حق المساطحة
حق المساطحة أو كما يعرفه القانون بأكثر من مسمى مثل حق السطحية أو حق القرار هو حق من الحقوق العينية -التي وعلى الرغم من أهميتها- لم تجد الاهتمام الكافي بها من قبل الباحثين والكتاب، فقلما نجد بحثاً أو دراسة تتناول هذا الحق كموضوع لها، خاصة وأن ذلك الحق في عصرنا الحالي قد أصبح من أهم الدعائم التي تعضد من عملية بناء الاقتصاد الوطني، حيث إن حق السطحية أو المساطحة يعمل بشكل كبير على توظيف ما تتمتع به الدولة من ثروة عقارية، فيعود على الدولة والفرد بالنفع والفائدة.
أولاً: ما هو المقصود بحق السطحية؟
ثانياً: الآثار التي يرتبها حق السطحية
ثالثاً: حالات انتهاء حق السطحية
أولاً: ما هو المقصود بحق السطحية؟
يدخل حق السطحية أو المساطحة في إطار الحقوق التي تتفرع عن حق الملكية، فهو حق عيني أصلي يتم اكتسابه بشكل رئيسي من خلال عملية التعاقد، ولا يعد من أسباب انتهاء هذا الحق وفاة من يثبت له، بل يظل هذا الحق ممتداً لورثته من بعده.
1- تعريفه
اختلفت التشريعات العربية حول تعريفها لحق المساطحة، حيث عرفت كل منها هذا الحق بتعريف خاص بها يختلف عن التعاريف الواردة بباقي التشريعات، وسنتعرض لتعريف حق السطحية في بعض التشريعات العربية.
أ_ في القانون المصري
حيث نجد أن المشرع المصري لم يعرف حق المساطحة في القانون المدني، ولكنه تجاهله تماماً واستبدله بما يعرف بـ (حق الحكر)، والذي لم يتعرض له بالتعريف، بل اكتفى بإيراد ضوابطه وشروطه وأحكامه دون إيراد تعريفاً له.
ب_ في القانون البحريني
في حين لم يعرف المشرع البحريني حق السطحية أو المساطحة في قانونه المدني، ولكنه تدارك ذلك عند إصداره لقانون تنظيم القطاع العقاري رقم 27 لسنة 2017، حيث أورد في مادته الأولى تعريفاً لحق المساطحة على أنه: (حق عيني عقاري يخول صاحبه الحق في إقامة منشآت أو أبنية على أرض الغير لمدة محددة)، وحدد تلك المدة في نص (المادة 78) من ذات القانون بأنها لا تتجاوز (99) عاماً.
ج_ في القانون العراقي
بينما اتجه المشرع العراقي في قانونه المدني رقم 40 لسنة 1951 وتعديلاته إلى تعريف حق المساطحة بأنه (حق عيني يخول صاحبه أن يقيم بناء أو منشآت أخرى غير الغراس وعلى أرض الغير بمقتضى اتفاق بينه وبين صاحب الأرض ويحدد هذا الاتفاق حقوق المساطح والتزاماته).
د_ في القانون الأردني
وقد تصدى المشرع الأردني بالتعريف لحق المساطحة، حيث عرفه في القانون المدني الأردني بأنه: (حق المساطحة حق عيني يعطي صاحبه الحق في إقامة بناء أو غراس على ارض الغير)[1].
هـ_ في القانون الإماراتي
وقد اتفق تعريف المشرع الإماراتي مع تعريف المشرع الأردني بشكل كامل وفقاً لما ورد بنص المادة (1353) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم 5 لسنة 1985 وتعديلاته، حيث عرفه بذات التعريف دون أدنى اختلاف.
و_ تعقيب على التعاريف السابقة
ومما سبق جميعه يتبين لنا أن حق السطحية له خصوصية في تشريع كل دولة، بحيث تضع كل دولة الضوابط والأحكام التي تنظمه بالصورة التي تتناسب مع رؤيتها وتتفق مع ظروفها وتحقق الأهداف التي تنشدها من وراء إقرار هذا الحق، سواء من حيث مضمونه، أو مدته، أو آثاره، أو غيرها من التفصيلات التي تتعلق بهذا الحق، إلا أن وجه الاتفاق الوحيد بين تلك التشريعات يتمثل في أنها قد اعتبرت أن حق المساطحة حق عيني يتفرع عن حق الملكية.
كما يتبين لنا أيضاً من تعريف القانون المدني الأردني لحق السطحية أنه اعتبره شكل خاص من أشكال حق الانتفاع، وأن الأرض التي ينصب عليها هذا الحق هي أرض يمتلكها شخص آخر خلال صاحب حق السطحية، ويمنح هذا الحق صاحبه مكنة البناء أو الغراس لمدة يتفق عليها دون أن تزيد عن خمسين عام، ويتميز تعريف المشرع الأردني لحق السطحية بأنه لم يأخذ به في حالات البناء فقط، بل أخذ به أيضاً في حالات الغراس.
مما يمكننا معه وضع تعريف مبسط وواضح لحق السطحية يتمثل في أنه حق ينشأ من الاتفاق المبرم بين مالك الأرض وشخص من الغير، يرتب هذا الاتفاق لهذا الغير حقاً يتيح له وضع يده على الأرض وإقامة بناء أو غراس، ويكون لهذا الغير الحق في الانتفاع والتصرف في ذلك البناء أو الغراس كيفما شاء طوال مدة قيام هذا الحق والتي لا يجوز أن تستمر لمدة تجاوز (50) سنة، وذلك نظير أجرة يقوم بسدادها لمالك الأرض.
2- طبيعته
يعد حق السطحية حقاً من الحقوق التي ترجع في نشأتها وأصل وجودها إلى أول القوانين التي نظمها وهو القانون الروماني، ومر هذا الحق بالعديد من أوجه التعديل والتطوير والتنظيم ليصل إلى صورته الحالية التي وردت في القوانين المدنية.
إلا أننا نأخذ على المشرع الأردني أنه اقتصر على وصفه بأنه حق عيني دون أن يقرن ذلك بلفظ (عقاري)، حيث إن ذلك الحق ينصب على عقار سواء كانت الأرض أو البناء والغراس الذي يستحدث عليها، فكان يلزم أن يرد بتعريفه أنه (حق عيني عقاري).
وقد سلك البعض مسلكاً يحيد عن الصواب بوصفهم لحق السطحية باعتباره جانب من جوانب حق الملكية، إلا أننا نرى أن الصواب هو اعتبار حق السطحية حق ملكية متفرد ومستقل عن حق ملكية الأرض المقام عليها البناء أو الغراس، خاصة وأن حق السطحية يقتصر على ما هو متواجد على سطح الأرض من مباني وغراس، بينما حق ملكية الأرض يمتد إلى ما يوجد أسفلها وما يعلوها.
كما أن حق السطحية يعد من الحقوق العينية الأصلية، حيث أورده المشرع الأردني ضمن تعداد وحصر الحقوق العينية حينما نص في (المادة 70) في فقرتها الأولى من القانون المدني على أن: (الحقوق العينية الأصلية هي الملكية والتصرف والانتفاع والاستعمال والسكنى والسطحية (القرار) والحقوق المجردة والوقف والحكر والإجارتين وخلو الانتفاع).
مما يمكننا معه القول إن حق السطحية هو حق متميز وله طبيعة خاصة به، فهو يعد حقاً من الحقوق العينية الأصلية التي تنصب على عقار يتمثل في البناء أو الغراس الذي يقوم به صاحب الحق في أرض مملوكة لغيره، بجانب أن هذا الحق يُعد من وجهة نظرنا استثناء عن الأصل، حيث أن الأصل هو ملكية مالك الأرض لما يقام عليها من مستحدثات، إلا أن الاتفاق الذي يُبرم بين مالك الأرض وصاحب حق السطحية يجعل ملكية الأول تقتصر على الأرض وما يوجد تحتها ولا يمتد إلى ما يقام على سطحها من مبان أو غراس، والتي تثبت ملكيتها لصاحب حق السطحية الذي يتمتع بحق انتفاع بسطح الأرض للغراس والبناء، وهو حق لا يتوقف على شخص صاحبه، حيث أنه يمتد إلى ورثة صاحب الحق بعد وفاته ولا ينتهي أو ينقضي بتلك الوفاة، وهو ما يميز حق السطحية عن الحقوق العينية من جهة وعن الحقوق الشخصية من جهة أخرى، ويجعله متمتعاً بطبيعة مستقلة وخاصة به.
3- مدته
من المتفق عليه أن حق السطحية هو حق اتفاقي ينشأ بالاتفاق بين طرفين وهما مالك الأرض وشخص آخر وهو صاحب حق السطحية، وبالتالي فإن مدة استمرار هذا الحق تتوقف على إرادة هذين الطرفين واتفاقهما على المدة التي تناسب كلاً منهما، ولا يمكن للقانون إلا أن يحدد الحد الأقصى الذي يمكن الاتفاق عليه بشأن المدة منعاً لتأبيد هذا الحق.
ولم تتفق التشريعات العربية على مدة محددة وموحدة تتحدد بها استمرارية حق السطحية كحد أقصى لتلك الاستمرارية، فمنها من قيد حده الأقصى بمدة (99) عام كما هو الحال بالنسبة للمشرع البحريني، ومنها من قرره ليكون أزيد أو أقل، إلا أن المشرع الأردني قد قرر أن الحد الأقصى لحق السطحية أو المساطحة هو (50) سنة وذلك فيما قرره بالمادة (1228/1) من القانون المدني، فلا يحق للطرفين الاتفاق على مدة تتجاوز هذا الحد، وقد اتفق المشرع العراقي والإماراتي مع المشرع الأردني فيما قرره من حد أقصى لحق السطحية.
كما أن المشرع الأردني قد عالج الحالة التي يخلو فيها العقد المبرم بين الطرفين من تحديد مدة استمرار حق السطحية، حيث أجاز لمالك الأرض وصاحب حق السطحية في حال عدم وجود مدة في الاتفاق بينهما توضح تاريخ انتهاء هذا الحق أن يخطر أياً منهما الآخر برغبته في إنهاء العقد متى رغب في ذلك، على أن يكون ذلك الإخطار قبل الإنهاء بسنتين على الأقل، أي أن مدة السنتين يتم احتسابها من تاريخ إخطار أياً منهما للآخر برغبته في الإنهاء.
ثانياً: الآثار التي يرتبها حق السطحية
متى أبرم مالك الأرض مع الغير عقد اتفاق على حق السطحية، فإن هذا العقد يرتب آثاراً تتمثل في التزامات وحقوق يتحمل بها كلاً من طرفيه، حيث أن عقد المساطحة الذي يبرم لترتيب حق السطحية يُعد من طائفة عقود المعاوضة التي يعطي فيها كل طرف إلى الآخر مقابلاً لما يتحصل عليه، فمن جهة نجد أن صاحب حق السطحية – أو كما سنسميه في الجزء التالي من المقال بالمساطح – يثبت له كافة ما يثبت للمالك على ملكه من حقوق بالنسبة للمباني والغراس التي يقيمها ويغرسها نظير ما يسدده لمالك الأرض من مقابل، كما أن مالك الأرض يظل مالكاً لحق الرقبة ومستحقاً للقيمة المتفق عليها في العقد كمقابل لحق السطحية نظير تمكين المساطح من استلام الأرض والقيام بالبناء أو الغراس عليها.
1- آثار المساطحة بالنسبة للمساطح
كما سبق وأن أوضحنا فإن المساطح – مثله في ذلك مثل مالك الأرض – يقع عليه التزامات ويترتب له حقوق.
أ_ الحقوق التي تثبت للمساطح
بموجب حق المساطحة يُصبح المساطح مالكاً ملكية خالصة لا ينازعه فيها أحد لما قام باستحداثه على الأرض محل الحق من بناء أو غراس، وهو ما يترتب عليه أحقيته الكاملة في أن يتصرف في تلك المباني والغراس بأي شكل من أشكال التصرف التي يراها، سواء كان ذلك بتصرف ناقل للملكية كالبيع والهبة أو غير ناقل للملكية كالرهن والتأجير، كما يحق له أن يجعله محلاً لوصيته[2]، وقد قرر القانون للمساطح الحق في أن يكون تصرفه في ذلك البناء أو الغراس شاملاً حق السطحية الثابت له، وذلك استناداَ إلى أن حق السطحية هو حق عيني وليس شخصي، وبالتالي لا يرتبط بشخص من ثبت له هذا الحق.
كما أنه من ضمن الحقوق التي تثبت للمساطح الحق في أن يتصرف في حق السطحية ذاته بأن يتنازل عنه، ولا يختلف الحال بين أن يكون ذلك التنازل لصالح مالك الأرض أو غيره، أو أن يكون هذا التنازل قد تم بمقابل أو تبرعاً، فإن هذا التصرف يصح إلا في حالة واحدة وهي أن يكون هناك اتفاق بين المساطح ومالك الأرض على عدم التصرف في حق السطحية للغير.
وفي المجمل فإن المساطح يصبح مالكاً لكلاً من حق السطحية من جهة والبناء والغراس المقام على الأرض من جهة أخرى، وتلك الملكية لا يقيدها شيء بحيث تكون ملكية كاملة تتيح له الحق في أن يتصرف في ملكه (ويقصد بملكه هنا حق السطحية والبناء أو الغراس) بالطريقة التي يراها، ولا يحق لمالك الأرض أن يعترض على أياً من تلك التصرفات إلا إذا كان فيها ما يخالف الاتفاق المبرم بينه وبين المساطح.
ب_ الالتزامات التي تقع على عاتق المساطح
نظير ما يمنحه حق السطحية للمساطح من حقوق فإنه يفرض عليه التزامات تقع على عاتقه لصالح مالك الأرض، ومن أهم الالتزامات التي يتحملها تجاه مالك الأرض هو التزامه بأن يسدد لمالك الأرض ما تم الاتفاق عليه من مقابل نظير تمتعه بهذا الحق، والمقابل هنا قد يكون مبلغ إجمالي يسدد دفعة واحدة، أو على دفعات بشكل دوري شهرياً كان أو سنوياً أو كيفما اتفق عليه، حيث يعتبر هذا الالتزام أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المساطح.
بجانب ذلك يلتزم المساطح أيضاً بأن يستخدم الأرض بالصورة التي تتفق مع طبيعتها ولا تخالف الغرض الذي أعدت من أجله، وعندما يحل الأجل المتفق عليه لاستمرار حق السطحية فإن المساطح يلتزم بأن يرد الأرض إلى مالكها.
ويظل المساطح ملتزماً قبل مالك الأرض بتلك الالتزامات سواء ظل محتفظاً بحق السطحية أو تنازل عنه بشخص آخر من الغير، وسواء ظل مالك للبناء أو الغراس الذي أقامه على الأرض أو قام بالتصرف فيه للغير بأي شكل من أشكال التصرف، فالتصرف في الحق أو البناء والغراس لا يرفع عن المساطح مسؤوليته تجاه مالك الأرض، وهو ما يجعل المساطح هو المسؤول أمام مالك الأرض متى امتنع غير المتنازل له عن حق السطحية عن أداء الالتزامات المتفق عليها بين المساطح ومالك الأرض بعقد المساطحة.
2- آثار المساطحة بالنسبة لمالك الأرض
مقابل ما يتمتع به المساطح من حقوق ويتحمل به من التزامات، نجد على الجانب الآخر أن مالك الأرض أيضاً يتمتع بمجموعة من الحقوق ويتحمل بعدة التزامات.
أ_ الحقوق التي تثبت لمالك الأرض
يتمثل أهم حق من الحقوق التي تثبت لمالك الأرض هو حقه في تقاضي المقابل الذي اتفق عليه مع المساطح في عقد المساطحة، ولا يمنع ذلك من أن يكون ذلك الاتفاق قد تم بدون مقابل وعلى سبيل التبرع، إلا أن الغالبية العظمى من تلك الاتفاقات تتم في صورة معاوضة أي بمقابل، ونادراً ما يحدث أن تكون على سبيل التبرع.
فإذا كان الاتفاق بين مالك الأرض والمساطح على أن يسدد الأخير مقابل دوري – شهرياً أو سنوياً أو كيفما اتفق عليه – لمالك الأرض، فيجب أن يسددها له في موعدها، فإذا ما تخلف المساطح عن سداد تلك القيمة في موعدها فيكون الأمر راجعاً إلى اتفاق الطرفين في عقد المساطحة، فإذا كان الاتفاق يشتمل على حق مالك الأرض في الفسخ أو غيره عند امتناع المساطح عن أداء المقابل المتفق عليه، فيكون لمالك الأرض عندئذ أن يلجأ إلى هذا الإجراء الوارد بالاتفاق، أما إذا لم يتفق على أي شيء يخص ذلك فيتم تطبيق أحكام القانون الواردة في هذا الشأن والمتمثلة في انتهاء حق المساطحة هو الجزاء الذي يطبق عند امتناع المساطح عن سداد المقابل المتفق عليه، وذلك طبقاً لما جاء بنص (المادة 1230/3) من أنه من ضمن أسباب وحالات انتهاء حق المساطحة (إذا تخلف صاحب الحق عن أداء الأجرة المتفق عليها مدة سنتين ما لم يتفق على غير ذلك).
ويحق لمالك الأرض بدلاً من أن يتقاضى المقابل من المساطح أن يقوم بحوالة حقه في ذلك المقابل إلى الغير، فيكون المساطح ملتزماً بسداد المقابل في موعده المتفق عليه لمن تم عمل حوالة الحق لصالحه، وإن لم يفعل يكون مخلاً بالتزامه.
ولا يقيد حق السطحية مالك الأرض في التصرف في ملكه المتمثل في الأرض الوارد عليها هذا الحق، حيث أن تنازل المالك عن حق استعمال واستغلال أرضه بتقرير حق السطحية عليها لا يحرمه من ملكية الرقبة للأرض، فيحق له أن يتصرف فيها بأي صورة من صور التصرف المختلفة التي يراها، ولا يتوقف تصرف مالك الأرض على إقرار المساطح لتصرفه هذا من عدمه، شريطة ألا يكون تصرفه هذا سيترتب عليه ضرر للمساطح أو يمثل عائق أمامه في استخدام حق السطحية المقرر له وفقاً لما هو وارد بعقد الاتفاق المبرم بينهما[3].
ب_ الالتزامات التي تقع على عاتق مالك الأرض
يعد أهم وأول التزامات مالك الأرض هو أن يقوم بتسليمها للمساطح ووضعها تحت الحيازة الفعلية له، ويرجع ذلك إلى كونه الالتزام الذي يقوم حق المساطحة من أجله ولا يتم إلا بتنفيذه، كما يجب أن تكون الأرض خالية تماماً من أي شيء يمكن أن يعيق ممارسة المساطح لحقه، إلا في الحالة التي يكون الاتفاق متضمناً تسليمها في وجود أشياء معينة بها، وهذا الالتزام يعد مقابلاً لحق المساطح في أن يتسلم الأرض محل حق السطحية من مالكها، ويجب أن يضمن المالك عندئذ أي تعرض مادي أو قانوني يتعرض له المساطح في حيازته للأرض[4].
وباعتبار أن التزام المالك بتسليم الأرض للمساطح يقابله حق المساطح في استلام الأرض، فإن مالك الأرض لا يحق له تقاضي أي مقابل متفق عليه إلا بعد تنفيذه لالتزامه بتسليم الأرض للمساطح ووضعها تحت يده وفي حيازته فعلياً، ويكون تاريخ تسليم الأرض للمساطح محدداً في عقد الاتفاق المبرم بينهما، ويترتب على ذلك أن التأخير في التسليم يقابله امتناع من قبل المساطح عن سداد المقابل المتفق عليه.
ويقع على عاتق مالك الأرض التزاماً بأن يضمن للمساطح انتفاعه الهادئ والمستمر بحق السطحية الثابت له، ويسمر التزامه هذا قائماً طوال فترة استمرار قيام حق السطحية للمساطح وحتى انتهاء المدة المتفق عليها لسريان هذا الحق، مع ملاحظة ألا يحدث أي تعرض منه شخصياً للمساطح في انتفاعه بحق السطحية حتى وإن كان ذلك يستند إلى تصرف قانوني، إلا في الحالة التي يبدي فيها المساطح موافقته على ذلك التصرف.
ثالثاً: حالات انتهاء حق السطحية
قرر القانون المدني الأردني حالات انتهاء حق السطحية، وهذه الحالات منها حالة عادية وحالتين استثنائيتين ينتهي حال تحقق أياً منها حق السطحية، وهاتين الحالتين الاستثنائيتين ينتهي فيهما حق المساطحة حتى لو كانت مدته لم تنته بعد، حيث أورد القانون المدني الأردني في (المادة 1230) تلك الحالات الثلاث على سبيل الحصر واعتبرها الحالات التي ينتهي فيها حق المساطحة، ويمكننا أن نوجزها في التالي:
1- الحالة الأولى: انتهاء المدة المتفق عليها
الوضع الطبيعي هو أن حق السطحية ينتهي بانتهاء المدة التي اتفق عليها طرفي عقد المساطحة، وهو الأمر ذاته بالنسبة لأي حق من الحقوق التي تتسم بطابع التأقيت، وباعتبار أن القانون قد قرر حد أقصى للمدة التي يتم الاتفاق عليها لتقرير حق السطحية وقدرها (50) عام، مما يجعل انتهاء المدة المتفق عليها أياً كانت سبباً لانقضاء وانتهاء حق السطحية، وذلك طالما هي في إطار الحد الأقصى الذي حدده القانون لمدة هذا الحق.
2- الحالة الثانية: اتحاد صفتي المالك وصاحب الحق
متى تصرف المساطح في حق السطحية بما يشمله من ملكية للبناء أو الغراس الذي استحدثه في الأرض، وكان ذلك التصرف لمالك الأرض وليس لشخص من الغير، فتصبح جميع الحقوق قد اتحدت في يد شخص واحد وهو مالك الأرض، حيث عاد إليه حق السطحية، وآلت إليه ملكية المباني والغراس، وبالتالي لا يعود هناك مجالاً للحديث عن حق السطحية باعتبار أن هذا الحق يستلزم وجود شخصين أحدهما يملك الأرض والآخر يملك حق السطحية، إلا أن اجتماعهما في يد شخص واحد ينتهي معه حق السطحية.
3- الحالة الثالثة: مضي عامين دون سداد المساطح للمقابل المتفق عليه
سبق وأن أشرنا إلى تلك الحالة في معرض حديثنا عن مدة حق السطحية، حيث أشرنا إلى أن عدم سداد المساطح للمقابل المتفق عليه وتوقفه عن ذلك لمدة سنتين يبيح لمالك الأرض اللجوء إلى القضاء بطلب فسخ عقد المساطحة، إلا أن ذلك لا يمنع مالك الأرض والمساطح من أن يتفقا على مدة أقل يمكن أن يلجأ مالك الأرض فيها إلى الفسخ متى امتنع المساطح عن سداد المقابل عنها، فيمكن الاتفاق على أن الامتناع شهرين أو ثلاثة أو أكثر عن سداد المقابل المتفق عليه يتيح لمالك الأرض طلب الفسخ، إلا أن المشرع توقياً للحالة التي يمكن أن يخلو فيها العقد من ذكر لتلك المدة فقد وضع قاعدة عامة قوامها أن التأخر سنتين يبيح لمالك الأرض طلب الفسخ.
رابعًا: خاتمة
بعد أن أوضحنا ماهية حق السطحية أو المساطحة أو القرار يتبين لنا مدى أهميته في نهضة الاقتصاد الوطني لأي دولة، حيث إننا قد نجد من يملك الأرض ولا يملك المال للبناء عليها، كما نجد من يملك مقومات البناء، ولكن ينقصه الأرض التي يبني عليها، وبالتالي يعد جمع هذين الشخصين معاً بمثابة نواة لمشروع اقتصادي يساعد في دعم اقتصاد الدولة.
ونريد أن نذكر ملحوظة أخيرة تتمثل في أن حق السطحية لا يرتبط وجوداً وعدماً بوجود البناء أو الغراس، حيث يظل هذا الحق قائماً ومستمراً، حتى لو انهار البناء أو زال الغراس الذي أقامه المساطح على الأرض، طالما كانت مدة هذا الحق لاتزال سارية ولم تنته.
كتابة : أحمد عبد السلام
[1] – القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 – المادة (1225).
[2] – محمد البشير وآخر – الحقوق العينية الأصلية – الطبعة الرابعة – ج1 – مطابع العاتك – مصر – 2010 – ص318.
[3] – محمد البشير وآخر – المرجع السابق – ص319.
[4] – زينه العبيدي – حق المساطحة: دراسة مقارنة – ط1 – دار الحامد للنشر – الأردن – 2002 – ص 152.

