مبادئ العدل والإنصاف
لا يمكن للتشريع أن يحيط بجميع جوانب الحياة الإنسانية لذلك فمن الجائز أن القاضي عندما يعرض عليه نزاع لا يجد نصوصاً قانونية يطبقها على هذا النزاع، وكذلك لا يمكن للقاضي أن يرفض الحكم في النزاع وإلا عُد مرتكباً لجريمة إنكار العدالة، وهي جريمة تعاقب عليها القوانين المحلية والقوانين الدولية.
بمعنى آخر من المستحيل أن يحيط المشرع بكل الفروض والأحكام التي تنطبق على المنازعات التي تنشأ بين الأفراد، ويترتب على ذلك أن القاضي قد يجد نفسه بصدد فراغ تشريعي وهو في معرض نزاع قائم أمامه فلا يجد من النصوص التشريعية ما يطبقه على هذا النزاع، وعلى الناحية العكسية لا يمكن للقاضي أن يرفض الحكم في النزاع وإلا عُد مرتكباً لجريمة إنكار العدالة، وهي جريمة تعاقب عليها القوانين المحلية والقوانين الدولية.
لذلك فإن القاضي عندما يفتقر إلى النصوص القانونية التي يطبقها على النزاع المعروض أمامه فلن يكون هناك سبيل إلا من خلال اللجوء إلى الحكم من عبر مبادئ العدالة والإنصاف والتي تكون مستوحاة من روح العدالة والقانون، بل أن في بعض الأحيان قد يختار الخصوم أن يكون حكم القاضي في النزاع المندلع بينهم وفقاً لقواعد العدل والإنصاف.
أولاً: مفهوم قواعد العدل والإنصاف:
1- التفرقة بين العدل والعدالة:
ثانيا: صور الالتجاء إلى مبادئ العدل والإنصاف:
أولاً: مفهوم قواعد العدل والإنصاف:
بادئ ذي بدء نشير إلى أن فكرة العدل والإنصاف تُعد من الأفكار التي يصعب وضع تحديد دقيق لها، ذلك أنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، لذلك عنيت بعض هيئات التحكيم الدولي بوضع تعريف لها وذلك بأنها: (شعور طبيعي بالعدالة مستقل عن مبادئ القانون والسوابق القضائية، وهي تقابل القانون الوضعي وتقف بمواجهته، كعدالة الطبيعة تقف بوجه العدالة القانونية).
وجديراً بالذكر أن مفهوم العدالة والإنصاف يختلف باختلاف الزمان والمكان وهذا الأمر لا يُعد أمراً غريباً، فكلما تطور العقل والتفكير الإنساني فإنه ينتج عن ذلك أن تتغير نظرة الإنسان إلى فكرة العدل والإنصاف، لذلك ما كان يعتبر عدل من مائة سنة قد يوصف بالظلم في الوضع الراهن.
فمبادئ العدالة والإنصاف يكون مصدرها العقل المصيب الذي يستوحيها من روح العدالة التي تكتنف طيات القواعد القانونية أو التي تكمن في ضمير الجماعة.
1- التفرقة بين العدل والعدالة:
غني عن البيان أن هناك فارق جوهري بين فكرة العدل والعدالة، فالعدل يشير إلى ضرورة تطبيق القانون بشكل كامل وبصورة كاملة، أما العدالة فتعني أن القاضي عليه أن يأخذ في الاعتبار بالظروف التي أحاطت بالواقعة التي يحكم فيها، فيجب أن يتحلى القاضي ببعض اللمسات الإنسانية ليحقق قدراً من التوازن بين مصالح الأشخاص المتعارضة.
وهذا ما تبينه لنا محكمة التمييز في حكمها رقم 3830 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2018-12-31 والتي قضت فيه بأن: (وبالتناوب أيضاً فقد أخطأت محكمة الجنايات الكبرى عند تطبيق العقوبة حيث جاءت العقوبة شديدة ومغالى بها ولا تتناسب مع طبيعة الفعل ولم تأخذ المميز بالشفقة والرحمة ومبادئ العدل والإنصاف ولم تأخذ بعين الاعتبار بأن المشتكي لديه أسبقيات جرمية وله باعٌ طويل في الإجرام الأمر الذي يقتضي نقض القرار المميز لهذا السبب أيضاً).
2- بيان معنى الإنصاف:
يشير تعبير الإنصاف إلى تطبيق مبادئ العدل على حالة معينة، إلا أن هذا المعنى يكتنفه الغموض مما ترتب عليه أن القضاء الدولي في أحيان متعددة قد خلط بين مبادئ العدل والإنصاف ومبادئ القانون.
لذلك حاول بعض الفقه وضع تحديد معنى الإنصاف من خلال البحث عن دوره من الناحية القانونية، حيث – وفقاً لرأيهم – فإن الإنصاف يكون له أدوار ثلاث في القانون وهي:
- الإنصاف هو وسيلة لتصحيح القانون الوضعي في الحالات التي يبدو فيها تطبيقه شديد الوطأة وبالغ النتائج، ويتحقق ذلك بالنص في الاتفاقيات الدولية على شرط العدل والإنصاف، أو على وجوب الحكم في القضية بإنصاف[1]، وهذا ما يتحقق – مثلاً – عندما يحكم القضاء بتعويض لرعايا الدول المحايدة التي أصيبت بالضرر جراء الحروب، أو في الحالات التي يحكم فيها القضاء بتعويض دون أن يكون هذا التعويض ملزماً من الناحية القانونية.
وكذلك يتحقق الإنصاف في الحالات التي يرفع فيها القاضي العنت الواقع على المحكوم ضده، وهذا ما يتضح من حكم محكمة التمييز رقم 1192 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2018-03-14 والتي قضت فيه بأن: (أخطأت المحكمة برد الدعوى لعدم تقديم المميزتين لشهادة جنسية ولعدم تقديمهما أرقام وطنية فكيف لهما إحضار أرقام وطنية وموضوع الدعوى هو إثبات قيد مدني فهذا تكليف مستحيل يتنافى وروح النصوص القانونية ومبادئ العدل والإنصاف). - كذلك يُعد الإنصاف وسيلة لسد الفجوات التي تكتنف القانون الوضعي، إلا أن ذلك رهين اتفاق الأطراف، حيث إن القاضي لا يتسنى له اللجوء إلى قواعد العدل والإنصاف إلا بشروط عامة أو خاصة يرتضيها أطراف النزاع.
- يُعد الإنصاف وسيلة لاستبعاد تطبيق القانون، إلا أن هذا الأمر موضع اختلاف بين الفقهاء، ذلك أن هناك اتجاه من الفقه ينادي بضرورة أن يمتنع القاضي عن إصدار أي قرار يخالف أحكام القانون، في حين أن البعض الآخر ينادي بضرورة أن يلجأ القضاء إلى مبادئ العدل والإنصاف عندما تعجز قواعد القانون الوضعي عن تلبية متطلبات الجماعة.
ولا مناص من القول بأنه من الصعب تقبل فكرة حياد القاضي عن القواعد القانونية لتعارضها مع قواعد العدل والإنصاف لأن ذلك من شأنه أن ينال من الأمن القانوني الذي يجب أن تتسم به القواعد القانونية.
لذلك فلا يمكن للإنصاف أن يحل محل القواعد القانونية الوضعية إلا إذا وافقت الأطراف المتنازعة على ذلك، وهذا ما يتضح من نص المادة (38/2) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والتي تنص على أن: (لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق أطراف الدعوى على ذلك).
ثانيا: صور الالتجاء إلى مبادئ العدل والإنصاف:
1- الالتجاء إلى مبادئ العدل والإنصاف بغير اتفاق خاص بين أطراف النزاع:
وهذا ما يتحقق في ثلاث حالات وهي:
أ- إحالة القانون إلى مبادئ العدل والإنصاف:
حيث يمكن تطبيق العدل والإنصاف إذا أحال القانون عليها، ومصطلح القانون هنا قد يشير إلى نص وارد في اتفاقية دولية وذلك مثلا كنص المادة (73) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على أن: (يقرر أعضاء الأمم المتحدة – الذين يضطلعون في الحال أو في المستقبل بتبعات عن إدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي – المبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول، ويقبلون أمانة مقدسة في عنقهم، الالتزام بالعمل على تنمية رفاهية أهل هذه الأقاليم إلى أقصى حد مستطاع في نطاق السلم والأمن الدولي الذي رسمه هذا الميثاق. ولهذا الغرض، يكفلون تقدم هذه الشعوب في شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم، كما يكفلون معاملتها بإنصاف وحمايتها من ضروب الإساءة – كل ذلك مع مراعاة الاحترام الواجب لثقافة هذه الشعوب).
وكذلك فلقد أحال بروتوكول لجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية إلى مبادئ العدل والإنصاف عندما قرر أن: (تسوى المنازعات المرفوعة طبقاً لمبادئ العدل والإنصاف).
فضلاً عن أن محكمة العدل الدولية قد ذهبت في حكمها الخاص بالجرف القاري إلى ضرورة تطبيق المبادئ القانونية الأساسية بتعيين الجرف القاري، وقررت بأن هذه المبادئ يجب أن تقوم على أساس مبادئ منصفة وذلك بعد أن استبعدت تطبيق المادة (6) من اتفاقية جنيف لعام 1958.
واستطردت المحكمة في حكمها قائلة بأن الأمر لا يتعلق بتطبيق قواعد العدالة المجردة وإنما بتطبيق قواعد قانونية تحقق الإنصاف تتلاءم مع ما طرأ من تطور على النظم القانونية المتعلقة بالجرف القاري، ومن ثم تكون المحكمة قد طبقت في هذه الواقعة مبادئ العدل والإنصاف.
وجديراً بالذكر أن إحالة القانون على قواعد العدل والإنصاف ليس حكراً على قواعد القانون الدولي، حيث أن قانون صلاحية المحاكم النظامية والدينية الأردني قد أحال على تطبيق تلك القواعد بمقتضى نص المادة (3/ب) من القانون المذكور والتي نصت على أن: (تقام كل دعوى أو إجراءات أخرى تتعلق بإدارة وقف كهذا أمام محكمة الطائفة التي كان الواقف ينتمي إليها فإذا لم يكن الواقف منتميا لطائفة دينية أو إذا لم يكن لطائفته محكمة فتقام الدعوى وتتخذ الإجراءات أمام المحكمة النظامية وعلى المحكمة المشار إليها أن تطبق مبادئ العدل والإنصاف العمومية).
ب- مبادئ العدل والإنصاف كمصدر مكمل للقانون:
لما كان القانون الدولي قانوناً غير مقنن كان من المتحتم أن يجد القاضي سبيلاً للحكم في المنازعات التي لا يوجد لها قواعد قانونية صالحة للتطبيق عليها، والواقع من الأمر أن القضاء الدولي قد وجد ضالته في قواعد العدل والإنصاف التي يطبقها في حال وجود فراغ تشريعي حتى لا يوصم مسلكه بإنكار العدالة إذا ما امتنع عن الحكم في النزاع المعروض عليه.
وهذا ما أكدته لجنة التعويضات المشتركة الفرنسية المكسيكية في قضية “جورج بنسون” عام 1928 عندما قررت أن قواعد العدالة والإنصاف يمكن اعتبارها مصدراً مكملاً للقانون عندما تخلوا النصوص القانونية من حلول للنازعات التي تعرض على الجهات القضائية.
وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية التي قررت فيها أن المسلك الذي سلكته المحكمة الإدارية التابعة لمنظمة العدل الدولية لم تحد عن القانون عندما قررت تطبيق قواعد العدل والإنصاف في أحد القضايا التي عرضت أمامها.
ج- مبدأ العدل والإنصاف كوصف للقانون:
تُعد مبادئ العدل والإنصاف من الأوصاف العامة التي توصف بها القواعد القانونية، وهذا ما دفع لجنة القانون الدولي في تعليقها على مشروع المواد التي قامت بإعدادها بشأن التوارث الدولي إلى القول بأن ” الصفة الأكثر غلبة على مبدأ الإنصاف هي أنه عنصر موازنة وعامل تصحيحي يراد به الحفاظ على معقولية الربط بين مال الدولة المنقول وبين الإقليم، فمبدأ الإنصاف يتيح أكبر قدر ممكن من الحصافة في تفسير مفهوم المال المرتبط بنشاط الدولة كما يكسبه معنى مقبول[2].
وهذا – أيضاً – ما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها المتعلق بقضية الجرف القاري ببحر الشمال عام 1969 عندما قررت بأن أياً ما كان التسبيب القانوني الذي صوغه القاضي لأحكامه فإن تلك الأحكام يجب أن تكون عادلة وهو ما يقتضي بالضرورة أن تكون منصفة.
2- اتفاق الأطراف على الالتجاء إلى مبادئ العدل والإنصاف:
هذه الصورة التي نصت عليها المادة (38/2) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية السالف ذكره عندما قررت أن للخصوم الحق في الاتفاق على أن يطبق عليهم مبادئ العدل والإنصاف.
وهذا الشرط قد يتم إدراجه في اشتراطات التحكيم الدولي ومؤداه أنه يتيح للمحكمة أن تطبق قواعد العدل والإنصاف جانب إلى جنب مع القواعد القانونية، فليس معنى وجود هذا الشرط أن يتم طرح القواعد القانونية، ولكنه يمكن القاضي من اللجوء إلى تطبيق قواعد العدل والإنصاف على قدم المساواة مع القواعد القانونية دون أن يعتبرها مجرد قواعد تكميلية احتياطية.
ومن ثم فإن وجود هذا الشرط يمكن القاضي من أن يطبق قواعد العدل والإنصاف حتى ولو تعارضت مع قواعد واردة في اتفاقيات دولية أو مقررة بموجب أعراف دولية أو مستمدة من المبادئ العامة للقانون التي أقرتها الأمم المتمدينة.
[1] عباس ماضوي – المصادر التقليدية غير الاتفاقية للقانون الدولي العام – 2013 – ص97.
[2] عباس ماضوي – المصادر التقليدية غير الاتفاقية للقانون الدولي العام – 2013 – ص101.

