الجرائم التي تمس الدين
إن للأديان حُرمة وقدسية بالغة في نفوس البشر الأمر الذي يجعلهم يأبون أي تصرف يشين إلى عقيدتهم، وهذا ما دفع المشرع الأردني إلى تجريم العديد من الأفعال التي تمثل اعتداء على القدسية التي تتمتع بها الأديان وتقرير عقاب لمرتكبي تلك الأفعال ليكون ذلك رادعاً لهم ولغيرهم لعدم الإقدام على المساس بالمعتقدات الدينية.
أولاً: إطالة اللسان على الأنبياء:
ثالثاً: جريمة تخريب وإتلاف أماكن العبادة:
رابعاً: جريمة إزعاج الناس عند إقامة الشعائر الدينية:
خامساً: جريمة الاعتداء على المقابر:
سادساً: جريمة إهانة الشعور الديني:
سابعاً: النصوص القانونية المتعلقة بالجرائم التي تمس الدين:
ثامناً: اجتهادات محكمة التمييز التي تتعلق بالجرائم الماسة بالدين:
أولاً: إطالة اللسان على الأنبياء:
حرص المشرع الأردني على حماية الشعور الديني لدى الأفراد، ويُعد سب أحد الأنبياء بمثابة انتهاكاً لهذا الشعور الديني وهذا ما دفع المشرع إلى تجريم فعل إطالة اللسان على أحد الأنبياء من أرباب الشرائع، وهذا ما ورد (بالمادة 273) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (من ثبتت جراته على إطالة اللسان علنا على أرباب الشرائع من الأنبياء يحبس من سنة إلى ثلاث سنوات).
وهذا الفعل يمثل اعتداء جسيم على المعتقدات الدينية لدى الأفراد، فلقد أرسل الله الأنبياء بالرسالات الدينية إلى البشر وكرمهم واصطفاهم على غيرهم فلا يجوز لأمرئ أن يتطاول على أنبياء الله ورسله.
1- الركن المادي:
يتمثل الركن المادي لتلك الجريمة في قيام الفاعل بتوجيه عبارات تسئ إلى أحد الأنبياء سواء صدرت منه لفظاً أو كتابة شريطة أن يكون ذلك علناً.
ويؤكد ذلك ما ورد بحكم محكمة صلح جزاء السلط رقم 236 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (تجد المحكمة أن إقدام المشتكى عليهما على إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء بالرقص والغناء مع التفوه بعبارة (وأول ما نبدى ونقول صلوا على العاهة الرسول) أمام الأخرين في فيديو مصور وعلى مسمع العديد من الناس وما نجم عن هذه المسبات من إهانة للشعور الديني والمعتقد الديني يشكل سائر أركان وعناصر جرم إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء خلافا لأحكام المادة 273 من قانون العقوبات باعتبارها اعتداء على الشعور الديني والمعتقدات الدينية والتي حماها المشرع من العبث والاستخفاف بها وحرص على صيانتها من الاعتداء عليها بتجريم أي فعل يشكل إطالة لسان على الأنبياء والرسل التي دعت الديانات السماوية جمعاء إلى احترامهم والأيمان بهم وعدم المساس بهم).
وتقع هذه الجريمة بنشر كتابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تمثل اعتداء على أحد أنبياء الله كما لو تم نشر تلك العبارات عبر فيس بوك أو تويتر أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي طالما تم نشرها في مكان يمكن لأي شخص أن يطلع عليه.
ويؤكد ذلك ما ورد بحكم محكمة صلح جزاء عمان رقم 16597 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (تجد المحكمة أن الأفعال التي قارفها المشتكى عليه والمتمثلة بنشره على صفحته على الفيس بوك وللعامة منشور يتضمن على شتم النبي محمد صلى الله عليه وسلم (…أيهما أحسن قصصنا أم محمد..) والذي يعد وسيله من وسائل العلانية وقيامه بأفعاله هذه بإرادته العاملة والمدركة لما أقدمت عليه يشكل من جانبه كافة أركان وعناصر الجرم المُسندة إليه).
ولكننا نطرح السؤال التالي: هل سب أحد الأنبياء عبر تطبيق واتس آب من شأنه أن يقيم الركن المادي لتلك الجريمة؟
الواقع أنه لما كان المشرع يتطلب لقيام تلك الجريمة أن تقع بصورة علنية فإن الاعتداء على أحد الأنبياء في مراسلات خاصة ببرنامج واتس آب لا يشكل تلك الجريمة نظراً لعدم علنية تلك المحادثات.
ولا تتحقق الجريمة أيضاً في حالة نشر أحد الأشخاص ما يمثل سب لأحد الأنبياء أو إهانة له طالما تم نشر ذلك على صفحته الشخصية التي لا يكون للعامة إمكانية الاطلاع على ما ينشر بها.
2- الركن المعنوي:
لما كانت تلك الجريمة من الجرائم العمدية فإنه يلزم لقيامها توافر عنصري العلم والإرادة، حيث يجب أن ينصرف علم الجاني أنه يعتدي بالقول أو الكتابة على أحد أنبياء الله تعالى، ويجب أن تكون إرادته حرة في إتيان مثل هذا الفعل.
3- العقوبة:
قرر المشرع وضع جزاء رادع لكل من تسول له نفسه أو يتطاول على أحد أنبياء الله والمتمثل في الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
ثانيا: جريمة نقض الصوم علناً:
شهر رمضان هو من أحد الأشهر التي لها قدسية بالغة في نفوس المسلمين، فضلاً عن أن صيام شهر رمضان يُعد أحد أركان الإسلام الخمس، لذلك عني المشرع الأردني بالاهتمام بقدسية هذا الشهر الكريم وذلك بأن قرر مُعاقبة كل من يُجاهر بإفطاره على العلن في شهر رمضان.
وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 274) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (من ينقض الصيام في رمضان علنا يعاقب بالحبس حتى شهر واحد أو بالغرامة حتى خمسة عشر دينارا).
وتجريم هذا الفعل لا يُعد بدعة من المشرع الأردني حيث إن العديد من القوانين العربية قد تناولت هذا الفعل بالتجريم، فضلاً عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد قال: ” كل امتي معافى إلا المجاهرين وأن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح يكشف ستر الله عنه يقول يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره ويصبح يكشف ستر الله عن نفس “[1]
1- الركن المادي:
حتى تقوم تلك الجريمة فلابد أن يكون الجاني قد جاهر بنقض صيامه علناً، ومن ثم فإن مجرد الإفطار في شهر رمضان لا يمثل جريمة ما لم يكن المفطر قد جاهر بصيامه وبين نقضه لصيامه على العلن.
2- الركن المعنوي:
تُعد هذه الجريمة من الجرائم العمدية والتي يلزم لتحققها توافر عنصري العلم والإرادة، حيث يجب أن يكون الجاني على علم أنه في شهر رمضان الكريم وأنه واجب عليه الصيام، ويجب أن تتجه إرادة الجاني الحرة إلى نقض صيامه على العلن وذلك ليس إلا تطبيقاً لما ورد (بالمادة 63) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (النية: هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون).
ومن ثم فإن إكراه الفاعل على الإفطار علناً في شهر رمضان لا يمثل جريمة، وذلك كما لو كان هناك عُذر قهري دفعه إلى ذلك كأن يكون به مرض خطير دفعه إلى الإفطار في شهر رمضان وتعاصر وقت إفطاره في وجوده بالخارج.
ويؤكد ذلك ما ورد بحكم محكمة صلح جزاء أربد رقم 4675 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (تجد المحكمة أن البحث في جريمة نقض الصيام في رمضان علنا يستلزم البحث في مدى توافر الركن المادي والركن المعنوي للجريمة معا حتى تقوم مسؤولية المشتكى عليه عن الجرم المسند إليه، أولا: الركن المادي للجريمة: وهو السلوك أو الفعل الذي يأتيه الفاعل ليخرج به الجريمة إلى حيز الوجود بحيث تتحقق النتيجة المعاقب عليها لوجود علاقة سببية بينها وبين الفعل، وهذا السلوك وفقا لأحكام المادة (274) من قانون العقوبات يكون سلوكا إيجابيا يتمثل في قيام الفاعل بنقض الصيام في شهر رمضان المبارك بشكل علني أثناء فترة الصيام، ثانيا: الركن المعنوي للجريمة: ويقصد به القصد الجرمي على النحو الذي عرفته المادة (63) من قانون العقوبات والتي نصت على أنه (إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون)، والقصد الجرمي يتكون من عنصرين: العلم والإرادة، بحيث تتجه إرادة الفاعل لارتكاب الفعل على الرغم من معرفته بأن هذا الفعل معاقب عليه قانونا وأن من شأن ارتكابه تحقق الجريمة بتحقق نتيجتها، إلا أنه بالرغم من ذلك تتجه إرادته إلى ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة، والقصد الجرمي العام في مخالفة أحكام المادة (274) من قانون العقوبات يتمثل بأن الفاعل على علم بأنه يقوم بنقض الصيام في شهر رمضان المبارك بشكل علني أثناء فترة الصيام، إلا أنه على الرغم من ذلك قام بهذه الأفعال بإرادة حرة وواعية لتحقيق النتيجة).
3- العقوبة:
قرر المشرع الأردني معاقبة من يفطر علناً بشهر رمضان بالحبس مدة لا تجاوز شهر أو بالغرامة التي لا تزيد على خمسة عشر دينا، ويتبين أن المشرع قد منح للقاضي أن يختار في التطبيق بين الحبس أو الغرامة حيث لا يجوز الجمع بينهم.
ثالثاً: جريمة تخريب وإتلاف أماكن العبادة:
تُعد أماكن العبادة من الأماكن المقدسة لدى الأفراد والتي يأبون المساس بها أو الاعتداء عليها، ولقد حرص المشرع الأردني على كفالة حماية أماكن العبادة بشتى أنواعها سواء كانت مساجد، أو كنائس، أو معابر، أو غيرها من الأماكن التي يقام بها شعائر دينية لجماعة من الأفراد.
وفي سبيل حرص المشرع على صون تلك الأماكن من التعدي عليها فقد عمد إلى تجريم كافة الأفعال التي تمثل اعتداء على أماكن العبادة وذلك ما ورد (بالمادة 275) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من خرب أو اتلف أو دنس مكان عبادة أو شعارا أو أي شيء تقدسه جماعة من الناس قاصدا بذلك إهانة دين أية جماعة من الناس أو فعل ذلك مع علمه بان تلك الجماعة ستحمل فعله هذا على محمل الإهانة لدينها يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين أو بغرامة من خمسين دينارا إلى مائتي دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين).
1- الركن المادي:
تقوم تلك الجريمة بإقدام الجاني على التعدي على أماكن العبادة بالتخريب، أو الإتلاف، أو التدنيس، أو بالتعدي على رموز خاصة بدين معين، ويُعد هذا السلوك من السلوكيات المادية البحتة والتي قد تتمثل في نزع النوافذ أو تحطيم الأبواب الخاصة بدور عبادة أو بتشويه حوائط أحد الأماكن المعدة للعبادة أو بأن يقذف بها القمامة أو غيرها من القاذورات التي تدنسها[2].
2- الركن المعنوي:
حتى يكتمل البينان القانوني لتلك الجريمة فلا بد من انصراف إرادة الجاني إلى إتيان أي من الأفعال المشار إليها شريطة أن يكون عالماً بأن فعله يقع على مكان مُعد للعبادة أو مخصص لإقامة شعائر دينية لجماعة من الأفراد.
وجديراً بالذكر أنه من خلال مطالعة (المادة 275) سالفة الذكر يتبين أن تلك الجريمة تُعد من جرائم القصد الخاص، حيث يجب أن تنصرف إرادة الجاني إلى إهانة دين معين من فعله، ومن ثم فإن مجرد تكسير أو تخريب مكان مُعد للعبادة دون انصراف إرادة الجاني إلى إهانة أصحاب هذا الدين فإن فعله لن يشكل جريمة تخريب أو إتلاف أماكن العبادة وذلك كما لو تم هذا التخريب أو الإتلاف بدون قصد.
3- العقوبة:
قرر المشرع الأردني عقاب كل من يقوم بإتلاف أو تخريب أماكن معدة للعبادة بغرض إهانة أصحاب ذلك الدين بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين أو بالغرامة التي لا تقل عن خمسين دينا ولا تزيد على مائتي دينار.
ويجوز للقاضي أن يجمع بين العقوبتين أو يختار فقط تطبيق أحداهما سواء كانت الحبس أو الغرامة وذلك وفقاً للظروف والملابسات التي أحاطت بارتكاب الجرم المشار إليه ووفقاً لمقتضيات التفريد العقابي الذي يتولى القاضي تطبيقه.
رابعاً: جريمة إزعاج الناس عند إقامة الشعائر الدينية:
قرر المشرع الأردني تجريم كل فعل من شأنه إزعاج الأشخاص عندما يمارسون شعائرهم الدينية أياً كانت الديانة التي يدينون بها، ولقد تم تجريم هذا الفعل بموجب (المادة 276) من قانون العقوبات وذلك بنصها على أن: (كل من ازعج قصدا جمعا من الناس اجتمعوا ضمن حدود القانون لإقامة الشعائر الدينية أو تعرض لها بالهزء عند إقامتها أو احدث تشويشا أثناء ذلك أو تعدى على أي شخص يقوم ضمن حدود القانون بالشعائر الدينية في ذلك الاجتماع أو على أي شخص آخر موجود في ذلك الاجتماع دون أن يكون له مبرر أو عذر مشروع يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة حتى خمسين دينارا أو بكلتا هاتين العقوبتين).
1- الركن المادي:
تقوم هذه الجريمة بإتيان أي فعل من شأنه التشويش على إقامة الشعائر الدينية لمن يدينون بدين ما أو أثناء قيامهم بعمل احتفال ديني خاص بهم، ويتحقق ذلك بالقيام بأي سلوك يحدث ضوضاء تعكر صفو النفوس الخاشعة وتبدد تركيزها في التعبد، وقد يتم ذلك برفع أصوات الغناء في مكان قريباً منهم بقصد التشويش عليهم أو القيام بطبل أو زمر أثناء إقامة شعائرهم الدينية.
وكذلك تتحقق تلك الجريمة بإتيان أفعال تسخر من أحد الأفراد المجتمعين لإقامة الشعائر الدينية سواء تم ذلك بارتداء ملابس معينة بغرض السخرية منه أو تقليد ما يقوم به من طقوس، ولكن بصورة ساخرة.
وفي هذا الصدد تقضي محكمة صلح جزاء الرصيفة في حكمها رقم 3492 لسنة 2017 بأن: (أن الركن المادي لجرم إزعاج الناس عند إقامة الشعائر الدينية يفترض أن يقوم المشتكي عليه بإزعاج جمعا من الناس اجمعوا ضمن حدود القانون والإقامة الشعائر الدينية أو تعرض لهم بالاستهزاء أو احدث تشوشاً عند أدائها أو اعتدى على شخص يقوم بتلك الشعائر عند الاجتماع، وبالرجوع إلى كتاب المركز الأمني ومرفقاته فتجد المحكمة انه لم ترد أي بينة من شأنها أن تثبت قيام المشتكي عليه بأي من عناصر الركن المادي لهذا الجرم وان مجرد وجوده في حالة سكر داخل ساحة مسجد لا يشكل أي عنصر من عناصر التجريم لجم إزعاج الناس عند إقامة الشعائر الدينية الأمر الذي يترتب عليه إعلان براءته عن هذا الجرم).
2- الركن المعنوي:
حتى تتحقق تلك الجريمة فلابد أن يكون الجاني قد تحقق لديه العلم بأن فعله من شأنه أن يشوش على جماعة من الأشخاص أثناء قيامهم بأداء شعائر دينية أو الاحتفال بمناسبة دينية خاصة بهم.
أما إذا انتفى علم الفاعل بوجود تلك الشعائر أو الاحتفال فإن فعله لن يشكل جريمة حتى ولو أدى ذلك إلى التشويش عليهم، كما لو مر جمهور من المحتفلين بزفاف بجانب دار للعبادة يمارس بها شعائر دينية فإن هذا الفعل لا يشكل جريمة لعدم توافر العلم بقيام تلك الشعائر، أما إذا تم تنبيه المحتفلين بحفل الزفاف بوجود شعائر مقامة في هذا المكان واستمروا على الرغم من ذلك في إحداث الضجيج بالطبل والزمر فأن ذلك يشكل جريمة إزعاج الأشخاص أثناء قيام الشعائر الدينية.
3- العقوبة:
قرر المشرع الأردني عقاب كل من يتعمد إزعاج الناس أثناء ممارستهم لشعائرهم الدينية أو إقامتهم لاحتفالات دينية خاصة بهم بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر أو بالغرامة التي لا تزيد على خمسين دينار، ولا يكون للقاضي أن يجمع بين العقوبتين في هذه الحالة.
خامساً: جريمة الاعتداء على المقابر:
1- جريمة التعدي على المقابر:
إن للمقابر حرمة وقداسة ومهابة في نفوس الأفراد، لذلك قرر المشرع الأردني معاقبة كل من تسول له نفسه أن يعتدي على حرمة المقابر وذلك بموجب (المادة 277/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من اعتدى على مكان يستعمل لدفن الموتى أو على مكان مخصص لإقامة مراسيم الجنازة، أو لحفظ رفات الموتى ،أو انصاب الموتى ،أو دنسه، أو هدمه أو انتهك حرمة ميت يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنتين).
أ- الركن المادي:
يقوم الركن المادي لتلك الجريمة بالتعدي على أي مكان يكون مخصص لدفن الموتى أو إقامة مراسم الجنازات أو لحفظ رفات الموتى، سواء تم التعدي بهدم أجزاء من هذا المكان أو بتدنيسه أو بانتهاك حرمة الميت كأن يكشف عنه بعد دفنه أو يأتي أي فعل من شأنه أن ينتهك حرمة الموتى.
ومن تطبيقات قيام تلك الجريمة ما ورد بحكم محكمة صلح جزاء مادبا رقم 44 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (أن ما أقدم عليه المشتكى عليهما من أفعال تمثلت بإخراج تابوت من المكان المخصص له داخل المقبرة والذي كان بداخله جثة المدعو …… وتركها في المقبرة والذي يعتبر انتهاك لحرمة الميت، وعليه فإن أفعال المشتكى عليهما تشكل كافة أركان وعناصر الجرم المسند للمشتكى عليهما مما يتوجب إدانتهما بها).
ب- الركن المعنوي:
لما كانت تلك الجريمة من الجرائم العمدية لذلك يتعين أن يكون الجاني عالماً بأن فعله ينصب على مكان مخصص لدفن الموتى أو لتجميع رفاتهم، فإذا أنتفى علمه بذلك فلا يسأل عن تلك الجريمة.
ويؤكد ذلك ما قضت به محكمة صلح جزاء عجلون في حكمها رقم 1270 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (وحيث ثبت من خلال شهادة منظمي الضبط بان مكان وجود العظام كان عبارة عن حفرة تحتها وفوقها صخور ولا يوجد معالم تشير إلى وجود قبر وان المكان المدفون فيه العظام هو عبارة عن منطقة حرجية غير مخصصة لدفن الموتى وحيث أن نص (المادة 277) عاقب على كل من اعتدى على مكان يستعمل لدفن الموتى أو على مكان مخصص لإقامة مراسيم الجنازة أو لحفظ رفات المتوفى أو انصاب الموتى أو دنسه أو هدمه أو انتهك حرمة الميت الأمر الذي يترتب عليه إعلان عدم مسؤولية المشتكى عليهما عن الجرم المسند إليهما لعدم توفر القصد الجرمي لديهم).
فضلاً عن ضرورة أن تتجه إرادة الجاني إلى هدم المكان أو تدنيسه، ومن ثم فإنه إذا ما قام الفاعل بهدم المكان عن طريق الخطأ فلا ينسب له ارتكاب تلك الجريمة وذلك كما لو كان اصطدم بسيارته بأحد المقابر أو تسبب خطأ في هدم أحد أجزاء مكان مخصص للموتى.
ج- العقوبة:
قرر المشرع عقاب كل من يعتدي على مكان مخصص للموتى بالهدم أو التدنيس أو ينتهك حرمات الموتى بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنتين.
2- جريمة التشويش على الجنازات:
قرر المشرع معاقبة أي شخص يتسبب في إزعاج الأشخاص المجتمعين لإقامة جنازة للمتوفى إذا كان ذلك قد تم بغرض جرح عواطف أي شخص أو إهانة دينه، حيث نص المشرع الأردني في (المادة 277/2) على أن: (كل من سبب إزعاجا لأشخاص مجتمعين بقصد إقامة مراسم الجنازة قاصدا بذلك جرح عواطف أي شخص أو إهانة دينه أو كان يعلم بان فعله هذا يحتمل أن يجرح عواطف أي شخص أو أن يؤدي إلى أي إهانة دينية يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين).
أ- الركن المادي:
يقوم الركن المادي لتلك الجريمة بقيام الجاني بأفعال من شأنها أن تسبب إزعاجاً لأشخاص مجتمعين لإقامة مراسم جنازة لمتوفاهم وذلك بأن يقوم برفع صوت غناء أو موسيقى بجانبهم أو يقوم بالرقص أمامهم أو بأي أفعال من شأنها أن تجرح مشاعرهم أو تهين دينهم.
ب- الركن المعنوي:
يقوم الركن المعنوي لتلك الجريمة عندما يتحقق علم الجاني بوجود جنازة في المكان الذي يعمد فيه بإتيان أفعال من شأنها أن تزعج الأفراد المجتمعين بالجنازة أو تسئ إليهم، فضلاً عن وجوب أن تكون إرادته قد اتجهت إلى القيام بهذا الفعل.
ويجب أن يكون غرض الجاني من أفعاله أن يجرح عواطف المجتمعين لإقامة الجنازة أو أن يسئ إلى دينهم.
ج- العقوبة:
يُعاقب كل من يقوم بارتكاب الأفعال المشار إليها بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر أو بالغرامة التي لا تزيد على مائة دينار، ويكون للقاضي أن يجمع بين العقوبتين حيث إن الجمع بينهم هو امر جوازي لقاضي الموضوع.
سادساً: جريمة إهانة الشعور الديني:
نصت (المادة 278) على أن: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على عشرين دينارا كل من:
- نشر شيئا مطبوعا، أو مخطوطا، أو صورة، أو رسما، أو رمزا من شانه أن يؤدي إلى إهانة الشعور الديني لأشخاص آخرين أو إلى إهانة معتقدهم الديني، أو
- تفوه في مكان عام وعلى مسمع من شخص آخر بكلمة أو بصوت من شانه أن يؤدي إلى إهانة الشعور أو المعتقد الديني لذلك الشخص الآخر.
1- الركن المادي:
تتحقق ماديات تلك الجريمة بقيام الجاني بنشر مطبوعات، أو مخطوطات، أو أي صور ،أو رموز تسيء إلى أحد الديانات مما يسبب إهانة الشعور الديني لدى معتنقي هذا الدين.
وكذلك تتحقق الجريمة في حال قيام الجاني بالتفوه بكلمات أو أصوات من شأنها أن تسئ إلى الشعور الديني لأشخاص أخرين كما لو قام الجاني بسب الرئيس الديني لجماعة معينة أو قام بالصراخ الشديد بجانب أحد دور العبادة قاصداً إهانة من يتعبدون بداخله.
ومن مطالعة نص (المادة 278) يتبين أن المشرع يشترط أن يكون الفعل الذي من شأنه أن ينتهك الشعور الديني قد تم في مكان علني على مرأى ومسمع من العامة.
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة صلح جزاء عمان في حكمها رقم 16597 لسنة 2020 بأن: (اشترط المشرع ظرفاً مكانياً لاكتمال النموذج الجرمي لجنحة إهانة الشعور الديني، فيلزم أن يتفوه المشتكى عليه بالعبارات المُهينة في مكان عام؛ وفي حال تخلف هذا الشرط فلا تقوم الجريمة، وقد تولت المادة الثانية من قانون العقوبات تحديد مفهوم المكان العام؛ حيث نصت على أن كل طريق عام وكل مكان أو ممر يباح للجمهور المرور به أو الدخول إليه في كل وقت وبغير قيد أو كان مقيدا بدفع مبلغ من النقود وكل بناء أو مكان يستعمل لأي اجتماع أو حفل عمومي أو ديني أو كساحة مكشوفة.
وتجد المحكمة أن الأفعال التي قارفها المشتكى عليه والمتمثلة بسب الذات الإلهية بطريق الإساءة والإهانة داخل صفحته على الفيس بوك والتي لم يثبت للمحكمة أن ما ينشر فيها خاص ولا يمكن الدخول إلى الصفحة ورؤيته من قبل المشاركين والمتابعين وأيضا ما يدل على أنه مسموح للعامة التعليقات والمشاركين بالصفحة والتي تعد مكان عام وقيامه بأفعاله هذه بإرادته العاملة والمدركة لما أقدمت عليه يشكل من جانبه كافة أركان وعناصر الجرم المُسندة إليه).
2- الركن المعنوي:
تتحقق تلك الجريمة في حالة كون الجاني عالماً بأن فعله يمثل انتهاكاً لحرمة أحد الأديان سواء بسبه أو بالإساءة لأحد رموز ذلك الدين، أو بأن فعله يمثل إهانة للشعور الديني لدى معتنقي ذلك الدين، فضلاً عن وجوب أن تكون إرادته قد اتجهت لذلك.
3- العقوبة:
قرر المشرع الأردني معاقبة كل من يعمد إلى إهانة الشعور الديني بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على عشرين دينارا.
سابعاً: النصوص القانونية المتعلقة بالجرائم التي تمس الدين:
وردت تلك النصوص في قانون العقوبات في المواد من 273 إلى 278 وذلك على النحو التالي:
المادة 273:
من ثبتت جراته على إطالة اللسان علنا على أرباب الشرائع من الأنبياء يحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
المادة 274:
من ينقض الصيام في رمضان علنا يعاقب بالحبس حتى شهر واحد أو بالغرامة حتى خمسة عشر دينارا.
المادة 275:
كل من خرب أو اتلف أو دنس مكان عبادة أو شعارا أو أي شيء تقدسه جماعة من الناس قاصدا بذلك إهانة دين أية جماعة من الناس أو فعل ذلك مع علمه بان تلك الجماعة ستحمل فعله هذا على محمل الإهانة لدينها يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين أو بغرامة من خمسين دينارا إلى مائتي دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.
المادة 276:
كل من أزعج قصدا جمعا من الناس اجتمعوا ضمن حدود القانون لإقامة الشعائر الدينية أو تعرض لها بالهزء عند إقامتها أو أحدث تشويشا أثناء ذلك أو تعدى على أي شخص يقوم ضمن حدود القانون بالشعائر الدينية في ذلك الاجتماع أو على أي شخص آخر موجود في ذلك الاجتماع دون أن يكون له مبرر أو عذر مشروع يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة حتى خمسين دينارا أو بكلتا هاتين العقوبتين.
المادة 277:
1- كل من اعتدى على مكان يستعمل لدفن الموتى أو على مكان مخصص لإقامة مراسيم الجنازة أو لحفظ رفات الموتى أو انصاب الموتى أو دنسه أو هدمه أو انتهك حرمة ميت يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنتين.
2- كل من سبب إزعاجا لأشخاص مجتمعين بقصد إقامة مراسم الجنازة قاصدا بذلك جرح عواطف أي شخص أو إهانة دينه أو كان يعلم بان فعله هذا يحتمل أن يجرح عواطف أي شخص أو أن يؤدي إلى أي إهانة دينية يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.
المادة 278:
يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على عشرين دينارا كل من :
1- نشر شيئا مطبوعا أو مخطوطا أو صورة أو رسما أو رمزا من شانه أن يؤدي إلى إهانة الشعور الديني لأشخاص آخرين أو إلى إهانة معتقدهم الديني، أو
2- تفوه في مكان عام وعلى مسمع من شخص آخر بكلمة أو بصوت من شانه أن يؤدي إلى إهانة الشعور أو المعتقد الديني لذلك الشخص الآخر.
ثامناً: اجتهادات محكمة التمييز التي تتعلق بالجرائم الماسة بالدين:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 553 لسنة 2000 ما يلي:
وحيث نجد أن جنحة تدنيس مكان العبادة تتطلب قصدا خاصا في التخريب أو الإتلاف أو التدنيس بان تتجه نية الفاعل إلى إحداث هذا التدنيس بهدف إهانة الشعور الديني لمجموعه الناس التي تتبع مكان العبادة، ولما كانت ممارسة المتهم لأفعال هتك العرض داخل المسجد إنما كان بهدف إشباع الرغبة الجنسية لديه وليس بهدف تدنيس المسجد وإهانة الشعور الديني للأخرين وبالتالي يكون القرار بإعلان عدم مسؤوليته متفقا والقانون.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] رواه الأمام البخاري
[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام، قانون العقوبات القسم الخاص، منشأة المعارف، الطبعة الأولى، 1999، ص 636، 637.

