بطلان الإجراءات في الدعوى الجزائية

بطلان الإجراءات في الدعوى الجزائية

بطلان الإجراءات من أهم المواضيع القانونية في مختلف فروع القانون من حيث أصوله وتطبيقاته والدور الذي يؤديه، فالبطلان نظرية مهمه جدا في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، بحيث تساعد المختصين من رجال القانون للوصول الى الضمانات والإجراءات الشرعية والقانونية التي تحمي المصالح الفردية والاجتماعية، وتقيم التوازن العادل بينهما، من اجل ضمان وتحقيق محاكمة عادلة.

ولكون قانون أصول المحاكمات الجزائية عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية الشكلية التي تتولى تنظيم ممارسة السلطة القضائية نشاطها في مجال التيقن من نوع الجريمة، والتثبت من معرفة مرتكبيها وإخضاعه للعقوبة الجزائية المنصوص عليها، لذا يجب التأكد من مراعاة الشكل القانوني في كل عمل إجرائي تقوم به الجهات المعينة القضائية المختصة سواء ما تعلق بشق التكليف أو شق الجزاء.[1]

المطلب الأول: ماهية البطلان

المطلب الثاني: أسباب البطلان.

المطلب الثالث – أنواع البطلان

المطلب الرابع: آثار الدفع بالبطلان.

وسنقوم بتقسيم هذا المقال الى أربع مطالب سنتحدث في المطلب الأول عن ماهية البطلان وفي المطلب عن أسباب البطلان والمطلب الثالث عن أنواع البطلان وفي المطلب الأخير ستحدث عن آثار الدفع بالبطلان.

المطلب الأول: ماهية البطلان

 البطلان هو عبارة عن جزاء على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة باي إجراء جوهري والبطلان يترتب عليه انعدام الأثر القانوني الذي نصت علية القاعدة الإجرائية لان العمل الإجرائي المتخذ بناء علية لم يستكمل شروط صحته، أو شكله، أو صيغته، أو الكيفية المنصوص عليها في القانون، فيصبح الإجراء وما يترتب عليه من إجراءات لا قيمه لها قانونا.

اتجاهات رئيسيه في نظرية البطلان:

تبنت التشريعات الجزائية اتجاهين رئيسين في نظرية البطلان هما، مذهب البطلان القانوني ومذهب البطلان الذاتي.

1 البطلان القانوني

مقتضاه ان ينص القانون على الأحوال التي يتقرر فيها البطلان كجزاء لعدم مراعاة القواعد الإجرائية، فلا بطلان بغير نص في القانون، ويترتب على ذلك أمران هما:

الأمر الأول _ لا يجوز للقاضي ان يقرر البطلان كجزاء لمخالفة قاعدة لم يقرر المشرع لها هذا الجزاء.

الأمر الثاني _ لا يجوز للقاضي الامتناع عن القضاء بالبطلان في الأحوال التي قررها المشرع.

وتبدو أهمية هذا المذهب في حصره لحالات البطلان بحيث لم يترك مجالا للخلاف في الراي حول نصيب الإجراء من الصحة أو البطلان، فقد استبعد المشرع أيه سلطة تقديرية للقاضي في هذا الشأن.[2]

2- البطلان الذاتي.

ويستلزم هذا المذهب الا ينص المشرع الجزائي على أحوال البطلان على سبيل الحصر، وان نص عليها في بعض الحالات على سبيل المثال لا الحصر ويترك للقاضي تقييم العمل الإجرائي واستخلاص غرض المشرع من وراء تقريره، فاذا كان تنظيما بقصد الإرشاد والتوجيه أو مراعاة لأوضاع معينة بعيده عن صحة العمل الإجرائي ولا يترتب عليه تحقيق ضمانات معينه للصالح العام أو لصالح الخصوم، فان عدم مراعاة القاعدة الإجرائية التي تتضمنه لا يترتب عليه أي بطلان، لأنه ليس جوهريا في التحقيق أو الدعوى. أما إذا كان الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو أحد الخصوم، فهو أجراء جوهري وبالتالي يترتب على عدم مراعاة القاعدة الإجرائية التي تتضمنه جزاء البطلان. [3]

المطلب الثاني: أسباب البطلان.

ذكرنا سابقا ان البطلان هو عبارة عن جزاء على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة باي إجراء جوهري، وان الأحكام المتعلقة باي إجراء جوهري قد تكون شكلية وقد تكون موضوعية.

حيث ان أسباب البطلان إما ان تكون أسباب شكلية أو تكون أسباب موضوعية على النحو الاتي:

أولا – الأسباب الشكلية للبطلان

ان العمل الإجرائي يجب ان يصاغ بالشكل الذي حدده القانون وان لم يتم بهذا الشكل فان القانون لا يأخذ به ، طالما انه تم بشكل غير قانوني والقاعدة العامة تنص على ان الإجراءات الأصل فيها الصحة طالما أنها روعيت وبوشرت بشكل صحيح ومن يدعي خلاف ذلك علية إثباته ، لكن الأمر يدق حين نفرق بين العمل الإجرائي الجوهري وغير الجوهري ، فالعمل الجوهري هو العمل الإجرائي الذي أوجب القانون مراعاته وكان يترتب على تخلفه تحقيق الغاية منه ، إما العمل غير الجوهري فهو الذي أوجب القانون مراعاته وكان لا يترتب على تخلفه عدم تحقق الغاية منه لو لم يوجب القانون مراعاته ، وإنما جعل امر مباشرته جوازاي.[4]

ومن الأمثلة على الأعمال الإجرائية الجوهرية حصول أذن من النيابة العامة للتفتيش سواء تفتيش الأشخاص أو تفتيش المساكن وعدم جواز تفتيش الأنثى الأمن قبل أنثى.

ومن الأمثلة على الأعمال غير الجوهرية ذكر محل ولادة وموطن المشتكى علية أو ذكر مهنته في قرار المدعي العام.

فالأعمال الجوهرية هي أعمال شكلية والشكل هو الوسيلة التي يتم بها العمل الإجرائي فهو أحد مقوماته التي لا يوجد بدونها، وللشكلية ما يبررها فهي أولا أداه تطمئن الأفراد سلفا الى الأثار القانونية المترتبة على نشاطهم وثانيا تدعو الى التروي والتفكير قبل الإقدام على العمل القانوني.[5]

ثانيا _ الأسباب الموضوعية للبطلان.

يتطلب القانون لصحه البطلان مباشرته من قبل شخص عاقل بالغ راشد كامل الحرية والاختيار، وتتمثل الأسباب الموضوعية للبطلان بالتالي:

  • التحقق من وقوع جريمة محدد بنص القانون وفق ما نصت علية المادة الثالثة من قانون العقوبات الأردني (لا يقضى باي عقوبة لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة) وهذا هو ما يسمى بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وهذا ما أكده الدستور الأردني في المادة الثامنة منه (لا يجوز ان يوقف أحد أو يحبس الا وفق أحكام القانون)
  • ان يكون الشخص مسؤولا جزائيا، وهذا يتطلب ان يكون العمل إراديا ينصرف الى إحداث الواقعة دون أثرها، فالإرادة ذات أهمية جوهرية في الأعمال الإجرائية، والإرادة لا تكون الا للإنسان لان القانون لا يعتد بها الا إذا كانت واعية وتوافر لها شرط التمييز وحرية الاختيار فان انتفى أحد هذين الشرطين أو كلاهما تجردت الإرادة من القيمة وتوافر بذلك مانع من موانع المسؤولية.
  • الأهلية الإجرائية ويقصد بها صلاحية الشخص لمباشرة عمل إجرائي معين سواء أكانت أهلية عامة تتعلق بالخصومة الجنائية المتمثلة في النيابة العامة والمتهم، وأهلية خاصة تتعلق بأعمال الخصومة الخاصة الصادرة عن المتهم والمدعي بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية.[6]
  • المحل يشترط لصحة الإجراء ان ينصب على محل معين سواء أورد على شخص أو على شيء كما هو الحال في التفتيش فهو لا يرد الا على شخص أو مسكن معين، وكذلك انتداب لمأمور الضبط للتحقيق فهو لا يرد الا على إجراء معين.
  • السبب يشترط في العمل الإجرائي ان يتم وفق سبب معين ويقصد بالسبب المقدمات والظروف التي تبرر العمل الإجرائي.

ويترتب على تخلف احدى هذه الشروط الموضوعية ان يكون الإجراء غير قادر على إنتاج الأثر القانوني الذي نص عليه من اجل تحقيقه مما يؤدي للبطلان.

المطلب الثالث – أنواع البطلان

يقسم البطلان الى نوعين هما البطلان النسبي والبطلان المطلق

أولا _ البطلان المطلق.

هو البطلان المتعلق بالنظام العام والذي يترتب على مخالفة القواعد الخاصة بالإجراءات الجوهرية به المتعلقة بالنظام العام. [7]

ومن الأمثلة على البطلان المطلق في القانون الأردني ما نصت علية المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (لا يجوز لقاضِ أن يحكم بالدعوى التي تولى وظيفة النيابة العامة فيها)

والأحكام المتعلقة بحقوق الدفاع بالاستعانة بمحامي قبل استجوابه

والبطلان يتميز بالخصائص التالية:

  • يجوز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مره أمام محكمة التمييز ما دام ان ذلك لا يتطلب تحقيقا موضوعيا.
  • تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها ودون حاجة الى طلب من الخصوم
  • يحق لكل صاحب مصلحة ان يتمسك به في جميع مراحل الدعوى
  • لا يجوز التنازل عنه صراحة أو ضمنا فلا يصح التنازل من جانب صاحب المصلحة التي يستهدف الإجراء حمايتها.

ثانيا_ البطلان النسبي.

هو البطلان الذي يترتب نتيجة عدم مراعاة الأحكام الإجرائية المتعلقة بمصلحة الخصوم، أي انه البطلان الذي ينشا عن مخالفة قاعدة غير متعلقة بالنظام العام وان كانت جوهرية في إظهار الحقيقة.

وبالرجوع الى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وباستقراء نص المادة 36 من القانون الخاصة بضرورة حضور المشتكى علية المراد تفتيش منزله لصحة التفتيش والمادة 95 من ذات القانون التي نظمت كشف ضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة وتوقيعه ممن نظمه وحضره أو ضبطه وإحضاره بحيث يجب ان يشمل هذا القرار على اسم المشتكى علية وعمره والفعل المسند اليه وتاريخ وقوعه ونوعه ووصفه القانوني والأسباب التي دعت لإعطاء هذا القرار.

ويتميز البطلان النسي بعده خصائص وهي:

1 انه قابل للإجازة والتصحيح من طرف من تقرر هذا البطلان لمصلحته سواء أكان هذا القبول صريحا ا ضمنيا.

2 ان التمسك بالبطلان النسبي لأجراء ما ليس من شانه ان يقضي فعلا الى تقرير هذا البطلان من جانب المحكمة ذلك لان المحكمة تملك في صدد الإجراء الباطل نسبيا ان تبقي علية مع تصحيحه.

3 ان البطلان النسبي لا يقبل الدفع به الا من جانب الخصم صاحب المصلحة المباشرة في ذلك دون باقي الخصوم، فالمتهم الذي تم تفتيشه وتفتيش مسكنه بإجراءات غير مشروعة هو صاحب المصلحة بالدفع ببطلان هذا التفتيش دون غيره لكن يشترط الا يكون هذا المتهم قد ساهم أو تسبب بوقوع الإجراء الباطل. وبالنسبة للمشرع الأردني نلاحظ انه لم يعتنق أي نظرية في البطلان.

المطلب الرابع: آثار الدفع بالبطلان.

أولا- إثر البطلان على الإجراء ذاته

القاعدة انه متى تقرر البطلان على الإجراء زالت عنه آثاره القانونية فيصبح كان لم يكن مما يترتب عليه إهدار الدليل المستمد منه وعلية فلو تقرر بطلان اعتراف المتهم فلا يجوز الاستناد الى هذا الاعتراف بالإدانة، وكذلك الحال في بطلان تفتيش المسكن أو شهادة الشاهد أو تقرير الخبرة فلا إثر لهذه الإجراءات ولا قيمة لها ولا يجوز ان تعول المحكمة حكمها عليهم.

والأصل ان البطلان لا يؤثر في صحة الأدلة المنفصلة عن الإجراء الباطل فاذا ثبت ان القبض على المشتكى علية صحيح ومستقل عن واقعة تفتي منزله التي تمت دون مبرر وبدون حضوره أو حضور من يمثله أو حضور شهود فلا يوجد ما يحول دون القبض علية كأجراء صحيح ومبرر مستقل. [8]

ثانيا – إثر البطلان على الإجراءات السابقة عليه.

الأصل ان الإجراء الباطل لا يمتد أثره الى الإجراءات القانونية السابقة علية لان هذه الإجراءات تواجدت قانونا، دون ان تتأثر في وجودها بالأجراء الذي تقرر بطلانه، وعلية فان بطلان الحكم لعدم التسبب لا يترتب علية بطلان إجراءات نظر الدعوى والمرافعة التي تمت صحيحة قبل الإجراء الباطل ودون التأثير أو الارتباط به.

ثالثا_ إثر البطلان على الإجراءات اللاحقة علية.

البطلان باعتباره جزاء إجرائيا لا يمتد الا الى الأعمال التالية له والمترتبة عليه والمرتبطة به، لان بطلان العمل السابق علية بمثابة عيب في صحته دون الأعمال الإجرائية السابقة علية.

إعداد المحامي المتدرب: صهيب مساعدة

إشراف: المحامي سامي العوض

[1] الوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية د. محمد صبحي نجم ص370

[2]380 الوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية د. محمد صبحي نجم ص

[3]مرجع سابق [3]380 الوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية د. محمد صبحي نجم ص

[4] الدكتور عبد الحميد الشواربي البطلان الجنائي ص26

[5]387 لوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية د. محمد صبحي نجم ص

[6] الدكتور احمد فتحي سرور نظرية البطلان ص 502

[7] الدكتور محمد نجيب حسني الإجراءات الجنائية ص 348

[8]395 مرجع سابق لوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية د. محمد صبحي نجم ص 101

Scroll to Top