جرائم المقامرة في القانون الأردني
تُعد جرائم القمار على مختلف صورها من الجرائم الشكلية ذات الحدث غير السيء والتي يعاقب عليها المشرع لمجرد القيام بها حتى وان لم يصاب أحد بضرر، ذلك أن لعب القمار يترتب عليه صيرورة أناس أثرياء على حساب دمار غيرهم، وهو ما يوقع العداوة والبغضاء بين هؤلاء، الأمر الذي قد يودي بهم إلى ارتكاب جرائم أخرى أشد جسامة وأشد ضرراً، لذلك لم يكن غريباً أن جاءت الشريعة الإسلامية الغراء وحرمت القمار بشتى صوره وذلك امتثالاً لقول الله تعالى” إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ”[1].
ثالثاً: جريمة فتح أو إدارة مكان معد للعب لقمار:
رابعاً: جريمة التواجد في محل عمومي مُعد للمقامرة:
خامساً: جريمة القيام بأعمال اليانصيب:
سادساً: النصوص القانونية المتعلقة بجرائم المقامرة:
سابعاً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن جرائم المقامرة:
أولاً: تعريف القمار:
لم يول الفقهاء اهتمامهم بوضع تعريفاً للقمار، إلا أنه يمكن أن يعرف بكونه الارتكان إلى الحظ لربح المال من خلال القيام بلعبة بين فريقين يخسر أحدهم ويفوز الأخر.
وبذلك تتنوع صور لعب القمار حيث لا تقتصر على فكرة أو صورة واحدة، وهذا ما أشار إليه المشرع الأردني عندما ذكر بعض الصور المتعارف عليها للعب القمار كأمثلة للمقامرة الغير مشروعة وذلك يتبين مما ورد (بالمادة 393/2) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (تشمل عبارة (المقامرة غير المشروعة ) الواردة في هذه المادة، كل لعبة من ألعاب الورق ،(الشدة) التي لا تحتاج إلى مهارة، وكل لعبة أخرى لا يؤتي الحظ فيها جميع اللاعبين على السوية بما فيهم حافظ المال (البنكير) أو الشخص أو الأشخاص الآخرون الذين يديرون اللعب أو الذين يلعب أو يراهن اللاعبون ضدهم).
ثانياً: خطورة جريمة المقامرة:
إذا كان المشرع يعاقب على محض ارتكاب الجريمة دون أن يتمخض عنها ضرر مادي، حيث إن لعب القمار في ذاته لا ينعكس بأضرار مادية على لاعبيه فالرابح لم يصاب ضرر، والخاسر لم يوقع أحد ضرر عليه حيث إنه من اختار بكامل إرادته أن يقحم نفسه في لعبة حظ وهو يعلم أنه قد يخسر ما راهن عليه.
إلا أن مخاطر الجريمة تكمن في اللعبة ذاتها والتي قد تؤدي إلى إفساد حياة لاعبيها نظراً لما تمثله من خطورة على نفس اللاعب الخاسر، ناهيك عن أن هناك العديد من الدراسات التي أجريت على المقامرين والتي بينت أن ألعاب القمار تمثل إدمان للاعبيها وجري علاجهم من هذا الإدمان بواسطة عقاقير طبية يكون هدفها العمل على إعادة التوازن في المخ.
وهذا ناتج عما يصاب به المقامر من اضطراب نفسي أثناء اللعب خوفاً من الخسارة وضياع ماله هباء إذا لم يحالفه الحظ، وهذا ما يؤثر على الجهاز العصبي والدورة الدموية للمقامر، وقد يودي ذلك بحياته في نهاية المطاف.
وغني عن البيان أن مضار تلك الجريمة لا تقف عند هذا الحد، بل تتعدى المقامر وتصيب من حوله من أفراد أسرته، حيث تندلع المشاكل بسبب ضياع المال الأمر الذي قد يؤدي إلى تفكك أسرته مما ينعكس بإثارة السيئة على المجتمع بأسره.
ثالثاً: جريمة فتح أو إدارة مكان معد للعب لقمار:
1- فتح مكان مخصص للعب القمار:
جعل المشرع الأردني من فتح مكان يُخصص للعب القمار جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، وذلك سواء أكان هذا المكان منزلا أو غرفة أو محلا، وسواء أكان مملوكاً لمن قام بتخصيصه للعب القمار أو أن يكون له على هذا المكان مجرد حق لاستعماله، كأن يكون مستأجراً له أو له عليه حق استعمال أو حق انتفاع.
وتتحقق الجريمة أيضاً إذا كان مالك المكان قد سمح لشخص أخر أن يخصص المكان المملوك له للعب القمار، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 393/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من كان يملك منزلا أو غرفة أو محلا أو يشغله أو يملك حق استعماله وفتح أو أدار أو استعمل ذلك المنزل أو الغرفة أو المحل للمقامرة غير المشروعة أو سمح قصدا وعن علم منه لشخص آخر بفتح، أو إدارة، أو استعمال ذلك المنزل ،أو الغرفة، أو المحل للغاية الآنف ذكرها).
أ- الركن المادي للجريمة:
يتحقق الركن المادي لتلك الجريمة بقيام مالك المكان أو من يكون له حق استعمال المكان بفتحه وتخصيصه للعب القمار أياً كانت صورة القمار سواء تمثل في ألعاب الورق – أو ما يطلق عليه الشدة – أو البنكير أو غيرها من وسائل لعب القمار والتي تعتمد على الحظ في ربح المال.
ولقد عرفت (المادة 393/2) القمار الغير مشروع بأنه: (تشمل عبارة (المقامرة غير المشروعة) الواردة في هذه المادة، كل لعبة من ألعاب الورق، (الشدة) التي لا تحتاج إلى مهارة، وكل لعبة أخرى لا يؤتي الحظ فيها جميع اللاعبين على السوية بما فيهم حافظ المال (البنكير) أو الشخص أو الأشخاص الآخرون الذين يديرون اللعب أو الذين يلعب أو يراهن اللاعبون ضدهم).
وجديراً بالذكر أنه لا يشترط أن يكون المكان بأكمله مخصصاً للعب القمار، فيكفي أن يكون المالك – أو من له حق استغلال المكان – قد خصص جزء منه للعب القمار حتى يكون بذلك واقعاً تحت طائلة العقاب.
ولذلك قضت محكمة صلح جزاء اربد في حكمها رقم 1782 لسنة 2019 بأن: (أفعال المشتكى عليهم والمتمثلة بقيام المشتكى عليه (…….) المالك لمقهى …… بالسماح للعب القمار داخل المقهى وإدارة ذلك المكان للعب القمار، بينما تمثلت أفعال باقي المشتكى عليهم بقيامهم بلعب القمار داخل المقهى وضبطهم أثناء اللعب على طاولة مخصوصة لذلك وبحوزتهم مبالغ مالية، واتجاه إرادتهم الحرة المختارة للقيام بمثل تلك الأفعال، فإن أفعالهم تلك تشكل كافة أركان وعناصر ما أسند إليهم
مع ملاحظة أنه حتى نكون بصدد جريمة مقامرة يجب أن يكون الكسب النقدي ناتج عن اللعب مباشرة، أما إذا اقتصر الأمر على مجرد ربح نقاط – أو ما شابه – وبيع تلك النقاط فإن ذلك لا يشكل جريمة مقامرة.
وتؤكد ذات المعنى محكمة صلح جزاء السلط في حكمها رقم 2253 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن : (وحيث تجد المحكمة أن جرم المسند للمشتكى عليه خلافا لأحكام المادتين 393 و 397 من قانون العقوبات وبدلالة المادة 15من قانون الجرائم الإلكترونية تطلب المشرع للمعاقبة عليه قيام المشتكى عليه ممارسة ألعاب القمار واليانصيب والتي هي ألعاب الربح فيها موكولا للحظ اكثر منه للمهارة وان كسب اللاعب النقاط من اللعبة نفسها وبيع ما يكسبه من نقاط أو شرائها لا يشكل قمارا أو يانصيب لأنه يختلف عن اكتساب النقاط من اللعب مع المنافسين واخذ نقاطهم بالمراهنة الأمر الذي يجعل من عناصر وأركان الجرم المسند للمشتكى عليه غير متوافرة بحقه).
ب- الركن المعنوي:
يتحقق الركن المعنوي لتلك الجريمة بأن يكون لدى الجاني علم بأنه يقوم بتهيئة مكانه ليمارس فيه ألعاب المقامرة غير المشروعة وفقاً لما بينه المشرع، وأن تتجه نيته إلى أن يخصص هذا المكان بالفعل لتلك الممارسات المجرمة قانوناً.
ومن ثم تنتفي الجريمة إذا لم تتجه إرادة الجاني إلى تخصيص المكان للعب القمار، حيث لا تكون هناك ثمة مسئولية على المالك الذي يلعب قمار مع غيره في مكان يملكه دون أن تتجه نيته إلى أن يجعل هذا المكان مخصص للعب القمار.
وكذلك يتعين أن يكون مالك المكان على علم أن هناك شخص غيره هو من قام بتخصيص المكان للعب القمار، وأن تكون إرادته قد انصرفت إلى السماح لهذا الشخص بجعل المكان مخصص للعب القمار، وفي هذه الحالة تثار مسئولية كل من المالك والشخص الذي خصص المكان للعب القمار باعتبارهما فاعلين أصليين للجريمة.
2- إدارة مكان مُعد للقمار:
قرر المشرع الأردني معاقبة كل من يقوم بإدارة مكان مُعد للعب القمار أو مجرد الإشراف عليه وذلك ما ورد بموجب (المادة 393/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (وكل من كان معهودا إليه ملاحظة أو إدارة أعمال أي منزل، أو غرفة، أو محل مفتوح ،أو مُدار، أو مُستعمل للغاية المذكورة آنفا أو موكولا إليه المساعدة في إدارة أشغال ذلك المحل على أي وجه من الوجوه يعتبر انه يدير محلا عموميا للمقامرة).
يتضح إذن من خلال النص السابق أن المشرع ساوى بين من يتولى إدارة المكان إدارة فعلية وبين من يتولى المساعدة على إدارة هذا المكان، واعتبر أن كل منهما مرتكباً لذات الجرم والمتمثل في إدارة مكان مُعد للعب القمار الغير مشروع.
واعتبر المشرع أن من يقم بإدارة مكان مُعد للعب القمار – أياً كانت صورته – يعتبر أنه مالكاً له، وذلك ما ورد بموجب (المادة 398) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من ظهر انه يشرف على إدارة منزل أو غرفة أو عدد من الغرف أو محل مما ورد ذكره في المادتين (393و397) من هذا القانون، رجلا كان أم امرأة وكل من تصرف الشخص الذي يشرف على إدارة ذلك المحل أو الشخص المعهود إليه امر تفقده والعناية به يعتبر أنه صاحب ذلك المحل سواء كان هو صاحبه الحقيقي أم لم يكن).
3- العقوبة الأصلية:
قرر المشرع معاقبة كل من يقوم بإدارة مكان مُعد للقمار بالحبس مدة لا تتجاوز الستة أشهر وبالغرامة التي لا تزيد على خمسين دينار وذلك بمقتضى (المادة 394) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من أدار محلا عموميا للمقامرة يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة حتى خمسين دينارا).
وجديراً بالذكر أن هذا العقاب يطبق على كل من يتولى إدارة المكان المعد للعب القمار أو يُساعد في إداراته بغض النظر عن كونه مالكاً لهذا المكان أو مستأجراً له أو له عليه حق استعمال أو غيره من الحقوق العينية أو الشخصية والتي تمنحه سلطة تخصيصه لممارسة عمل معين.
فإذا كان من يتولى إدارة المكان أو تخصيصه شخصاً غير مالكه فإنه في هذه الحالة يتعين أن نفرق بين فرضين:
أ- علم المالك:
فإذا كان المالك يعلم بأن المكان سيخصص للعب القمار الغير مشروع واتجهت إرادته للموافقة على ذلك سواء بصورة صريحة أو ضمنية فإنه يكون مستحقاً لذات العقاب الموقع على من قام بتخصيص المكان لممارسة ألعاب القمار.
ب- انتفاء علم المالك:
أما إذا كان المالك لا يعلم بأن المكان الذي يملكه تم تخصيصه للعب القمار فإن مسئوليته تنتفي في هذه الحالة، وذلك لأن المشرع قد اشترط لعقاب المالك أن يكون عالماً بأن المكان عد لألعاب القمار وأن يكون موافقاً على ذلك، وهذا ما يتبين من قول المشرع ” سمح قصدا وعن علم منه لشخص آخر بفتح، أو إدارة، أو استعمال ذلك المنزل ،أو الغرفة، أو المحل للغاية الآنف ذكرها”.
4- العقوبة التكميلية:
وضع المشرع الأردني عقوبة تكميلية جوازيه للقاضي والتي تتمثل في جواز الحكم بمصادرة الآلات أو الأشياء التي يتبن أنها تستعمل في لعب القمار والتي تم ضبطها من قبل مأموري الضبط أثناء القبض على مرتكبي الجريمة.
ولدى محاكمة الجاني يكون للمحكمة إما أن تصدر قراراها بمصادرة تلك الأشياء أو إتلافها أو ردها للجاني وفقاً لما يتراءى للقاضي من ملابسات كل حالة على حدي.
وهذا ما قررته (المادة 396) من قانون العقوبات عندما نصت على أن: (كل آلة أو شيء استعمل أو يلوح انه استعمل أو يراد استعماله للمقامرة غير المشروعة وجد في منزل أو غرفة أو محل يدار أو يستعمل للمقامرة غير المشروعة يجوز ضبطه من قبل أي مأمور من مأموري الشرطة أو الدرك ولدى محاكمة أي شخص بتهمة إدارة، أو استعمال ذلك المنزل ،أو الغرفة، أو المحل خلافا لأحكام هذا القانون ، يجوز للمحكمة أن تصدر القرار الذي تقضي به العدالة بشأن مصادرة تلك الآلة، أو ذلك الشيء ،أو إتلافه، أو رده).
رابعاً: جريمة التواجد في محل عمومي مُعد للمقامرة:
قرر المشرع الأردني معاقبة كل من يتواجد في مكان مخصص للعب القمار حتى ولو لم يكن مالكه أو مديراً أو عاملاً به، وهذا ما ورد (بالمادة 395) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من وجد في محل عمومي للمقامرة خلاف الأشخاص المشار اليهم في الفقرة (1) من المادة (393) يعد بانه موجود فيه للمقامرة غير المشروعة إلا اذا ثبت عكس ذلك، ويعاقب في المرة الأولى بغرامة لا تزيد على خمسة دنانير وفي المرة الثانية أو ما يليها بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير أو بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين).
وتُعد هذه الجريمة من الجرائم المادية والتي تتحقق بمجرد توافر سلوكها المادي، حيث يقوم البينان القانوني للجريمة بمجرد تواجد الجاني في مكان مُعد للقمار حتى ولو لم يكن يلعب بالفعل.
ويتضح من خلال النص سالف البيان أن المشرع الأردني قد أقام قرينة مؤداها أن كل شخص يضبط داخل محل مُعد للعب القمار يفترض فيه أن متواجد لغرض لعب القمار، إلا أن الظنين – أو المتهم – في هذه الحالة يكون الحق في إثبات عكس ذلك وأن تواجده في هذا المكان لم يكن لغرض لعب القمار.
1- في مجال نفي الجريمة:
من مطالعة أحكام القضاء يتجلى لنا أن القضاء الأردني يحرص كل الحرص على بيان كافة الأدلة التي تقطع بيقين أن الشخص كان متواجد في هذا المكان بغرض لعب القمار، ويتبين اتجاه القضاء إلى تبرئة كل شخص لا تتوافر الأدلة الدامغة على ثبوت اتجاه نيته إلى وجوده في هذا المكان من أجل لعب القمار.
ومن تطبيقات ذلك قضاء محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية رقم 191 لسنة 2021 والتي قضت في هذا الحكم بتبرئة المتهمين لعدم توافر الأدلة الدامغة حتى في ظل وجود بعض القرائين، حيث قالت: (أن العثور على حجر النرد تحت التخت ومبالغ ماليه مع المستأنف ضدهما لا تعدو عن كونها قرينه لا ترقى إلى درجة الدليل القانوني الذي يمكن أن يؤسس عليه قرار مستوفي أركانه على اعتبار أن الدليل اذا تطرق إليه الاحتمال فسد به الاستدلال، ولما كان الأمر كذلك وغدت هذه الدعوى خالية من أية بينه قانونيه جازمه يمكن الركون إليها لتشكيل قناعة محكمتنا بتوافر أركان وعناصر جنحة المقامرة بحدود المادتين 393 و 395 من قانون العقوبات في جانب المستأنف ضدهما وحيث أن الإدانة وفق المادة 178 من الأصول الجزائية منوط بثبوت الفعل وقائم على توافر البينات القاطعة والجازمة التي لا يخالطها الشك في نسبه الفعل إلى الفاعل الأمر الذي يقتضي معه إعلان براءة المستأنف ضدهما عن هذا الجرم لعدم قيام الدليل).
2- عقوبة الجريمة:
أ- العقاب المقرر لارتكاب الجريمة في المرة الأولى:
تهاون المشرع الأردني مع كل شخص يضبط في مكان مُعد للعب القمار إذا كان ذلك تم للمرة الأولى حيث قرر معاقبته بالغرامة التي لا تزيد على خمسة دنانير، وهذا ما أوردته (المادة 395) من قانون العقوبات بنصها على أن: (ويعاقب في المرة الأولى بغرامة لا تزيد على خمسة دنانير).
ب- العقوبة في حال العود:
إذا ثبت ارتكاب الجاني لجريمة المقامرة لأكثر من مرة فإن المشرع قرر تشديد عقابه، وذلك وفقاً لما بُين في (المادة 395) والتي نصت على أن: (وفي المرة الثانية أو ما يليها بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير أو بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين).
يتضح إذن أن المشرع قد منح القاضي السلطة التقديرية في إعمال التفريد العقابي لكل حالة على حدي، حيث منحه سلطة الحكم بالحبس فقط أو العقوبة فقط أو الجمع بين كل منهما.
خامساً: جريمة القيام بأعمال اليانصيب:
1- تعريف اليانصيب:
اليانصيب هو مقامرة بالمال، يتم من خلال قيام بعض الأفراد أو الشركات أو الجمعيات بإصدار أوراق صغيرة يكون لكل منها رقم أو رمز معين وتطرح للجمهور نظير مبلغ مالي، ويتم الإعلان عن وجود ورقة تحمل رقم أو رمز يكون لحامله الحق في الحصول على مبلغ مالي عادة ما يكون ضخم، وهذا ما يدفع الناس على شرائها.
ولقد عرفها المشرع الأردني بموجب المادة (397/3) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (إن لفظة (اليانصيب) الواردة في هذه المادة تشمل كل طريقة أو حيلة تتخذ لبيع مال أو هبته أو التصرف فيه أو توزيعه بواسطة القرعة أو بطريق الحظ سواء أكان ذلك برمي حجارة الزهر، أو بسحب التذاكر ،أو أوراق اليانصيب، أو القرعة، أو الأرقام، أو الرسوم، أو بواسطة دولاب ،أو حيوان مدرب ،أو بأية طريقة أخرى مهما كان نوعها).
وترجع جذور تلك اللعبة إلى الإمبراطورية الرومانية، حيث لجأ الأباطرة الرومان إلى تلك اللعبة لتمويل المشاريع العمرانية ولزيادة أعباء الإمبراطورية[2].
2- حكم اليانصيب في الشريعة الإسلامية:
تُعد اليانصيب من الأمور المحرمة في الشريعة الإسلامية نظراً لانطباق تعريف القمار عليها، فضلاً عن أنها من تعد من قبيل أكل أموال الناس بالباطل والتي حرمها الله عز وجل في قوله ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ”[3]
3- تجريم اليانصيب في القانون الوضعي:
قرر المشرع الأردني معاقبة كل من يقوم بتخصيص مكان لأعمال اليانصيب وذلك بموجب (المادة 397/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من فتح أو أدار أو استعمل مكانا لأعمال اليانصيب مهما كان نوعها يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بالغرامة حتى خمسين دينارا).
بالإضافة إلى معاقبة كل من يقوم ببيع أو نشر أو المساعدة على بيع أو نشر أوراق اليانصيب، وهذا ما ورد (بالمادة 397/2) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من طبع أو نشر أو تسبب في طبع أو نشر أية إذاعة أو إعلان عن يانصيب أو ما يتعلق به أو عن بيع أية تذكرة أو ورقة يانصيب أو حصة في تذكرة أو ورقة يانصيب أو فيما يتعلق بذلك، أو باع، أو عرض للبيع تذكرة ،أو ورقة يانصيب كهذه، يعاقب بغرامة لا تتجاوز خمسين دينار).
4- انتفاء الجريمة لسبق الحصول على ترخيص:
قرر المشرع الأردني إباحة القيام بأعمال اليانصيب، ولكن بشرط الحصول على ترخيص بذلك من الجهة المختصة، ومن ثم إذا ثبت الحصول على مثل هذا الترخيص فإن الجريمة تنتفي عن كل من خصص مكان لليانصيب أو كل من قام ببيع التذاكر أو الأوراق الخاصة بها أو قام بالإعلان عنها، وهذا ما قررته (المادة 397/4) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (لا تسري أحكام هذه المادة على أي (يانصيب) استحصل على إذن به من مرجعه المختص).
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة صلح جزاء السلط في حكمها رقم 950 لسنة 2019 بأن: (تجد المحكمة أن المشتكى عليهما هما مندوبين مبيعات يعملان في شركة …… للتسويق والدعاية والإعلان وأنه قد تم ضبط المشتكى عليه …… يقوم ببيع البطاقات داخل جامعة عمان الأهلية كما ضبط بحوزة المشتكى عليه …… مجموعه من البطاقات عند تفتيشه وأن هذه البطاقات تعود لشركة …… للتسويق والإعلان وأنه من الثابت للمحكمة من خلال شهادة ترخيص دعاية وإعلان وشهادة تسجيل اسم تجاري وشهادة تسجيل للسنة المالية 2019 من غرفة تجارة عمان ورخصة مهن بانها شركة مرخصة قانوناً الأمر الذي يقتضي إعلان عدم مسؤولية المشتكى عليهما عن الجرم المسند إليهما).
سادساً: النصوص القانونية المتعلقة بجرائم المقامرة:
وردت تلك النصوص في قانون العقوبات بالمواد من 393 إلى 398 وذلك على النحو التالي:
المادة 393 :
1- كل من كان يملك منزلا أو غرفة أو محلا أو يشغله أو يملك حق استعماله وفتح أو أدار أو استعمل ذلك المنزل أو الغرفة أو المحل للمقامرة غير المشروعة أو سمح قصدا وعن علم منه لشخص آخر بفتح أو إدارة أو استعمال ذلك المنزل أو الغرفة أو المحل للغاية الآنف ذكرها وكل من كان معهودا إليه ملاحظة أو إدارة أعمال أي منزل أو غرفة أو محل مفتوح أو مُدار أو مُستعمل للغاية المذكورة آنفا أو موكولا إليه المساعدة في إدارة أشغال ذلك المحل على اي وجه من الوجوه يعتبر انه يدير محلا عموميا للمقامرة.
2- تشمل عبارة (المقامرة غير المشروعة) الواردة في هذه المادة، كل لعبة من ألعاب الورق، (الشدة) التي لا تحتاج إلى مهارة ، وكل لعبة أخرى لا يؤتي الحظ فيها جميع اللاعبين على السوية بما فيهم حافظ المال (البنكير) أو الشخص أو الأشخاص الآخرون الذين يديرون اللعب أو الذين يلعب أو يراهن اللاعبون ضدهم.
المادة 394 :
كل من أدار محلا عموميا للمقامرة يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة حتى خمسين دينارا.
المادة 395 :
كل من وجد في محل عمومي للمقامرة خلاف الأشخاص المشار إليهم في الفقرة (1) من المادة (393) يعد بانه موجود فيه للمقامرة غير المشروعة إلا إذا ثبت عكس ذلك، ويعاقب في المرة الأولى بغرامة لا تزيد على خمسة دنانير وفي المرة الثانية أو ما يليها بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير أو بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين.
المادة 396 :
كل آلة أو شيء استعمل أو يلوح انه استعمل أو يراد استعماله للمقامرة غير المشروعة وجد في منزل أو غرفة أو محل يدار أو يستعمل للمقامرة غير المشروعة يجوز ضبطه من قبل أي مأمور من مأموري الشرطة أو الدرك ولدى محاكمة أي شخص بتهمة إدارة، أو استعمال ذلك المنزل ،أو الغرفة، أو المحل خلافا لأحكام هذا القانون، يجوز للمحكمة أن تصدر القرار الذي تقضي به العدالة بشأن مصادرة تلك الآلة، أو ذلك الشيء ،أو إتلافه، أو رده.
المادة 397 :
1- كل من فتح أو أدار أو استعمل مكانا لأعمال اليانصيب مهما كان نوعها يعاقب بالحبس حتى ستة اشهر أو بالغرامة حتى خمسين دينارا.
2- كل من طبع أو نشر أو تسبب في طبع أو نشر أية إذاعة أو إعلان عن يانصيب أو ما يتعلق به أو عن بيع أية تذكرة أو ورقة يانصيب أو حصة في تذكرة أو ورقة يانصيب أو فيما يتعلق بذلك أو باع أو عرض للبيع تذكرة أو ورقة يانصيب كهذه، يعاقب بغرامة لا تتجاوز خمسين دينار.
3- إن لفظة (اليانصيب) الواردة في هذه المادة تشمل كل طريقة أو حيلة تتخذ لبيع مال أو هبته أو التصرف فيه أو توزيعه بواسطة القرعة أو بطريق الحظ سواء أكان ذلك برمي حجارة الزهر أو بسحب التذاكر أو أوراق اليانصيب، أو القرعة أو الأرقام أو الرسوم أو بواسطة دولاب أو حيوان مدرب أو بأية طريقة أخرى مهما كان نوعها.
4- لا تسري أحكام هذه المادة على أي (يانصيب) استحصل على إذن به من مرجعه المختص.
المادة 398 :
كل من ظهر انه يشرف على إدارة منزل أو غرفة أو عدد من الغرف أو محل مما ورد ذكره في المادتين (393و397) من هذا القانون، رجلا كان أم امرأة وكل من تصرف الشخص الذي يشرف على إدارة ذلك المحل أو الشخص المعهود إليه امر تفقده والعناية به يعتبر انه صاحب ذلك المحل سواء كان هو صاحبه الحقيقي أم لم يكن.
سابعاً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن جرائم المقامرة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 19 لسنة 1969ما يلي:
يشترط قانون العقوبات للمعاقبة عن حريمه إدارة محل للمقامرة أن تكون نية صاحب المحل قد انصرفت إلى اتخاذ هذا المحل مكانا مخصوصا للعب القمار طلبا للكسب، وأن مجرد إقدام شخص على لعب القمار مع غيره في محله مره واحدة دون أن تنصرف نيته إلى اتخاذ هذا المحل مكانا للعب القمار، لا يشكل الجرم المنصوص عليه في المادة (393) من قانون العقوبات ويتوجب في مثل هذه الحالة إصدار قرار بعدم المسؤولية لا البراءة.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] سورة المائدة، الآية 91.
[2] أنظر شكري على عبد الرحمن، القمار وأنواعه في ضوء الشريعة الإسلامية، 1988، ص78.
[3] سورة النساء، الآية 29.

