الجرم المشهود

الجرم المشهود

تحرص كافة القوانين على صون حقوق وحريات الأفراد وتحيطهم بسياج عتي من الضمانات التي تكفل لهم عدم المساس بحقوقهم خصوصاً في مواجهة السلطة التنفيذية المعنية بتنفيذ القوانين، إلا أن تلك الضمانات تتهاوى في حال ضبط أحد الأشخاص أثناء ارتكابه لجريمة حيث تتسع في تلك الأحيان سلطات السلطة التنفيذية وتتحرر من القيود التي تُغلها في سبيل ضبط الجريمة ومرتكبيها وهذا ما يكون أثناء ضبط أحد الأشخاص بجرم مشهود.

فتقتضي حالة الجرم المشهود أو التلبس بالجريمة اتخاذ إجراءات سريعة للمحافظة على أدلة الجريمة من الضياع ،لذلك ولان أدلة الإثبات في هذه الحالة ترقى الى القدر الكافي الذي لا يخشى معه التسرع في الاتهام ، ولان سلطة التحقيق وهي النيابة العامة قد تكون بعيدة عن موقع الجريمة، فان السياسة التشريعية ، مستندة الى فكرة الملائمة الإجرائية ، تلقى على عاتق موظفي الضابطة العدلية اختصاصا استثنائيا في القيام ببعض أعمال التحقيق في حالة الجرم المشهود حيث تكون مظنة الخطأ في التقدير أو الكيد للمتهم منتفية أو ضعيفة الاحتمال . [1]

وفي هذا المقال سنتحدث عن الجرم المشهود وماهيته وخصائصه والحالات التي يقوم بها الجرم المشهود وما هي شروطه والآثار المترتبة على ذلك.

أولاً: تعريف الجرم المشهود:

ثانياً: الطبيعة القانونية للجرم المشهود:

ثالثا: خصائص الجرم المشهود:

رابعاً: حالات الجرم المشهود:

خامسا: تصنيف الجرم المشهود الى التلبس الحقيقي والحكمي

سادساً: مشروعية إدراك الجرم المشهود:

سابعا: الشروط العامة للجرم لمشهود.

ثامنا: الآثار المترتبة على الجرم المشهود:

أولاً: تعريف الجرم المشهود:

الجرم المشهود أو التلبس بالجريمة كما يطلق عليه في بعض التشريعات المقارنة وعلى رأسها التشريع المصري، هو إدراك مأمور الضبط القضائي للجريمة حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة.

فالجرم المشهود ينبئ عن وجود جريمة مازالت في طور الارتكاب أو أنها ارتكبت، ولكن منذ فترة وجيزة حيث مازالت آثارها بادية ومعالمها واضحة جلية.

تعريف الجرم المشهود في التشريع الأردني

عرف المشرع الأردني الجرم المشهود بانة الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه [2] ، ويمكن تعريفة أيضا بانة تقارب زمني بين وقوع الجريمة وكشفها.[3]

وقد الحق المشرع الأردني بالجرم المشهود الجرائم التي يقبض على مرتكبيها بناء على صراخ الناس إثر وقوعها أو يضبط معهم أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها انهم فاعلو الجرم وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجرم، أو إذا وجدت بهم في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك [4]

ويعبر عن الجرم المشهود أيضا بالتلبس وقد استخدم المشرع الأردني اصطلاح التلبس أحيانا ويقصد بذلك حاله الجرم المشهود في المادة 99/2 وقد ورد النص على النحو التالي … في أحوال التلبس بالجنح….

ويقصد بالجريمة المشهودة بانها الجريمة التي تقع تحت سمع أو بصر من شاهدها وهي بهذا المعنى الجريمة التي تضبط وقائعها وفاعلها أثناء تنفيذ الفعل الإجرامي أو التي تضبط بعد تنفيذها بفتره قصيرة وفي ظروف خاصة يحددها القانون.

ولقد عرف المشرع الأردني الجرم المشهود في  (المادة 28) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بأنه: (الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه، وتلحق به أيضا الجرائم التي يقبض على مرتكبيها بناء على صراخ الناس أو تتبعهم إثر وقوعها، أو يضبط معهم أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها انهم فاعلو الجرم أو إذا وجدت بهم آثار أو علامات تفيد بذلك خلال أربع وعشرين ساعة من وقوع الجرم).

ثانياً: الطبيعة القانونية للجرم المشهود:

الجرم المشهود أو المتلبس به ما هو إلا قاعدة إجرائية استثنائية تمنح رجل الضبطية القضائية سلطات خارج القاعدة العامة لا يستطيع القيام بها في الأحوال المعتادة لعلة أن الجرم قد وقع للتو، أو منذ وقت وجيز، بما لا يتناسب معه التريث للقيام بإجراءات التحقيق والتحري استناداً إلى مبدأ الضرورة الملحة، وبذلك فهو لا علاقة له بأركان الجريمة، فلا تعد نظرية الجرم المشهود نظرية موضوعية أو نظرية شخصية تتعلق بالمسئولية الجنائية، فهي حالة تلازم الجريمة ذاتها وليس لها علاقة بفاعلها.[5]

فالجرم المشهود – أو التلبس بالجريمة – هو حالة عينية تلازم الجريمة ذاتها ولا علاقة لها بشخص مرتكب الجريمة، ومن ثم قد تكون الجريمة متلبساً بها على الرغم من عدم القبض على الجاني أو حتى رؤيته، فمأمور الضبط القضائي الذي يسمع صوت إطلاق نار يكون بصدد جريمة متلبس بها حتى ولو لم يستطع رؤية الجاني أو معرفة أثره.

ثالثا: خصائص الجرم المشهود:

1- الجرم المشهود حالة عينية:

فكما ذكرنا سابقاً، يُعد الجرم المشهود من الحالات العينية التي تلازم الجريمة ذاتها دون وضع اعتبار لشخص مرتكب الجريمة، فالجرم المشهود – أو التلبس بالجريمة – ينسب إلى الجريمة ذاتها وليس إلى شخص الجاني.

2- الجرم المشهود يعتمد على مظاهر خارجية:

فيتعين لقيام الجرم المشهود أو حالة التلبس أن يكون هناك إدراك من قبل رجل الضابطة العدلية للجريمة لحظة ارتكابها أو بعد ارتكابها ببرهة يسيرة، وهذا ما يستدل من تعبير المشرع الأردني في (المادة 28) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بقوله: “الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه”.

ويترتب على ذلك أن مجرد وصول نبأ الجريمة إلى رجل الضابطة العدلية مشفوعاً بأدلة قولية تدل على وقوع الجريمة لا يُعد أمراً كافياً لقيام حالة الجرم المشهود، فلكي نكون بصدد جرم مشهود يجب أن يكون رجل الضابطة العدلية قد أدرك أحد مظاهر ارتكاب الركن المادي للجريمة بغض النظر عن إدراكه لباقي الأركان نظراً لعينية حالة الجرم المشهود وتعلقها بالجرم ذاته وليس بشخص المجرم.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن حالة الجرم المشهود لا تتحقق إلا في شأن الجاني الذي ضبط أثناء ارتكابه للجريمة، فإذا كان معه شركاء في ارتكاب الجريمة، ولكن لم يتم إدراكهم أثناء ارتكابهم للجريمة فلا يتوافر في حقهم حالة الجرم المشهود مما يؤدي إلى انحسار سلطات مأمور الضبط عن هؤلاء واقتصارها فقط على الجاني الذي تم إدراكه أثناء قيامه بارتكاب الجريمة.

رابعاً: حالات الجرم المشهود:

الحالات التي تكون فيها الجريمة مشهودة قد وردت في القانون على سبيل الحصر فلا يجوز القياس عليها أو التوسع فيها، فاذا لم تتوافر احدى حالات التلبس فلا يكون هناك أي مسوغ لاتخاذ أي إجراء استثنائي بحق المتهم، وبالرجوع الى نص المادة 28 من قانون أصول المحاكمات الجزائية يتبين ان الجريمة تكون مشهودة أو متلبسا بها في أربع حالات وهي:

  • مشاهدة الجريمة حال ارتكابها
  • مشاهدة الجريمة حال الانتهاء من ارتكابها
  • الجرم الذي يقبض على فاعلة بناء على صراخ الناس إثر وقوعه
  • ضبط مرتكب الجريمة ومعه أشياء أو أسلحة أو أوراق، أو إذا وجدت به علامات وآثار يستدل منها انه فاعل الجرم، وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجريمة.

كما ان هناك حالة تعتبر من حالات الجرم المشهود وهي الحالة التي وردت في نص المادة 42 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تتعلق بحالة ارتكاب جناية أو جنحة داخل المنزل، فيطلب صاحب المنزل من رجل الضابطة العدلية إجراء التحقيق بشأنها.

 ويمكن القول بان الحالة الأولى من الحالات التي تم ذكرها سابقا هي الحالة التي يمكن القول بانها الحالة الحقيقية للجرم المشهود اما الحالات الأخرى فهي حالات تلبس حكمي أو اعتباري وذلك لان إدراك الجريمة لا ينصب عليها مباشرة حال وقوعها، بل ينصرف الى آثارها الباقية الظاهرة للعيان بعد وقوع الجريمة بفتره قصيره من الزمن. مع الإشارة الى ان المشرع الأردني لا يفرق بين التلبس الحقيقي وبين التلبس الاعتباري أو الحكمي، لا من حيث الشروط ولا الآثار المترتبة على توافر حالات التلبس.

خامسا: تصنيف الجرم المشهود الى التلبس الحقيقي والحكمي

والتلبس قد يصنف الى تلبس حقيقي وتلبس حكمي وفق التفصيل الاتي :

حالة التلبس الحقيقي بالجريمة.

تقوم هذه الحالة من حالات التلبس بالجريمة، حيث تتم مشاهدة الفعل الجرمي أثناء ارتكابه، أي أثناء اقتراف الركن المادي المكون لهذا الفعل. وهذه الحالة تعتبر من أوضح حالات التلبس لهذا سميت بحالة التلبس الحقيقي أو الفعلي بالجريمة، وذلك لوجود تقارب زمني بين الفعل الذي يكون الجريمة وبين مشاهدة ذلك الفعل.

ومثال مشاهدة الجرم حال ارتكابه ان يشاهد القاتل وهو يطلق النار على المجني علية أو ان يشاهد السارق وهو خارجا من المنزل وهو يحمل أو ينقل الأغراض التي سرقها أو ان يضبط وهو يقوم بخلع الخزائن والأدراج بحثا عن المسروقات (شروع في السرقة) أو ان يضبط المرتشي وهو يقوم بتسلم مبلغ الرشوة من الراشي.[6]

ثانيا- حالات التلبس الحكمي.

لا تفترض هذه الحالة مشاهدة الجريمة أثناء اقتراف أحد الأفعال المكونة الركن المادي لها، بل عند الانتهاء منه أو عند اللقاء القبض على مرتكب الجريمة بناء على صراخ الناس أو حين يضبط الجاني ومعه أشياء أو أسلحة أو أوراق، أو إذا وجدت به علامات وآثار يستدل منها انه فاعل الجرم، وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجريمة.

1 – مشاهدة الجريمة عند الانتهاء من ارتكابها.

تفترض هذه الحالة من حالات التلبس الحكمي أو الاعتباري ان الجريمة لم تشاهد حال تحقق العناصر التي يتكون منها النشاط الجرمي، ولكن شوهدت آثارها التي لا تزال بادية ملموسه وظاهره للعيان، لأنه لم يمر على ارتكابه الا فتره قصيره من الزمن. لذا، فان المشرع لم يفرق بين هذه الحالة وحالة مشاهدة الجريمة أثناء ارتكابها، ذلك ان مشاهدة الجريمة عند الانتهاء من ارتكابها تفترض ان تتم المشاهدة بعد برهه يسيره من الزمن تفص بين تمام الجريمة وبين مشاهدة آثارها.[7]

ومن الأمثلة على هذه الحالة ان يشاهد الجاني وهو يخرج من غرفة النوم والمجني عليها بملابسها الممزقة وآثار الاغتصاب واضحة عليها أو ان يشاهد الجاني وهو يخرج من الغرفة التي فيها جثة القتيل وبيده المسدس أو الخنجر الذي استخدمه في القتل.

ولم يحدد المشرع مقدار الزمن الفاصل بين ارتكاب الجريمة ومشاهدتها حتى تقوم حالة التلبس، ولكن يمكن القول بان هذا الزمن هو الفترة التي تلي وقوع الجريمة مباشرة بحيث لا يمر وقت غير يسير بين ارتكاب تلك الجريمة ومعاينتها، والقانون لم يضع معيارا محددا لما يمكن ان يعتبر يسيرا من الوقت الا انه ترك التقدير لمحكمة الموضوع.

2 – الجرم الذي يقبض على فاعله بناء على صراخ الناس إثر وقوعه.

وتتحقق هذه الحالة إذا تبع المجني علية أو العامة مرتكب الجريمة مع الصياح إثر وقوعها. ويقصد بذلك ان يلاحق الجاني على إثر ارتكابه لجرمته من قبل المجني عليه أو العامة، وان تكون الملاحقة عن طريق الصياح للامساك بالجاني. ومعنى ذلك ان حاله التلبس لا تكون متوافره الا إذا كانت الجريمة لم يمض على ارتكابها الا وقت قصير لا يحول دون متابعة الجاني بالصراخ وتقدير الزمن هنا الذي يعبر عنه بكلمة (إثر) متروك لمأمور الضبط القضائي تحت رقابة محكمة الموضوع.[8]

وإذا مضت فتره من الزمن ذات شان فالجريمة لا تكون في حالة تلبس فعلى سبيل المثال فان حالة التلبس لا تكون متوفرة رغم المتابعة إذا مر المتهم في المطقة التي تمت بها الجريمة بعد بضعه أيام، فيتعرف علية المجني عليه أو غيره من الناس فيتابعوه بالصياح والعدو في أثره.

3 – الجرم الذي يضبط مرتكبه ومعه أشياء أو به علامات تدل على انه فاعله.

وقد عبر المشرع الأردني عن هذه الحالة بقوله: بان الجرائم تكون مشهودة حين يقبض على مرتكبيها ويضبط معهم أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها انهم فاعلو الجرم، وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجرم. أو إذا وجدت بهم في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك. فيشترط لقيام هذه الحالة من حالات التلبس مشاهدة الجاني نفسه بعد وقت قصير من وقوع الجريمة وهو حامل لأدلة تنبئ عن قيامة أو تنبئ مساهمته بارتكاب هذه الجريمة. [9]

ومثال ذلك ان يضبط الجاني وبه خدوش حديثة أو آثار مقذوف ناري حديث أو دماء ظاهره بملابسة أو ان يضبط مع الجاني أشياء تدل على ارتكابه للجريمة سواء أكانت هذه الأشياء قد استعملت في ارتكاب الجريمة أو نتجت عنها، كالسلاح الذي استعمل في القتل أو المفاتيح التي استخدمت في السرقة.

وأساس اعتبار هذه الحالة من حالات الجرم المشهود هو ان مشاهدة أدلة الجريمة مع المتهم أو مشاهدة آثارها تعتبر قرينة كافية على ان الجريمة ارتكبت منذ وقت قصير.[10] طالما ان مشاهدة المتهم في هذه الظروف وفي وقت قريب من وقوع الجريمة لا يحتمل معه ان تكون الأشياء التي ضبطت معه قد أتت له من مصدر آخر.

وقد بينت (المادة 28) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حالات الجرم المشهود وذلك عندما نصت على أن: (الجرم المشهود هو الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه، وتلحق به أيضا الجرائم التي يقبض على مرتكبيها بناء على صراخ الناس أو تتبعهم إثر وقوعها، أو يضبط معهم أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها انهم فاعلو الجرم أو إذا وجدت بهم آثار أو علامات تفيد بذلك خلال أربع وعشرين ساعة من وقوع الجرم).

ومن ثم يمكن تفصيل تلك الحالات على النحو التالي:

1- إدراك الجريمة حال ارتكابها:

بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلى أن حالة الجرم المشهود لا تقتصر على حالة المشاهدة بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث من الأدق أن يقال “إدراك الجريمة” وليس “مشاهدة الجريمة”، فالإدراك مصطلح أعم وأشمل من المشاهدة لأن المعنى الحرفي للمشاهدة يقتصر على المشاهدة العينية، أما الإدراك فيعني أن رجل الضابطة العدلية قد أدرك الجريمة بأي من حواسه الخمسة، ولذلك نكون بصدد حالة جرم مشهود إذا سمع مأمور الضبط القضائي صوت إطلاق نار بمكان قريب منه، أو إذا وجد رائحة جوهر الحشيش المخدر تتصاعد من سيارة مغلقة.

وكما سبق لنا القول بأن حالة الجرم المشهود تعتمد على المظاهر الخارجية، ومن ثم نكون بصدد حالة جرم مشهود إذا وجد رجل الضابطة العدلية أن المتهم بحوزته مادة تشبه جوهر الحشيش المخدر حتى ولو تبين بعد ذلك أن تلك المادة لم تكن مخدراً وأنها مجرد مادة تشبه مادة جوهر الحشيش طالما بني رجل الضابطة العدلية استنتاجه على أسباب معقولة مؤيدة من الظروف التي تم ضبط المتهم فيها.

وتجدر الإشارة إلى قيام الجرم المشهود في حالة رؤية الجاني وهو يرتكب جريمته من خلال أجهزة التصوير وكاميرات المراقبة، شريط أن تشاهد وهي في حالة البث المباشر دون المشاهدة التسجيلية.

فالمشاهدة التسجيلية التي يطلع عليها رجال الضابطة العدلية – أو مأموري الضبط القضائي – لا تكفي لتحقق حالة الجرم المشهود.

2- إدراك الجريمة عقب ارتكابها:

تتميز تلك الحالة بأن الجريمة قد تم ارتكابها بالفعل، حيث إن رجال الضابطة العدلية لم يدركوا أي من عناصر الركن المادي للجريمة، ولكنهم أدركوا الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة بحيث لم تزل آثار الجريمة بادية واضحة جلية تنبئ بيقين عن وقوعها منذ فترة وجيزة.

فتتوافر تلك الحالة إذا رأى أحد رجال الضابطة العدلية جثة هامدة لقيت مصرعها ومازالت دمائها مسفوحة لم تتجلط بعد مما ينبئ عن وجود جريمة قتل ارتكبت منذ فترة يسيرة.

ولكن يلاحظ أنه ليس كل إدراك لآثار جريمة تجعلنا نقول إننا بصدد جرم مشهود، فلا يمكن القول بتوافر الجرم المشهود في الحالة التي يجد فيها أحد رجال الضابطة العدلية جثة هامدة تبين أنها لقيت مصرعها منذ أيام، أو أن يكون هناك آثار خدوش أو جروح في الجاني، ولكنها حدثت منذ وقت طويل.

فالآثار التي تخلق حالة الجرم المشهود يجب أن تكون لازالت تنبض بالحياة لم يمر على سبب حدوثها زمن طويل، وتحديد توافر حالة الجرم المشهود في هذا الصدد هو من الأمور التي تعود إلى تقديرات قاضي الموضوع والذي يوازن كل حالة على حدي وفقاً لما أحاط بها من ملابسات.

ولكن لا يفوتنا أن نشير إلى أن قيام تلك الحالة لا يشترط لها أن يكون تم إدراكها من قبل أحد رجال الضابطة العدلية مباشرة، فلا ينفي توافر تلك الحالة أن يكون هناك بلاغ تم تقديمه إلى رجال الضابط العدلية وعلى أثره تم التحرك إلى مسرح الجريمة ووجدت آثار الجريمة بادية لم تطمس بعد على النحو الذي بيناه.

3- تتبع الجاني إثر وقوع الجريمة:

تفترض هذه الحالة أن الجاني قد ارتكب جريمته، ولكن تتبعه المجني عليه أو تتبعه العامة مع الصياح، والتتبع في هذه الحالة لا يقتصر على مجرد التتبع المادي أو المطاردة، بل يكفي التتبع المعنوي والذي يتمثل في الإشارة إلى الجاني والنطق بعبارات تدل أن ضالع في جريمة.

وتتحقق تلك الحالة إذا قام المجني عليه بالتسلل متخفياً وراء الجاني بغية القبض عليه وأثناء ذلك قام بالاستغاثة بأحد رجال الضابطة العدلية، بل وتتحقق تلك الحالة أيضاً إذا تمت المطاردة بسيارات أو خيول أو غيرها من الوسائل التي تمكن المجني عليه أو العامة من مطاردة الجاني.

ومن الجدير بالذكر أنه يكفي لتوافر حالة الجرم المشهود أن يكون هناك تتبع للجاني من قبل المجني عليه أو من قبل العامة حتى ولو تبين بعد ذلك أن الأمر هو مجرد مزاح مع الشخص الذي تم القبض عليه، فإذا ما قبض على هذا الشخص وتم تفتيشه وأسفر ذلك عن اكتشاف أنه كان يحرز مواد غير مشروعة فإن ذلك من شأنه أن يدينه جنائياً حتى ولو تبين أنه لم يكن مرتكباً لجريمة منذ بداية الأمر وأن تتبعه من قبل بعض الأشخاص كان مجرد مزاح صبية.

4- مشاهدة الجاني بعد الجريمة بوقت قريب حاملاً أدلة الجريمة:

تُعد تلك الحالة هي الأكثر شيوعاً لحالات الجرم المشهود، حيث عادة ما يتم القبض على الجاني وهو يحمل أشياء أو أمتعة أو به علامات أو دلالات تدل أنه ضالع في جريمة، ولكن يجب أن يلاحظ أن حتى نكون بصدد جرم مشهود أن يكون قد تم القبض على الجاني خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ ارتكاب الجريمة.

فالمشرع الأردني يقيد تلك الحالة بفترة زمنية محددة وهي أربع وعشرين ساعة، وذلك على خلاف نظيره المصري الذي لم يقيد تلك الحالة بمدة معينة.

تلك هي حالات الجرم المشهود التي تمنح رجال الضابطة العدلية سلطات موسعة استثنائية تمكنهم من القبض على الجاني وتفتيشه ولو بدون الحصو على إذن بذلك، فقيام حالة الجرم المشهود تؤدي إلى منح رجال الضابطة العدلية سلطات موسعة قبل الجريمة التي تم ارتكابها.

وهذه الحالات وردت على سبيل الحصر، ومن ثم ووفقاً لمبدأ الشرعية الإجرائية فلا يجوز القياس عليها ولا التوسع في تفسيرها.

وعلى الرغم من ورود تلك الحالات على سبيل الحصر إلا أن المشرع الأردني قد بين أن هناك حالة أخرى تُعامل وكأنها جرم مشهود وهي ما سنقوم ببيانه بشيء من التفصيل الآن:

خامساً: الجرائم المرتكبة داخل المساكن:

هناك حالات هي في الحقيقة ليست من حالات الجرم المشهود، ولكن المشرع أخضعها صراحة لأحكام الجرم المشهود، وهي الجرائم التي تقع داخل بيت السكن.

وهذه الحالة نص عليه المشرع في نص المادة 42 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تقضي بانة (يتولى المدعي العام التحقيق وفقاً للأصول المعينة للجرائم المشهودة، إذا حدثت جناية أو جنحة ولم تكن مشهودة داخل بيت وطلب صاحب البيت إلى المدعي العام إجراء التحقيق بشأنها)

ويشترط لتطبيق أحكام الجرم المشهود على هذه الحالة ان تقع جريمة من نوع جناية أو جنحة داخل بيت السكن كما يشترط ان يطلب صاحب السكن من المدعي العام أو من رجال الضابطة العدلية إجراء التحقيق بشأنها وصاحب البيت المقصود في هذه المادة هذه المادة هو رب الأسرة سواء كان مالكا أو مستأجرا للبيت ، وقد أشار هذا النص الى انه يجب ان يكون صاحب المنزل نفسه هو الذي طلب معاينة آثار الجريمة ، فلا تطبق حالة الجرم المشهود اذا كان من بلغ عن وقوع الجناية اجنبي عن المسكن كأحد الجيران أو الضيوف مثلا لأنه ليس لهؤلاء أي صفه في مثل هذه الحالة .

وقد وردت تلك الحالة بموجب (المادة 42) من قانون أصول المحاكمات الجنائية الأردني والتي نصت على أن: (يتولى المدعي العام التحقيق وفقاً للأصول المعينة للجرائم المشهودة ، إذا حدثت جناية أو جنحة ولم تكن مشهودة داخل بيت وطلب صاحب البيت إلى المدعي العام إجراء التحقيق بشأنها).

يتضح من مطالعة النص السابق أنه إذا ارتكبت جريمة داخل منزل وطلب صاحب البيت من المدعي العام التحقيق بشأنها فإنه يتم التحقيق في تلك الواقعة بموجب الصلاحيات المخولة في حالة الجرم المشهود.

ومن ثم يكون لمأموري الضابطة العدلية سلطات استثنائية أثناء تحقيقهم في تلك الواقعة، ولكن يشترط لذلك أن نكون بصدد جناية أو جنحة سواء كانت في مرحلة الشروع أو بعد تمامها.

ويجب لقيام تلك الحالة أن تكون الجريمة قد وقعت في “بيت” سواء ارتكبت أثناء وجود سكان أو في حالة غيبتهم، ولكن إذا وقعت الجريمة في مكان قريب من المنزل أو في مكان مُعد للعمل فلا تتوافر تلك الحالة.

وأخيراً، وحتى تُمنح السلطات الاستثنائية لرجال الضابطة العدلية يجب أن يكون هناك طلب مُقدم من صاحب المنزل لفتح التحقيق بشأن تلك الجناية أو الجنحة، وصاحب البيت هنا هو حائزه سواء أكان مالكه أو المستأجر أو حتى الغاصب له، فلا يشترط في الحائز أن تكون حيازته مشروعة حيث يكفي فقط أن يكون هو الحائز لحظة وقوع الجريمة.

ويجوز أن يُقدم الطلب من رب الأسرة – الحائز للمنزل – سواء أكان هو الزوج أم الزوجة، بل ويثبت حق تقديم طلب بفتح التحقيق للأولاد طالما كانوا بالغين من العمر ثمانية عشر عام.

ولكن لا يجوز أن يقدم الطلب من تواجد في المنزل بصفة عارضة كالصديق، أو الزائر، أو الخادم، أو السائق، أو الطبيب، فهؤلاء إن قاموا بالتبليغ عن الجريمة فإنه سيتم التحقيق وفقاً للأصول القانونية العادية دون وجود سلطات استثنائية لرجال الضابطة العدلية.

سادساً: مشروعية إدراك الجرم المشهود:

لا يكفي لترتيب الآثار القانونية على الجرم المشهود مجرد توافر إحدى حالاته وإنما يتعين أن يتم ذلك من خلال طريق مشروع أي وفقاً لأعمال مطابقة للقانون، وبناءً عليه فلا يجوز إثبات الجرم المشروع بناءً على أعمال غير مشروعة أو تنطوي على افتئات على حقوق الأفراد دون سند من القانون وذلك كأن يتم إثبات الجرم المشهود بناء على تلصص رجال الضابطة العدلية من خلال ثقوب الأبواب[11].

فيمكن القول إذن أنه حتى نكون بصدد حالة جرم مشهود يجب أن تتوافر عدة شروط وهي:

ا- الإدراك الشخصي المباشر لإحدى حالات الجرم المشهود:

حيث يجب أن يكون رجل الضابطة العدلية قد أدرك الجرم بذاته، حيث لا نكون بصدد جرم مشهود إذا كان مأمور الضبط قد علم بالجريمة من خلال الادعاءات مهما بلغت صدقها ومهما كثر راوها.

إلا أنه لا ينفي وجود جرم مشهود إذا تم إبلاغ أحد رجال الضابطة العدلية بشأن الجريمة والذي انتقل على الفور لمسرح الجريمة ووجد آثار الجريمة بادية لم تنضب بعد.

2- مشروعية اكتشاف الجرم المشهود:

فيجب على رجال الضابطة العدلية مراعاة ضوابط وقواعد العدالة وصون حقوق الأفراد وحرياتهم، ومن ثم فلا يكون لهم الاعتداء على تلك الحقوق حتى ولو تمخض عن ذلك الكشف عن جريمة لم تكن لتكشف لولا اتباع تلك الطرق.

فالجرم المشهود لا يتحقق قانوناً إلا إذا تم بناءً على إجراءات تطابق صحيح نصوص القانون، وذلك كأن يتم اكتشافه من خلال ما يقوم به رجال الضابطة العدلية من معاينات عرضية، أو أن يكون تم الكشف عنه من خلال تخلي الجاني “اختيارياً” عما يحوزه من مواد غير مشروعة، ولكن يجب أن يكون هناك تخلي اختياري من قبل الجاني ناتج عن إرادة حرة غير مشوبة بالإكراه.

لذلك لا نكون بصدد جرم مشهود في حالة التخلي العرضي عن الحرز المغلق أو التخلي الناتج عن إكراه وقع على المتهم من قبل أحد رجال الضابطة العدلية.

وتأكيداً على ذلك تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٤٢٣٩٠ لسنة ٧٢ قضائية بأن: (إلقاء الطاعن اللفافة التي تحتوي المخدر يتوافر به التخلي الاختياري الذي يجيز القبض والتفتيش. لما كان ذلك، وكان يبين مما أثبته الحكم بمدوناته سواء عند بيانه واقعة الدعوى أو تحصيله أقوال الضابط شاهد الواقعة أن ما صدر من الطاعن هو محاولة التخلي عن اللفافة التي تبين احتواؤها على المخدر وعلى ما يبين من المفردات التي أمرت لمحكمة بضمها تحقيقاً لوجه النعي من أن الضابط قد قام بضبط تلك اللفافة بين يدي الطاعن لدى محاولته إلقاءها من نافذة السيارة التي يستقلها وقبل تخلصه منها. لما كان ذلك، وكانت محاولة الطاعن التخلص من اللفافة لا تخرجها عن سيطرته ولا يعتبر تخلياً عن حيازته، بل تظل على الرغم من ذلك في حيازته القانونية، وإذ كان الضابط قد أمسك باللفافة وهي بين يدي الطاعن وفقاً لما ورد بأقواله بتحقيقات النيابة وقبل تخلص الطاعن منها حال محاولته إلقاءها ولم يتبين محتواها قبل فضها، فإن الواقعة على هذا النحو لا تتحقق بها إحدى حالات التلبس المبينة بطريق الحصر).

سابعا: الشروط العامة للجرم لمشهود.

حتى ينتج الجرم المشهود آثاره القانونية يجب توافر الشروط التالية:

الشرط الأول: مشاهدة الجرم في احدى حالات التلبس

وهو شرط بديهي إذ في غير حالات التلبس لا يكون الجرم مشهودا وبالتالي لا يكون للضابطة العدلية سلطة القيام باتخاذ بعض إجراءات التحقيق الاستثنائية. وقد ذكرنا سابقا ان للجرم المشهود حالات أوردها المشرع على سبيل الحصر فلا يجوز التوسع بها والقياس عليها. فعلى سبيل المثال إذا شوهد الجاني بعد مرور أكثر من أربع وعشرين ساعة على وقوع الجرم وهو يحمل ما يدل على انه فاعلة فلا تقوم حالة الجرم المهود هنا ونكون بصدد جريمة عادية، ولا يكون لرجل الضابطة العدلية غير اتخاذ الإجراءات العادية.

ومقتضى هذا الشرط ان يكون التلبس بالجريمة سابقا على إجراءات التحقيق التي تتخذ في مثل هذه الأحوال

الشرط الثاني: ان تتم مشاهدة حالة التلبس بمعرفة موظف الضابطة العدلية ذاته.

يشترط لقيام حالة التلبس صحيحا ان تكون مشاهدة حالة التلبس قد تمت بمعرفة موظف الضابطة العدلية ، أي ان يكون موظف الضابطة العدلية قد شاهد الجاني فعلا أو على الأقل ان يكون قد حضر الى مكان الواقعة بعد فتره قصيره من ارتكاب الواقعة وشاهد آثار الجريمة وهي لا تزال قائمة ، وان كان لا هذا ولا هذا فلا اقل من ان يكون قد شاهد المجني علية وهو يقوم بملاحقة الجاني أو شاهد عامة الناس وهم يشيعون الجاني بصياحهم.

ثامنا: الآثار المترتبة على الجرم المشهود:

تجمل آثار الجرم المشهود في تخويل رجال الضابطة العدلية القيام بإجراءات ما كان يجوز لهم القيام بها في غير تلك الحالة،[12] فلقد بينت (المادة 46) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه يكون لرجال الضابطة العدلية سلطات المدعي العام حال وجود جرم مشهوداً وذلك بنصها على أن: (موظفي الضابطة العدلية المذكورين في المادة (44) ملزمون في حال وقوع جرم مشهود أو حالما يطلبهم صاحب البيت أن ينظموا ورقة الضبط ويستمعوا لإفادات الشهود وأن يجروا التحريات وتفتيش المنازل وسائر المعاملات التي هي في مثل هذه الأحوال من وظائف المدعي العام وذلك كله طبقاً للصيغ والقواعد المبينة في الفصل الخاص بإجراء وظائف المدعي العام).

ومن ثم يمكن بيان الإجراءات التي يكون لرجال الضابطة العدلية اتخاذها حيال الجرم المشهود فيما يلي:

1- إجراء الانتقال والمعاينة:

ورد هذا الإجراء (بالمادة 29/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والتي نصت على أن: (إذا وقع جرم مشهود يستوجب عقوبة جنائية يجب على المدعي العام أن ينتقل في الحال إلى موقع الجريمة).

فالانتقال إلى موقع الجريمة عقب لحظة ارتكابها يفيد في الكشف عن ملابساتها ويميط اللثام عن الظروف التي أحاطت بها، لذلك يُعد هذا الإجراء من إجراءات الاستدلال التي يكون لأي من رجال الضابطة العدلية القيام به حفاظاً على أدلة الجريمة من امتداد يد العبث إليها منعاً من طمسها وتضليل العدالة.

إلا أنه في حال كون الجريمة معاقباً عليها بعقوبة جنائية فلقد أوجب القانون على المدعي العام أن ينتقل إلى موقع الجريمة ليقوم هو بالمعاينة.

فإذا انتقل المدعي العام إلى موقع الجريمة ولم يجد ما يدل على وقوع ثمة جريمة جاز له أن يقيم دعوى الافتراء على مقدم البلاغ وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 29/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (إذا انتقل المدعي العام إلى المكان الذي قيل إن جريمة وقعت فيه ، ولم يجد ما يدل على وقوعها أو على ما يوجب لانتقاله ، جاز للمدعي العام أن يحصل بواسطة دائرة التنفيذ من مقدم الأخبار أو موقعه نفقات الانتقال بتمامها وله أن يقيم عليه دعوى الافتراء أو اختلاق الجرائم حسب مقتضيات الحال).

2- جمع الإيضاحات:

يُعد هذا الإجراء من الإجراءات المكملة لإجراء الانتقال والمعاينة، حيث يكون لمأموري الضبط فور انتقالهم لمكان وقوع الجريمة أن يحصلوا على إيضاحات ممن شاهدوا الجريمة والتي تساعد في الإلمام بحيثيات الجريمة توطئة للكشف عن مرتكبيها.

ولكن جمع الإيضاحات يجب أن يكون في حدود القانون، فلا يجوز أن ينقلب لاستجواب أو أن يُتخذ تذرعاً للدخول إلى المنازل بدون سند من القانون.

3- الأمر بعدم مبارحة المكان:

يكون لرجال الضابطة العدلية في حالات الجرائم المشهود أن يصدروا أمراً لكافة المتواجدين بعدم التحرك أو بعدم الخروج من المكان، ومن يخالف ذلك الأمر يتم القبض عليه ويُقدم إلى قاضي الصلح لمحاكمته وذلك وفقاً لما بينته (المادة 31) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

فمن المعلوم أن الأشخاص المتواجدين في محل الجريمة يزيد احتمالية أنهم رأوا الجريمة أو لديهم معلومات جوهرية بشأنها، فلذلك وحرصاً على تحقيق المصلحة العامة المتمثلة في ضبط مرتكب الجريمة قرر المشرع بجواز إصدار أمر بعدم جواز تحركهم من مكان الجريمة إلا بعد أن يستحصل منهم على الإيضاحات المتعلقة بالجريمة.

بل ويكون لرجال الضابطة العدلية إصدار أمراً بإحضار من كان غائباً عن مسرح الجريمة، ولكنه كان حاضراً وقت ارتكابها.

4- سماع أقوال الشهود بيمين:

في الأحوال العادية والتي تخرج عن حالات الجرم المشهود يكون لرجال الضابطة العدلية سلطة سماع أقوال الشهود، ولكن بدون تحليفهم اليمين، ولكن ونظراً لأن الجرم المشهود يخول رجال الضابطة العدلية سلطات استثنائية فلقد أباح لهم المشرع أن يحصلوا على أقوال شهود الواقعة بعد تحليفهم اليمين القانونية وهذا ما يؤدي إلى اعتبار الشهادة في تلك الحالة دليلاً قانونياً وليس مجرد عمل استدلالي.

5- الاستعانة بالخبراء بيمين:

قد يحتاج رجال الضابطة العدلية أخذ الرأي الفني لأصحاب الخبرة في أمر معين، لذلك أجاز لهم المشرع في حالات الجرم المشهود أن يستعينوا بالخبراء وأن يحلفوهم اليمين القانونية، وبذلك يكون لرجال الضابطة العدلية القيام بهذا الإجراء على الرغم من أنه أحد إجراءات التحقيق والتي تخرج عن اختصاصهم في الأحوال العادية.

6- القبض على المتهم:

يكون لرجال الضابطة العدلية في حالات الجرم المشهود أن يقوموا بالقبض على المتهم، ولكن يجب حتى يكون هذا الإجراء صحيحاً أن يكون الجرم المرتكب على درجة من الجسامة، حيث اشترط المشرع الأردني لصحة القبض في هذه الحالة أن تكون الجريمة من الجنايات أو الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر، حيث وردت حالات التي يخول فيها لرجال الضابطة العدلية القبض على المتهم في (المادة 99) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (لأي موظف من موظفي الضابطة العدلية أن يأمر بالقبض على المشتكى عليه الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه في الأحوال الآتية:

  • في الجنايات.
  • في أحوال التلبس بالجنح إذا كان القانون يعاقب عليها لمدة تزيد على ستة أشهر.
  • إذا كانت الجريمة جنحة معاقباً عليها بالحبس وكان المشتكى عليه موضوعاً تحت مراقبة الشرطة أو لم يكن له محل إقامة ثابت ومعروف في المملكة.
  • في جنح السرقة الاحتيال والتعدي الشديد ومقاومة رجال السلطة العامة بالقوة أو بالعنف والقيادة للفحش وانتهاك حرمة الآداب).

وجديراً بالذكر أن الأمر لا يقتصر على مجرد المتهم الحاضر الذي توجد دلالات كافية على ارتكابه للجريمة، بل يكون لرجل الضابطة العدلية أن يأمر بضبط وإحضار المتهم الغائب طالما توافرت في شانه دلالات كافية تدل أنه هو مرتكب الجريمة طالما كانت الأخيرة جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس الذي يزيد على ستة أشهر.

7- تفتيش المقبوض عليه:

إذا تم القبض على المتهم حال ارتكابه جرم مشهوداً جاز لرجال الضابطة العدلية القيام بتفتيشه دون اشتراط الحصول على إذن بذلك، لأن القاعدة العامة تقضي بأنه كلما جاز القبض جاز التفتيش، فإذا أسفر التفتيش عن وجود مواد غير مشروع حيازتها لأدى ذلك إلى إدانة المتهم عن حيازة تلك المواد حتى ولو تبين بعد ذلك أن حالة الجرم المشهود لم تكن حقيقية شريطة أن تكون المظاهر الخارجية تسوغ لرجل الضابطة العدلية وجود حالة جرم مشهود.

وتجدر الإشارة إلى أن في حالات الجرم المشهود لا يشترط وجود ترتيب بين القبض والتفتيش، حيث من الجائز أن يتم تفتيش المتهم قبل القبض عليه.

مع ملاحظة أنه إذا كان المتهم أنثى فلا يجوز تفتيشها إلا بواسطة أنثى مثلها عملاً (بالمادة 86/2) والتي نصت على أن: (وإذا كان المفتش أنثى يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى تنتدب لذلك).

ولكن يراعى أن تلك القاعدة لا يعمل بها إلا إذا كان التفتيش واقع على أحد عورات الأنثى، أما إذا كان المطلوب هو مجرد تفتيش ما تحمله من حقائب فلا يوجد ما يمنع أن يقوم بهذا الإجراء رجل الضابطة العدلية دون اشتراط ندب أنثى للقيام بهذا الأمر.

أما إذا كان التفتيش واقع على أحد عورات الأنثى فيجب أن يتم انتداب أنثى للقيام بالتفتيش في تلك الحالة، مع ملاحظة أن المشرع لم يشترط شكلاً معيناً أو شروطاً خاصة لأمر ندب الأنثى في هذه الحالة.

8- تفتيش منزل المتهم:

وفقاً للقواعد العامة لا يكون لرجال الضابطة العدلية تفتيش منزل المتهم إلا بناءً على إذن قضائي، أما إذا كان هناك جرماً مشهوداً لأدى ذلك إلى جواز تفتيش منزل المتهم دون حاجة للحصول على إذن بذلك.

ويتقرر هذا الحق لرجال الضابطة العدلية إذا كان الجرم المرتكب قد تم كاملاً أو توقف عند حد الشروع شريطة أن يتوافر في شأنه حالة من حالات الجرم المشهود والتي تم بيانها، وهذا الحق مقرر بموجب (المادة 33) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (إذا تبين من ماهية الجريمة أن الأوراق والأشياء الموجودة لدى المشتكى عليه يمكن أن تكون مدار استدلال على ارتكابه الجريمة فللمدعي العام أو من ينيبه أن ينتقل حالاً إلى مسكن المشتكى عليه للتفتيش عن الأشياء التي يراها مؤدية إلى إظهار الحقيقة).

فيتضح من مطالعة المادة السابقة أن تفتيش منزل المتهم لا يكون إلا للكشف عن الجريمة التي تم ضبط الجاني بها، ومن ثم فلا يجوز أن يتعدى التفتيش للتنقيب عن غير ما يتعلق بتلك الجريمة، فإذا ضبط الجاني وهو يتاجر بآثار فلا يجوز لرجال الضابطة العدلية التفتيش في منزل المتهم عن مواد أخرى غير مشروعة فلا يجوز لهم تفتيش الصناديق الصغيرة والتي لا يتصور أن يوجد بداخلها قطع أثرية.

ولكن يلاحظ أنه لو وجد أحد رجال الضابطة العدلية مواد غير مشروعة في منزل المتهم موضوعة بصورة واضحة أو تم العثور عليها أثناء التفتيش المشروع لأدى ذلك إلى إدانة المتهم عن حيازة تلك المواد والتي تم الكشف عنها أثناء التفتيش، ففي هذه الحالة – وعلى حد تعبير بعض الفقه – تكون الجريمة هي التي سعت إلى رجل الضابطة العدلية وليس هو من سعى لها.

ومن الأمور المسلم بها أنه يجب أن يتم التفتيش بواسطة رجل الضابطة العدلية المختص وإلا كان التفتيش باطلاً، وكذلك يجب أن يكون التفتيش واقعاً على منزل المتهم فقط دون غيره من الشركاء الذين لم تتوافر في شأنهم أحد حالات الجرم المشهود.

وفيما يتعلق بشروط صحة تفتيش منزل المتهم فإنها تتمثل في ضرورة حضور بعض الأشخاص أثناء التفتيش، حيث يتعين حضور وكيل المتهم أو مختار المنطقة أو اثنين من أفراد عائلة المتهم أو شاهدين يستدعيهم المدعي العام، ويتعين على رجل الضابطة العدلية أن يصطحب كاتب أثناء عملية التفتيش سواء أكان موظفاً مختصاً أم شخصاً أخر تم انتدابه ليتولى عملية التدوين.

9- ضبط الأدلة الناتجة عن التفتيش:

يكون لرجال الضابطة العدلية وضع يدهم ومصادرة كل ما يفيد في الكشف عن الجريمة من أدلة تتعلق بها، على أن يقوم رجل الضابطة العدلية بعرض المضبوطات على المتهم أو من ينوب عنه ليستجوبه عن تلك الأشياء.

إعداد المحاميان صهيب مساعدة وأحمد منصور.

[1] أصول الإجراءات الجزائية للدكتور محمد سعيد نمور ص 103

[2] المادة 28 قانون أصول المحاكمات الجزائية

[3] أصول الإجراءات الجزائية للدكتور محمد سعيد نمور ص 104

[4] شرح الإجراءات الجزائية للدكتور عبد الرحمن توفيق احمد ص 82

[5] محمد خالد عبد الجليل، الجرم المشهود دراسة مقارنة، 2017، ص 12، 13.

[6] شرح الإجراءات الجزائية للدكتور عبد الرحمن توفيق ص 83

[7] أصول الإجراءات الجزائية للدكتور محمد سعيد نمور مرجع سابق ص 111

[8] أصول الإجراءات الجزائية للدكتور محمد سعيد نمور مرجع سابق ص 113

[9] الدكتور احمد فتحي سرور ، الوسيط ص 626

[10] شرح الإجراءات الجنائية للدكتور محمد نجيب حسني ص 555

[11] أنظر الأستاذ الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، 1985، ص 494.

[12] أنظر الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، 2011، ص 476.

Scroll to Top