كيفية تنفيذ حكم قضائي أجنبي في الجزائر

كيفية تنفيذ حكم قضائي أجنبي في الجزائر

إن تنفيذ أحكام أو أوامر أو قرارات قضائية أجنبية في الإقليم الجزائري وأمام القضاء الجزائري لا يكون إلا بعد منحها الصيغة التنفيذية من إحدى الجهات القضائية الجزائرية وفق شروط نظمها قانون الإجراءات المدنية والإدارية في مادته 605، وأيضا وفق إجراءات محددة لتنفيذه وفي هذا البحث سنوضح تلك الإجراءات مع مبررات التنفيذ والآثار المترتبة عنه حسب التشريع الجزائري.

أولا: مفهوم الحكم القضائي الأجنبي

ثانيا: شروط تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية

ثالثا: إجراءات تنفيذ الحكم الأجنبي

رابعا: آثار الحكم الخاص بدعوى التنفيذ

خامسا: مبررات تنفيذ الأحكام الأجنبية

أولا: مفهوم الحكم القضائي الأجنبي

المقصود بالحكم القضائي الأجنبي الذي نكون بصدد تنفيذه، هو كل قرار يشكل عملا قضائيا، سواء كان هذا الحكم صادرا بشأن منازعة أو بدون منازعة، وسواء كان سابق لحسم الدعوى، أو نهائي وإنما المهم أن نكون أمام حكم قابل للتنفيذ، وبناء على ذلك فإن القواعد الخاصة بتنفيذ الأحكام الأجنبية تطبق أيضا على الأعمال الولائية وبالتالي تخضع للأمر بالتنفيذ.

بالنسبة للقانون الجزائري فإنه لم يعرّف الحكم القضائي الأجنبي، غير أنه أخضع تنفيذ الأعمال الولائية الأجنبية لنظام الأمر بالتنفيذ، مثلها مثل الأحكام القضائية، فقد جاء في المادة 605 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: >>لا يجوز تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات الصادرة من جهات قضائية أجنبية، في الإقليم الجزائري، إلا بعد منحها الصيغة التنفيذية…[1]<<

كما نعرف الحكم القضائي بالمعنى العام: هو كل قرار يصدر في إطار القوانين الإجرائية من طرف هيئة قضائية مشكلة تشكيلا قانونيا في خصومة قضائية رفعت أمامها سواء كان صادرا في موضوع الخصومة أو في شق منها، أو في مسألة متفرعة عنها.

بناء على ما سبق يمكن أن نعرف الحكم الأجنبي، بأنه كل قرار صادر عن جهة قضائية مختصة، ومشكلة تشكيلا قانونيا صحيحا، بات في نزاع قائم بين طرفين أحدهما دائن وآخر مدين، رتب الحكم التزام بالمسؤولية على طرف تعلق تنفيذه ببلد غير البلد الذي صدر عن جهته القضائية.[2]

كما يكون الحكم أجنبيا إذا صدر من محاكم دولية أجنبية بالمقابلة للحكم الوطني الذي يصدر من محاكم الدولة، وعلى هذا فإن الحكم يعتبر وطنيا متى صدر في الدولة التي يراد التمسك فيه بآثاره.

كما تعني أجنبية الحكم أيضا، القرار الذي تصدره هيئات قضائية أجنبية باسم سيادة دولة أجنبية بمقتضى مالها من صلاحيات قضائية بصرف النظر عن مكان صدور الحكم أو القرار، أو بصرف النظر أيضا عن جنسية الذين أصدروه.

لا يكفي أن يكون الحكم المراد تنفيذه أجنبيا بالمعنى السابق لنا تحديده، بل يلزم أن يكون صادرا في منازعات القانون الخاص، ويخرج من هذا النطاق الأحكام الأجنبية الجنائية والإدارية والمالية، حيث لا تتمتع بأي أثر خارج إقليم الدولة التي صدرت عنها، لأنها تصدر في محيط نشاط الدولة الإداري، أو العقابي، أو المالي الذي يتصل مباشرة بسيادتها. [3]

إذا يشترط أن يكون الحكم الأجنبي صادرا من هيئة قضائية مختصة، بمعنى يعتبر تكييف ما إذا كان الحكم متعلقا بمسائل القانون الخاص أو غير متعلق بها، وفق ما يقتضي به قانون دولة القاضي، والمكلف بمنح الصيغة التنفيذية للحكم أو القرار القضائي الأجنبي.

ثانيا: شروط تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية

1_الشروط المتعلقة بطبيعة الحكم أو القرار القضائي الأجنبي:

  • صدور الحكم أو القرار الأجنبي من هيئة قضائية مختصة:

أ-وفق قواعد الاختصاص القضائي لقانون الدولة المصدرة للحكم أو القرار القضائي الأجنبي:

يتم تحديد اختصاص المحكمة الأجنبية استنادا إلى قواعد الاختصاص القضائي الدولي التي يتضمنها قانون القاضي الذي أصدر الحكم.[4]

ويعني ذلك، ألا تتضمن ما يخالف قواعد الاختصاص: أي أن يكون الحكم أو الأمر القضائي صادرا عن هيئة قضائية مختصة وفقا لقانون البلد الذي صدر فيه، وإذا ثبت للجهة القضائية الجزائرية أن الحكم الأجنبي صادر عن هيئة غير مختصة فلا جدوى من النظر في الشروط المتبقية، كما يتعين الحكم صادرا في مادة من مواد القانون الخاص…إلا أن العبرة هنا بطبيعة الحكم وليس الجهة المصدرة له، بحيث تنفيذ الحكم القاضي بالتعويض ولوكان صادرا من محكمة جنائية في دعوى مدنية، حيث جاء في القرار الصادر عن المحكمة العليا رقم 697414 بتاريخ:15/12/2011 أنه ((لا تمنح محكمة مقر المجلس القضائي المختصة، الصيغة التنفيذية لأمر استعجالي أجنبي، فاصل في الموضوع لمخالفته قواعد الاختصاص)).[5]

ب-وفق قواعد اختصاص القضائي لقانون الدولة المستقبلة:

يتم تحديد اختصاص المحكمة الأجنبية استنادا إلى قواعد الاختصاص القضائي الدولي في قانون القاضي المطلوب منه التنفيذ، ونذكر مثال على ذلك المشرع الفرنسي الذي أخذ بهذا الطرح، وأسس معياره كون قواعد الاختصاص القضائي الدولي لا تختلف عن قواعد تنازع القوانين، ومنه لا يمكن حصر دورها في تحديد اختصاص المحاكم الوطنية فقط… الحقيقة أن هذا القول يحظى صعوبة في التطبيق فهو يلزم القاضي الذي أصدر الحكم الأجنبي أن يحدد اختصاصه وفقا لقانون الدولة التي سينفذ فيها الحكم، ومن المتعارف عليه أن القاضي لا يمكنه إلا أن يأخذ بقواعد دولته فقط.[6]

هذه الفكرة جاء بها المشرع الفرنسي وتم انتقاده في هذا الشأن لصعوبتها في التطبيق.

ج-موقف المشرع الجزائري:

بخصوص المشرع الجزائري فإنه لم يحدد موقفه بشأن المعيار الذي يحدد اختصاص المحكمة الأجنبية واكتفى بالقول بأن يصدر الحكم من محكمة مختصة وجاء هذا الشرط في نص المادة 605 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تنص على: >>… ألا تتضمن ما يخالف قواعد الاختصاص<< ، وبالرجوع إلى التنظيم القضائي الجزائري نجد بأن المحاكم في بعض النزاعات اختصاصها يكون وجوبيا، وبعضها الآخر يكون جوازيًا، حيث نجد الاختصاص الوجوبي متعلق بالنظام العام، ونذكر مثال ذلك نص المادة 40 من ق.إ.م.إ في فقرتها  الثالثة والتي تنص على: >>فضلا عما ورد في المواد 37 و38 و46 من هذا القانون، ترفع الدعاوى أمام الجهات القضائية المبينة أدناه دون سواها:…3.في مواد الإفلاس والتسوية القضائية للشركات وكذا الدعاوى المتعلقة بمنازعة الشركاء، أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان افتتاح الإفلاس والتسوية القضائية أو مكان المقر الاجتماعي للشركة…<<، أما بخصوص الاختصاص الجوازي للمحاكم فهي ليست ذات صلة بالنظام العام، ونذكر  على سبيل المثال نص المادة 42 من ق.إ.م.إ  التي تنص على: >>يجوز أن يكلف بالحضور كل جزائري أمام الجهات القضائية الجزائرية بشأن التزامات تعاقد عليها في بلد أجنبي، حتى ولو كان مع أجنبي<<.

ومنه إذا كان اختصاص المحاكم وجوبيا تعمل على اعتبار الحكم الأجنبي بأنه صدر عن محكمة غير مختصة دوليا وبالتالي الرفض في منحه الأمر بالتنفيذ، أما في حالة ما إذا كان الاختصاص جوازيًا يتم الرجوع إلى قواعد الاختصاص القضائي الدولي في قانون الدولة المصدرة للحكم أو القرار الأجنبي فيما إذا كانت هذه القواعد مختصة في ذلك تعمل على منحه الأمر بالتنفيذ.[7]

د_ يشترط أن تكون حائزة لقوة الشيء المقضي به:

طبقا لقانون البلد الذي صدرت فيه: أي أن يكون الحكم غير قابل للطعن فيه بطرق الطعن العادية، لأن الحكم القابل للطعن هو حكم غير مكتمل الحجية، ومن الأفضل ألا ينفذ في بلد آخر حتى ولو كان نافذا معجلا في البلد الذي صدر فيه، لأنه قد يتعذر إعادة الحال إلى ما كان عليه إذا ما ألغي الحكم نتيجة الطعن فيه.

كأن يكون الحكم الأجنبي غير مستوفي لطرق الطعن مما يجعله غير حائز لقوة الشيء المقضي به، وهو ما أخذت به المحكمة العليا في القرار رقم 482270 الصادر بتاريخ:17-06-2009 ((تتأكد الجهة القضائية وجوبا قبل إمهار الحكم الأجنبي بالصيغة التنفيذية، من قانونية محضري التبليغ والتكليف بالحضور إلى جلسة المنطوق فيها بهذا الحكم)).

كذلك القرار رقم 655755 الصادر بتاريخ: 14-07-2011((استناد جهة قضائية إلى حكم أجنبي غير ممهور بالصيغة التنفيذية للفصل في قضية معروضة عليه خرق للسيادة الوطنية)).[8]

وتختلف حجية الحكم للأمر المقضي به عن حيازة الحكم لقوة الأمر المقضي به، فإذا صدر الحكم القضائي فهو حجة لما فصل فيه، فالحكم الذي يفصل في منازعة يعتبر مطابقا للحقيقة، بحيث يحوز الاحترام سواء من قبل المحكمة التي أصدرته، أو من قبل أي محكمة أخرى ما لم تكن هي المحكمة التي ينص القانون على الطعن فيه أمامها. فلا يجوز إعادة طرح ذات النزاع مرة أخرى ما لم تكن هي المحكمة التي ينص القانون على الطعن فيه أمامها. فلا يجوز إعادة طرح ذات النزاع مرة أخرى للفصل فيه، فيجب عدم المساس بما قضى به الحكم فيما بين الخصوم، وبالنسبة لذات الحق محلا وسببا.

وتثبت حجية الأمر المقضي به لكل حكم قطعي يحسم موضوع النزاع كله أو بعضه، حتى ولو كان قابلا للطعن فيه بالطرق العادية كالمعارضة والاستئناف أي حتى ولو لم يكن نهائيا، فهي تثبت للحكم من وقت صدوره.[9]

2_ الشروط المحافظة على سيادة الدولة:

  • شرط المعاملة بالمثل:

مقتضى هذا الشرط أن يعامل القاضي الوطني الأحكام الأجنبية المراد تنفيذها في الوطن نفس المعاملة التي تلقاها الأحكام الوطنية المراد تنفيذها في هذه الدولة الأجنبية، بمعنى أنه إذا كانت الدولة الأجنبية تطبق على الأحكام الجزائرية نظام الدعوى الجديدة، فإن القاضي الجزائري يجب أن يعامل الحكم الأجنبي الصادر عن محاكم هذه الدولة نفس المعاملة، فيكون على المدعي الأجنبي أن يرفع دعوى جديدة أمام المحاكم الجزائرية لاستيفاء حقه. أما إذا كانت الدولة الأجنبية المراد تنفيذ أحكامها تأخذ بنظام الأمر بالتنفيذ فيجب أن تعامل أحكامها أمام القاضي الجزائري بنفس المعاملة، مع الأخذ بعين الاعتبار الصورة المطبقة لإصدار الأمر بالتنفيذ، كونها نظام مراقبة أو مراجعة.[10]

ب. عدم تعارض الحكم الأجنبي مع حكم سبق صدوره من القضاء الجزائري:

والحكمة من هذا الشرط تكمن في أن الحكم القضائي الوطني أولى بالنفاذ من الحكم الأجنبي متى كان الحكمان قد صدرا في دعوة واحدة ومتى اتحد الموضوع والسبب في كلتا الدعويين، وكان لهما نفس الخصوم.

ويرتبط هذا الشرط بمبدأ السيادة، ولا يشترط أن يكون الأمر أو الحكم الصادر عن الجهات القضائية الجزائية نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به، إنما مجرد تقديم ما يثبت سبق نظر القضاء الجزائري في الخصومة. يعد كافيا لرفض الاستجابة لطلب التنفيذ، متى وجد تعارض بين السندين بشرط أن يثيره المدعى عليه، فلا يجوز للقاضي إثارته تلقائيا.

وقد جاء في قرار المحكمة العليا رقم 509000 الصادر بتاريخ: 16-09-2016 ما يلي: ((لا يجوز إضفاء الصيغة التنفيذية على حكم أجنبي متعارض مع حكم جزائري)).[11]

يعني هذا الشرط أنه إذا صدر حكمان في دعوة واحدة في نفس الموضوع والسبب في الدعوتين وكان لديهما اشتراك في الخصوم، فالأسبقية والأولوية للحكم القضائي الوطني بالنفاذ من الحكم الأجنبي لارتباطه بمبدأ السيادة.

ج_ شرط بأن لا تكون مخالفة للنظام العام والآداب العامة:

تعتبر فكرة النظام العام فكرة هلامية لم يتم تحديد طبيعتها ونطاقها، نظرا لمرونتها وتغيرها بتغير الزمان والمكان، فما يعتبر من النظام العام في دولة ما في وقت ما قد لا يعتبر كذلك في وقت لاحق، لهذا فإن الفقه اكتفى بوضع مفهوم مقرب لها على أنها مجموع المصالح الأساسية التي يقوم عليها المجتمع سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو أنها الأسس والدعامات التي يقوم عليها بناء الجماعة وكيانها، بحيث لا يتصور بقاء هذا الكيان سليما دون استقراره عليها… كما يشترط لصدور الحكم تطبيق القانون المختص وفقا لقواعد الإسناد في الدولة المراد تنفيذ الحكم فيها بهدف حماية الاختصاص التشريعي الوطني وسيادة الدولة، فلقد نصت المادة 24 من القانون المدني: ” أنه لا يجوز تطبيق القانون الأجنبي بموجب النصوص السابقة إذا كان مخالفا للنظام العام والآداب العامة في الجزائر”.[12]

إن احترام النظام العام والآداب العامة من احترام سيادة الدولة واحترام الوطن وقد نص المشرع الجزائري في المادة 605 ففي الفقرة الرابعة من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بعدم جواز تنفيذ الأحكام والأوامر والقرارات الصادرة من جهات قضائية أجنبية إلا إذا استوفت الشروط المذكورة في المادة ومنها: 4. ألا تتضمن ما يخالف النظام العام والآداب العامة في الجزائر.

ثالثا: إجراءات تنفيذ الحكم الأجنبي

1_ الوثائق الخاصة بطلب التنفيذ:

لا نجد في قانون الإجراءات المدنية الجزائري بيانا للوثائق التي يلتزم طالب التنفيذ بتقديمها أمام الجهة القضائية المختصة، على أنه بالرجوع إلى طبيعة الدعوى المرفوعة التي تفترض وجود حكم أجنبي، وبالنظر للشروط التي تطلبها القانون الجزائري من أجل الأمر بالتنفيذ، وبالاستئناس بالاتفاقيات السارية المفعول في الجزائر، بالرجوع لكل هذا يمكن التكلم عن حد أدنى من الوثائق لابد أن يحتويها الملف المقدم من طرف طالب التنفيذ:

  1. 1. أول هذه الوثائق هي تلك التي تهدف إلى إثبات وجود الحكم الأجنبي المطلوب تنفيذه وهوما يعني وجوب تقديم صورة رسمية للحكم طبق الأصل.[13]
  2. صورة رسمية عن محضر تبليغ الحكم المطلوب تنفيذه.
  3. شهادة بأن الحكم أصبح نهائيا وحائزا لقوة الأمر المقضي به ما لم يكن ذلك منصوص عليه في الحكم ذاته.
  4. نسخة طبق الأصل من ورقة التكليف بالحضور الموجهة إلى الطرف الذي تخلف عن حضور المرافعة.
  5. يجب أن تكون الوثائق المذكورة مصحوبة بترجمة رسمية إلى اللغة العربية.[14]

2_ دعوى الأمر بالتنفيذ:

ينصب موضوع دعوى الأمر بالتنفيذ على الحكم الأجنبي ذاته، وليس على النزاع الذي فصل فيه هذا الحكم، وإذا أصدر القاضي الوطني الأمر بالتنفيذ على الحكم الأجنبي فإن ذلك لا يعني أن هذا الحكم قد أصبح حكما وطنيا. ولما كان محل دعوى الأمر بالتنفيذ هو الحكم الأجنبي فإنه يتعين أن يكون الخصوم في دعوى الأمر بالتنفيذ هم نفس الخصوم في الدعوى الأصلية التي فصل فيها الحكم الأجنبي.[15]

طلب التنفيذ، أو ما يسميه المشرع الجزائري بطلب منح الصيغة التنفيذية، يتم عن طريق رفع دعوى قضائية كأي دعوى متعلقة بالمسائل المدنية، أي عن طريق تكليف بالحضور ومواجهة الأطراف ويكون الحكم الصادر قابلا للطعن بكافة الطرق المقررة في القانون الجزائري… نصوص القانون الجزائري لم تحدد القسم المختص داخل المحكمة بالنظر في طلب التنفيذ على أن منطق الأمور يفترض في هذه الحالة أن يرجع الاختصاص إلى القسم المماثل الذي أصدر الحكم الأجنبي، فإذا لم يتحقق ذلك كان الاختصاص للقسم المدني.[16]

مضمون الحكم الصادر في دعوى الأمر بالتنفيذ:

1.منح الأمر بالتنفيذ:

حيث يتحقق القاضي الجزائري من توافر كل الشروط اللازمة لتنفيذ الحكم الأجنبي حسب ما ورد في القانون، فإنه سيصدر الأمر بتنفيذ هذا الحكم الأجنبي دونما تعديل فيه، وبالتالي يصبح قابلا للتنفيذ، غير أنه يمكن أن يتصور عدم قابلية هذا الحكم الأجنبي للتنفيذ رغم شموله بالصيغة التنفيذي، كالحالة التي تظهر فيها عوامل في الفترة ما بين صدور الحكم وتنفيذه ومثالها المقاصة والوفاء بالدين.[17]

إذا رفعت دعوى الأمر بالتنفيذ سليمة وفق الإجراءات المطلوبة لذلك، وتحقق القاضي من توافر الشروط الأساسية في الحكم الأجنبي- يصدر حكما بذلك- وهو الأمر بتنفيذ الحكم الأجنبي وذلك وفقا لما تنص عليه المادة (605) من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري. ويترتب عن هذا المنح الأمر بالتنفيذ أن يصبح للحكم الأجنبي القوة التنفيذية، وهذه الأخيرة لا توضع موضع الإعمال الفعلي إلا بعد أن يمهر الحكم بالصيغة التنفيذية فيجب التفرقة بين الأمر بتنفيذ الحكم الأجنبي وتمهيره بالصيغة التنفيذية، فهي نتيجة لاحقة للأمر بالتنفيذ.[18]

  1. حالة رفض طلب الأمر بتنفيذ الحكم القضائي الأجنبي:

في حالة عدم توافر الشروط التي تم ذكرها آنفا فإن القاضي الوطني يرفض إصدار الأمر بالتنفيذ والحكم برفض دعوى التنفيذ سيحوز قوة الشيء المقضي فيه، وبالتالي لا يمكن لصاحب الحكم القضائي الأجنبي عرضه ثانية على المحاكم الجزائرية لتنفيذه بسبب سبق الفصل فيه، بل يبقى له رفع دعوى جديدة أمام المحكمة الوطنية للمطالبة بما قضي به الحكم القضائي الأجنبي، دون أن يكون للمدعى عليه أن يدفع في مواجهته بحجية الأمر المقضي فيه التي تقررت للحكم الصادر بالرفض، وذلك أن السبب في هذه الدعوى الجديدة مختلف عن السبب في دعوى الأمر بالتنفيذ التي رفضها القاضي الجزائري، حيث السبب في الدعوى الجديدة هو الحق أو المركز القانوني الذي تقرر بمقتضى الحكم القضائي الأجنبي بينما هو الحكم القضائي الأجنبي ذاته في دعوى الأمر بالتنفيذ.[19]

وفيما يخص الطعن في الحكم بإصدار الأمر بالتنفيذ الحكم القضائي الأجنبي، فإنه يجوز للخصم الذي صدر هذا الحكم ضده، أن يطعن فيه وفقا للقواعد العادية المقررة في القانون الجزائري للطعن ضد الأحكام.[20]

رابعا: آثار الحكم الخاص بدعوى التنفيذ

الآثار المترتبة عن حكم فصل في دعوى التنفيذ تختلف بحسب ما إذا تم منح الصيغة التنفيذية للحكم الأجنبي أو تم رفض ذلك.

في الحالة الأولى، منح الصيغة التنفيذية يعني تقرير جميع الآثار التي يرتبها الحكم الأجنبي بمقتضى منطوقه دون أي تعديل بحيث يصير قابلا للتنفيذ في كل الإقليم الجزائري، ويتم من أجل ذلك إتباع طرق التنفيذ المقررة في القانون الجزائري حتى وإن لم تكن معروفة في القانون الأجنبي، كما أن لقاضي التنفيذ الحرية في اتخاذ الإجراءات التي يراها مناسبة كإعطاء مهلة للمدين من أجل الوفاء أو الأمر بالتنفيذ الوقتي للحكم الأجنبي.[21]

 أما في الحالة الثانية حيث يتم رفض طلب التنفيذ، فإنه يكون للحكم القاضي بذلك لحجية الشيء المقضي فيه بالنسبة للأطراف وهو ما يمنع رفع دعوى تنفيذ من جديد، غير أن ذلك لا يمنع من إعادة رفع دعوى جديدة أمام القضاء الجزائري بخصوص نفس الموضوع الذي فصل فيه القضاء الأجنبي.[22]

كذلك تنص المادة (938) من القانون المدني يجيز ترتيب حق الاختصاص بناءًا على حكم أجنبي إذا كان واجب التنفيذ، مما يفيد أن القانون الجزائري يعامل الحكم الأجنبي إذا كان واجب التنفيذ نفس معاملة الحكم الوطني. وعليه يترتب على الحكم الأجنبي نفس الآثار التي تترتب على الحكم الوطني. حتى ولو كانت هذه الآثار لا يقرها القانون الذي أصدر قضاؤه الحكم، وفي نفس الوقت لا تقبل الجزائر الآثار التي يرتبها قانون الدولة التي أصدر قضاؤها الحكم إذا كان القانون لا يقرها.[23]

إذا يعتبر الحكم الأجنبي كدليل إثبات ورفض تنفيذه لا يقصد به تجريده من حجية الإثبات، والآثار تترتب وفق المقرر في الأحكام الجزائرية فقط.

خامسا: مبررات تنفيذ الأحكام الأجنبية

الواقع أن الفقهاء اختلفوا في تحديد أسباب ومبررات قبول تنفيذ الأحكام الأجنبية، وعلى كل حل يمكن إرجاع أسباب تنفيذ الأحكام الأجنبية إلى الاعتبارات التالية:

-تشجيع العلاقات الاقتصادية الدولية من خلال توفير ضمانات قضائية ناجعة تضمن لكل شخص حقه بمناسبة تعاملاته التجارية.

-الاستفادة من القانون المقارن والمبادئ العامة للقانون التي تعتبر من أهم مصادر تنازع القوانين، فتنفيذ الأحكام الأجنبية يساعد الدولة المنفذة على الاطلاع على تجارب وطرق معالجة جديدة لعديد من المشاكل القانونية، والنزاعات المختلفة والاستفادة من القانون المقارن.

-دعم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، حيث تقوم الدول بمجاملة بعضها البعض، لذلك فهي تعمل على القبول والاعتراف بتنفيذ الأحكام الأجنبية لتحقيق هذه المبادئ.

-تجنب تضارب الأحكام وإضاعة الجهود حيث أنه إذا كانت هيئة قضائية أجنبية فصلت في نزاع ما، فإنه لمن سبيل إضاعة الجهود وإعادة الفصل في نفس النزاع، خاصة إذا كانت المحكمة الأجنبية قد فصلت في هذا النزاع بطرق عادلة مستوفية لكل الشروط اللازمة.

– مبدأ العدالة والإنصاف الذي يقضي بالاعتراف بحقوق الأفراد بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان تواجدهم، مادامت حقوقهم نشأت صحيحة.[24]

وفي الأخير، إن تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية في الجزائر، فرض المشرع الجزائري لها شروط وإجراءات ملزمة العمل بها، حتى لا يعيق تنفيذها في الجزائر بكل مشروعية، وحتى لا تكون هناك تجاوزات أو مساس بسيادة الدولة.

كتابة : خديجة بن عربية

[1] د/عبد النور أحمد، ماهية الأحكام الأجنبية، المحاضرة الثانية عشرة، ص5.

[2] أ. سمية بولحية، إشكالات تنفيذ الأحكام القضائية وفقا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والإدارية، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، معهد الحقوق والعلوم الاقتصادية، المركز الجامعي بريكة، المجلد: 01 العدد: 01 الإصدار: جوان 2018، ص92.

[3] أ. عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، جويلية 2014، ص 187-188.

[4] نجاة دهامنة، تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الأجنبية في التشريع الجزائري، مذكرة تكميلية لنيل شهادة الماستر، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي، 2015-2016، ص45.

[5] مرجع سابق، سمية بولحية، إشكالات تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ص95.

[6] مرجع سابق، نجاة دهامنة، تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الأجنبية في التشريع الجزائري، ص 46 و47.

[7] نفس المرجع، نجاة دهامنة، ص48.

[8] مرجع سابق، سمية بولحية، إشكالات تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ص 65.

[9] مرجع سابق، عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، جويلية 2014، ص 193.

[10] نفس المرجع عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، ص 191.

[11] مرجع سابق، سمية بولحية، إشكالات تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ص 95    و96.

[12] ربعية رضوان، د. ياسمين لعجال، ضوابط تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في الجزائر، مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد 19 جوان 2018، ص 156، 157.

[13] بن عصمان جمال، أستاذ محاضر “أ”، تنفيذ الحكم الأجنبي وفقا لأحكام القانون الجزائري والقانون المقارن، مجلة قانونك الإلكترونية: العدد الثالث- السنة الأولى- 7/2017.

[14] د/عبد النور أحمد، ماهية الأحكام الأجنبية، المحاضرة الثانية عشرة، ص30.

[15] أ.عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، جويلية 2014، ص 196.

[16] بن عصمان جمال، أستاذ محاضر “أ”، تنفيذ الحكم الأجنبي وفقا لأحكام القانون الجزائري والقانون المقارن، مجلة قانونك الإلكترونية: العدد الثالث- السنة الأولى- 7/2017.

[17] د/عبد النور أحمد، ماهية الأحكام الأجنبية، المحاضرة الثانية عشرة، ص 31.

[18] أ. عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، جويلية 2014، ص197.

[19] جارو نعيمة، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية في الجزائر دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في قانون الأعمال، جامعة فرحات عباس-سطيف2-، 2013-2014، ص144، 145.

[20] د/عبد النور أحمد، ماهية الأحكام الأجنبية، المحاضرة الثانية عشرة، ص 32.

[21] بن عصمان جمال، أستاذ محاضر “أ”، تنفيذ الحكم الأجنبي وفقا لأحكام القانون الجزائري والقانون المقارن، مجلة قانونك الإلكترونية: العدد الثالث- السنة الأولى- 7/2017.

[22] نفس المرجع، بن عصمان جمال، تنفيذ الحكم الأجنبي وفقا لأحكام القانون الجزائري والقانون المقارن مجلة قانونك الإلكترونية: العدد الثالث- السنة الأولى- 7/2017.

[23] مرجع سابق، عبد اللاوي سامية، تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية وفقا للقانون الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثاني، جويلية 2014، ص 198.

[24] مرجع سابق، د/عبد النور أحمد، ماهية الأحكام الأجنبية، المحاضرة الثانية عشرة، ص 8 و9.

error: Alert: Content is protected !!