الدعوى الصورية

الدعوى الصورية

جوهر الصورية يتمثل في وجود عقد ظاهر تختفي وراءه الحقيقة، فالصورية تنشئ وضع مزيف مُخالف للحقيقة بحيث يتمثل الأمر في وجود عقد حقيقي يخفي عقد آخر مستتر لا يعلم أمره سوى المتعاقدان، وهذا الأمر يترتب عليه اختلاف الأحكام التي تنطبق فيما بين المتعاقدين وخلفهم العام عن تلك الأحكام التي تنطبق في مواجهة الغير.

وفي مقالنا الحالي سنلقي الضوء على كافة الأحكام المُتعلقة بالصورية ثم سنتطرق لبيان مدى إمكانية أن تشكل الصورية جريمة تزوير.

أولاً: ماهية الصورية:

ثانياً: أحكام الصورية:

ثالثاً: أحكام الصورية بالنسبة إلى الغير:

رابعاً: ما مدى اعتبار الصورية جريمة تزوير؟

أولاً: ماهية الصورية:

1- مفهوم الصورية:

تُعد الصورية صورة من صور التحايل التي يلجأ إليها أطراف العلاقة التعاقدية لإخفاء تصرف قانوني حقيقي بتصرف آخر صوري، ومن ثم فإننا نكون بصدد عقدين: وهما العقد الحقيقي أو العقد المستتر والعقد الصوري أو العقد الظاهر.

وقد عرفها البعض – أيضاً – بأنها اتخاذ مظهر كاذب عن إجراء تصرف قانوني، فهي موقف ظاهر غير حقيقي يستر موقفاً خفياً[1].

في حين أن محكمة التمييز الأردنية تعرف الصورية في حكمها رقم 3478 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-12-05 والتي قضت فيه بأنه (يقصد بصورية العقد بشكل عام خلق وضع ظاهر يخالف حقيقة الواقع وفي مجال العقد تتمثل الصورية في وجود عقد ظاهر أو صوري يخفي عقداً آخر هو العقد الحقيقي “المستتر”).

ومن ثم فحتى نكون بصدد صورية لابد من توافر شروط أربع وهي:

  • يجب أولاً أن يكون أطراف التصرف الحقيقي هم ذاتهم أطراف التصرف المُستتر، أي أنه يشترط وجود وحدة في أطراف التعاقدين الحقيقي والمستتر.
  • ويجب ثانياً أن ينصب العقدين على ذات الموضوع، أما إذا اختلف موضوع العقدين فلا نكون بصدد صورية، فمثلاً إذا كان موضوع العقد الأول إبرام عقد بيع في حين أن موضوع العقد الثاني فسخ العقد الأول فإننا في هذه الحالة لا نكون بصدد صورية.
  • ويجب ثالثاً تعاصر إبرام كل من العقدين الحقيقي والصوري مُعاصرة ذهنية، وهذا ما قد يؤدي إلى وجود تعاصر مادي بين العقدين أو أن يتم تتابع العقدين بأن يتم إبرام العقد المستتر والذي يسمى عملاً “بورقة الضد” بعد إبرام العقد الصوري، فاختلاف تاريخ إبرام العقدين لا ينهض بذاته كقرينه قاطعة على نفي الصورية.
  • ويجب أخيراً وجود اختلاف بين العقدين من حيث ماهية العقد أو أركان أو شروط كل منهما.

2- أنواع الصورية:

للصورية نوعان وهما صورية مطلقة وصورية نسبية، وقد بينت لنا محكمة النقض المصرية نوعي الصورية في حكمها رقم ٢٩٩٥ لسنة ٧٩ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٩/٠١/٢٨ والتي قضت فيه بأن (المقرر– في قضاء محكمة النقض – أن الصورية المطلقة هي التي تتناول وجود العقد في ذاته وتعني عدم قيام العقد أصلا في نية عاقديه بما يعني انعدام العقد وعدم وجوده لانعدام وجوده في الحقيقة والواقع، أما الصورية النسبية فهي التي لا تتناول وجود العقد وإنما تتناول نوعه أو ركناً فيه أو شرطاً من شروطه أو شخص المتعاقدين أو التاريخ الذي أعطى له بقصد التحايل على القانون بما مؤداه اختلاف الصورية المطلقة عن الصورية النسبية).

وهذا أيضاً ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 3478 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-12-05 والتي قضت فيه بأن (الصورية نوعان: صورية مطلقة وصورية نسبية، والصورية المطلقة هي تلك التي تتناول وجود العقد ذاته فيكون العقد الظاهر لا وجود له في الحقيقة، أما الصورية النسبية فهي التي لا تتناول وجود العقد وإنما تتناول نوع العقد أو ركناً فيه أو شرطاً من شروطه أو شخص المتعاقدين).

أ- الصورية المُطلقة:

تتناول الصورية المطلقة وجود العقد ذاته، حيث إن العقد الظاهر لا يكون له أي وجود في الحقيقة، حيث قد يلجأ المدين – مثلاً – إلى الصورية المُطلقة ليتوقى تنفيذ الدائنين على مال يملكه فيقوم ببيع المال الذي يخشى التنفيذ عليه بيعاً صورياً حتى يكون الظاهر أمام الملأ أن هذا المال قد خرج من ذمته المالية مما يحول دون التنفيذ عليه.

وفي هذه الحالة يحصل المدين من المشتري على ورقة ضد يذكران فيها أن العقد الظاهر ما هو إلا عقد صوري لم تتجه إرادة المُتعاقدين إلى ترتيب آثاره، ويجب أن تظل ورقة الضد – أي العقد المستتر – في هذه الحالة طي الكتمان حتى يتمكن المُتعاقدين من بلوغ مأربهما الذي يستعصي بلوغه لو انكشفت الحقيقة المُستترة.

ولكن ينبغي التنويه إلى أن الصورية المطلقة لا يكون المقصود بها دائماً الإضرار بحق الدائنين حيث قد يلجأ إليها أحد الأشخاص ليتحقق في شأنه النصاب المالي للترشح إلى منصب أو مركز نيابي مُعين أو الانخراط في شركة أو جمعية تتطلب هذا المظهر أو مصاهرة أسرة تقتضي هذا اليسار[2].

ب- الصورية النسبية:

تضم الصورية النسبية حالات ثلاث وهم:

الحالة الأولى : الصورية بطريق التستر وهي تلك الواردة على طبيعة التصرف القانوني، وذلك مثلاً كأن يكون العقد الظاهر هو عقد بيع في حين أن العقد المستتر هو عقد هبة، ويكون اللجوء إلى هذا النوع من الصورية للتهرب رسمية عقد الهبة التي تطلب القانون أن يتم إبرامها على يد موظف مُختص – كما هو الحال في القانون المصري – أو أن يكون هذا النوع من الصورية إبرام لغرض التهرب من أحكام الوصية بأن يتم إخفاؤها في صورة عقد بيع.

الحالة الثانية : الصورية بطريق المضادة وهي التي تتناول ركناً أو شرطاً في العقد، وذلك كأن يُذكر في العقد الظاهر ثمناً أعلى من ثمن البيع الحقيقي لمنع الشفيع من استعمال حقه في المُطالبة بالشفعة، ويكون لدى المتُعاقدان ورقة ضد تبين الثمن الحقيقي للبيع أو ما يطلق عليه العقد المستتر.

الحالة الثالثة : الصورية بطريق التسخير وهي التي تتناول شخص أحد المتعاقدين، وذلك كأن يتم الشراء باسم شخص في حين أنه يجري في الحقيقة لحساب شخص آخر، وهذا ما يتم عادة للتحايل على قواعد القانون المُتعلقة بحظر الشراء.

حيث إن القانون قد ينص على منع بعض الأشخاص من شراء أموال معينة، وذلك مثلا كنص المادة (548) من القانون المدني الأردني التي نصت على أن (لا يجوز لمن له النيابة عن غيره بنص في القانون أو باتفاق أو أمر من السلطة المختصة أن يشتري بنفسه مباشرة أو بسم مستعار ولو بطريق المزاد ما نيط به بمقتضى هذه النيابة وذلك مع مراعاة أحكام الأحوال الشخصية)، وكذلك نص المادة (549) من ذات القانون التي نصت على أن (لا يجوز للوسطاء أو الخبراء أن يشتروا بأسمائهم أو باسم مستعار الأموال التي عهد إليهم في بيعها).

ففي مثل هذه الأحوال يتم اللجوء إلى الصورية بطريق التسخير للتحايل على أحكام القانون التي تضع على هؤلاء الأشخاص حظر الشراء.

ثانياً: أحكام الصورية:

1- أحكام الصورية فيما بين المُتعاقدين وخلفهم العام:

أ- العبرة بالعقد الحقيقي:

تنص المادة (245) من القانون المدني المصري على أن: (إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد ظاهر، فالعقد النافذ فيما بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي)، وهو ذات ما قرره المشرع الأردني بنص المادة (369) من القانون المدني والتي نصت على أن: (إذا ستر المتعاقدان عقدا حقيقيا بعقد ظاهر، فالعقد النافذ فيما بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي).

فالعبرة إذن في تكييف العلاقة بين المتعاقدين وخلفهما العام هي بالعقد المستتر “أي العقد الحقيقي” وليست بالعقد الظاهر “أي العقد الصوري”، وهذا ما يتماشى مع الإرادة الحقيقة لأطراف العلاقة التعاقدية إعلاءً لمبدأ سلطان الإرادة، فالمتعاقدان لم تتجه إرادتهما إلا إلى إعمال آثار العقد الحقيقي وليس العقد الصوري.

وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 3478 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-12-05 والتي قضت فيه بأن (تنص المادة (369) من القانون المدني على أنه : ( إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد ظاهر فالعقد النافذ فيما بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي ) يستفاد من هذا النص أنه في العلاقة بين المتعاقدين يسري العقد الحقيقي باعتبار أنه هو وحده الذي يعبر عن الإرادة الحقيقية لهما ويعتبر العقد الظاهر لا وجود له في علاقتيهما).

وفي ذات الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٠٢٧ لسنة ٥٠ قضائية الصادر بجلسة ١٩٨٤/٠٥/١٦ والتي قضت فيه بأن (طبقاً لنص المادة ٢٤٥ من القانون المدني – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد ظاهر ، فالعقد النافذ بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي والعبرة بينهما بهذا العقد وحده).

ولكن يجب الإشارة إلى أنه فيما يتعلق بالشكل فالعبرة تكون بالعقد الظاهر وليس بالعقد المستتر، ومن ثم فيجب أن يكون العقد الظاهر مستوفياً لركن الشكلية حتى يكون صحيحاً، وعلى ذلك إذا أبرم عقد بيع لإخفاء عقد هبة فلا يشترط إفراغ الهبة في الشكل الرسمي الذي يتطلبه المشرع المصري حتى يقع العقد صحيحاً لأن العبرة في الشكل تكون لعقد البيع وهو عقد رضائي سواء في القانون المصري أو الأردني.

ب- الصورية ليست بذاتها سبباً للبطلان:

طالما كان العقد الحقيقي مستوفياً لكافة أركانه وشرائط صحته فلا يتم إبطاله إذا ما اكتشف أمر الصورية، حيث يكون الجزاء المترتب في هذه الحالة هو منع الغرض الذي ابتغيا المتعاقدين تحقيقه، فمثلاً إذا استطاع الشفيع أن يثبت صورية عقد البيع ويثبت الثمن الحقيقي فإن له أن يتمسك بحقه في الشفعة ولا يدفع سوى الثمن الحقيقي دون الثمن الظاهر.

ج- إثبات الصورية فيما بين المتعاقدين والخلف العام:

يخضع إثبات الصورية فيما بين المتعاقدين للقواعد العامة في الإثبات وعلى ذلك فإن على من يدعي الصورية أن يثبت ادعائه، والقاعدة أنه لا يجوز للمتعاقدين والخلف العام إثبات ما يخالف الثابت بالكتابة إلا بالكتابة ولو لم تزد القيمة على نصاب الشهادة[3].

وهذا ما أقرته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 3478 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-12-05 والتي قضت فيه بأن (يتم إثبات الصورية بين المتعاقدين عن طريق إثبات العقد الحقيقي ويخضع إثبات العقد الحقيقي للقواعد العامة في الإثبات ففي العلاقة بين المتعاقدين لا يجوز لأيهما إثبات ما يخالف العقد الظاهر المكتوب إلا بالكتابة).

وهو ذات ما أقرته محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٢٨٢٢ لسنة ٦٨ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٠/١٠/١٨ والتي قضت فيه بأن (المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إثبات صورية التصرف، فيما بين المتعاقدين وورثتهم، لا يكون إلا طبقاً للقواعد العامة، فلا يجوز لهم إثبات صورية العقد الثابت بالكتابة بغير الكتابة).

وجديراً بالذكر أن هناك حالات يجوز فيها أن يتم إثبات عكس ما ورد بالدليل الكتابي بغير الكتابة وذلك مثلاً في حالة وجود مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي أو في حالة وجود مبدأ الثبوت بالكتابة، وهذا ما قررته المادة (30) من قانون البينات الأردني وتعديلاته والتي بينت الحالات التي يمكن أن يتم فيها الإثبات بدون كتابة وذلك بنصها على أن (يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية، حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مائة دينار:

  • إذا وجد مبدا ثبوت بالكتابة،
    ومبدأ الثبوت بالكتابة هو كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود المدعى به قريب الاحتمال.
  • إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي، أو إذا كان العرف والعادة لا يقضيان بربطها بسند.
    يعتبر مانعاً مادياً ألا يوجد من يستطيع كتابة السند أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد.
    تعتبر مانعاً أدبيا القرابة بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشي إلى الدرجة الثالثة أو ما بين أحد الزوجين وأبوي الزوج الآخر.
  • إذا فقد الدائن سنده المكتوب لسبب لا يد له فيه.
  • إذا طعن في العقد بانه ممنوع بالقانون أو مخالف للنظام العام أو الآداب.
  • لبيان الظروف التي أحاطت بتنظيم السند على أن يتم تحديدها.
  • لتحديد العلاقة بين السند موضوع الدعوى وسند آخر.
  • في حال الادعاء بأن السند أخذ عن طريق الغش أو الاحتيال أو الإكراه على أن يتم تحديد أي من هذه الوقائع بصورة واضحة).

وهو ذات ما أقره المشرع المصري بمقتضى نص المادة (62) من قانون الإثبات والتي نصت على أن (يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت الكتابة، وكل كتابة تصدر من الخصم يكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعي قريب الاحتمال تعتبر مبدأ ثبوت الكتابة)، وكذلك نص المادة (63) من ذات القانون التي نصت على أن (يجوز كذلك الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بدليل كتابي:

  • إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي .
  • إذا فقد الدائن سنده الكتابي بسبب أجنبي لا يد له فيه).

إثبات الصورية في حالة التحايل على القانون:

إذا تم استخدام الصورية كوسيلة للتحايل على القانون والتهرب من أحكامه الآمرة فإنه يجوز للمتعاقدين وخلفهما العام والخاص أن يثبتوا صورية التعاقد بكافة طرق الإثبات ولو كان العقد الظاهر ثابتاً بالكتابة ولو زادت قيمة العقد على النصاب المقرر للإثبات بالبينة، وهذا ما ينطبق في حالة أن يكون الباعث على التعاقد غير مشروع أو أن محل العقد المستتر غير مشروع.

أما إذا كان التحايل على القانون لمصلحة المتعاقدين معاً وقصد به الإضرار بالغير ممن ليس طرفاً في التصرف أو خلفاً عاماً لأحد طرفيه فإنه ليس هناك ما يبرر في هذه الحالة الخروج على القواعد العامة[4]، وعلى ذلك إذا طالب البائع أو خلفه العام المشتري بدفع مبلغ يزيد على الثمن المذكور في العقد تذرعاً بأنهم اتفقوا على إنقاص الثمن للتهرب من رسوم التسجيل فإنهم لا يملكون إثبات الثمن الأصلي إلا بالكتابة أو ما يطلق عليه ورقة الضد في هذه الحالة.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٧٢٨٦ لسنة ٨١ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٩/٠١/٢٨ والتي قضت فيه بأن (يجوز للمتعاقد إثبات الصورية التدليسية والتي تقوم على إخفاء إيجار وراء بيع تحايلاً على القانون بكافة طرق الإثبات بما فيها البينة دون التفات إلى ما ورد بنصوص العقد وما أصدره المتعاقدان من إقرارات ، كما أن سبق القضاء بصحة التوقيع في الدعوى المشار إليها لا يمنع من تمسك الطاعنة بالصورية وإثبات ذلك ، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيباً ( بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب )).

ثالثاً: أحكام الصورية بالنسبة إلى الغير:

1- من هو الغير في الصورية؟

غني عن البيان أن الغيرية تختلف باختلاف الوضع القانوني الذي تواجهه ذلك أن الغير في الصورية يختلف عن الغير في أثر العقد وكذلك عن الغير في ثبوت التاريخ، لذلك فمن الضروري تحديد من هو الغير في الصورية.

والواقع من الأمر أن تحديد الغير في الصورية يتلخص في وجوب إضفاء حماية قانونية على كل من اعتمد على العقد الصوري معتقداً بحسن نية أنه عقد حقيقي فبنى عليه تعاملاته، ولذلك يعد غير في هذا الصدد:

  • الدائن العادي لأي من طرفي التعاقد سواء كان حقه سابق على التصرف أم لا وسواء كان حقه مستحق الأداء أم لا، ولذلك يكون له أن يثبت الصورية بكافة طرق الإثبات، ذلك أن أساس دعوى الصورية هو الحفاظ على الضمان العام للدائنين.
  • كل من تلقى حقاً عينياً من أحد المتعاقدين على الشيء محل التصرف الصوري، ومن ثم فإن الخلف الخاص في هذا الصدد يُعد من الغير.
  • ولقد استقرت محكمة النقض المصرية على أن كل شخص تأثرت حقوقه بالعقد الصوري يُعد من الغير في نطاق الصورية ولو لم يكن خلفاً خاصاً أو دائناً لأي من طرفي العلاقة التعاقدية الصورية.

2- للغير أن يتمسك بالعقد المستتر:

تنص المادة (368/1) من القانون المدني الأردني على أن (إذا أبرم عقد صوري فلدائني المتعاقدين وللخلف الخاص متى كانوا حسني النية أن يتمسكوا بالعقد الصوري، كما أن لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم).

وهو ذات ما أقرته المادة (244) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (إذا أُبرم عقد صوري فلدائني المتعاقدين وللخلف الخاص، متى كانوا حسني النية، أن يتمسّكوا بالعقد الصوري، كما أن لهم أن يتمسّكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم).

فيكون للغير- إذن – أن يطعن على العقد الظاهر بالصورية وأن يثبت الصورية بكافة طرق الإثبات ويطالب بتطبيق آثار العقد الحقيقي “أي المستتر”، فمثلاً يحق للدائن أن يثبت صورية عقد البيع الذي أبرمه المدين وأن قصده من إبرام العقد لم يكن إلا ليحول دون التنفيذ عليه من قبل الدائن، ويكون للأخير إثبات صورية البيع بكافة طرق الإثبات دون التقيد بوسائل بعينها.

3- للغير أن يتمسك بالعقد الظاهر متى كان حسن النية:

من مطالعة نصي المادتين السابقتين يتجلى لنا أن كل من المشرع المصري ونظيره الأردني أجازا للغير أن يتمسك بالعقد الظاهر متى كان حسن النية أي أنه لم يكن يعلم بالصورية وذلك ضماناً لاستقرار المعاملات.

والواقع أن الغير يفترض فيه أن حسن النية أي أنه لا يعلم بحقيقة العقد المستتر وعلى من يدعي خلاف ذلك أن يشرع في إثباته.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 1621 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-10-28 والتي قضت فيه بأن (ويبدو أن حكمة النص متوافرة في حالة الشفيع الذي يتمسك بالعقد الظاهر ومن ثم فلم يكن هناك أي مبرر لحرمان الشفيع حسن النية من حماية المادة (368) مدني بعد أن اعتمد على العقد الصوري وتعامل مع الخائلين على أساسه استقراراً للتعامل).

4- الحكم في حالة التعارض بين الغير الذي يتمسك بالعقد الظاهر والغير الذي يتسمك بالعقد المستتر:

يقع كثيراً أن يحدث تعارض بين مصالح الأغيار إذا ما تمسك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسك البعض الآخر بالعقد المستتر، فمثلاً إذا تصورنا أننا بصدد عقد بيع صوري فإن دائني البائع من مصلحتهم التمسك بالعقد المستتر لإثبات عدم إيقاع البيع ليتسنى لهم التنفيذ على المال محل العقد، في حين أن دائني المشتري من مصلحتهم التمسك بالعقد الظاهر ليتسنى لهم التنفيذ على ذات المال محل التعاقد.

والواقع أن الأمر لم يكن محل اتفاق بين الفقهاء إلا أن غالبية الفقه قد غلبت مصلحة من يتمسكون بالعقد الظاهر على مصلحة من يتمسكون بالعقد المستتر إعلاءً من شأن استقرار المعاملات.

وهذا ما أقرته المادة (368/2) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (وإذا تعارضت مصالح ذوي الشأن. فتمسك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسك الآخرون بالعقد المستتر ، كانت الأفضلية للأولين)، وهو ذات ما يقرره المشرع المصري بنصه في المادة ( 244) من القانون المدني والتي نصت على أن (وإذا تعارضت مصالح ذوي الشأن، فتمسّك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسّك الآخرون بالعقد المستتر، كانت الأفضلية للأولين).

رابعاً: ما مدى اعتبار الصورية جريمة تزوير؟

يقوم البنيان القانوني لجريمة التزوير عندما نكون بصدد تغيير الحقيقة في محرر سواء كان رسمي أو عرفي، والاتفاقات الصورية ما هي إلا تغيراً للحقيقة وفقاً لما اتجهت إليه إرادة أطراف العلاقة التعاقدية.

وعلى الرغم من وجود خلاف فقهي في هذا الصدد حول مدى اعتبار الصورية مُشكلة لجريمة تزوير ام لا، إلا ان محكمة النقض المصرية قد حسمت هذا الجدال واستقرت على أن الصورية لا تُشكل جريمة تزوير لأن ما أثبته المُتعاقدان قد تعلق بخالص حقوقهما ومنصرفاً إلى مركزيهما دون مساس بحقوق الغير أو بمركزه أو أمواله فإذا ترتب على فعلهما ضرراً للغير فهو ضرر غير مباشر لأن تصرفهما لم يتناول حقوق الغير وإنما كان مقصوراً على حقوقهما وهو استعمال لحقهما في التعبير عن إرادتهما[5].

ولكن على الرغم من ذلك فإن الصورية تُشكل جريمة تزوير إذا مست بحقوق غير المكتسبة والتي تعلقت بالعقد الحقيقي، وعلى ذلك إذا أبرم المتعاقدين عقد بيع ثم علما بأن الشفيع ينطوي الأخذ بالشفعة فقررا تغيير الثمن تغييراً صورياً لمنع الشفيع من استخدام حقه في الأخذ بالشفعة فإنهما بذلك يُعدان مُرتكبان لجريمة تزوير.

وكذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكمها رقم 296ق الصادر بجلسة 5 ديسمبر عام 1937 بأن (تغيير الثمن في عقد البيع بتخفيضه بعد تحرير العقد وثبوت تاريخه رسمياً بقصد إنقاص رسوم التسجيل يُعد تزويراً نظراً لتعلق حق الخزانة في تقدير الرسوم بالثمن الذي جاء به العقد وقت تحريره).

——

[1] الدكتور/ محمد حسين منصور – الوجيز في أحكام الالتزام والإثبات – مطابع القدس – 2018 – ص 84.

[2] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني نظرية الالتزام بوجه عام (الإثبات – آثار الالتزام) – ص 1074.

[3] الأستاذ الدكتور/ نبيل سعد – النظرية العامة للالتزام (أحكام الالتزام) – دار الجامعة الجديدة – 2020 – ص179.

[4] الأستاذ الدكتور/ نبيل سعد – النظرية العامة للالتزام (أحكام الالتزام) – دار الجامعة الجديدة – 2020 – ص181.

[5] الأستاذ الدكتور/ محمد زكي أبو عامر – قانون العقوبات القسم الخاص – دار المطبوعات الجامعية – 2017 – ص277.

إعداد/ أحمد منصور.

Scroll to Top