الشركات المدنية
تكتسب الشركة الشخصية القانونية المعنوية التي تجعلها خضعة لأحكام القانون حيث تصبح أحد أفراد القانون ومن ثم يكون لها الصلاحية لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات، إلا أن الشركات تخضع لأنظمة قانونية تختلف باختلاف طبيعتها ووصفها ونوعها، فشركات الأشخاص – مثلاً– تخضع لنظام قانوني يختلف عن ذلك الذي تخضع له شركات الأموال، وأيضاً فإن الشركات التجارية تخضع لنظام مختلف عن الشركات المدنية.
ويُعد أهم موطن اختلاف بين الشركات التجارية والمدنية يتمثل في أن الأخيرة لا تكتسب صفة التاجر في حين أن الشركات التجارية تكتسب صفة التاجر، ومن ثم فإن عدم إضفاء تلك الصفة على الشركات المدنية سيجعلها تخضع لنظام قانوني يختلف – ولو جزئياً – عن ذلك النظام الذي تخضع له الشركات التجارية.
ثانياً: معيار التفرقة بين الشركات المدنية والشركات التجارية:
ثالثاً: أهمية التفرقة بين الشركات المدنية والتجارية:
خامساً: النظام القانوني للشركات المدنية:
سادساً: الانضمام والخروج من الشركات المدنية:
أولاً: ماهية الشركات المدنية:
تُعرف الشركة المدنية بمقتضى نص المادة (7/ج/1) من قانون الشركات الأردني بأنها :(الشركات التي تؤسس بين الشركاء من ذوي الاختصاص والمهن وتخضع لأحكام القانون المدني وأحكام القوانين الخاصة بها وعقودها وأنظمتها الداخلية).
في حين أن بعض الفقه يُعرف الشركة المدنية بأنها: ( عقد يجب أن تتوافر فيه الأركان الموضوعية العامة وهي الرضا والمحل والسبب بالإضافة إلى الأركان الموضوعية الخاصة، ويتم العقد بين شخصين أو أكثر، وأن يقدم كلاً منهم حصة في الشركة، وأن يتم اقتسام الأرباح والخسائر وتوزيع هذه الخسائر، وأن يكون موضوعها مدنياً[1]).
أما المشرع المصري فلم يورد نصاً قانونياً يبين فيه ماهية الشركات المدنية، ذلك أنه بصدور قانون التجارة الجديد رقم 17 لسنة 1999 أصبحت كافة الشركات التي يؤسسها الأفراد تكتسب الصفة التجارية بغض النظر عن الغرض الذي ستمارسه، وهذا ما يتضح من نص المادة (10/2) من القانون المذكور والتي نصت على أن: (يكون تاجراً: 2- كل شركة تتخذ أحد الأشكال المنصوص عليها في القوانين المتعلقة بالشركات أياً كان الغرض الذي أنشئت الشركة من أجله).
ومن ثم يتضح أن موقف المشرع الأردني يُعد أفضل من موقف نظيره المصري الذي لم يبين السبيل الواجب إتباعه حتى يتسنى للأفراد تكوين شركة مدنية، حيث إن المشرع المصري قد تبنى معياراً شكلياً لتحديد نوع الشركة من حيث كونها مدنية أم تجارية – وهو ما فعله المشرع الفرنسي – إلا أنه لم يحدد ما هي الضوابط الواجب إتباعها لتكوين شركة مدنية.
ثانياً: معيار التفرقة بين الشركات المدنية والشركات التجارية:
يمكن أن يكون معيار التفرقة بين الشركات المدنية والتجارية معياراً موضوعياً متمثلاً في الغرض الذي أُنشأت الشركة من أجله والمحدد بمقتضى عقدها التأسيسي، وقد يكون معياراً شكلياً متمثلاً في الشكل القانوني الذي اتخذته الشركة لنفسها:
1- المعيار الموضوعي:
وفقاً لهذا المعيار فإن الفيصل في التفرقة بين الشركات المدنية والتجارية يكمن في الغرض الذي تم إنشاء الشركة من أجله، فتعتبر الشركة تجارية متى كان غرضها تجارياً، في حين أنها تعتبر شركة مدنية إذا كان الغرض المؤسسة من أجله غرضاً مدنياً.
والغرض التجاري – الذي تنشأ الشركة لمزاولته – يتمثل في أي عمل تجاري وذلك مثل الشراء لأجل البيع، أو القيام بعمليات البنوك ،أو النقل بأنواعه ،أو التأمين، أو الصناعة، أو أي عمل أخر نص عليه المشرع واعتبره عملاً تجارياً.
ولقد بين المشرع المصري بعض الأعمال التجارية بمقتضى نص المادة (4) من قانون التجارة الجديد رقم 17 لسنة 1999 والتي نصت على أن (يعد عملاً تجارياً:
(أ) شراء المنقولات أياً كان نوعها بقصد بيعها أو تأجيرها بذاتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى، وكذلك بيع أو تأجير هذه المنقولات.
(ب) استئجار المنقولات بقصد تأجيرها وكذلك تأجير هذه المنقولات.
(ج) تأسيس الشركات التجارية).
في حين أن المشرع الأردني قد بين بعض الأعمال التجارية بموجب نص المادة (6) من قانون التجارة والتي نصت على أن (1- تعد الأعمال التالية بحكم ماهيتها الذاتية أعمالا تجارية برية:
- شراء البضائع وغيرها من المنقولات المادية لأجل بيعها بربح ما سواء بيعت على حالتها أم بعد شغلها أو تحويلها.
- شراء تلك الأشياء المنقولة نفسها لأجل تأجيرها أو استئجارها لأجل تأجيرها ثانية.
- البيع أو الاستئجار أو التأجير ثانية للأشياء المشتراة أو المستأجرة على الوجه المبين فيما تقدم.
- أعمال الصرافة والمبادلة المالية ومعاملات المصارف العامة والخاصة.
- توريد المواد، وغيرها من الأعمال التي شملتها المادة المذكورة…).
ومن ثم يترتب على ذلك أن الشركات التي تؤسس لمزاولة هذه الأعمال أو غيرها من تلك التي ذكرها القانون التجاري واعتبرها أعمالاً تجارية فإن الشركة ستكتسب الصفة التجارية.
أما إذا تم تأسيس الشركة من أجل مزاولة عمل مدني فإنها ستكتسب الصفة المدنية، وتتمثل الأعمال المدنية الاستغلال الزراعي أو الأعمال المهنية أو ممارسة أعمال المهن الحرة مثل المحاماة، أو الاستشارات الهندسية ،أو المحاسبية، أو غيرها من النشاطات المدنية، ويتضح ذلك من مطالعة وهذا نص القرار رقم 4 لسنة 1987 الخاص بتفسير القوانين والذي نصت الفقرة الثالثة منه على أن (يجوز أنشاء شركات مدنية بين المحامين في مكتب واحد لممارسة مهنة المحاماة.
وهذا المعيار هو الذي أنتهجه المشرع الأردني وذلك بموجب نص المادة (9/1) من قانون التجارة والتي نصت على أن (1- التجار هم :
- الأشخاص الذين تكون مهنتهم القيام بأعمال تجارية.
- الشركات التي يكون موضوعها تجاريا).
مع ضرورة الإشارة إلى أن المشرع الأردني قد انتهج المعيار الشكلي فيما يتعلق بشركتي المساهمة المحدودة والعادية، وهذا ما يتضح من مطالعة الفقرة الثانية من المادة التاسعة من قانون التجارة والتي نصت على أن: (أما الشركات التي يكون موضوعها مدنيا، ولكنها اتخذت صفة الشركات المساهمة المحدودة والعادية فتخضع لجميع التزامات التجار المعينة في الفصلين الثاني والثالث من هذا الباب).
ولقد كان هذا المعيار هو المتبع في القانون المصري حتى صدر قانون التجارة الجديد رقم 17 لسنة 1999 والذي عدل عن هذا المعيار وأخذ بالمعيار الشكلي في تحديد صفة الشركة.
ولقد وجهت أسهم الانتقاد إلى هذا المعيار وذلك للأسباب التالية:
- حيث إن هذا المعيار ينطوي على العديد من الصعوبات والتعقيدات، ذلك أنه يستند إلى فكرة العمل التجاري لتحديد صفة الشركة من حيث كونها مدنية أم تجارية، والواقع أن فكرة العمل التجاري هي فكرة غامضة عجز الفقه عن وضع ضابط لها نظراً لأنها ترتكز على فكرة أخرى وهي فكرة التاجر، ومثل هذا الارتكاز ترتب عليه الدوران في حلقة مفرغة إذ لا يمكن تعريف العمل التجاري إلا بفكرة التاجر التي تتوقف بدورها على فكرة العمل التجاري[2]
- فضلاً عن أن قد يصعب تحديد الغرض الرئيسي للشركة نظراً لتعدد وتداخل أعمالها التي تقوم بها فتارة تقوم بأعمال تجارية وتارة أخرى تقوم بأعمال مدنية[3].
2- المعيار الشكلي:
طبقاً لهذا المعيار فإن الشركة تكتسب صفة التجارية إذا اتخذت أحد الأشكال القانونية التي حددها المشرع بغض النظر عن الغرض الذي أنشأت من أجله، وهذا هو المعيار الذي أتبعه المشرع المصري والذي يتجلى من مطالعة نص المادة (10/2) من قانون التجارة السابق بيانها والتي أوضحت أن الشركات التجارية تُعد مكتسبة لصفة التاجر بغض النظر عن غرض تأسيسها.
مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا المعيار لا ينطبق على شركة المحاصة، ذلك أنها لا تكتسب الشخصية القانونية، ومن ثم يتحدد صفتها من حيث كونها مدنية أم تجارية بحسب الغرض الذي تأسست من أجله.
ولقد أخذ المشرع الفرنسي – أيضاً – بهذا المعيار في قانون الشركات الصادر عام 1966، حيث قضت المادة (2/1) من القانون المذكور بأن (تكتسب الشركة الصفة التجارية متى اتخذت شكل شركة التضامن، أو التوصية البسيطة ،أو المساهمة، أو التوصية بالأسهم ،أو ذات المسئولية المحدودة).
أما المشرع الأردني فقد أخذ بهذا المعيار بصورة استثنائية، حيث أخضع شركتي المساهمة المساهمة المحدودة والعادية للنظام القانوني الخاص بالتجار – فيما يتعلق بالتزاماتهم – وذلك بغض النظر عن الغرض الذي تم تأسيسهم من أجله، وهذا ما يتضح من مطالعة نص المادة (9/2) من قانون التجارة الأردني السابق الإشارة إليها.
تقييم موقف المشرع المصري:
وجهت العديد من الانتقادات إلى المشرع المصري لتبنيه المعيار الشكلي دون بيان كيفية إنشاء شركات مدنية، وذلك على عكس موقف كل من المشرع الأردني والفرنسي فلقد حدد كل منهم الأوضاع التي تنشئ فيها شركات مدنية وبينا النظام القانوني الذي تخضع له هذه الشركات.
وإزاء صمت المشرع المصري عن بيان كيفية تكوين شركات مدنية وإتباعه للمعيار الشكلي فإن الشركات التي تنشأ من أجل ممارس أعمال المهن الحرة كالمحاماة مثلاً ستكون مكتسبة صفة التاجر وتخضع للقوانين التجارية وستكون ملزمة بالقيد في السجلات التجارية ومسك الدفاتر التجارية.
لذلك كان حرياً بالمشرع المصري أن يضع تنظيماً قانونياً للشركات المدنية كما فعل كل من المشرع الفرنسي ونظيره الأردني.
ثالثاً: أهمية التفرقة بين الشركات المدنية والتجارية:
يوجد العديد من الآثار القانونية التي تترتب على التفرقة بين الشركات المدنية والتجارية والتي تتمثل في:
1- لا تلتزم الشركات المدنية بالقيد في السجلات التجارية ولا يقع عليها ثمة التزام بمسك دفاتر تجارية، أما الشركات التجارية فيتعين عليها مسك الدفاتر التجارية وقيدها في السجلات التجارية.
فالشركات المدنية الأردنية تُسجل في سجل خاص يسمى بسجل الشركات المدنية، وهذا ما نصت عليه المادة (7) من قانون الشركات الأردني والتي نصت على أن (تسجل الشركات المدنية لدى المراقب بسجل خاص يسمى “سجل الشركات المدنية”).
2- تخضع الشركات المدنية لنظام الإعسار، أما الشركات التجارية فتخضع لنظام الإفلاس.
وهذا ما يتضح من مطالعة نص المادة (3/أ/1) من قانون الإعسار رقم 21 لسنة 2018 والتي نصت على أن (تسري أحكام هذا القانون على أي شخص يمارس نشاطا اقتصاديا بما في ذلك الأشخاص الاعتباريون بما في ذلك الشركات المدنية والشركات التي تملكها الحكومة).
3- لا يتطلب القانون إتباع إجراءات خاصة بشهر الشركات المدنية على خلاف الحال بالنسبة للشركات التجارية.
فالشركات المدنية تكتسب الشخصية القانونية بمجرد تكوينها دون أن يتوقف الأمر على شهر عقدها التأسيسي، وذلك بخلاف وضع بعض الشركات التجارية التي لا تكتسب الشخصية المعنوية إلا إذا تم إشهار عقدها التأسيسي.
وفي هذا الصدد تقضي محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 6554 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 16_2_2021 والتي قضت فيه بأن: (أخطأت محكمة استئناف حقوق إربد حيث إن الشركة المدنية بمجرد تكوينها تصبح شخصاً معنوياً).
4- ينتفي التضامن بين الشركاء في الشركات المدنية ما لم يتفق الشركاء على غير ذلك، أما بالنسبة للشركات التجارية فيختلف الأمر بحسب نوع الشركة، حيث أن هناك شركات يكون فيها الشركاء متضامنين بموجب نص القانون وذلك كما هو الحال في شركة التضامن.
5- تختلف مدة التقادم في الشركات المدنية عن الشركات التجارية، حيث أن مدة تقادم الدعاوى التي ترفع على الشركات المدنية عادة ما تخضع للتقادم الطويل، في حين أن الشركات التجارية تخضع لمدد تقادم أقصر.
رابعاً: تأسيس الشركة المدنية:
عرفت المادة (582) من القانون المدني الأردني الشركة بأنها: (عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصته من مال أو من عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة).
وعرفتها المادة (505) من التقنين المدني المصري أنها: (عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال أو من عمل، لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة) .
فيتضح من مطالعة النصين السابقين أنه حتى يتم إنشاء شركة مدنية بصورة قانونية سليمة فلا بد من مراعاة القواعد العامة في القانون والمتعلقة بصحة العقد، فضلاً عن أنه لما كانت الشركة تنشئ شخصاً معنوياً فكان من اللازم أن يتوافر في شأنها بعض الأركان الموضوعية الخاصة وذلك على النحو التالي:
1- الأركان الموضوعية العامة:
تتمثل الأركان الموضوعية العامة لعقد الشركة المدنية فيما يلي:
أ- الرضا:
فيجب أن يكون رضاء الأطراف الموقعة على عقد الشركة صحيحا خاليا من عيوب الإرادة سواء كانت غلط، أو تدليس، أو إكراه، أو استغلال، فضلا عن وجوب أن يكون هذا الرضاء حقيقيا وليس صوريا وفي هذا الصدد تنص المادة (5) من قانون الشركات الأردني رقم 22 لسنة 1997 المعدل بمقتضى القانون رقم 57 لسنة 2006 على أنه: (لا يجوز تسجيل شركة باسم اتخذ لغاية احتيالية…)
ب- الأهلية:
صحة رضاء الموقع على عقد الشركة شرط ضروري، ولكنه غير كاف لصحة التوقيع إذ يلزم أيضا أن يكون الرضا صادر ممن يتمتع بالأهلية الخاصة بأعمال التصرف أي أن يكون بالغ سن الرشد القانوني، ووفقاً للقانون المصري فإن سن الرشد هو إحدى وعشرون سنة ميلادية، في حين أنه ثماني عشرة سنة في القانون الأردني.
ج- المحل:
يجب أن يكون محل الشركة مشروعاً غير مخالف للنظام العام والآداب، فلا يجوز تأسيس شركة للعمل في الإتجار بالبشر أو الإتجار في المواد المخدرة، فضلا عن ضرورة وجوب أن يكون محل الشركة ممكنا.
د- السبب:
وأخيرا يجب أن يكون الباعث وراء إنشاء الشركة متمثل ممارسة عمل مدني يُحدد في عقدها التأسيسي، سواء تمثل في ممارسة مهنة المحاماة أو أعمال المحاسبة أو الهندسة.
2- الأركان الموضوعية الخاصة:
أ- تعدد الشركاء:
وفقا لنص المادة (582) من القانون المدني الأردني التي عرفت الشركة بأنها: (عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر…..) فأنه يستنتج مما سبق أن تعدد الشركاء في الشركة هو أمراً ضروريا لأنشاء الشركة وبقائها.
ب- تقديم الحصص:
يلتزم كل شريك في الشركة بأن يقدم ما تعهد به من حصة للشركة سواء تمثلت هذه الحصة في صورة حصة نقدية أو حصة عينية أو حصة بعمل:
فحصة الشريك في الشركة قد تكون حصة نقدية بأن يلتزم بتقديم مبلغ نقدي للشركة، وتجدر الإشارة إلى أن حصص الشركاء لا يشترط أن تكون متساوية، ولكن يجب أن تكون محددة القيمة.
وقد تكون حصة الشريك حصة عينية كأن يلتزم الشريك بتقديم عقار أو منقول، والحصة العينية قد تكون على وجه التمليك حيث تخرج من ذمة صاحبها المالية وتدخل في الذمة المالية للشركة، وقد تكون مقدمة من الشريك للشركة على وجه الانتفاع فلا يكون للشركة سوى الانتفاع بها فترة بقاء الشركة.
وأخيرا فإن الشريك يستطيع أن يقدم حصته في صورة عمل يؤديه للشركة شريطة أن يكون هذا العمل ذا شأن جدي في نجاح وازدهار الشركة وان يكرس نشاطه للعمل لمصلحة الشركة.
وهذا ما تؤكده المادة (586) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يجوز أن تكون حصة الشريك في الشركة حق ملكية أو حق منفعة أو أي حق عيني آخر وتسري عليها أحكام البيع فيما يتعلق بضمانها إذا هلكت أو استحقت أو ظهر فيها عيب أو نقص، أما إذا كانت الحصة مجرد الانتفاع بالمال فإن أحكام الإيجار هي التي تسري في كل ذلك، فإذا كانت الحصة عملا وجب على الشريك أن يقوم بالخدمات التي تعهد بها في العقد).
ج- اقتسام الأرباح والخسائر:
إن رغبة الشركاء في قبول المخاطرة بالدخول إلى الشركة لا يكون إلا لاقتسام الأرباح التي قد تتمخض عن استغلال الشركة وهذا ما عبرت عنه المادة 582 من القانون المدني الأردني بنصها على ( واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة.. )
والربح المعني هنا هو الربح المادي كما عرفته محكمة النقض الفرنسية (بأنه كل كسب مالي أو مادي يضيف إلى ثروة الشركاء).
وتجدر الإشارة إلى أن طريقة توزيع الأرباح والخسائر هي من الأمور التي يستقل الشركاء ببيان كيفية سريانها، غير انهم مقيدين بعدم تضمين عقد الشركة بنداً يقضي باستئثار أحدهم بكافة الأرباح أو بإعفاء أحدهم من الخسائر كلية، إذ يكون هذا البند باطلا وينسحب البطلان إلى الشركة ذاتها، وهذا ما تؤكده نص المادة (590) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (إذا اتفق في العقد على أن أحد الشركاء لا يفيد من أرباح الشركة ولا يساهم في خسائرها كان عقد الشركة باطلا).
فالشركة التي تتضمن مثل هذا الشرط تسمى بشركة الأسد وصاحب هذه التسمية هو الروائي والأديب اليوناني Esope .
فمتى روعي القيد السابق فأنه يجوز للشركاء أن يضعوا آلية اقتسام الأرباح والخسائر بالكيفية التي يرونها سواء قسمت بالتساوي أو استناداً إلى نسبة حصة كل شريك في الشركة.
ج- نية الاشتراك:
علي الرغم من عدم نص المشرع على هذا الركن إلا انه يعد الركن الجوهري في الشركة الذي يتبلور حوله باقي الأركان ويعرف هذا الركن بأنه الرغبة الإرادية التي تدفع الشركاء إلى التعاون بينهم على قدم المساواة من اجل تحقيق الأهداف المنشودة.
وهذا الركن هو الذي يفرق عقد الشركة عما يسمى بحالة الشيوع الإجباري أو الشيوع الاختياري وعقد العمل.
3- شكل العقد:
بادئ ذي بدء نشير إلى أن عقد الشركة المدنية هو عقد رضائي، ينعقد ويرتب آثاره بمجرد إبرامه، إلا أن المشرع قد تطلب كتابته لحماية حقوق الغير المتعاملين مع الشركة، وفي هذا الصدد تنص المادة (584) من القانون المدني الأردني على أن: (يجب أن يكون عقد الشركة مكتوبا، فإذا لم يكن العقد مكتوبا فلا يؤثر ذلك على حق الغير وإما بالنسبة للشركاء أنفسهم فيعتبر العقد صحيحا إلا إذا طلب أحدهم اعتباره غير صحيح، فيسري هذا على العقد من تاريخ إقامة الدعوى).
3- تسجيل الشركة المدنية:
تطلب المشرع الأردني أن يتم تسجيل عقد الشركة المدنية لدى مراقب الشركات في سجل خاص مُعد لذلك، ويجب كذلك أن تُسجل كافة التعديلات التي تطرأ على الشركة بعد بداية حياتها، وهذا ما نصت عليه المادة (7) من قانون الشركات والتي قضت بأن: (تسجل الشركات المدنية لدى المراقب بسجل خاص يسمى “سجل الشركات المدنية” وهي الشركات التي تؤسس بين شركاء من ذوي الاختصاص والمهن وتخضع لأحكام القانون المدني وأحكام القوانين الخاصة بها وعقودها وأنظمتها الداخلية).
وبمجرد تكوين الشركة وتسجيلها فإنها تتمتع بالشخصية المعنوية التي تمكنها من اكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات في حدود الغرض الذي إنشات من أجله، وهذا ما نص عليه المشرع الأردني بموجب المادة (583) من القانون المدني والتي نصت على أن (تعتبر الشركة شخصا حكميا بمجرد تكوينها، ولا يحتج بهذه الشخصية على الغير إلا بعد استيفاء إجراءات التسجيل والنشر التي يقررها القانون).
فيتضح إذن من هذا النص أن تسجيل الشركة يُعد إجراء ضروري ليس لاكتسابها الشخصية المعنوية وإنما للاحتجاج على الغير بهذه الشخصية المعنوية.
وجديراً بالذكر أن الغير يستطيع أن يتمسك بوجود الشركة وبشخصيتها المعنوية حتى ولو لم يتم تسجيلها، وهذا ما أكدته المادة (583/3) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (ولكن للغير أن يتمسك بهذه الشخصية رغم عدم استيفاء الإجراءات المشار إليها).
خامساً: النظام القانوني للشركات المدنية:
لا تخضع الشركات المدنية للقانون المدني أو بعض أحكام قانون الشركات فحسب، وإنما تخضع كذلك لقانون المهنة التي تم تأسيس الشركة من أجل مزاولتها.
وهذا ما تؤكده محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 7252 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 18_6_2010 والتي قضت فيه بأن: (المادة 7/ج من قانون الشركات أوجبت تسجيل الشركات المدنية التي تخضع لأحكام القانون المدني وأحكام القوانين الخاصة بها وعقودها).
فمثلاً نجد أن هناك اشتراطات قررها قانون نقابة المحامين النظاميين وتعديلاته فيما يتعلق بشركات المحاماة، ومن ضمن هذه الاشتراطات ما ورد ذكره بمقتضى المادة (53) والتي نصت على أن: (يجوز إنشاء شركات مدنية بين المحامين في مكتب واحد لممارسة مهنة المحاماة، ويجب إشعار النقابة خطياً بقيام الشركة خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يوماً من تاريخ تكوينها أو من تاريخ انضمام محام جديد إليها وينطبق هذا الوجوب في إشعار النقابة على قيام تعاون بدون شراكة بين محاميين اثنين أو اكثر في مكتب واحد، ويشترط عند تطبيق أحكام هذه الفقرة ما يلي:
- ألا يجوز للمحامين الشركاء أو المتعاونين في مكتب واحد أن يترافع أحدهم ضد الآخر في أي دعوى أو أن يمثلوا في أي دعوى أو معاملة فريقين مختلفي المصالح.
- ألا يكون المحامي شريكاً في أكثر من شركة واحدة للمحاماة باي صورة من الصور.
- أن يكون لكل واحد من المحامين الشركاء أو المتعاونين في المكتب الواحد الحق في أن يعين وكيلاً عاماً أو مستشاراً قانونياً على العدد من المؤسسات والشركات التي يحق للمحامي أن يكون وكيلاً أو مستشاراً لها بمقتضى أحكام هذا القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه).
ناهيك عن أن الشريك في الشركة المدنية التي تمارس مهنة حرة يجب أن يكون أهلاً لممارسة تلك المهنة، فمثلاً إذا تم إنشاء شركة لممارسة المحاماة فلا يجوز أن يكون شريكاً بها إلا المحامين المقيدين بنقابة المحاماة، وذات الحكم ينطبق على الشركات التي تؤسس لممارسة أعمال الهندسة أو الطب أو أي مهنة لها تنظيمها القانوني الخاص.
سادساً: الانضمام والخروج من الشركات المدنية:
1- في حالة الانضمام:
لما كانت الشركات المدنية – عادة – ما تؤسس لممارسة أعمال مهنية تخضع لتنظيمات قانونية خاصة، فإنه يترتب على ذلك أن الشريك المُنضم إلى الشركة يحتاج إلى نوعين من الموافقات حتى يصبح شريك في الشريك:
- فيحتاج أولاً إلى موافقة الشركاء، ويتحدد نصاب هذه الموافقة وفقاً لما هو منصوص عليه في العقد التأسيسي للشركة.
- ويحتاج ثانياً إلى موافقة الجهة المختصة، أو على الأقل عرض الأمر عليها حتى يتسنى لها التحقق من توافر شروط ممارسة المهنة في الشريك المنضم.
وهذا ما نص عليه المشرع الأردني بموجب نص المادة (53/3) من قانون نقابة المحامين النظاميين وتعديلاته والتي نصت على أن: (ويجب إشعار النقابة خطياً بقيام الشركة خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يوماً من تاريخ تكوينها أو من تاريخ انضمام محام جديد إليها).
2- في حالة الانسحاب والوفاة والحجر:
تُعد الشركات المدنية أحد صور شركات الأشخاص التي تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة بين الشركاء، مما يترتب عليه أن كل ما يؤثر على الاعتبار الشخصي يؤدي إلى تقويض الشركة برمتها، ومن ثم يمكن القوم بأن انسحاب أحد يترتب عليه انقضاء الشركة بالكامل، وهذا ما ينطبق على حالة وفاة أحد الشركاء أو الحجر عليه.
إلا أن القاعدة السابقة ليست من القواعد المتعلقة بالنظام العام ومن ثم يحق للشركاء الاتفاق على ما يخالفها، وهذا ما أجازته نص المادة (603) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (ويجوز أيضا الاتفاق على استمرار الشركة بين باقي الشركاء اذا مات احدهم أو حجر عليه أو أعسر أو أفلس أو انسحب وفي هذه الحالات لا يكون لهذا الشريك أو ورثته إلا نصيبه في أموال الشركة، ويقدر هذا النصيب بحسب قيمته يوم وقوع الحادث الذي أدى إلى خروجه من الشركة ويدفع له نقدا ولا يكون له نصيب فيما يستجد بعد ذلك من حقوق إلا بقدر ما تكون تلك الحقوق ناتجة عن عمليات سابقة على ذلك الحادث).
ولكن يجب طرح سؤال على درجة كبيرة من الأهمية وهو ما مدى أحقية الشريك في الانسحاب من الشركة؟؟
للإجابة على هذا السؤال يتعين التفرقة بين فرضين وهما:
الفرض الأول : إذا كانت الشركة محددة المدة، ففي هذه الحالة تخضع الشركة لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين مما يؤدي إلى منع الشريك من الانسحاب من الشركة بإرادته المنفردة، فحتى يحصل هذا الانسحاب لا بد من إجماع الشركاء على ذلك.
إلا أن المشرع الأردني قد منح الشريك الحق في اللجوء إلى القضاء لطلب إخراجه من الشركة المحددة المدة، وهذا ما يتجلى من مطالعة نص المادة (605/2) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (كما يجوز أيضا لأي شريك أن يطلب من المحكمة إخراجه من الشركة إذا كانت الشركة محددة المدة واستند في ذلك لأسباب معقولة وفي هذه الحالة تحل الشركة ما لم يتفق باقي الشركاء على استمرارها).
الفرض الثاني : إذا كانت الشركة غير محددة المدة، ففي هذه الحالة لا يمكن إجبار الشريك على أن يظل حبيس الشركة، ومن ثم يحق له أن يُعلن عن انسحابه في أي وقت.
ولكن يجب ملاحظة أنه على الرغم من أن الانسحاب من الشركات المحددة المدة يُعد حقاً للشريك إلا أنه لا يجوز له أن يتعسف في استعمال هذا الحق، ومن ثم لا يحق له أن يعلن عن انسحابه في وقت يؤدي إلى الإضرار بمصالح الشكة، وهذا ما تؤكده المادة (529) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (تنتهي الشركة بانسحاب أحد الشركاء، إذا كانت مدتها غير معيّنة، على أن يعلن الشريك إرادته في الانسحاب إلى سائر الشركاء قبل حصوله، وألا يكون انسحابه عن غش أو في أي وقت غير لائق).
وجديراً بالذكر أن أحقية الشريك في الانسحاب من الشركة غير المحددة المدة يُعد حقاً متعلقاً بالنظام العام ويقع باطلاً كل اتفاق ينص على خلاف ذلك.
3- أحقية الشركاء في فصل الشريك المخطئ:
يحق للشركاء التقدم بطلب إلى القضاء لفصل الشريك المخطئ إذا توافر ما يسوغ ذلك، وهذا ما يؤكده نص المادة (605) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يجوز لكل شريك أن يطلب من المحكمة بفصل أي من الشركاء يكون وجوده قد أثار اعتراضا على مد أجلها أو تكون تصرفاته مما يمكن اعتباره سببا مسوغا لحل الشركة على أن تظل الشركة قائمة بين الباقين).
فقيام الشريك بأي عمل من شأنه أن يضعف الثقة في الشركة يُعد مسوغاً لطلب فصله من القضاء، كما لو كان الشريك محامياً في شركة محاماة وأخرج بعض أسرار الشركة للخارج، أو لو كان طبيباً وقام بأفعال تتنافى ومهنة الطب.
بل أن الشريك إذا تم وقف عضويته – ولو مؤقتاً – من مزاولة المهنة التي تزاولها الشركة لترتب على ذلك وجوب إخراجه من الشركة، كما لو كان محامياً وتم وقفه من النقابة سواء بصورة دائمة أو مؤقتة، ففي هذه الحالة يتعين إخراجه من الشركة، وذلك يُعد تطبيقاً لقاعدة “إذا سقط الأصل سقط الفرع” المنصوص عليها بموجب نص المادة (229) من القانون المدني الأردني.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] طارق عبد الرحمن كميل – تمييز الشركة الغير ربحية عن الأنظمة القانونية المشابهة لها – 2017 – ص364.
[2] الأستاذ الدكتور/ محمد فريد العريني – الشركات التجارية – دار الجامعة الجديدة – 2015 – ص12. ومقال محامي شركات.
[3] الدكتور/ محمد السيد الفقي – القانون التجاري – دار الجامعة الجديدة – 2019 – ص 200.

