أسباب رد القاضي

حرص المشرع الأردني على إحداث نظام قضائي يتصف بالعدالة والنزاهة والحيادية ، بحيث يكون بعيد كل البعد عن أي شبهات قد تمس عدالته عند إصدار أحكامه ، فكفل لكل من يلجأ للقضاء بالحصول على محاكمة عادلة ، ولتحقيق العدالة في الأحكام القضائية لا بد من أن يتصف القاضي بصفات تجعله بعبداً  عن أي شكوك حول حيادته ، ولذلك نص قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 134 على الأسباب التي قد تجعل القاضي يحيد عن العدالة مما يستوجب رده للحفاظ على مبادى العدالة القضائية وكذلك بين كيفية طلب رد القاضي، وقد سبق وأن تحدثنا عن حالات عدم صلاحية القاضي لنظر الدعوى ، وعن حالات بطلان عمل القاضي ، فما مدى الارتباط بينهم وبين أسباب رد القاضي؟.

المقصود برد القاضي

هو منع القاضي من نظر الدعوى، كلما قام سبب من أسباب الرد، المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 134، وذلك من خلال طلب يتقدم به أحد الخصوم يطلب فيه تنحية القاضي عن نظر الدعوى لتوافر أحد أسباب رده التي تدعو إلى الشك في قضائه بغير ميل أو تحيز لأحد الخصوم دون الأخر.

الهدف من رد القاضي عند توافر أحد أسباب الرد

أولاً لتحقيق العدالة وإعمالاً لمبدأ حيادة القاضي ونزاهته عند إصدار الأحكام القضائية، ثانياً حمايةً للقضاة من الدعاوى الكيدية التي تؤثر على دور القاضي في إداء واجبه، فنظام رد القاضي يضمن لنظام القضائي البعد عن أي شبهات قد تؤثر في عدالته وتزعزع الثقة به.

أسباب رد القاضي

نصت المادة 134 على أسباب رد القاضي وهي:

  1. إذا كان له أو لزوجه دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها أو إذا جدت لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجه بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه.

يشترط هذا السبب عدة شروط لكي يكون سبباً في رد القاضي، وهذه الشروط هي:

أولاً: أن تتماثل الدعوتين، إما أن تكون وقائع الدعويين متشابهة أو اتحاد موضوع الدعوى، ثانياً أن تكون هناك خصومة لاحقة على رفع الدعوى بين القاضي وزوجه، فمن الممكن أن تؤثر على حيادة القاضي، ثالثاً ألا يكون الهدف من رفع الدعوى رد القاضي عن نظر الدعوى، حتى يتم منع التحايل على القانون واتخاذ هذا السبب وسيلة لرد القاضي عن نظر الدعوى.

  1. إذا كان لمطلقته التي له منها ولد أو لاحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي بقصد رده.

يشترط لإعمال هذا السبب توافر شرطين وهما:

أن يكون طرفاً في الخصومة أحد أقارب القاضي المذكورين في النص على سبيل الحصر، وألا يكون المقصود من رفع هذه الدعوى رد القاضي عن نظر الدعوى.

هل يكون سبباً للرد إذا كان لمطلقته التي ليس له منها ولد خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه؟

  لا يكون سبباً للرد إذا لم يكن له ولد من مطلقته التي لها خصومة قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه، وذلك لانقطاع الصلة بينها وبين القاضي.

3.     إذا كان أحد الخصوم يعمل عند القاضي.

ويقصد بعمل أحد الخصوم عند القاضي، هو الخصم الذي تربطه بالقاضي رابطة تبعية ولا يشترط أن تكون هناك علاقة تعاقدية بينهما، ويشمل الوكيل والكاتب والسكرتير والعامل والخادم، ولا يشترط فترة زمنية معينة لتلك الرابطة.

4.     إذا كان قد اعتاد مساكنة أحد الخصوم أو كان قد تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده.

يقصد بالمساكنة التي تستوجب الرد هي المساكنة في نفس السكن أما المساكنة في نفس العمارة وفي شقق منفصلة لا يعد سبباً لرد القاضي، كما أن الهدية تعد من سبباً لرد القاضي وذلك بغض النظر عن قيمة هذه الهدية، فالهدية بحد ذاتها تدل على الود والصداقة التي من الممكن أن تؤثر على حيادة القاضي.

5.     إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل.

وهذا السبب عام، وقد جاء ليشمل كل الصور التي من الممكن أن تثير الشك حول قدرة القاضي على الحكم بغير ميل أو تحيز إلى أحد أطراف الخصومة.

هل تعد العداوة القائمة بين القاضي ووكيل أحد الخصوم سبباً من أسباب رد القاضي؟

لا، إن العداوة التي تجيز رد طلب القاضي هي العداوة القائمة أو التي تقوم بين القاضي وأحد الخصوم وليس بين القاضي ووكيل أحد الخصوم.

هل من الممكن اعتبار طلب رد القاضي سبباً بذاته للرد؟

هل من الممكن اعتبار طلب رد القاضي سبباً لرد القاضي، المشرع لم ينص على طلب رد القاضي كأحد أسباب الموجبة لرد القاضي، إلا أن تقديم طلب لرد القاضي قد ينشئ خصومة حقيقية بين طالب الرد والقاضي، بحيث يمكن اعتباره سبباً للتنحي الجوازي من قبل القاضي إذا ما شعر بالحرج من الاستمرار في نظر الدعوى.

الأثر الذي يترتب على توافر أحد أسباب رد القاضي

إن أسباب رد القاضي لا ترتب أي أثر في حال لم يتنحى القاضي من تلقاء نفسه عند توافر إحداها ، ولم يقم أي من الخصوم بتقديم طلب رد القاضي ، بمعنى أنه في حال توافرت إحدى أسباب رد القاضي ونظر القاضي في الدعوى فحكمه صحيح ولا يبطل ، وذلك لأنه لم يتم تقديم طلب رده ولم يتنحى من تلقاء نفسه ، وعليه فإن الأثر الذي ترتبه أسباب رد القاضي وإنما يتوقف على طلب الخصم منع القاضي من نظر الدعوى، فإذا لم يطلب الخصم رد القاضي عن نظر الدعوى، كان حكمه فيها صحيحاً  ، إلا أن هناك واجباً أخلاقياً يرجع إلى تقدير القاضي  وهو تنحيه عن نظر الدعوى إذا قام به سبب من أسباب الرد للابتعاد عن الشبهات. ( في ذلك انظر تفصيل أكثر في مقال عن إجراءات رد القاضي )

رد القاضي وعدم صلاحيته

قد فرق المشرع الأردني بين أسباب رد القاضي وحالات عدم صلاحيته ، فقد نص على أسباب رد القاضي في المادة 134 وعلى حالات عدم صلاحيته لنظر الدعوى في المادة 132 ، ورتب على توافر إحدى حالات عدم الصلاحية بأن يصبح القاضي ممنوعاً من نظر الدعوى ، وفي حال نظرها يكون حكمه باطلاً حتى ولو لم يعترض أي من الخصوم على نظر الدعوى من قبله ، وذلك على خلاف توافر أحد أسباب رد القاضي ولم يتم تقديم طلب لرده واستمر القاضي في نظر الدعوى فيكون حكمه صحيحاً ولا يترتب عليه البطلان ،كما أن حالات عدم صلاحية القاضي من النظام العام ، أي بمجرد توافر إحداها يتوجب على القاضي أن يتنحى عن نظر الدعوى ، أما عند توافر أسباب رد القاضي فللقاضي أن يتنحى أو لا ، و يجب تقديم طلب من أحد الخصوم لمنع القاضي من نظر الدعوى .

هل يستطيع الخصم الذي تقدم بطلب لرد القاضي بالتنازل عن طلبه؟

لطالب الرد حق التنازل عن طلبه باعتبار طلب الرد حقاً للخصم له أن يطلبه أو لا يطلبه، فإن لم يطلبه فإن القاضي يستمر في رؤية الدعوى ويكون القرار الصادر صحيحاً، حتى لو توفر سبب من أسباب الرد، بعكس توفر سبب من أسباب عدم صلاحية القاضي لنظر الدعوى، فهي من النظام العام وعدم مراعاتها يؤدي إلى البطلان.

النصوص القانونية المتعلقة بأسباب رد القاضي

قانون أصول المحاكمات المدنية

المادة 134:

  1. إذا كان له أو لزوجه دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها أو إذا جدت لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجه بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه.
  2. إذا كان لمطلقته التي له منها ولد أو لاحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي بقصد رده.
  3. إذا كان أحد الخصوم يعمل عنده.
  4. إذا كان قد اعتاد مساكنة أحد الخصوم أو كان قد تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده.
  5. إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل.

اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بموضوع أسباب رد القاضي

الحكم رقم 1931 لسنة 2006

المبدأ

  1. يستفاد من المادتين 132 ، 134 من قانون أصول المحاكمات المدنية الباحثتين في حالات عدم صلاحية القضاة وأسباب ردهم عن نظر الدعوى المعروضة عليهم :
    1- أنه يشترط لقبول طلب رد القاضي لسبب من أسباب الرد ، أن تكون هناك قضية معروضة ينصب الطلب على رده عن نظرها ، وهو أمر غير متحقق في طلب المستدعييْن بالنسبة للقاضي الأستاذ عبد الرحمن البنا ، الأمر الذي ينبني عليه وجوب رد الطلب عنه شكلاً .
    2- إنّ العداوة التي تجيز رد طلب القاضي هي العداوة القائمة أو التي تقوم بين القاضي ، وأحد الخصوم ، وليس بين القاضي ووكيل أحد الخصوم ، وبالتالي فإنّ العداوة بين القاضي ووكيل أحد الخصوم على فرض صحة قيامها لا تندرج تحت منطوق المادة 134/5 من قانون أصول المحاكمات المدنية .

3- إنّ القرابة أو المصاهرة القائمة بيْن القاضي وأحد الخصوم التي تشكل سبباً لرد القاضي هي القرابة من الدرجة الرابعة وبينه وبين المدافع أو الوكيل عن أحدهم تكون حتى الدرجة الثانية وهو ما ليس متحققاً في الحالة المعروضة بالنسبة للقاضي السيد الدكتور محمد فريحات.

إعداد المحامية: ليلى خالد.