تعارض المصالح في عقد الوكالة التجارية
دائماً ما تكون السياسة التشريعية التي ينتهجها مشرعي دول العالم هي العمل على إقامة توازن بين المصالح المُتعارضة، فلما كان كل شخص يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية فإن ذلك قد يقيم في العديد من الأحيان نوعاً من تعارض المصالح بين الأشخاص فكان لزاماً أن يكون دور المشرع هو التدخل لمحاولة الحد من هذا التعارض وإقامة نوعاً من التوازن بين مصالح الأفراد. وتتجلى تلك الفكرة في عقد الوكالة عندما تتعارض مصلحة الوكيل مع مصلحة الموكل الأمر الذي كان يستدعي تدخل تشريعي ليتناول هذا الموضوع بالتنظيم القانوني، ذلك أن وفقاً للقاعدة العامة فإن الوكيل يلتزم بتحقيق مصالح موكله، ولكن من المتحتم أن تكون هناك آثار قانونية تترتب حال تعارض المصالح بين الوكيل والموكل.
ثانياً: خصائص عقد الوكالة التجارية:
أولاً: تعريف الوكالة:
أورد المشرع الأردني تعريف الوكالة التجارية بمقتضى نص المادة (80) من قانون التجارة والتي نصت على أن (تكون الوكالة تجارية عندما تختص بمعاملات تجارية، وبوجه أخص يسمى هذا العقد وكالة بالعمولة ويكون خاضعا لأحكام الفصل الآتي عندما يجب على الوكيل أن يعمل باسمه الخاص أو تحت عنوان تجاري لحساب من وكله، وعندما يجب على الوكيل أن يعمل باسم موكله تكون حقوقه والتزاماته خاضعة للأحكام الواردة بهذا الشأن في القانون المدني).
إذن فالملاحظ على النص السابق أنه يقيم تفرقة بين نوعين من الوكالة وهما الوكالة التجارية والتي تخضع لأحكام الوكالة المدنية والوكالة بالعمولة والتي تتحقق عندما يكون تعامل الوكيل باسمه الشخصي وليس باسم الموكل على أن يكون مُلتزم بنقل آثار التصرفات إلى الموكل فيما بعد.
إلا أن القاسم المُشترك بين كافة أنواع الوكالات – سواء كانت مدنية أو تجارية أو بالعمولة – أن الوكيل يعمل لحساب ومصلحة الموكل ومن ثم كان من المُتعين عليه أن يبذل عنايته في تحقيق مصلحة الأخير.
ثانياً: خصائص عقد الوكالة التجارية:
يتسم عقد الوكالة – سواء كانت وكالة تجارية أو بالعمولة – بعدة خصائص وهي:
- أن كافة الوكلاء يعملون لحساب ومصلحة الموكل.
- أن عقد الوكالة في الأصل هو عقد رضائي فلا يحتاج إلى أن يُفرغ في شكل مُعين لإبرامه باستثناء تلك الحالة التي يكون فيها التصرف الذي يراد إبرامه من قبل الوكيل شكلياً ففي هذه الحالة يتعين أن يُفرغ عقد الوكالة في الشكل المطلوب للتصرف الأصلي. مع ملاحظة أن المشرع الأردني قد اشترط تسجيل عقد الوكالة التجارية إلا أن ذلك لا يقدح في كون عقد الوكالة هو عقد رضائي ينعقد بمجرد تلاقي إرادتي أطراف العلاقة التعاقدية وهو ما يتضح بجلاء من نص المادة (21) من قانون الوكلاء والوسطاء – قبل إلغاء العمل به – التي لم ترتب بطلان عقد الوكالة الذي لم يتم كتابته وتسجيله وإنما اقتصرت على تغريم المخالف لأحكام هذا القانون.
- يُعد عقد الوكالة من العقود المُلزمة للجانبين، حيث إنه يترتب التزامات مُتقابلة على أطراف العلاقة التعاقدية.
- يكون محل عقد الوكالة دائماً عملاً قانونياً وليس عملاً مادياً، وفيما يتعلق بالوكالة التجارية فإن العقد يكون تجارياً دائماً بالنسبة للوكيل.
- يقوم عقد الوكالة على فكرة الاعتبار الشخصي ذلك أن شخصية الوكيل تُعد محل اعتبار في عقد الوكالة.
- يتميز عقد الوكالة بأنه عقد غير لازم حيث يكون للموكل الحق في عزل الموكل، وفي المقابل يكون للوكيل أن يتنحى عن عمله في أي وقت شاء وذلك وفقاً للقواعد العامة.
ولكن يثور تساؤل على درجة من الأهمية وهو ما حكم ورود نص في عقد الوكالة يمنع عزل الوكيل من جانب الموكل ويمنع أن يتنحى الوكيل دون إرادة الموكل؟
الواقع أن قاعدة عدة لزوم عقد الوكالة هي من الأمور التي تتعلق بالنظام العام ومن ثم يقع باطلاً كل اتفاق يخالف تلك القاعدة، ومن ثم فإن هذا البند الذي قد يرد في العقد فإنه يعد باطلاً مع بقاء العقد صحيح إلا إذا تبين أن نية المُتعاقدين لم تكن لتتجه لإبرام هذا التعاقد لولا وجود هذا الشرط مما يكون له أثر في انسحاب البطلان على العقد برمته.
وهذا ما يتضح من نص المشرع الأردني بمقتضى المادة (89) من قانون التجارة على أن (أن الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع)، فهذا النص يدل على تأكيد القاعدة السابقة وهي عدم لزوم عقد الوكالة، فكل ما في الأمر أن المشرع جعل الطرف الذي ينهي الوكالة دون مسوغ مُلزم بالتعويض.
ثالثا: عزل واعتزال الوكيل:
1- حالة عزل الوكيل:
حتى يكون العزل صحيحاً فإنه يتقيد بقيدين وهما:
القيد الأول : علم الوكيل بالعزل، حيث إنه إذا تم عزل الوكيل دون علمه فإنه يترتب على ذلك أن كافة التصرفات التي يعقدها الوكيل تكون مُلزمة للموكل شريطة أن يكون الغير الذي تعامل مع الوكيل حسن النية، حيث لو كان الغير عالماً بعزل الوكيل وتعامل معه على الرغم من ذلك فإن ذلك من شأنه ألا يجعل التصرف نافذاً في حق الموكل.
وينطبق ذات الحكم في حالة أن يترك الأصيل سند النيابة في يد النائب بعد انتهاء النيابة[1].
القيد الثاني : ألا يتعلق بالوكالة حق للوكيل أو للغير، فلو كان للوكيل حق نشأ بسبب الوكالة فلا يكون هناك محل للاعتداد بالعزل في هذه الحالة وتظل الوكالة سارية لحين استيفاء الوكيل حقه، وينسحب هذا الحكم على حالة ما إذا كانت الوكالة صادرة لصالح الوكيل حيث لا يكون العزل نافذاً، بل تبقى وكالة الوكيل قائمة بالرغم من عزله وينصرف أثر التصرف للموكل[2].
وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 4306 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-11-30 والتي قضت فيه بأن (المادة 14 من قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين رقم 28 لسنة 2001 تنص على إنه إذا ألغى الموكل عقد الوكالة قبل انتهاء مدته دون خطأ من الوكيل أو لأي سبب غير مشروع يحق للوكيل مطالبة الموكل بتعويض عن الضرر الذي يلحق به والربح الذي يفوته , أي أن المشرع أعطى للوكيل التجاري في حال قيام الموكل بإلغاء عقد الوكالة التجارية قبل انتهاء مدته دون خطأ من الوكيل أو لأي سبب غير مشروع الحق بمطالبة الموكل بتعويض عن الضرر إضافة إلى حقه بالمطالبة بالربح الذي يفوته).
2- حالة اعتزال الوكيل:
وفقاً لنص المادة (97) من قانون التجارة والتي نصت على أن (الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع).
ومن ثم يتضح من النص السابق أن الوكيل يكون له الحق في إنهاء الوكالة دون الحصول على موافقة من الموكل، إلا أنه إذا كان إلغاء الوكالة بدون مسوغ فيكون للموكل في هذه الحالة أن يرجع على الوكيل بالتعويض.
رابعاً: التزامات الوكيل:
1- الالتزام بتنفيذ الوكالة:
يُعد عقد الوكالة بمثابة التعليمات التي يتعين على الوكيل أن يلتزم بها دون أن يجاوز حدودها، فهو إن تعاقد خارج تلك الحدود التي رسمها له الموكل فإن الأخير لا يكون مُلزماً بالتصرف الذي أبرمه الوكيل ويكون للغير الذي تعاقد الوكيل معه أن يرجع على الوكيل طبقاً لقواعد المسئولية التقصيرية حيث إنه لا يُمكن إلزام الوكيل بهذا التصرف لأنه يتعامل باسم الموكل ولحسابه.
ومع ذلك فإن التصرف الذي يبرمه النائب خارج حدود نيابته من الممكن أن تنصرف آثاره إلى الأصيل إذا كان الغير الذي تعامل مع النائب حسن النية لا يعلم بمجاوزة النائب لحدود نيابته وكانت لديه أسباب قوية تدعو إلى الاعتقاد بأن النائب قد تعامل في حدود نيابته[3]، وخير تطبيق على ذلك هو عندما يقوم الموكل أو “الأصيل” بإلغاء الوكالة دون أن يعلم الوكيل، ففي هذه الحالة يكون الموكل مُلزم بالتصرفات التي أجراها الوكيل مع الغير حسن النية.
وعلى الوكيل أن يزود الموكل بكافة المعلومات التي تتعلق بما يبرمه من صفقات أو ما يجريه من تعاملات ويكون ذلك في الوقت المُناسب الذي لا يتسبب في إلحاق ضرر بالموكل، حيث إنه إذا ترتب على تأخر الوكيل عن إبلاغ الأصيل بالمعلومات الهامة ضرراً فإنه يكون مسئولاً أمامه عن جبر ما لحق به من ضرر، ومثال لتلك المعلومات ما يتعلق بحركة الأسعار وحالة السوق وما أبرمه من تصرفات.
ويتعين على الوكيل كذلك أن يُحافظ على البضائع التي يسلمها له الموكل فضلاً عن التزامه بحماية حقوق الملكية الصناعية والتجارية الخاصة بالموكل وأن يخطره بأي تعديات على تلك الحقوق، ويلتزم الوكيل بعدم مُنافسة بضائع موكله أو العمل مع وكالات أو أشخاص مُنافسين للموكل.
2- الالتزام بألا يكون الوكيل طرفاً ثانياً في العمليات موضوع الوكالة:
وفقا لنص المادة (90) من قانون التجارة الأردني فإنه (لا يحق للوكيل بالعمولة ان يتعاقد مع نفسه باسم موكله الا برضاه)، فالوكيل مُلزم بألا يتعاقد مع نفسه لما في ذلك من تعارض مصالح بين الوكيل والموكل، حيث إن الوكيل مُلزم بتحقيق مصلحة الموكل ومن ثم فإذا قام هو بشراء الأشياء المعهود إليه ببيعها فإن ذلك حتماً سينطوي على تعارض بين مصلحة الوكيل ومصلحة الموكل وهو ما سيؤالف إلى ترجيح الوكيل مصلحته على مصلحة الموكل.
ومن ثم يتضح من النص السابق أن الوكيل له أن يتعاقد مع نفسه في حالات مُحددة وهي:
- أن الموكل يجيز له ذلك،
- أو أن يكون البيع بثمن تم تحديده مُسبقاً من الموكل.
ففي الحالتين السابقتين ينتفي وجود تعارض مصالح بين الوكيل والموكل مما يكون معه جائزاً للوكيل أن يتعاقد مع نفسه.
3- تسلم البضائع والترويج لها:
يتعين على الوكيل أن يتسلم البضائع من الموكل وأن يروج لها طالما كان ذلك من مُقتضيات تنفيذ عقد الوكالة كما لوكان محل هذا العقد هو بيع تلك البضائع، ويكون للوكيل إرجاعها إلى الموكل إذا تعذر عليه بيعها.
ويكون الموكل هو الذي يتحمل نفقات ومخاطر النقل والتخزين إلا في حالة أن الوكيل هو الذي طالب بتسلم تلك البضائع لبيعها.
وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٤٤٣٥ لسنة ٧٩ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٢/٠١/١٠ والتي قضت فيه بأن (مؤدى النص في المواد ١٧٧ ، ١٧٨ ، ١٨٨ من قانون التجارة رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ يدل على أن وكالة العقود – باعتبارها صورة من صور الوكالة التجارية – هي عقد يلتزم بموجبه الوكيل بأن يتولى على وجه الاستمرار في منطقة نشاط معينة الترويج والتفاوض وإبرام الصفقات باسم الموكل ولحسابه مقابل أجر، وقد يكون دور الوكيل مقصورا على إبرام الصفقات وقد يمتد ليشمل تنفيذ هذه الصفقات باسم الموكل ولحسابه).
4- الالتزام بعدم مُنافسة الموكل:
يُعد هذا الالتزام أحد أهم الالتزامات المترتبة على عقد الوكالة، حيث يلتزم الوكيل بعدم إتيان أي فعل من شأنه أن ينطوي على أعمال تنافسية لبضائع موكله، فلا يحق له أن يتعاقد مع وكالات مُنافسة أو يقبل الترويج لبضائع مُنافسة لبضائع موكله.
فعلى الرغم من أن للوكيل الحق في أن يبرم تعاقدات أخرى مع أشخاص أو وكالات غير تابعة لموكله إلا أن ذلك مشروط بألا تكون تلك التعاقدات مع وكالات أو أشخاص منافسين للموكل لما في ذلك من إضرار بمصلحة الموكل.
والواقع من الأمر أن قاعدة التزام الوكيل بعدم مُنافسة الموكل هي قاعدة عُرفية تتلاءم مع طبيعة الوكالة التجارية وتحقق الغرض المقصود منها، لذلك فإنه يتعين على الموكل أن يضع شرط عدم المنافسة في صلب عقد الوكالة حتى يكون الوكيل مُلزماً به.
ففي هذا الصدد يكون للوكيل أن يورد مثل هذا النص في عقد الوكالة ويصرح بأنه ليس للوكيل التعامل مع أشخاص منافسين إلا بالحصول على إجازة كتابية من الموكل وإلا كان مُخل بالتزاماته التعاقدية، وهذا الإخلال من شأنه أن يعرض الوكيل للمسئولية ومُطالبته بالتعويض فضلاً عن فسخ التعاقد المبرم بينه وبين الموكل.
فضلاً عن أن الوكيل مُلتزم بعدم الإفصاح عن أسرار عمل الموكل للمنافسين لما في ذلك من إضرار بمصلحته، فالأعمال التجارية تنطوي على العديد من المعلومات التي يجب أن تظل حبيسة الكتمان، فإذا تمكن الوكيل – بحكم عمله – من الاطلاع على تلك البيانات أو المعلومات فإنه يتعين عليه ألا يفصح عنها للغير إلا بإذن كتابي من الموكل.
خامساً: التزامات الموكل:
1- الالتزام بدفع الأجر والعمولات:
وفقاً لنص المادة (81/1) من قانون التجارة الأردني فإنه (في المواد التجارية يستحق الوكيل الأجر في جميع الأحوال ما لم يكن هناك نص مخالف، وإذا لم يحدد هذا الأجر في الاتفاق فيعين بحسب تعريفة المهنة أو بحسب العرف أو الظرف)، فضلا عن النص المادة (93) والتي ننتص على أن (تستحق العمولة بمجرد انعقاد العملية وإن لم يقم المتعاقد الآخر بالالتزامات التي أخذها على عاتقه، إلا إذا كان عدم القيام بها ناتجاً عن خطأ ارتكبه الوكيل بالعمولة، وتستحق العمولة أيضا إذا حال دون إتمام العملية سبب يعزى إلى الموكل، في العمليات التي حالت دون إتمامها أسباب إخريص فلا يحق للوكيل بالعمولة مقابل سعيه سوى المطالبة بالتعويض الذي يفرضه عرف المحل).
فالوكيل إذن يستحق الأجر وعادة ما يكون هذا الأجر مُتمثل في صورة نسبة مئوية من الصفقة التي عُهد إليه في إبرامها، فإذا لم يتم تحديد قيمة الأجر فيكون للوكيل الحق في أجر المثل وفقاً للأعراف المُتبعة في هذا الشأن وفي حالة عدم وجود عرف يُحدد أجر الوكيل في هذه الحالة فإن قاضي الموضوع هو الذي يتولى تحديد هذا الأجر.
وهذا ما أكدت عليه محكمة صلح حقوق بتراء في حكمها رقم 323 لسنة 2017 – صلح حقوق البتراء/ وادي موسى الصادر بتاريخ 21-12-2017 والتي قضت فيه بأن (احد التزامات الموكل بموجب عقد الوكالة هو التزامه بدفع الأجر المتفق عليه للوكيل ، وحيث ان الموكل ( المدعى عليه ) قد وقع على اتفاقية أتعاب فانه ملزم قانونا بان يؤدي الأجر المتفق عليه لوكيله ( المدعي ) كما هو محدد بالاتفاقية المبرمة بينهما وعند استحقاقه ، حيث انه يستحق وفقا لتلك الاتفاقية بمجرد التوكيل وهذا ما ورد في البندين (10 و 15 ) من الاتفاقية الخطية ، وان مثل ذلك الاتفاق جائز قانونا ذلك ان العقد شريعة المتعاقدين ودستورهما والعلاقة التي تربطهما تنظمها شروط وبنود هذا العقد طالما لم تكن مخالفه للقانون أو النظام العام).
وعادة ما يكون الوكيل مُستحق للعمولة بغض النظر عن تنفيذ الصفقة أم لا، حيث إن الوكيل يكون مُلزم بإبرام العقد دون تنفيذه إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك، فإذا كان الوكيل ضامناً لتنفيذ الصفقة فلا يستحق العمولة إلا بعد تمام التنفيذ مالم يكن عدم التنفيذ راجعاً إلى خطأ الموكل ففي هذه الحالة يكون من حق الوكيل الحصول على العمولة.
أما إذا كان عدم تنفيذ الصفقة راجعاً إلى سبب أجنبي لا يرجع إلى خطأ الموكل – وكان الوكيل ضامناً لتنفيذ الصفقة – فإنه في هذه الحالة لا يستحق سوى تعويض فقط.
ضمانات الوكيل في استيفاء حقه:
يكون للوكيل حق امتيازكما للوفاء بما له من دين في ذمة الموكل وفي هذا الصدد تنص المادة (96) من قانون التجارة الأردني على أن (للوكيل بالعمولة امتياز على قيمة البضائع المرسلة إليه أو المخزونة أو المودعة لأجل استيفاء جميع القروض والسلف والمدفوعات التي قام بها سواء إكانة قبل تسلمه البضائع أم في مدة وجودها في حيازته، وينشأ هذا الامتياز بمجرد إرسال البضائع أو خزنها أو إيداعها، ويدخل في الامتياز مبلغ الدين الأصلي مع الفوائد والعمولات والنفقات، وإذا كانت البضائع قد بيعت وسلمت لحساب الموكل فيحق للوكيل بالعمولة أن يستوفي من ثمنها قيمة دينه قبل دائني الموكل).
يتضح إذن من النص السابق أن للوكيل حق امتياز على بضائع موكله أو ثمنها إذا تم بيعها للوفاء بحقه في الأجر أو العمولة، ويدخل في نطاق حق الامتياز ما يكون للوكيل من أجر أو عمولة فضلاً عن ماله من نفقات أو فوائد، ومن ثم فإن له أن يتقاضى تلك الديون بالتقدم على دائني الموكل دون أن يقتسم معهم قسمة غرماء وذلك بما له من حق امتياز.
فضلاً عن أن للوكيل الحق في حبس ما يكون تحت يده من أموال الموكل لحين استيفاء ما له من حق في ذمة الأخير.
وهذا ما بينته محكمة بداية جنوب عمان في حكمها رقم 1331 لسنة 2018 – بداية جنوب عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2018-05-06 والتي قضت فيه بأن (ضمانات الوكيل هي حق الامتياز، حق الحبس).
2- الالتزامات برد نفقات تنفيذ الوكالة:
وفقاً لنص المادة (95) من قانون التجارة الأردني والتي نصت على أن (يحق للوكيل بالعمولة أن يسترد جميع النفقات والسلف والمصاريف التي قام بها لمصلحة الموكل مع فوائدها، ويحق له أيضاً أن يدخل في الحساب تعويضا مقابل نفقات الخزن والنقل، ولكنه لا يستطيع أن يطلب أجراً لمستخدميه).
ويتعين حتى يستحق الوكيل تلك النفقات أن يتحقق شرطين وهما:
- يجب أن تكون تلك النفقات ضرورية لتنفيذ عقد الوكالة في النطاق المحدود لإتمام هذا التنفيذ، ومن ثم لا يدخل ضمن تلك النفقات ما يكون من نفقات زائدة يُمكن للوكيل أن يتلافاها.
- أن تكون النفقات مشروعة، فلو دفع الوكيل رشوة لم يجز له استردادها[4].
ويكون على الموكل التزام بأن يدفع للوكيل الفوائد القانونية الخاصة بالمصاريف والنفقات التي قام بإنفاقها من وقت نشأتها وحتى سداد قيمتها.
سادساً: فسخ الوكالة التجارية:
كما ذكرنا سابقاً؛ فإن عقد الوكالة هو من العقود غير اللازمة، ومن ثم يكون لأي من طرفيه أن ينهي العقد وفقاً لإرادته المُنفردة شريطة ألا تكون الوكالة قد تعلق بها حقاً للغير أو حقاً للوكيل، ففي غير تلك الحالتين يمكن أن يتم إنهاء الوكالة بالإرادة المُنفردة، ولكن قد يتسحج الطرف الآخر تعويضاً إذا كان إنهاء الوكالة قد تم دون مبرر.
مع ملاحظة أن هناك حالات يكون فيها للموكل أن ينهي الوكالة دون أن يكون للوكيل الحق في المطالبة بالتعويض، ونذكر من تلك الحالات:
- وجود غش من الوكيل ضد الموكل أو العملاء.
- قيام الوكيل بأعمال تضر بمركز الموكل مثل التشهير به أو ببضائعه أو اللتواني في استلامها.
- قيام الوكيل بتسويق بضائع منافسة للغير.
وعلى الجانب العكسي يكون للوكيل إنهاء الوكالة دون أن يكون للموكل الحق في الرجوع عليه وذلك في عدة حالات منها:
- اعتياد الموكل على أن يسلمه بضائع معيبة ولو انتفى فيه سوء النية.
- إذا قصر الموكل في آدا التزاماته المالية.
- نقصان حجم المبيعات لسوء الأحوال الاقتصادية مما ترتب عليه انتقاص العمولات التي يتقاضاها الوكيل.
ففي مثل الحالات يكون هنا لكل من الطرفين سبباً مشروعاً في إنهاء الوكالة دون أن يكون للطرف الأخر الحق في الحصول على ثمة تعويضات.
أما في غير ذلك من الحالات فإن الطرف الذي ينهي الوكالة دون مسوغ عليه أن يعوض الطرف الأخر، ومن ثم فحتى يحصل الطرف الأخر عن تعويض بسبب إلغاء الوكالة فيتعين توافر عدة شروط وهي:
- يجب أن يكون هناك فسخاً للوكالة، حيث إن مجرد رفض التجديد لا يُعد سنداً للحصول على تعويض شريطة ألا يكون العقد مُتضمن وعداً بالتجديد.
- يجب ألا يكون الوكيل – أو الطرف الذي يُطالب بالتعويض – قد صدر منه خطأ، وفي هذا تنص المادة (97) من قانون التجارة الأردني على أن (الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع).
وتأكيداً لحق الوكيل في التعويض الراجع إلى فسخ الوكالة بدون مسوغ فقد قضت محكمة بداية عمان في حكمها رقم 333 لسنة 2020 – الغرفة الاقتصادية – عمان الصادر بتاريخ 2020-11-30 بأن (من حق الشركة المدعية المطالبة بالتعويض عن فسخ وإلغاء الشركة المدعى عليها لعقده مع الشركة المدعية وفقا لأحكام المادة (14) من قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين والمادة (97) من قانون التجارة والمادة (858) من القانون المدني بتعويض يساوي الضرر الذي لحق بها والربح الذي فات عليها وتقدر الشركة المدعية كتقدير أولي التعويض الذي تستحقه بسبب فسخ وإلغاء الوكالة من قبل المدعى عليها بما في ذلك النفقات التي أنفقتها لغايات المدعى عليها طوال أربعة وخمسون عاماً والربح الفائت نتيجة إنهاء العقد دون مبرر من واقع أو قانون بمبلغ (6 مليون دينار أردني) إضافة كما أصاب الشركة المدعية من أضرار معنوية ومساس بالسمعة إذ أن من حق الشركة المدعية المطالبة بالنفقات التي أنفقتها في سبيل تنفيذ عقد الوكالة مع المدعى عليه مع الربح الفائت وما أصاب سمعها نتيجة الإنهاء غير المبرر).
————-
[1] الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد – النظرية العامة للالتزام – دار الجامعة الجديدة – 2017 – ص 156.
[2] الدكتور/ جورج حزيون – أثر تعارض مصالح الأطراف على إنهاء عقد الوكالة التجارية في القانون الأردني – 1994- ص 215، 216.
[3] الدكتور/ رمضان أبو السعود – مصادر الالتزام – دار الجامعة الجديدة – 2018 – ص61.
[4] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد العقود الواردة على العمل (الجزء السابع – المجلد الأول) – ص 552.
إعداد/المحامي سامي العوض وأحمد منصور.

