اتحاد الذمة

اتحاد الذمة

إن العلاقة بين الدائن والمدين هي علاقة نتيجة رابطة قانونية، قد تكون عقد أو اتفاق بينهما، المهم أن ينشأ عن تلك الرابطة القانونية أن يكون أحدهما دائن والآخر مدينا، فكلاهما له ذمة مستقلة عن الآخر، وأيا كان سبب تلك الرابطة القانونية فيكون المدين محملا بالتزام تجاه الدائن، وعليه الوفاء بذلك الالتزام.

 وقد تحدث واقعة قانونية يترتب عليها الوفاء بذلك الدين، كالإنابة والتجديد أو الوفاء الاعتيادي أو الوفاء بمقابل، وقد تكون واقعة قانونية يترتب عليها انقضاء هذا الدين كالمنصوص عليها في نصوص المواد (354:340) من القانون المدني الأردني أي المقاصة واتحاد الذمة.

أولا: مفهوم اتحاد الذمة

ثانيا: شروط وموانع اتحاد الذمة

ثالثا: حالات اتحاد الذمة

رابعا: آثار اتحاد الذمة

خامسا: الفارق بين اتحاد الذمة وما يشتبه بها

أولا: مفهوم اتحاد الذمة

يعتبر اتحاد الذمة من الطرق التي استند إليها المشرع الأردني في انقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء إذ نظم أحكامها في نصوص (المواد 354,353) من القانون المدني، وهو ما فعله المشرع المصري إذ نظمها في نصوص (المادة370) من القانون المدني المصري([1]).

ويقصد باتحاد الذمة كما ورد بنص (المادة 353) من القانون المدني الأردني هو اجتماع صفتا الدائن والمدين في شخص واحد لدين واحد، وينتج عنها اتحاد ذمة يؤدي إلى انقضاء علاقة الدائن بالمدين، بوقف المطالبة بالدين.

ثانيا: شروط وموانع اتحاد الذمة

1- شروط تحقق اتحاد الذمة

الشرط الأول: اجتماع صفة الدائن والمدين في شخص واحد

فلقد نصت (المادة 353\1) من القانون المدني الأردني على أن:  ” 1- إذا اجتمع في شخص واحد صفتا الدائن والمدين بالنسبة إلى دين واحد انقضى هذا الدين بالقدر الذي اتحدت فيه الذمتان”.

وهو ما نصت عليه المادة (370\1) من القانون المدني المصري على أنه: ” 1- إذا اجتمع في شخص واحد صفتا الدائن والمدين بالنسبة إلى دين واحد، انقضى هذا الدين بالقدر الذي اتحدت فيه الذمة”.

أي أنه يشترط لقيام اتحاد الذمة أن يتواجد شخص تتوفر فيه صفتين وهو الدائن والمدين، وهو على عكس المعهود والمتعارف عليه، إذ أن التصرف القانوني يكون بين شخصين أحدهما يقع عليه التزام لصالح الآخر، ولكن في هذه الحالة يمثل الشخص طرفا التصرف القانوني ليصبح شخصا واحدا له حق وعليه دين أي دائن ومدين في ذات الوقت، فإذا تحققت هذه الحالة عرف باتحاد الذمة .

الشرط الثاني:  أن ينصب الالتزام على دين واحد

فلم يكتفي المشرع الأردني باجتماع صفتا الدائن والمدين في شخص واحد فقط بل أيضا لابد وأن يكون الدين الذي يجتمع من أجله الصفتان واحد وليس أكثر, لأن وجود الالتزام الواحد يجعل أحد الطرفين يخلف الطرف الآخر فيه, فيترتب على اجتماع صفتا الدائن والمدين في نفس الشخص انقضاء الدين, كما هو الحال في عقد الإيجار ” إذ أن اجتماع صفتا المستأجر والمشتري للعين المؤجرة في شخص واحد لا يقوم به حالة اتحاد الذمة بالنسبة لعقد الإيجار فينقضي بها إلا إذا ترتب علي الشراء حلول المشتري محل المؤجر في هذا العقد بالذات, لأنه بذلك يجتمع في المشتري بالنسبة لهذا العقد صفتا المستأجر والمؤجر”([2]).

2- موانع اتحاد الذمة

أ- إذا كان الدائن وارثا للمدين وله دين في التركة

لقد نص المشرع الأردني في الفقرة الثانية من (المادة 353) على حالة لا تتم فها اتحاد الذمة وهي ” 2- ولا يتم اتحاد الذمتين إذا كان الدائن وارثا للمدين ويشترك مع باقي الدائنين في اقتضاء دينه من التركة”.

هذا ويلاحظ أن المشرع الأردني كان دقيقا في هذه المادة عندما نص على هذه الحالة على عكس المشرع المصري الذي لم يذكرها في نص (المادة370).

إذ أنه في حالة إذا ما كان الدائن أحد ورثة المدين، فيكون له دين وتركة في ذات الوقت، والقاعدة التي تنص على أن ” لا تركة إلا بعد سداد الديون” ، فطبقا لهذه القاعدة فانه يتم سداد الديون أولا فيأخذ الدائن دينه، ثم بعد ذلك توزع التركة، فيأخذ الدائن نصيبة من التركة مع باقي الورثة، وفي هذه الحالة نكون أمام وفاء للدين لأن الدائن قد اقتضى دينه من التركة أولا تطبيقا لقاعدة ” لا تركة إلا بعد سداد الديون”.

ب- إذا أوصى المدين بجزء من التركة للدائن

فإذا كان المدين قد أوصي للدائن بجزء من التركة ففي هذه الحالة يكون الدائن صاحب دين وموصى له في ذات الوقت، وتطبيقا للقاعدة السابقة” لا تركة إلا بعد سداد الديون” ، فإنه يتقاضى أولا الدائن دينة تنفيذ للقاعدة، ثم يأخذ الجزء الذي أوصى به المدين له من التركة، وفي هذه الحالة يمتنع اتحاد الذمة، لأنه قد تم الوفاء بالدين قبل تنفيذ الوصية.

ثالثا: حالات اتحاد الذمة

لقد نظم المشرع الأردني اتحاد الذمة في نص المادتين(354,353) من القانون المدني إلا أنه لم يتناول الحالات التي تتم فيها اتحاد الذمة، إلا أن الفقه قد تناول هذه الحالات وقسمها إلى نوعين، حالات تتحد فيها الذمة بعد الوفاة وحالات قبل الوفاة:

1- حالات اتحاد الذمة بعد الوفاة

غالبا ما تكثر حالات اتحاد الذمة وخاصة بعد الوفاة، ومن الطبيعي أن يكون الميراث والوصية:

أ- الميراث

وتتحقق اتحاد الذمة بسبب الوفاة عن طريق الميراث، وله صورتان:

الصورة الأولي: إذا لم يكن للدائن وريث سوى المدين

ففي هذه الحالة يرث المدين الدائن ويصبح عليه دين وله ميراث حيث إنه الوارث الوحيد، ومعنى ذلك اتحاد الذمة أي تحققت فيه صفة الدائن والمدين في ذات الوقت، وبالتالي تتعطل المطالبة بالدين لأنه بميراثه أصبح دائنا لنفسه بعد أن كان مدينا، ويترتب على ذلك انقضاء الدين، ولكن ليس بالوفاء، ولكن وقف نفاده، كما في حالة الأب الذي يتوفى ويترك ابن مدين فيرثه وبالتالي يصبح دائنا ومدينا في ذات الوقت، فتتحد الذمة، وتوقف المطالبة بالدين([3]).

الصورة الثانية: إذا ورث الدائن المدين، وهي حالة انتفاء اتحاد الذمة

ففي هذه الحالة أن للدائن دينا في ذمة المدين وفي ذات الوقت له ميراث من المدين, أي نصيب من التركة, والقاعدة الشرعية” لا تركة إلا بعد سداد الديون”, أي وجب على الدائن أن يأخذ دينه أولا قبل توزيع التركة, وبذلك ينقضي الدين بالوفاء به من التركة, ثم يأخذ الدائن نصيبه من التركة مع باقي الورثة, وفي هذه الحالة نكون أمام وفاء لا اتحاد ذمة لأنه انقضى دين الدائن من التركة, وبالتالي ليس هناك اتحاد ذمة, كما في حالة الأب (الدائن) الذي يرث ابنه (المدين) فتنتفي هنا اتحاد الذمة لأن الأب يستوفي دينه أولا من التركة ثم بأخذ نصيبه من الميراث مع باقي الورثة فيتم الوفاء بالدين, فليس هناك اتحاد ذمة, وهي الحالة التي نص عليها المشرع الأردني في (المادة353\2) على أن: “2- ولا يتم اتحاد الذمتين إذ كان الدائن وارثا للمدين ويشترك مع باقي الدائنين في اقتضاء دينه من التركة”([4]).

ب- الوصية

وتعرف الوصية بأنها تصرف مضاف إلى ما بعد الموت، فلا يجوز أن يكون هناك وصية إلا بعد الوفاة، حتى لو قام الموصي بكتابتها فلا تنفذ إلا بعد الموت.

ويتحقق اتحاد الذمة في حالة الوصية في ثلاث صور:

الصورة الأولى: إذ أوصى الدائن بدينه كله أو جزء منه للمدين، فبذلك يصبح المدين دائنا ومدينا في ذات الوقت وتجتمع فيه صفتا الدائن والمدين أي تتحد ذمته، ويترتب على ذلك انقضاء الدين كله أو في حدود الجزء الموصي به باتحاد الذمة.

الصورة الثانية: في حالة إذا أوصى الدائن بجزء على الشيوع من التركة لمدينه كأن يكون الربع مثلا، ففي هذه الحالة يكون المدين دائنا في حدود ما أوصى به الدائن أي الربع فيصبح دائنا ومدينا في حدود الربع، ويترتب على ذلك انقضاء الدين في حدود الربع الموصي به، ويظل مدينا بثلاثة أرباع الدين الباقية من التركة([5]).

  الصورة الثالثة: وهي من موانع اتحاد الذمة، وعلى عكس الحال يوصي المدين هنا وليس الدائن، بجزء من التركة للدائن كالربع مثلا، ففي هذه الحالة يكون الدائن دائنا وفي ذات الوقت موصى له في حدود ربع التركة، فطبقا للقاعدة الشرعية ” لا تركة إلا بعد سداد الديون”, فانه يقوم الدائن بأخذ دينه أولا أي يتم الوفاء بالدين، ثم بعد ذلك يأخذ نصيبه من التركة الموصي له به في حدود الربع، وبالتالي تنتفي اتحاد الذمة لأن الدين انقضى عن طريق الوفاء.

2- حالات اتحاد الذمة قبل الوفاة أو بين الأحياء

وتتم مثل هذه الحالات بين طرفا العقد (الدائن والمدين), كما في عقد القرض الذي تعقده شركة مع أخرى لبيع سند، ثم تقوم ذات الشركة وتشتري هذا السند فتصبح دائنا ومدينا في ذات الوقت بشرائها هذا السند، أي تتحد الذمة، ويترتب على ذلك انقضاء هذا السند باتحاد الذمة.

وكذلك في حالة إذا ما اشترى المستأجر العين المؤجرة فيصبح دائنا لنفسه ومدينا في ذات الوقت أي يتوافر في شأنه وصف الدائن والمدين أي اتحاد الذمة الذي يترتب عليه انقضاء الدين باتحاد الذمة([6]).

رابعا: آثار اتحاد الذمة

1- الآثار في حالة بقاء سبب اتحاد الذمة

لقد نصت الفقرة الأولى من (المادة353) من القانون المدني الأردني على أن: ” إذا اجتمع في شخص واحد صفتا الدائن والمدين بالنسبة إلى دين واحد انقضى هذا الدين بالقدر الذي اتحدت فيه الذمتان”.

ويُفهم من هذه المادة كما أوضحنا أنه يترتب على اتحاد الذمة أن ينقضي الدين بالقدر الذي اتحدت فيه الذمتان، إذ أنه يستحيل مطالبة المدين بدين انقضى، لأنه لا يمكن أن يطالب الشخص نفسه بعد أن اتحدت ذمته، فأصبح هو دائنا ومدينا في ذات الوقت، والانقضاء هنا بمعنى وقف المطالبة به، إذ لا يجوز مطالبة شخص يحمل صفة الدائن والمدين في وقت واحد([7]).

وينطبق هذا الوضع سواء كان المدين قد ورث نصف التركة فينقضي بقدر الحصة التي ورثها أي النصف، ويطالبه الدائن بالنصف الآخر، وكذلك في حالة المدينين المتضامنين فإذا ورث أحدهما جزء من التركة فينقضي الدين في حدود هذا الجزء فقط وليس دين باقي المتضامنين.

2_ الآثار في حالة زوال سبب الاتحاد

إن انقضاء الدين مرتبط بوجود سبب اتحاد الذمة، فهو يرتبط به وجودا وعدما، بحيث إذا زال سبب اتحاد الذمة دون أثر رجعي، بأن كان المدين لم يعد وارثا أو لم تنفذ الوصية ففي هذه الحالات يعود الدين إلي الوجود من جديد دون التأمينات المقدمة من الغير (كالكفالة).

 ولو كان الزوال بأثر رجعي فيعتبر اتحاد الذمة كأن لم يكن ويعود الحق في المطالبة بالدين من جديد هو وتأميناته، كما هو الحال في حالة لو أوصى الدائن للمدين( الموصي له) ثم توفى الموصي ففي هذه الحالة تتحد الذمة، ثم يصدر حكم ببطلان الوصية ففي هذه الحالة يرجع الدين في ذمة الموصي له (المدين ) كما كان محملا بتأميناته، وهو ما نصت عليه (المادة354) من القانون المدني الأردني على أن: ” إذا زال سبب اتحاد الذمتين بأثر رجعي عاد الدين إلى ما كان عليه من قبل”.

وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه: ” أن مفاد نص المادة(370) من القانون المدني يدل على أنه إذ اجتمع في شخص واحد صفتا الدائن والمدين بالنسبة إلى دين واحد انقضي هذا الدين بالقدر الذي اتحدت معه الذمة وإذا زال السبب الذي أدى لاتحاد الذمة وكان لزواله أثر رجعي عاد الدين إلي الوجود هو وملحقاته بالنسبة لذوي الشأن جميعا ويعتبر اتحاد الذمة كأن لم يكن…………… “([8]).

خامسا: الفارق بين اتحاد الذمة وما يشتبه بها

لعل أقرب ما يشتبه باتحاد الذمة هي المقاصة، فينص المشرع الأردني عليها في (المادة343) من القانون المدني على أنه: ” المقاصة إيفاء دين مطلوب لدائن بدين مطلوب منه لمدينه”.

فهي تعني : انقضاء دينين متقابلين في حال تساويهما أو في حال تفاوتهما بمقدار الأقل منهما، فيكفي تلاقي دين واجب الأداء مع دين مستحق الوفاء لتقع المقاصة بين الدينين بمقدار الأقل منهما في حال التفاوت أو سقوطهما معا في حال التساوي”([9]).

أي أنه إذ أصبح المدين دائنا للدائن وذلك بتلاقي دين واجب عليه مع دين مستحق الوفاء فتقع المقاصة بين الدائنين بمقدار الأقل منهما في وقت استحقاق الأخير([10]).

ويتضح من ذلك أن المقاصة كاتحاد الذمة هي سبب من أسباب انقضاء الالتزام، فيترتب عليها انقضاء الدينين (دين الدائن والمدين) على نحو ما بينت (المادة345) على أن: ” يشترط في المقاصة الجبرية أن يكون كلا الطرفين دائنا ومدينا للآخر وأن يتماثل الدينان جنسا ووصفا واستحقاقا وقوة وضعفا وإلا يضر إجراؤها بحقوق الغير”.

 وتختلف عنها في أنها تقوم على فكرة أن يكون كلا منهما دائن ومدين للآخر في نفس الوقت،  على عكس اتحاد الذمة فالهدف منها أن تجتمع صفة الدائن والمدين في شخص واحد منهما.

كتابة : د عبد المنعم الشرقاوي

([1]) القانون المدني المصري رقم (131), نشر هذا القانون في الوقائع المصرية في العدد (108) بتاريخ 29تموز لسنة1948

([2]) حكم نقض مصري, طعن رقم\11460لسنة85ق, جلسة 24\12\2016, حكم نقض, طعن رقم\4329لسنة64ق, جلسة27\2\1996, مجموعة مكتب فني, س 47, ص373.

([3]) د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني الجديد” نظرية الالتزام بوجه عام, منشورات الحلبي الحقوقية, بيروت, 1998, ص226.

([4]) د. جميل الشرقاوي, النظرية العامة للالتزام, (أحكام الالتزام), الكتاب الثاني, بدون طبعة, القاهرة, دار النهضة العربية, 1995, ص329.

([5]) د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني الجديد” نظرية الالتزام بوجه عام, مرجع سابق.

([6]) د. أنو سلطان, النظرية العامة للالتزام, أحكام الالتزام, دار المطبوعات الجامعية, الإسكندرية, 1997, ص133.

([7]) د. ومضان أبو السعود, أحكام الالتزام, دار المطبوعات الجامعية, الإسكندرية, 1998, ص123.

([8]) حكم نقض مصري, طعن رقم\2571لسنة72ق, جلسة28\4\2014, مجموعة مكتب فني.

([9]) د. مصطفى أحمد الزرقا, نظرية الالتزام العامة, ط1, دار الحياه, دمشق, 1964, ج2, ص416,415., د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني الجديد, ط3, بيروت لبنان, 2000, ج3, ص874,873.

([10]) د. محمد كمال عبدالعزيز, التقنين المدني في ضوء القضاء والفقه, مكتبة القاهرة الحديثة, ص313.

Scroll to Top