الفتاح المشايخ باعتبار أن الأخير مقاول فرعي من الباطن وأن المدعي كان يعمل لديه في المشروع العائد لوزارة التربية والتعليم لبناء صالة رياضية في جرش بموجب العطاء المحال من قبل وزارة التربية والتعليم ووزارة الأشغال العامة على المدعى عليها مؤسسة أبو ارشيد للمقاولات والعائد لمالكها محمود محمود محمد أبو ارشيد وانتهت إلى أن علاقة العمل تنحصر ما بين المدعى عليها والمقاول الفرعي.
وحيث إن المدعي قد أسس مطالبته في هذه الدعوى بمواجهة مؤسسة أبو ارشيد للمقاولات وصاحب العمل وزارة التربية والتعليم ووزارة الأشغال العامة وباقي المدعى عليهم على أساس الفعل الضار والمفصلة أحكامه في المواد (256) وما بعدها من القانون المدني وعلى أساس أيضاً الالتزامات الواردة في دفتر المقاولة عن كل من المقاول الأصلي وصاحب المشروع لدى تنفيذه العمل وأن المدعي يذكر بلائحة دعواه حججه في مختلف مراحل الدعوى أن صاحب العمل والمقاول الأصلي والمقاول الفرعي مسؤولون بالتعويض عن الإصابة الحاصلة له أثناء عمله في تنفيذ مشروع الصالة الرياضية العائدة لوزارة التربية والتعليم والتي قامت بتنفيذها مؤسسة أبو ارشيد للمقاولات بموجب العطاء رقم (210/2008) والمحال عليها من قبل وزارة التربية والتعليم ووزارة الأشغال العامة وعلى ضوء قوله بمسؤولية المميز ضدهم بالتعويض عن هذه الإصابة بالإضافة للمقاول الفرعي بالاستناد إلى ما سبق بأنه وكذلك قوله أن سقوطه عن السقالة التي كان يقف عليها عائدة للمدعى عليها مؤسسة أبو ارشيد للمقاولات والتي قامت بتركيبها و أوصت بالعمل عليها لمتانتها الأمر الذي كان يتوجب على محكمة الاستئناف مناقشة ذلك مناقشة وافية وعلى ضوء البينات المقدمة في الدعوى وعلى ضوء أحكام القانون والاجتهادات القضائية الصادرة في هذا الشأن وصولاً فيما إذا كان المميز يستحق أية تعويضات بمواجهة المميز ضدهم أم لا ولما لم تفعل فإن قرارها يكون في غير محله وهذا السبب يرد عليه ويتعين نقضه.
لهذا وتأسيساً على ما تقدم ودون حاجة للرد على باقي أسباب التمييز نقرر نقض القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني) ..
سابعًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن عقد المقاولة من الباطن والذي يعد من أهم العقود التي لا يكاد ينفك مشروعًا من وجودها، ويرجع وجود ذلك النوع من العقود إلى رغبة أرباب العمل في تركيز الالتزامات المستحقة لهم في مقاولين على قدر من الثقة يسهل اقتضاء الحقوق منهم متى تم التنازع فيما بينهما، هؤلاء المقاولين بقدر ما يملكون من خبره في إدارة الأعمال التي توكل إليهم يقومون بتكليف مقاولين أصغر عن طريق عقود المقاولة من الباطن، ولقد كانت التشريعات المتباينة ومنها التشريع الأردني حريصة على تنظيم العلاقة بين أطراف هذه العلاقة (رب العمل- المقاول الأصلي-المقاول من الباطن)، ورأينا أن الثلاثة تربطهم علاقات تعاقدية فيما بين رب العمل والمقاول الأصلي منفصلة وما بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن منفصلة، ورأينا متى يمكن لرب العمل الرجوع على المقاول من الباطن بالدعوى والمباشرة، وبينا إمكانية حلول المقاول من الباطن محل المقاول الأصلي في الالتزام، وأخيرًا بينا المسؤولية التي قد تقع على المقاول من الباطن بمنسابة العقد.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، طـ4، دار الفكر دمشق سوريا 2011،م، ص 95، المعجم الوسيط (1999) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الطبعة الثالثة، صـ 171
[2] د. نسرين مصطفى محمد العساف العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن في القانون الأردني. المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية. المجلد الرابع؛ العند الأول 2020م؛ جامعة عمار ثليجي الأغواط كلية الحقوق والعلوم السياسية. ص .337
[3] د. قدري عبد الفتاح الشهاوي , عقد المقاولة في التشريع المصري والمقارن , الاسكندرية ,منشأة المعارف , 1994, ص244 .
[4] د. عبد الرزاق احمد السنهوري ,الوسيط في شرح القانون المدني ,الجزء السابع, المقاولة ,القاهرة , دار النهضة العربية, ص207 .
[5] -د. رافت محمد احمد حمادة , المسؤولية المدنية لمقاول البناء من الباطن في القانون المدني , بلا مكان طبع , القاهرة , 1995 ,ص26 .
[6] المحامي محمد عبد الرحيم عنبر , عقد المقاولة , دراسة مقارتة بين تشريعات الدول العربية , 1977 , ص192

