كيفية ملاحقة الابتزاز في مصر

كيفية ملاحقة الابتزاز في مصر

الابتزاز يعني تهديد المجني عليه للانصياع لطلبات الجاني الذي قد يستخدم وسائل تهديد تتعلق بالمساس بحياة المجني عليه أو التشهير به وذلك يكون وراؤه دوافع يبتغي الجاني الوصول إليها سواء كانت دوافع انتقامية، أو غير أخلاقية، أو مالية، أو سياسية، أو أي أمر آخر يكمن في نفس الجاني ويسعى إلى الوصول إليه من خلال تهديد المجني عليه.

أولاً: تعريف جريمة الابتزاز:

ثانيا: دوافع ارتكاب جريمة الابتزاز:

ثالثًا: أركان جريمة الابتزاز:

رابعًا: الوسائل التي يمتلكها المجني عليه لإثارة مسئولية الجاني في جريمة الابتزاز:

خامساً: الابتزاز الإلكتروني كأحد صور فعل الابتزاز:

سادساً: عقوبة فعل الابتزاز:

أولاً: تعريف جريمة الابتزاز:

الابتزاز هو التهديد من أجل الحصول على غرض مُعين، والتهديد هو كل قول أو كتابة من شأنه إلقاء الرعب أو الخوف في قلب شخص المُهدد من ارتكاب الجاني للجريمة ضد النفس، أو المال، أو إفشاء أسرار، أو نسبة أمور إليه مخدشه للشرف لُيحمل تحت تأثر الخوف إلى إجابة الجاني إلى ما ابتغى متى اصطُحب التهديد بطلب[1]، أو يمكن أن نعرفه بأنه ترويع المجني عليه بإلقاء الرعب في قلبه بوسائل معنوية من أجل الحصول على غرض معين.

وهناك أيضاً تعريف للابتزاز بأنه تهديد شخص شفاهه أو كتابة ولا عبرة بنوع التهديد مادام من شأنه التأثير في نفس المجني عليه كتخويفه أو مجرد إزعاجه من خطر لم يتحقق بعد[2].

فابتزاز الجاني إذن ينطوي على تهديده تهديداً معنوياً سواء بكشف أسراره أو الإفصاح عن معلوماته الخاصة التي يجب أن تظل طي الكتمان وذلك من أجل حصول الجاني على غرض مُعين.

وتبين محكمة بداية عجلون تعريفاً دقيقاً “جامعاً مانعاً” لجريمة الابتزاز في حكمها رقم 50 لسنة 2021 – بداية عجلون بصفتها الاستئنافية  الصادر بتاريخ 2021-01-10 والتي قضت فيه بأن (الابتزاز هول محاولة الحصول على مكاسب مادية أو معنوية عن طريق الإكراه المعنوي للضحية وذلك بالتهديد بكشف أسرار أو معلومات خاصة وان القصد من جريمة الابتزاز هو التهديد الذي يقع على المجني عليه أو زوجه أو احد أقاربه وذلك يعني التهديد بعث الخوف في نفس المجني عليه وقد يكون موجه إلى ذات المجني عليه أو من يهمه أمره، وعليه فإن أركان جريمة الابتزاز هي الركن المادي حيث يكون الابتزاز ضد المجني عليه ويقوم على أساس التهديد الذي يبعث الخوف في نفس المجني عليه من الإضرار به أو بأي شخص يهمه فإن الخوف الذي يدفع المجني عليه أن ينفذ ما يريده الجاني على أن يكون هذا التهديد يمثل جريمة الاعتداء على النفس أو المال أو العرض أو إفضاء أسرار تهم المجني عليه أو يضر به إفشائها والركن المعنوي ولا بد من توافر القصد الجنائي لدى الجاني والوسيط لأنها من الجرائم المقصودة التي يكفي لارتكابها أن يقوم الجاني بارتكاب الفعل بإرادته وعلمه لإحداث النتيجة المعاقب عليها – أي ثبوت القصد الإجرامي لدى الجاني في أحداث الخوف في نفس المجني عليه ولا عبره للدافع لارتكاب الجريمة سواء أراد تحقيق محصله له أو لغيره أو كان يهدف إلى الانتقام أو أي هدف آخر).

ثانيا: دوافع ارتكاب جريمة الابتزاز:

تتعدد الدوافع التي يسعى إليها الجاني من ارتكابه لجريمة الابتزاز والتي قد تتمثل في:

1- دوافع مالية:

قد يكون غرض الجاني من ارتكاب جريمة الابتزاز هو الحصول على أموال من المجني عليه سواء تم ذلك بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة:

حيث يتم الحصول على المال بصورة مباشرة عندما يطلب الجاني من المجني عليه أن يرسل له أموال أو أن يدفع له أقساط أو يُسدد عنه دين.

أما التحصيل على أموال بصورة غير مباشرة فهو يتم عندما يطلب الجاني من المجني عليه أن يرسل له أرقام حسابات إذا كان الجاني يعمل لدى أحد البنوك أو يكشف له أسرار الشركة التي يعمل بها المجني عليه ليستخدم الجاني تلك المعلومات في الحصول على أموال.

2- دوافع جنسية:

قد يتم الابتزاز الجنسي بطريقة إلكترونية وهو الذي يتم من خلال وسائل الاتصال المرئية كالفيسبوك أو السكاي بي أو التليجرام أو الواتس آب، وهنا يسعى المبتز إلى الحصول عن معلومات عن الضحية أو الحصول على صوراً لها ليتولى ابتزازها في تحقيق مساعيه الدنيئة.

أو قد يكون الابتزاز الجنسي قد تم بصورة واقعية وهو عندما يحصل الجاني على صوراً للضحية وهي برفقته أو أن يحصل منها على معلومات سرية عنها أو تسجيلات صوتيه لها ويهددها بفضح أمرها ونشر تلك الوثائق إذا لم ترضخ لمطالبة الجنسية سواء بإقامة علاقة آثمة معه أو بإرسال صوراً خليعة لها أو لأي طلب آخر شائن يسعى إليه الجاني.

3- دوافع انتقامية:

وفي هذه الحالة يلجأ الجاني إلى ابتزاز المجني عليه بهدف الانتقام منه ليجعله يعيش صراعاً داخلياً نفسياً خوفاً من قيام الجاني بتنفيذ تهديده وفضحه بما تم التهديد به، وقد يكون المجني عليه منافساً للجاني الذي يتولى ابتزازه وتشويه سمعته بغرض الانتقام منه لأسباب تتعلق بالعمل والمنافسة الجارية بينهم.

وقد يكون الانتقام من الضحية التي كانت على علاقة مع الجاني وذلك بفضح سترها ونشر صوراً تسئ إليها حتى يمنعها الجاني من الزواج انتقاماً منها وإضراراً بها.

ثالثًا: أركان جريمة الابتزاز:

1-الركن المادي للجريمة:

ينص المشرع المصري في المادة (327) من قانون العقوبات بأن (كل من هدد غيره كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال معاقب عليها بالقتل، أو السجن المؤبد، أو المشدد، أو بإفشاء أمور، أو نسبة أمور مخدشه بالشرف وكان التهديد مصحوبا بطلب أو بتكليف بأمر يعاقب بالسجن، وكل من هدد غيره شفهيا بواسطة شخص آخر بمثل ما ذكر يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه سواء أكان التهديد مصحوبا بتكليف بأمر أم لا).

فالمشرع يجسد جريمة الابتزاز بمقتضى نص المادة السابق التي يقوم بنيانها القانوني بالتهديد الكتابي بقيام الجاني بارتكاب جريمة تنطوي على درجة من الجسامة سواء كانت قتل أو حريق أو خطف أو اغتصاب أو أن يهدد الجاني بأنه سوف يفشي أسرار المجني عليه إذا لم يجب الجاني إلى طلباته.

ومن ثم فقد ساوى المشرع المصري بين إفشاء الأمور المخدش للحياء وبين الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد وذلك نظراً لتأثير تلك الأمور البالغ على نفس الشخص الواقع تحت التهديد والتي قد تؤدي – في بعض الأحيان – إلى هدم حياة المجني عليه أو تقطيع أوصال روابطه العائلية.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها الطعن رقم 38 لسنة 35 ق الصادر بجلسة 1965/5/ 24 والتي قضت فيه بأن (من المقرر أن ركن القوة أو التهديد في جريمة الإكراه على إمضاء المستندات يتحقق بكافة صور انعدام الرضا لدى المجني عليه. فهو يتم بكل وسيلة قسرية تقع على الأشخاص يكون من شأنها تعطيل الاختيار أو إعدام قوة المقاومة عندهم تسهيلاً لارتكاب الجريمة، فكما يصح أن يكون الإكراه مادياً باستعمال القوة فإنه يصح أيضاً أن يكون أدبياً بطريق التهديد ويدخل في هذا المعنى التهديد بخطر جسيم على النفس أو المال، كما يدخل فيه التهديد بنشر فضيحة أو بإفشاء أمور ماسة بالشرف).

ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح الآن: ما هو قصد المشرع من الأمور المخدش بالشرف؟

الواقع أن المشرع لم يضع لها تعريفاً مُحدداً لذلك اتجه الفقه إلى ربط تلك الأمور بجريمة القذف المنصوص عليها في المادة (303) من قانون العقوبات المصري، ومن ثم فهذه الأمور هي التي لو كانت صحيحة لأدى ذلك إلى عقاب المقذوف بها أو إلى احتقاره لدى أهل وطنه أو أسرته.

ومن ثم فهي قد تتمثل في إفشاء أسرار مُتعلقة بإقامة علاقة غير مشروعة، أو ارتكاب جريمة سرقة، أو اختلاس، أو أي فعل أخر يؤدي إلى المساس يسمعه المجني عليه أو يطعنه في شرفه.

وفي هذا الصدد توضح محكمة النقض المصرية صورة من صور الأمور التي تخدش الشرف والتي يُعد التهديد بها بغرض الوصول إلى طلب معين جريمة يوقع فاعلها تحت طائلة القانون الجنائي وذلك في حكمها رقم ١٤٢٥ لسنة ٢ قضائية الصادر بجلسة ١٩٣٢/٠٢/٢٢ والتي قضت فيه بأن (يعتبر تهديداً بإفشاء أمور خادشه لشرف مصرف توجيه عبارات إلى بعض موظفي هذا المصرف فيها إشارة إلى حصول خسائر في أعماله وإلى فضائح ارتكبتها إدارته وإشارة إلى أن مديرين للمصارف في البلاد الأجنبية قد أودعوا السجن وتلميح إلى أن مديري هذا المصرف ليسوا خيراً من أولئك المديرين، إذ أن في هذه العبارات أشد ما يمس سمعة البنك ويهز ثقة الجمهور في كفايته لأن المصارف المالية بطبيعتها حساسة وقد تضار بأقل تعريض بسمعتها مهما كان شأن المهاجم ضئيلاً وحجيته واهية).

يستوي – بعد ذلك – أن تكون تلك الأمور صحيحة أو غير صحيحة ذلك أن أثر التهديد بها على نفس المجني عليه واحداً في كلتا الحالتين حيث يوقع الأخير في حالة اضطراب نفسي والذي يصل ذروته حال كون تلك الأمور غير صحيحة.

أ- التهديد الكتابي:

وهو المحرر المكتوب الذي ينطوي على عبارات تهديدية مصحوبة بطلب فعل مُعين سواء تمثلت تلك العبارات في صورة واضحة أو صريحة أو كانت تحمل في طياتها تهديدات بصورة ضمنية.

بل التهديد الكتابي لا يشترط فيه أن يكون في صورة عبارات، بل يكفي أن يكون في صورة رموز تدل على معنى مُعين، كأن يكون الخطاب منطوي على صور خليعة ترسل إلى المجني عليها كإيماء من الجاني بأنه سوف ينشر صورا فاضحة لها إذا لم تجبه إلى مطالبه.

ب- التهديد الشفهي:

من مطالعة نص المادة (327) من القانون العقوبات المصري يتجلى لنا أن المشرع المصري لا يعتد بفعل التهديد المصحوب بطلب من المجني عليه إلا إذا كان التهديد تم بصورة كتابية من الجاني، أما إذا تم بصورة شفهية من الجاني فإن ذلك لا يقيم في حقه جريمة وذلك استناداً إلى مبدأ “شرعية الجرائم والعقوبات”.

أما إذا كان التهديد بواسطة شخص آخر غير المجني عليه فإن ذلك من شأنه أن يوقعهما تحت طائلة القانون الجنائي وذلك استناداً إلى نص المشرع في المادة المذكورة بأن (وكل من هدد غيره شفهيا بواسطة شخص آخر بمثل ما ذكر يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه سواء أكان التهديد مصحوبا بتكليف بأمر أم لا).

فالتهديد الشفهي يٌعتد به في هذه الحالة شريطة أن يتم بواسطة شخص غير الجاني، وذلك إذا ما أرسل الجاني شخص غيره إلى المجني عليه ليهدده بأمر مُعين إذا لم يُجب الجاني إلى طلبه.

ج- الطلب أو التكليف:

حتى نكون بصدد فعل ابتزاز لابد أن يكون التهديد مصحوب بطلب أو تكليف من المجني عليه بإتيان عمل مُعين أو الامتناع عن فعل مُعين، وذلك كمن يهدد أحد الأشخاص من أجل أن يتحصل منه على مبلغ مالي مُعين أو القيام بأي فعل آخر.

وجديرا بالذكر أنه لا يؤثر في قيام الجريمة أن يكون الطلب مشروع أو غير مشروع، فلو أن الجاني هدد المجني عليه بفضح ستره إذا لم يمنحه ترخيص أو إجازة لأمر معين حتى ولو كان الجاني يستحق الحصول على هذا الأمر فإنه بذلك يوقع نفسه تحت طائلة القانون الجنائي، إلا أننا نشير إلى أن طلب المُستبز عادة ما يكون دنيء فيتمثل في الحصول على مال دون وجه حق أو إقامة علاقة آثمة مع المجني عليها.

في حين أن المشرع الأردني يتطلب لقيام جريمة الابتزاز أن يكون الطلب غير مشروع، وهذا ما تؤكده محكمة بداية عمان الأردنية في حكمها رقم 224 لسنة 2021 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2021-01-24 والتي قضت فيه بأن (وبرجوع محكمتنا إلى نص المادة 415/2 من قانون العقوبات نجد أنها رتبت عقوبة على كل من ابتز شخصاً لكي يحمله على جلب منفعة غير مشروعة له أو لغيره، مما يستفاد منه أن المسؤولية الجزائية في جريمة الابتزاز لا تقدم إلا إذا كانت الغاية من الابتزاز جلب منفعة غير مشروعة للمبتز أو لغيره).

2- الركن المعنوي:

تُبين لنا محكمة النقض المصرية الركن المعنوي لذلك الفعل في حكمها رقم ٢٨٢٦ لسنة ٣٢ قضائية الصادر بجلسة ١٩٦٣/٠٦/١١ والتي قضت فيه بأن (من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة التهديد يتوافر متى ثبت للمحكمة أن الجاني ارتكب التهديد و هو يدرك أثره من حيث إيقاع الرعب في نفس المجنى عليه و أنه يريد تحقيق ذلك الأثر بما قد يترتب عليه من أن يذعن المجنى عليه راغماً إلى إجابة الطلب ، و ذلك بغض النظر عما إذا كان قد قصد إلى تنفيذ التهديد فعلاً و من غير حاجة إلى تعرف الأثر الفعلي الذى أحدثه التهديد في نفس المجنى عليه . ولا يلزم التحدث استقلالاً عن هذا الركن، بل يكفي أن يكون مفهوماً من عبارات الحكم وصراحة عبارات التهديد وظروف الواقعة كما أوردها الحكم، كما لا يعيب الحكم إغفال التحدث عن أثر التهديد في نفس المجني عليه وما يقال من أن المتهم لم يكن جاداً في تهديده).

فلما كانت جريمة الابتزاز من الجرائم العمدية فإنه ينبغي أن يتوافر لدى الجاني عنصري العلم والإرادة، فيجب أولاً أن يكون الجاني عالماً بأنه يقوم بارتكاب فعل يبعث الخوف والاضطراب النفسي في نفس المجني عليه، أما عن الإرادة فتتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى تحقيق النتيجة الإجرامية المرجوة وهي حمل المجني عليه على إجابة الجاني إلى طلبه.

وفي هذه الصدد توضح محكمة التمييز الأردنية ركني جريمة الابتزاز في حكمها رقم 285 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2020-06-07 والتي قضت فيه بأن (أنه ولقيام جريمة الابتزاز لا بد من نتوافر الأركـــــان التاليــة: –

الركــــــن المـــادي: – النشاط المادي المتمثل بقيم الجاني بتهديد المجني عليه وإدخال الخوف والرعب في نفسه بإفشاء أمر ينال من قدر وكرامته.

الركن المعنوي: – وفي هذه الجريمة لا بد من توافر القصد العام والقصد الخاص بأن تتجه إرادة الفاعل إلى تهديد المجني عليه بقصد الحصول على المال أو منفعة غير مشروعة وهو يعلم أنه ليس ذي حق في تلك المنفعة أو المال).

رابعًا: الوسائل التي يمتلكها المجني عليه لإثارة مسئولية الجاني في جريمة الابتزاز:

1-تقديم بلاغ (تحرير محضر):

أ- المرحلة الأولى (أثناء وجود المحضر بقسم الشرطة):

تنص المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن (يجب على مأموري الضبط القضائي أن يقبلوا التبليغات والشكاوى التي ترد إليهم بشأن الجرائم، وأن يبعثوا بها فوراً إلى النيابة العامة، ويجب عليهم وعلى مرؤوسيهم أن يحصلوا على جميع الإيضاحات، ويجروا المعاينات اللازمة لتسهيل تحقيق الوقائع التي تبلغ إليهم، أو التي يعلنون بها بأية كيفية كانت. وعليهم أن يتخذوا جميع الوسائل التحفظية اللازمة للمحافظة على أدلة الجريمة، ويجب أن تثبت جميع الإجراءات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي في محاضر موقع عليها منهم يبين بها وقت اتخاذ الإجراءات ومكان حصوله، ويجب أن تشمل تلك المحاضر زيادة على ما تقدم توقيع الشهود والخبراء الذين سمعوا، وترسل المحاضر إلى النيابة العامة مع الأوراق والأشياء المضبوطة).

فإذا وقع المجني عليه ضحية جريمة ابتزاز فإنه يتعين عليه أن يسارع بتقديم بلاغ ضد الجاني – أو تحرير محضر ضده – مبيناً ماهية الجوانب التي أحاطت بالواقعة التي شكلت جريمة الابتزاز، وفي هذه الحالة تقوم الشرطة بتدوين وقائع الحادثة في محضر البلاغ وتتولى تدوين بيانات الأطراف والشهود أن وجدت.

ويكون تقديم البلاغ في هذه الحالة لقسم الشرطة المختص بالواقعة وهو القسم الذي يقع في دائرة مكان حدوث الجريمة، فإذا ارتكبت الجريمة من خلال الإنترنت فيكون تقديم البلاغ إلى مباحث الإنترنت.

ثم بعد ذلك يتوجب على المجني عليه الذي قام بتقديم البلاغ إلى مأموري الضبط القضائي أن يوقع على أقواله ويبين ما إذا كان لديه مستندات تؤكد جدية ادعائه، فإذا كان لديه مستندات أو أوراق أو رسائل تبين واقعة الابتزاز فيتعين عليه تقديمها في هذه الحالة.

وفي هذه الحالة يتولى مأموري الضبط القضائي التحقيق في الواقعة المشكلة لجريمة الابتزاز وذلك بجمع الاستدلالات المتعلقة بالجريمة، ولكن يجب الإشارة في هذه الحالة أن مرحة جمع الاستدلالات ما هي إلا مرحلة تمهيدية تسبق تحريك الدعوى الجنائية.

ومن ثم فهذه المرحلة – أي مرحلة جمع الاستدلالات – لا تنطوي على أي مساس بالحرية الشخصية ولا يكون لمأموري الضبط في تلك المرحلة وضع أي قيد على حرية الجاني، حيث كل ما يكون لهم أن يستدعوه حتى تُسمع أقواله، فإن أبى فليس لهم إجباره على الحضور أمام مركز الشرطة.

ويكون لمأموري الضبط في هذه المرحلة الاستعانة بكافة الوسائل المشروعة لإماطة اللثام عن عناصر الجريمة طالما لم تشكل تلك الوسائل تقييد لحرية المتهم أو التعرض لحرمة مسكنه.

فيكون لمأموري الضبط أن يستمع إلى كل شخص لديه معلومات عن الواقعة أو الاطلاع على كافة الرسائل أو الصور أو المحادثات التي قدمها المجني عليه ثم بعد ذلك يتم رفع الأمر إلى النيابة العامة.

ويمكن بيان لبعض الوسائل التي تُستخدم في تلك الجريمة من حكم محكمة التمييز الأردنية رقم 232 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2019-05-15 والتي قضت فيه بأن (هذه النتيجة خلصت وتوصلت إليها المحكمة من خلال شهادة المدعو مؤيد ذويب الواردة في ملف القضية والتي استمعت لها المحكمة وقنعت بها وأيدتها القرائن والأدلة المتمثلة بحضور المتهم الأول وبرفقته المدعو أحمد سليمان لاستلام المبلغ مدار الابتزاز وضبط أدوات الجريمة بحوزة المتهم الأول ( السلاح والقيود اليدوية ) والهاتف المستخدم بالتفاوض رقم ( 0791578009 ) وضبط صور المجني عليه في الواقعة ذاتها على الهواتف العائدة للمتهم وعددها ثلاث هواتف وكذلك على هاتف المدعو أحمد سليمان والثابتة بموجب التقارير الفنية وشهادات شهود النيابة ومضبوطات التعرف والتشخيص وكذلك استئجار المتهم الأول الشقة لهذه الغاية)

ب- المرحلة الثانية (رفع الأمر إلى النيابة العامة):

بعد انتهاء مأموري الضبط القضائي من مهامهم في جمع الاستدلالات المتعلقة بالجريمة فيتعين عليهم رفع الأمر إلى النيابة العامة، حيث يتعين على مأموري الضبط إرسال محضر الاستدلالات إلى النيابة مرفقاً به كافة المستندات أو الأوراق التي قدمها المجني عليه والمتعلقة بالجريمة.

وفي هذه المرحلة تبدأ النيابة العامة بالتحقيق في الواقعة بنفسها فإذا انتهت إلى عدم تشكيل الواقعة المبلغ بها لجريمة فإنها تأمر بحفظ الأوراق إذا لم تكن حققت في الدعوى، وذلك إذا ما تبين من محضر الاستدلالات أن الجريمة لم يكتمل بنيانها القانوني، أما إذا كانت قد حققت في الواقعة ووجدت أنها لا تشكل جريمة فإنها تقضي في هذه الحالة بألا وجه لإقامة الدعوى.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن أحد صور جريمة الابتزاز تُشكل جناية في القانون المصري – كما سيأتي بيانه – وفي هذه الحالة يتعين على النيابة العامة أن تحقق في الدعوى فلا يجوز لها أن تأمر بحفظ الدعوى في مواد الجنايات.

أما إذا رأت النيابة أن الواقعة تشكل جريمة فلها أن تأمر بإحضار المتهم لاستجوابه، ويكون للنيابة العامة في هذه الحالة سلطة إحضاره بالقوة حال امتناعه عن تلبية طلب استدعائه، وهنا تقوم النيابة العامة بمواجهة المتهم بالتهم المنسوبة إليه ويتم تدوين أقوال المتهم في محضر رسمي بذلك.

فإذا لم يستطع المتهم أن يدفع التهمة عن نفسه فإن النيابة العامة في هذه الحالة تتولى رفع الأمر إلى المحكمة الجنائية المختصة وذلك بمقتضى قرار الإحالة حتى تبدأ مرحلة محاكمة المتهم.

ج- المرحلة الثالثة (رفع الأمر إلى القضاء):

يتعين على النيابة العامة قبل رفع الدعوى إلى القضاء أن تقوم بإعطاء الواقعة القيد والوصف اللازمين لها، أي أنها تُكيف الواقعة تكيفاً قانونياً وتُحدد مواد الاتهام التي تنطبق على الواقعة، وفي القانون المصري فإن جريمة الابتزاز قد تم تقريرها بمقتضى نص المادة (327) من قانون العقوبات المصري.

ثم بعد ذلك يتم إعلان المتهم بورقة التكليف بالحضور أمام القضاء ليتم محاكمته عن الفعل الذي ارتكبه، وفي هذا الصدد تنص المادة (234) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن (تعلن ورقة التكليف بالحضور لشخص المعلن إليه، أو في محل إقامته، بالطرق المقررة في قانون المرافعات في المواد المدنية والتجارية).

ويغني عن إعلان المتهم بورقة التكليف بالحضور أن يحضر الجلسة من تلقاء نفسه وتوجه التهمة إليه وذلك استناداً إلى نص المادة (232/2) من قانون الإجراءات الجنائية والتي نصت على أن (ويجوز الاستغناء عن تكليف المتهم بالحضور إذا حضر بالجلسة ووجهت إليه التهمة من النيابة العامة وقبل المحاكمة).

وبذلك يتم محاكمة المتهم أمام القضاء المختص فإذا كانت جريمة الابتزاز تمت بواسطة محررات مكتوبة لتهديد المجني عليه إذا لم ينصاع إلى أوامر الجاني فإنها بذلك تُشكل جناية فتكون مُحاكمة الجاني أمام محكمة الجنايات، أما إذا تم التهديد بواسطة شخص آخر غير الجاني فإنه يكون بذلك مُرتكباً جنحة وتمم محاكمته في هذه الحالة أمام محكمة الجنح والمخالفات.

2- الادعاء المُباشر:

الادعاء المُباشر أو ما يعرف في العمل “بالجنحة المباشرة” هو إجراء يجوز بمقتضاه للمدعي بالحقوق المدنية في مواد المخالفات والجنح أن يكلف المتهم مباشرة بالحضور أمام المحكمة الجنائية المختصة لسماع الحكم عليه بالتعويض عن الأضرار التي أصابته من الجريمة[3].

إذن فإنه يحق للمجني عليه في جريمة الابتزاز أن يلجأ مباشرة إلى عمل جنحة مباشرة شريطة أن تكون الجريمة في صورة جنحة وليست جنائية، حيث لا يجوز الادعاء المباشر في مواد الجنايات.

ويتم رفع الادعاء المباشر بواسطة المضرور من جريمة الابتزاز وهو كل من تسببت الجريمة في إهدار أو انتهاك حق من حقوقه أو الاعتداء عليها.

ويترتب على رفع الدعوى المدنية بطريق الادعاء المُباشر أن تتحرك الدعوى الجنائية تبعاً لها، لذلك يتعين أن تكون كل من الدعوتين الجنائية والمدنية مقبولة لإمكان اللجوء إلى طريق الادعاء المباشر.

خامساً: الابتزاز الإلكتروني كأحد صور فعل الابتزاز:

1- تعريف الابتزاز الإلكتروني:

الابتزاز الإلكتروني هو التهديد والترهيب الواقع على الضحية بنشر صور لها أو تسريب معلومات سرية عنها في حالة امتناع المجني عليه “أو الضحية” عن إجابة الجاني إلى مطالبه سواء تمثلت في مطالب مالية أو الاضطلاع بعمل لدى جهة حكومية أو مطالب جنسية.

2- وسائل الابتزاز الإلكتروني:

إن التطور الإلكتروني الذي طرأ على العالم أفرز لنا العديد من الوسائل التي تُستخدم للوصول إلى المعلومات الخاصة أو الصور الخاصة بالمجني عليه سواء تمثل الأمر في إنشاء مواقع على الشبكة المعلوماتية “الإنترنت” بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تخص المجني عليهم وذلك كالمواقع الخاصة بالزواج أو البحث عن التوظيف حتى تقوم الضحية بإرسال صوراً لها أو معلومات عنها ليستخدمها الجاني بعد ذلك استخدام دنيء في استبذاذ المجني عليه للقيام بأفعال معينه يطلبها الجاني.

وكذلك قد تكون الوسيلة المُستخدمة هي الهواتف المزودة بكاميرات والتي تستخدم في التقاط صوراً للأشخاص والاعتداء على حرمة حياتهم الخاصة من أجل ابتزازهم بتلك الصور حال عدم رضوخهم إلى مطالب الجاني.

وأيضاً قد تكون وسيلة الابتزاز الإلكتروني من خلال عمل تعديلات على صور الضحية بعمل مونتاج لها تجعل الصورة في وضع مخل مشين يسئ بالمجني عليه مما سيكون له أثر سيء على سمعة المجني عليه إذا ما تم نشر تلك الصور.

3- عقاب الابتزاز الإلكتروني

الواقع من الأمر أن المشرع المصري لم يوضع عقاب لجريمة الابتزاز الإلكتروني تاركاً الأمر لقانون العقوبات بتجريم الأفعال التي تنطوي على ابتزاز كما هو مذكور أعلاه شريطة أن ينطوي الابتزاز على تهديد كتابي وليس مجرد تهديداً شفهياً، ولكن على الرغم من ذلك فإن المشرع المصري يجرم فعل الدخول إلى المواقع الإلكترونية والحسابات الشخصية بغية الحصول على المعلومات الشخصية لمستخدمي تلك المواقع.

حيث قد نص المشرع المصري في القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات بمقتضى نص المادة (25) على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياه الخاصة أو ارسل بكثافة العديد من الرسائل الإليكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات إلى نظام أو موقع إليكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته أو بالقيام بالنشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، لمعلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أم غير صحيحة).

ومن ثم فحتى يكون فعل الابتزاز الإلكتروني مُعاقب عليه في التشريع المصري يجب ان ينطوي على تهديد كتابي من الجاني أو شفهي من غيره – كما هو موضح أعلاه – بنشر صور أو معلومات خاصة بالمجني عليه إذا لم يرضخ لأوامر أو مطالب الجاني.

سادساً: عقوبة فعل الابتزاز:

1- عقوبة الابتزاز المنطوي على تهديد كتابي:

من مُطالعة نص المادة (327) من القانون الجنائي المصري يتضح لنا أن المشرع يقرر عقوبة السجن لمن يستبذ غيره ويهدده كتابة بأنه سوف يهتك ستره وينشر أسراره على الملأ إذا لم يُجبه إلى مطالبه، والسجن في هذه الحالة يكون بين حدية العامين أي من ثلاث سنوات إلى خمسة عشر سنة.

ولا يقدح في عقاب الجاني ادعائه بأنه يستطيع إثبات الوقائع التي هدد بها المجني عليه ذلك أن التهديد بإفشاء الأمور الخادش بالحياء تُشكل جريمة مُستقلة بذاتها بمجرد حصول هذا التهديد.

2- عقوبة الابتزاز المنطوي على تهديد شفهي بواسطة الغير:

أما إذا تم التهديد شفاهه بواسطة شخص غير الجاني – بأن يكون الجاني هو من أرسله لتهديد المجني عليه ليقوم بأفعال معينة – فإن الجاني في هذه الحالة يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه، فيكون الحبس في هذه الحالة مُنحصر بين مدتي أربع وعشرين ساعة كحد أدنى، وسنتين كحد أقصى.

[1] الأستاذ الدكتور/ حسن صادق المرصفاوي – شرح قانون العقوبات (القسم الخاص) – منشأة المعارف – 1978 – ص353

[2] الدكتور/ ممدوح رشيد مشرف – الحماية الجنائية للمجني عليه من الابتزاز – 2016 – ص 199.

[3] الأستاذ الدكتور/ محمد زكي أبو عامر – الإجراءات الجنائية – دار الجامعة الجديدة – 2016 – ص 308 ، 209.

إعداد/أحمد منصور.

error: Alert: Content is protected !!