حصانة المحامي في القانون الأردني

حصانة المحامي في القانون الأردني

المحاماة مهنة عريقة، ذات تاريخ عتيق، لا يمتهنها إلا رجالها، ولا يرعى حماها إلا فرسانها، كيف لا وهي ناصرة المظلومين الآخذة على يد الظالمين، إظهارا للحق، وإقامةً للعدل الذي أمرنا بالتزامه رب العالمين في القران العظيم على لسان رسوله الأمين.

من هذا المنطلق، فالمحاماة تحظى بأهمية بالغة، ولأنها كذلك، كان لزاما ان يمتاز رجالها وفرسانها بحماية وحصانة تعينهم لأداء رسالة المحاماة على أكمل وجه، والحصانة بمدلولها الواسع تنصرف الى إعفاء من يتمتع بها من الحدود والقيود ما يعينه، أقصد المحامي، على ممارسة مهنته وعلى قول الحق في وجه السلطة والمناداة بتطبيق العدل في وجه الظالم والمعتدي.

أهمية الحصانة للمحامي

أشكال حصانة المحامي

حصانة المحامي في التشريعات المقارنة

الحصانة في القانون تعني إعفاء من يتمتع بها من سريان القانون الجزائي بالنسبة له، أو تقييد ملاحقته حيثما يؤدي وظيفته.

وللحصانة أشكال، منها ما هو موضوعي ونعني بذلك حماية الشخص الذي يتمتع بها من بعض الملاحقات الواجبة في القانون عن أفعال معينة، أيضا، منها ما هو إجرائي وتكون بوجود حماية قانونية للشخص الذي يتمتع بها بحيث لا تتخذ بحقة بعض الإجراءات القضائية العادية و/أو تعليق هذه الإجراءات على بعض الشروط لكي تكون الملاحقة صحيحة.

أهمية الحصانة للمحامي

من المعلوم أن يمتهن المحاماة فهو إنما يمتهن مهنة تحفها المخاطر، كيف لا وهو يقف في وجه الظلم دفاعا عن حق المظلوم، فكان لزاما ان يتمتع بحصانة تكون له وجاء من المخاطر المحتمل التعرض لها، حصانة تحفظ هيبة المحامي وكرامته.

ان المحامي جزء لا يتجزأ من منظومة العدالة وأعوانها، كما أكد ذلك قانون نقابة المحامين في المادة السادسة منه، (فالقضاء والمحاماة فرعان من شجرة واحدة في دوحة واحدة هي دوحة العدالة، إذا زكا فرع زكا الفرع الآخر، وإذا ضعف فرع ضعف معه الفرع الآخر) [1]

وعليه، فان شعور المحامي عند الدفاع عن موكله وحقيق مصالح الناس بأنه معرض للتوقيف أو للاتهما سيجعل مهمته تلك أكثر صعوبة وتعرض حقوق الناس ومصالحهم الى الضياع، وسيشعر المحامي بأن سيف الملاحقة والاتهام مسلط عليه دائما، فكان لزاما فرض حصانة تحيط المحامي حماية وتعينه على أداء مهنته على أكمل وجه أتم طريقة، مما يدفعه ويشحذ همته للدفاع عن حقوق الناس ورد المظالم الى أهلها.

أشكال حصانة المحامي

سبق وأن ذكرنا بأن حصانة المحامي يمكن تصورها على شكلين، حصانة موضوعية وحصانة أخرى إجرائية.

الحصانة الموضوعية للمحامي:

يمكن تصور هذا الشكل من الحصانة من خلال نص المادة 58 من قانون نقابة المحامين، إذ جاء فيها ” على المحامي ان يمتنع عن سب خصم موكله أو ذكر الأمور الشخصية التي تسيء اليه ….. مالم يستلزم ذلك حالة الدفاع أو ضرورة الدفاع عن موكله “

أيضا نجد هذا الشكل من الحصانة واردا في المادة 39 من قانون نقابة المحامين، إذ جاء فيها ” …. لا يكون المحامي مسؤولا عما يورده في مرافعاته كتابة أو شفاهه مما يستلزمه حق الدفاع، كما لا يكون مسؤولا عن الاستشارات التي يعطيها عن حسن نية “

وعليه، فإن المحامي إذا صر عنه أثناء دفاعه عن موكله ما يسيء لخصمه، فما صدر منه لا يشكل جرما ولا يوجب ملاحقته شريطة ان تصدر هذه الأفعال أثناء دفاعه عن موكله أو لضرورة إتيانها.

ولا يمكن القول بأن هذه الحماية الضعيفة هي في حقيقتها حصانة للمحامي، فلا يمكن لأحد ان يحدد معيار الضرورة المذكور في النص، لان لكل محام أسلوبه الخاص في دفاعه عن موكله، ولاختلاف وتنوع القضايا في حيثياتها وتفصيلاتها، فيعود الأمر للمحكمة كسلطة تقديرية في تحديد ذلك المعيار ويمكننا أن نشبّه هذه الحماية بغشاءِ حصانةٍ رقيق يحيط بالمحامي.

وأرى ان يتمتع المحامي بالحصانة التي فرضها الدستور الأردني لأعضاء مجلس الأمة، فعلى إثر نص المادة 87 من الدستور الأردني التي منحت أعضاء مجلس الأمة حصانة حقيقة، إذ جاء النص فيها على أنه ” لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي للمجلس الذي هو منتسب اليه، ولا يجوز مؤاخذة العضو بسبب أي تصويت أو راي يبديه أو خطاب يلقيه أثناء جلسات المجلس”

 وجب أن يتمتع المحامي بذات الحصانة وأن يضاف نص شبيه بهذا الى قانون نقابة المحامين مما يجعل المحامي في الأردن متمتعا بحصانة حقيقة تعينه على أداء مهنته.

الحصانة الإجرائية للمحامي:

يظهر هذا الشكل من الحصانة في المادة 40 من قانون نقابة المحامين، وتتفرع الحصانة حسب هذا النص الى ثلاثة أشكال:

عدم جواز توقيف المحامي أو ملاحقته

إذ جاء في المادة 40 الفقرة الأولى منها ما يأتي: ” على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر يتمتع المحامي لدى المحاكم والدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها بالحرية التامة بحيث لا يجوز توقيفه أو تعقبه من اجل أي عمل قام به تأدية لواجباته المهنية ولا يتعرض المحامي تجاه هذه المحاكم والدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها الا للمسؤولية التأديبية وفق أحكام هذا القانون “

في كثير من الحالات ، لا نجد تطبيقا لهذا النص ولا إعمالا في مواجهة المحامي ، ويتضح ذلك من خلال الممارسات العملية في المحاكم والدوائر الرسمية ، وهنالك العديد من القرارات الصادرة عن المحاكم تتعدى هذا النص وتغفل عن تطبيقه و إعماله ، ومن الأمثلة على ذلك كثير ، منها ما جاء في قرار محكمة بداية عمان بصفته الاستئنافية رقم 1354/2016 ، إذ جاء فيه ” وفيما يخص حصانة المحامي فان محكمتنا تجد وان كان يخضع المحامي للمسؤولية التأديبية فان ذلك لا يغل يد القضاء عن نظر أي جرم جزائي يرتكب أثناء المحكمة ومنها قانون انتهاك حرمة المحاكم “

أيضا، لا نجد تعريفا للمعيار أو طبيعته الذي يحدد أن ما قام به المحامي أثناء عمله هو ضمن واجباته المهنية الذي ورد في نص المادة 40 من قانون نقابة المحامين، فيبقى الأمر بيد المحكمة وسلطتها التقديرية في تحديد ذلك، ويصبح إعمال هذا النص إعمالا ضيقا حَرَجا كأنما يصعّد في السماء!

ومن الأمثلة على ذلك أيضا ، ما جاء في قرار محكمة بداية اربد بصفتها الاستئنافية رقم 131/2011 إذ جاء فيه : ” نجد بانه في حال اقدم  المحامي أثناء ممارسة مهنته عل فعل من شأنه ان يشل جرما يعاقب عليه القانون فان ذلك لا يحول دون ملاحقته عن ذلك على اعتبار انه لا احد فوق القانون بالإضافة الى ان ذات المادة أشارت في الفقرتين 4 ، 5 منها الى ضرورة إبلاغ النقيب في حال الشروع في التحقيق باي شكوى أو في حال الجرم المشهود مما يعني ان الملاحقة الجزائية للمحامي أمر جائز ولا يتعارض مع أحكام المادة 40 من قانون نقابة المحامين النظاميين “

تمتع المحامي بالرعاية والاهتمام اللائقين بكرامة المحاماة

جاء في المادة 40 من قانون نقابة المحامين في الفقرة الثانية منها، انه: ” يجب ان ينال المحامي الرعاية والاهتمام اللائقين بكرام المحاماة من المحاكم والنيابات بجميع درجاتها ودوائر الشرطة وكافة الدوائر والمراجع الرسمية التي يمارس مهنته أمامها وان تقدم له كافة التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه ولا يجوز إهمال طلباته بدون مسوغ قانوني “

إن أهم ما يعتري نص المادة 40 بفقراته، أنه لا يرتب جزاء على مخالفته، بالرغم من أن لهجة النص وصيغته جاءت آمرة، الا انه لابد من رادع يوجب احترام هذا النص بالتالي تحقيق الحصانة المأمولة للمحامي من خلاله، إضافة الى عدم ذكر القواعد التي يجب اتباعها عند التعامل مع المحامين أثناء ممارستهم لأعمال مهنة المحاماة.

حصانة المحامي من التفتيش

إذ نصت المادة 40 من ذات القانون في فقرتها الثالثة على أنه: ” لا يجوز تفتيش محام أثناء المحاكمة “

وبهذا النص، فإنه يحظر تفتيش المحامي، لكنه مقيد بشرط زماني أو مكاني، وهو مقتصر أثناء المحاكمة فقط، وهو في حقيقته لا يحقق الطموح الذي نأمله لحماية المحامي واحترام مكانته المهنية، فمن الممكن تفتيش مكتب المحامي أو منزله أو مركبته ولا وجود لما يردع ذلك.

حصانة المحامي في التشريعات العربية الأخرى

على خلاف التشريعات العربية ، فقد أحاطت تلك التشريعات المحامي بضمانة أكبر وحماية أقوى مما جاء في التشريع الأردني ، منها قانون المحاماة المصري ، ( نقلا عن مقال محامي أردني معروف )  حيث نصت المادة 51 منه على انه : لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه الا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة )  ، ومنها أيضا ، قانون تنظيم مهنة المحاماة اللبناني ، إذ جاء في المادة 77 من ذات القانون على انه : ” كل قرار قضائي يقضي بتفتيش مكتب محام أو بحجز أموال موجودة فيه أو بجرد موجوداته لا ينفذ الا بعد انقضاء 24 ساعة على الأقل على إيداع صورة عنه مركز النقابة التي ينتمي اليها مع دعوة موجهة للنقيب لحضور الإجراءات بنفسه أو بواسطة عضو ينتدبه لهذه الغاية من أعضاء مجلس النقابة “.

إعداد المحامي مؤيد الذنيبات

 حيدر، نصرت، حصانة القاضي وحصانة المحامي، دمشق 1968. ( [1]، المصدر :  موقع المحامي الأردني.

Scroll to Top