الجريمة الدولية
الجريمة الدولية تعد ظاهرة اجتماعية ارتبطت بالمجتمعات الإنسانية، فالجريمة الدولية من أخطر الجرائم وأشدها جسامة، وذلك لأنها تنطوي على تهديد لأمن وسلامة المجتمع الدولي، ومازال المجتمع الدولي يعاني من هذه الجرائم، وقد سعى المجتمع الدولي لمكافحة هذه الجريمة وتحقيق الأمن والسلام واحترام حقوق الإنسان من خلال إبرام العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
وعلى الرغم من الخطورة الكبيرة لهذه الجرائم إلا إن فكرة الجريمة الدولية تعد فكرة غامضة، ويرجع هذا الغموض لعدم وجود تشريعات تحدد الجريمة الدولية وخصائصها وأركانها وإنما يتم الاعتماد على العرف والاتفاقيات الكاشفة لهذا العرف.
ثانيًا- طبيعة الجريمة الدولية:
ثالثًا: التفرقة بين الجريمة الدولية وغيرها من الجرائم:
رابعًا- أركان الجريمة الدولية:
خامسًا: من أنواع الجريمة الدولية:
أولًا- تعريف الجريمة الدولية:
القانون الجنائي الدولي لم يضع تعريف للجريمة الدولية وهو ما فتح باب الاجتهاد أمام الفقه، وقد انقسم الفقه عند تعريفه للجريمة الدولية، فيوجد اتجاه يركز على الجانب الشكلي للجريمة الدولية على أنها الواقعة التي ترتكب بسبب المخالفة لقواعد القانون، في حين يركز اتجاه آخر على الجانب الموضوعي للجريمة على أنها الواقعة التي تضر بمصلحة المجتمع الإنساني وأمنه، ويوجد اتجاه أخير يجمع بين الجانب الشكلي والجانب الموضوعي معا.
وقد عرفها دكتور فتوح عبد الله الشاذلي: بأنها :” سلوك إنساني غير مشروع صادر عن إرادة إجرامية يرتكبه الفرد باسم الدولة أو برضاء منها، وينطوي على انتهاك لمصلحة دولية يقرر القانون الدولي حمايتها عن طريق الجزاء الجنائي”.[1]
ثانيًا- طبيعة الجريمة الدولية:
الجريمة الدولة لها نفس خصائص القانون الدولي الجنائي، والذي يتمثل في كونه ذو صفة عرفية، وبالتالي فالجريمة الدولية ذات طابع عرفي، بالإضافة لذلك الجريمة الدولية تشكل اعتداء على مصلحة دولية فهي ذات طابع دولي كذلك.
1- الطابع العرفي للجريمة الدولية:
القانون الدولي الجنائي هو من يحدد الجرائم الدولية، وإن كان هذا القانون عرفيًا، فلا يوجد نصوص قانونية مكتوبة تحدد مفهوم الجريمة الدولية، كما أن الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية المتضمنة جرائم لا تنشئ هذه الجرائم، بل تعد كاشفة أو مقررة لهذه الجرائم، والصفة العرفية للجريمة الدولية أدت لوجود صعوبة في التعرف عليها، وذلك لما يستند إليه العرف من أفكار غامضة مثل قواعد العدالة والأخلاق والصالح العام.
وقد حاول المجتمع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية تقنين الجرائم الدولية، وأعدت لهذا الغرض مشروعات عدة، وأسفرت المحاولات المتتالية عن اعتماد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي قنن الجرائم الدولية والعقوبات المقررة لها، فلذلك فالجرائم الدولية لا تختلف في هذا الخصوص عن الجرائم العادية في القانون الداخلي، فهي جرائم مدونة، وأركانها محددة وكذلك عقوباتها، والأحكام الخاصة بالعقاب والمسئولية نص عليها هذا النظام.[2]
2- الطابع الدولي للجريمة الدولية:
يتحقق الطابع الدولي للجريمة الدولية في حال أن كانت الجريمة الدولية ارتكبتها دولة، أو أن الجريمة الدولية تتسم بخطورة وجسامة كبيرة وتمس مصلحة دولية أو تمس المجتمع الدولي ككل، سواء كان الفاعل دولة أو فرد لمصلحته الخاصة، مثل الاعتداء على المصالح الاقتصادية والاجتماعية الدولية أو الاعتداء على السلم والأمن الدوليين.
والجريمة الدولية تكون ذات خطورة كبيرة وعلى درجة كبيرة من الجسامة، وبالتالي فغالبًا ما تكون الجريمة جناية ومتعمدة، فالجريمة الدولية مثلها مثل الجريمة الداخلية تقوم على انتهاك مصالح جديرة بالحماية، ويقرر القانون الدولي الجنائي العقوبة لهذه الجرائم بما يتناسب مع جسامتها، وإن كانت الجريمة الدولية لا تختلف في طبيعتها القانونية عن الجريمة الداخلية إلا في بعض أحكامها ويرجع ذلك إلى أن المجتمع الدولي لم يصل إلى درجة التنظيم القانوني للمجتمع الداخلي.
والجدير بالذكر أن العبرة في تجريم السلوك ووصفه بأنه يشكل جريمة دولية بضمير غالبية الشعوب ممثلا كل منها في دولته ولو كان البعض منها يعتبر السلوك ذاته مباحًا كالإتجار بالمخدرات الصور المنافية للآداب رغم كونهما جرائم دولية إلا أن بعض الدول تبيحهما.[3]
ثالثًا: التفرقة بين الجريمة الدولية وغيرها من الجرائم:
تتميز الجرائم الدولية ببعض الخصائص التي تميزها عن غيرها من الجرائم الداخلية والجرائم العالمية والجرائم السياسية.
1- التفرقة بين الجريمة الدولية والجريمة الداخلية:
تتشابه الجريمة الدولية مع الجريمة الداخلية في كون كل منهما تمثل اعتداء على مصالح جديرة بالحماية القانونية بارتكاب أفعال يجرمها القانون، وتخضع الجريمة الدولية والداخلية للمبادئ العامة في القانون الجنائي.
وتختلف الجريمة الدولية عن الجريمة الداخلية في كون الجريمة الدولية تمس بمصلحة المجتمع الإنساني وتخل بنظامه فيجرمها القانون الجنائي الدولي، في حين أن الجريمة الداخلية تمس بمصلحة مجتمع ما ويجرمها القانون الجنائي الداخلي.
ونظرًا لارتباط التجريم في المجتمع الداخلي بظروف هذا المجتمع وما يسود فيه من قيم أخلاقية واجتماعية وسياسية، نجد أن الجرائم قد تختلف اختلاف جزريًا من مجتمع إلى آخر، ولكن المجتمع الدولي يهدف إلى حماية قيم ومصالح دولية قد لا تتوافق دوما مع ظروف كافة المجتمعات، وعلى ذلك فهي تتميز بالثبات النسبي، ولا تتغير في الزمان باختلاف العصور.[4]
وتختلف الجريمة الدولية عن الجريمة الداخلية من حيث مصدر كل منهما فالجريمة الدولية مصدرها القانون الجنائي الدولي المتمثل في العرف الدولي والاتفاقيات الدولية، ولذلك قد يقبل من الجاني الدفع بالجهل بالقانون وذلك بسبب الطابع العرفي للجريمة، بينما الجريمة الداخلية مصدرها القانون الوطني الداخلي ولا يقبل من الجاني الدفع بالجهل بالقانون.
والعقاب في الجريمة الدولية يوقع باسم المجتمع الدولي، عن طريق المحاكم الدولية الخاصة أو الدائمة عند قيامها بوظائفها أو المحاكم الوطنية عندما تتولي محاكمة المتهم بجريمة دولية طبقا للقانون الدولي أو تطبيقًا لنصوص القانون الداخلي، أما العقاب في الجريمة الداخلية، فإنه يوقع باسم المجتمع الوطني وتصدر الأحكام باسم الشعب من المحاكم الوطنية التي تطبق قانون العقوبات الوطني على مرتكب الجريمة، يستوي أن تكون الجريمة داخلية بحته، أو جريمة دولية أدرجها المشرع الوطني في قانون العقوبات الداخلي.[5]
2- التفرقة بين الجريمة الدولية والجريمة العالمية:
الجريمة العالمية هي عبارة عن التصرفات أو الأفعال التي تنافي الأخلاق، وتمثل اعتداء على القيم البشرية كالحياة والسلامة الجسدية والحرية، وهذه الجريمة ينظمها قانون العقوبات العالمي، ومن هذه الجرائم جريمة الإرهاب والقرصنة.
تتميز الجريمة العالمية عن الجريمة الداخلية في أن مرتكبيها قد يزاولون نشاطهم في عدة دول، كما تختلف عن الجريمة الدولية في كون الأخيرة تنطوي على عنصر دولي، وتمس النظام العام الدولي، ومقتضي الأخذ بمبدأ العالمية في نطاق القانون الداخلي أن لكل دولة وجوب السعي نحو توحيد هذه القواعد الداخلية لأن الجرائم العالمية هي مجرد جرائم داخلية نص عليها القانون الداخلي وتتعاون الدول عن طريق الاتفاقيات الدولية لمواجهتها.[6]
والجريمة العالمية ذات طابع دولي، فهي ترتكب من أشخاص يمارسون نشاطهم الإجرامي في عدة دول، غير أن ذلك لا يضعها ضمن الجرائم الدولية، بل تعد جرائم داخلية منصوص عليها في القانون الداخلي، وتختص بالعقاب عليها المحاكم الوطنية، فهي جرائم أفراد لا جرائم دول، وتتعاون الدول فيما بينها لمكافحة هذه الجرائم عن طريق الاتفاقيات الدولية.
وتختلف الجريمة العالمية عن الجريمة الدولية في كون الجريمة العالمية يختص قانون العقوبات الوطني بتحديد أركانها والعقوبات المقررة لها، بينما الجريمة الدولية يختص القانون الدولي الجنائي بتحديد أركانها وعقوباتها، وقد تصبح الجريمة العالمية جريمة دولية إذا توافر فيها الركن الدولي، فجريمة الإرهاب تعد جريمة عالمية إلا أنه إذا مارسته دولة ضد دولة أخرى فإنه يصبح جريمة دولية.
والواقع أن فكرة الجريمة العالمية لم تظهر إلا من أجل جعل الاختصاص بالمحاكمة عنها لكل دولة، أيا كانت جنسية مرتكب الجريمة أو مكان ارتكابها، وذلك بهدف توحيد القواعد التي تسري عليها في قوانين مختلف الدول حتى لا يصطدم التعاون الدولي في مكافحتها بالقواعد الوطنية، إذا ما اختلفت عن القواعد التي تقررها الاتفاقات الدولية في خصوصها.[7]
3- التفرقة بين الجريمة الدولية والجريمة السياسية:
أ- تحديد المقصود بالجريمة السياسية:
الجريمة السياسية تعد جريمة داخلية ذات صفه سياسية، فالباعث وراء ارتكابها سياسي، فجوهر الجريمة السياسية الاعتداء على الحقوق السياسية للدولة والمواطنين كتغيير النظام السياسي في الدولة، أو محاولة توجيه نظام الحكم لاتجاه معين، وقد انقسم الفقه إلى اتجاهين عند تحديد المقصود بالجريمة السياسية، اتجاه شخصي واتجاه موضوعي.
الاتجاه الأول: الاتجاه الشخصي:
وفقا لهذا الاتجاه تكون الجريمة سياسية إذا كان الغرض من ارتكاب الجاني لها سياسي، فهذا الاتجاه يعول على الباعث للجريمة، وذلك بغض النظر عن موضوع الجريمة، مثل جريمة اغتيال رئيس الدولة بغرض تغيير نظام الحكم، فوفقا للاتجاه الشخصي تعد هذه الجريمة سياسية وقد انتقد الفقه هذا الاتجاه لكونه يعتمد على الباعث لتحديد مدلول الجريمة، وأيضًا توسعه في تحديد المدلول.
الاتجاه الثاني: الاتجاه الموضوعي:
اعتمد الاتجاه الموضوعي على طبيعة الحق المعتدي عليه لتحديد المقصود بالجريمة السياسية، فوفقًا لهذا الاتجاه لا تكون الجريمة سياسية إلا إذا كانت الجريمة موجهة ضد النظام السياسي للدولة أو الحقوق السياسية أو الدستور بغض النظر عن الباعث الذي حرك المعتدي.
ب- التمييز بين الجريمة السياسية والدولية:
الجريمة السياسة تعد جريمة داخلية تخضع لأحكام القانون الوطني الجنائي، يكون الغرض منها تغيير نظام الحكم في الدولة، بينما الجريمة الدولية تمس النظام العام الدولي وتخضع للقانون الدولي الجنائي، ويكون الغرض منها الحاق أضرار بمصالح المجتمع الدولي.
والجريمة السياسية تقرر لها التشريعات معاملة خاصة كمبدأ عدم تسليم المجرمين السياسيين، بينما الجريمة الدولية لا تفرض معاملة خاصة لمرتكبها فيجوز تسليم المجرم الدولي، وذلك لما تمثله هذه الجريمة من خطورة تمس المجتمع الدولي.
والمسؤولية عن الجريمة الدولية يقررها القضاء الدولي أو الوطني علي حسب الأحوال، أما المسؤولية عن الجرائم السياسية، فيقررها القضاء الوطني إذا ارتبطت الجريمة الدولية بجرائم ذات طبيعة وطنية سياسية، فيعتبر مرتكبو تلك الجرائم مجرمين عاديين ارتكبوا جرائم داخلية، وفاعلين ماديين للجريمة الدولية، ويسأل الذين أمروا بارتكاب الجريمة الدولية بوصفهم مساهمين فيها من ناحية، وفي الجرائم السياسية الداخلية من ناحية أخري.[8]
رابعًا- أركان الجريمة الدولية:
يتطلب القانون الداخلي وجود ثلاثة أركان للجريمة الداخلية وهذه الأركان هي الركن الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي، والجريمة الدولية هي أيضًا تطلب توافر هذه الأركان الثلاثة بالإضافة لركن رابع وهو الركن الدولي.
1- الركن الشرعي:
الركن الشرعي للجريمة يقصد به وجود نص قانوني من المشرع يجرم الفعل أو السلوك وأن يكون هذا النص موجودًا قبل ارتكاب الجريمة، وفقًا لمبدأ الشرعية، حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، حيث يلتزم المشرع بسن قوانين بصورة واضحة محددة وغير غامضة، كما أن القاضي يجب ألا يحكم بعقوبة لم يرد بها نص قانوني ولا يجوز أيضا عند تفسيره للقوانين استخدام القياس لأن ذلك سيخلق جريمة جديدة، وتلتزم السلطة التنفيذية بعدم تطبيق عقوبة على أي شخص دون حكم قضائي.
ولما كان القانون الدولي الجنائي لا يوجد له مشرع، وإنما تستمد قواعده من العرف أو الاتفاقيات الكاشفة عن هذا العرف، فقد انعكس ذلك على الجريمة الدولية، فلا وجود لفكرة الجريمة في نصوص مكتوبة، بل يمكن الاهتداء إليها عن طريق العرف أو الاتفاقيات الكاشفة لهذا العرف، ووفقًا لمبدأ الشرعية لا يجوز محاكمة شخص على فعل أو سلوك لا يعتبره العرف جريمة في الوقت الذي ارتكبه فيه.
فالصفة العرفية لمبدأ الشرعية في نطاق القانون الدولي الجنائي ترتب عليها صعوبة حصر الجرائم الدولية، فهذا الحصر يتطلب الاستقراء الدقيق للعرف الدولي، وهو أمر ليس باليسير، كما أن ما يمكن حصره من جرائم مصدرها العرف لن يكون موضع اتفاق بين الدول جميعًا، لذلك لا يكون هناك مناص من الاكتفاء بالأفعال التي لا تثير خلافات كبيرة حول طبيعتها الإجرامية ويمكن بشأنها الاحتكام إلى العناصر تسهم في تشكيل العرف ويستمد منها أساس إلزامه، وهي العدالة والأخلاق والصالح العام للمجتمع الدولي.[9]
2- الركن المادي:
الركن المادي هو النشاط أو السلوك البشري الذي يأتيه الأنسان بإرادته الحرة، سواء كان هذا السلوك إيجابيا أو سلبيًا، ويؤدي هذا السلوك لنتيجة إجرامية، وهذه النتيجة ترتبط بالسلوك برابطة سببية، فالقانون لا يعاقب على الإرادة وحدها، بل يجب أن تفضي هذه الإرادة إلى سلوك خارجي ملموس، وبالتالي يتحقق الركن المادي للجريمة بتوافر ثلاثة عناصر هي السلوك، والنتيجة الإجرامية، وعلاقة السببية.
أ- السلوك:
السلوك هو عبارة عن النشاط الصادر من الجاني من أجل تحقيق غاية إجرامية، سواء كان هذا السلوك إيجابيا يتمثل في حركة عضوية من جسم الجاني، أو سلبيا وذلك في حالة إحجام إرادة الجاني عن إتيان فعل مطلوب منه القيام به قانونًا.
وتتطلب عدد من الجرائم الدولية سلوكًا إيجابيًا لإتيانها كما في حالة قيام الدولة باستخدام القوة لتحقيق نتيجة يحظر القانون حدوثها وتعد جريمة حرب الاعتداء أوضح الأمثلة في هذا الشأن، وكما في استخدام القوة المسلحة لدولة ما ضد سيادة دولة أخري أو سلامة أرضيها أو استقلالها السياسي وهذا النشاط الإيجابي يكون جريمة ضد السلام.[10]
ومن الأمثلة على جرائم السلوك الإيجابي جريمة العدوان، وجريمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.
والجريمة الدولية يمكن أن تقوم بسلوك سلبي، لا يختلف جوهره عن نظيره في القانون الداخلي، فهو إحجام إرادي عن القيام بعمل إيجابي مع القدرة على القيام به، لذلك تقوم الجريمة الدولية بإحجام الدولة عن القيام بعمل يتطلب القانون إتيانه، سواء أفضي إلى نتيجة مادية يحظرها القانون، أو امتناعا مجردا، ويسأل الرئيس الأعلى إذا امتنع عن الحيلولة دون ارتكاب من يخضعون لسلطته لجرائم دولية، وهي مسؤوليه أساسها واجب الرقابة الذي يفرضه عليه منع الخاضعين لسلطته من ارتكاب الجرائم.[11]
ومن صور الجرائم الدولية السلبية سماح الدولة بقيام أنشطة منظمه تهدف لإثارة حروب أهلية في دولة أخري، أو السماح بأنشطة إرهابية منظمة على أرضيها لزعزعة أمن دولة أخرى، وأيضا جريمة إنكار العدالة والتي تعد جريمة شديدة الجسامة، وذلك لما تنطوي عليه من تقصير من جانب الدولة في القيام بواجبها القانوني في حماية المقيمين على أراضيها وخاصة الأجانب، مثل عدم قبول الدعاوى المرفوعة من أجنبي عمدا أو إصدار حكم مخالف للعدالة ضد الأجنبي.
ب- النتيجة الإجرامية:
الجريمة الدولية كالجريمة الداخلية تتطلب وجود عنصر النتيجة، ولا يختلف كثيرا مفهوم عنصر النتيجة في الجريمة الدولية عن مفهومها في الجريمة الداخلية، والنتيجة الإجرامية ذات مدلول مادي وآخر قانوني، يتمثل المدلول المادي في السلوك الإجرامي الذي يحدث تغيير مادي ملموس تدركه الحواس، بينما المدلول القانوني يتمثل في العدوان الذي ينطوي عليه السلوك الإجرامي بالنسبة للمصلحة الدولية المحمية جنائيا.
إن الجريمة الدولية أيا كانت تنطوي على نتيجة تكون عنصرا في ركنها المادي، فالمشرع لا يجرم سلوكًا معينًا إلا إذا كان ارتكاب السلوك يحقق ضررًا فعليا، أو يكمن فيه خطر إحداث هذا الضرر، وتلك علة تجريم كافة الأفعال التي تشكل جرائم دولية.[12]
ج- علاقة السببية:
علاقة السببية هي أحد عناصر الركن المادي، وتحققها شرط من شروط المسؤولية، فهي تعبر عن السلوك الذي يربط بين السلوك والنتيجة، فهي تؤدي لإسناد النتيجة إلى الفعل، وعلاقة السببية في القانون الدولي الجنائي لا تختلف عما هو عليه في القوانين الداخلية، حيث يشترط أن يكون السلوك أو الفعل الإجرامي هو من أدى إلى النتيجة الإجرامية.
3- الركن المعنوي:
يقصد بالركن المعنوي للجريمة توافر القصد الجنائي، وهو أن تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة، وأن يكون الجاني على علم بأركان الجريمة، والقانون الدولي الجنائي كالقانون الداخلي يقيم المسؤولية الجنائية إذا اُرتكب فعل إجرامي صادر عن إرادة أثمة تستند إلى قصد إجرامي. ويتخذ الركن المعنوي للجريمة صورتين زهما القصد الجنائي، والخطأ غير العمدي.
أ- القصد الجنائي:
الجريمة الدولية تقع في الغالب مستندة إلى بواعث من نوع خاص وغالبًا ما تتم بوحي وتكليف من الغير فلا يرتكبها الجاني غالبا لتحقيق مصلحة أو غرض شخصي مما يصعب معه القول بتوافر القصد المباشر مثل الجرائم ضد سلام وأمن البشرية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتتم هذه الجرائم بتوجيه من سلطات الدولة وقد يضطر مرتكبها إلى إتيانها عن عدم رغبة أو اقتناع بها، كما أن هناك بعض الجرائم لا يتصور ارتكابها بغير قصد مباشر كجرائم الإرهاب الدولي، كما يعرف القانون الدولي الجنائي صورة سبق الإصرار وقد ظهر ذلك في جرائم الحرب العالمية الثانية التي تضمنتها لائحة نورمبرغ وطوكيو.[13]
ب- الخطأ غير العمدي:
في القانون الداخلي الجريمة قد تقع بدون قصد ويسأل عنها الجاني، لأنه كان بإمكانه توقعها وتجنبها، فالجاني يكون في هذه الحالة مخطأ ومن صور هذا الخطأ الإهمال، وعدم الاحتياط، والرعونة، وغيرها، وفي القانون الدولي الجنائي قد توجد أيضا صورة الخطأ غير العمدي، وإن كان نادرا وجود هذه الصورة، فالجرائم الدولية لا يتصور أن تتم بواسطة خطأ غير عمدي مثل جرائم إبادة الجنس وجريمة أخذ الرهائن، ومن الجرام التي يمكن أن تقع بواسطة خطأ غير عمدي كجريمة إثارة حرب الاعتداء، وذلك عندما يتوقع الجاني احتمال نشوء حرب نتيجة فعله في دولة أخرى إلا إنه لا يريد ذلك.
4- الركن الدولي:
الركن الدولي هو العنصر المميز للجريمة الدولية، وهو ما يفرق بينها وبين الجريمة الداخلية، والركن الدولي يجب أن تتوافر فيه بعض الشروط.
أ- أذا كان الفعل أو الامتناع عنه يمس مصلحة يحميها القانون الدولي الجنائي:
يتوفر الركن الدولي للجريمة الدولية في حالة القيام بفعل أو الامتناع عنه وكان هذا الفعل يمثل مصلحة أو حقًا يحميه القانون الدولي الجنائي، ويتحقق أيضا في حالة المساس بقيم المجتمع الدولي.
ب- إذا ارتكبت الجريمة الدولية من دولة ضد دولة أخري:
يتحقق الركن الدولي في حالة قيام دولة بالتحريض والتدبير للجريمة الدولية ضد دولة أخرى، ويتحقق الركن الدولي إذا كانت الجريمة ضد هيئة دولية أو أشخاص يتمتعون بالحماية الدولية، ومن هذه الجرائم جريمة الإرهاب التي تمارسها الدولة ضد أخرى.
ج- إذا ارتكبت الجريمة الدولية من أفراد أو منظمات إرهابية ضد دولة:
في هذه الحالة لا يكون التدبير والتخطيط صادر عن دولة وإنما صادر عن منظمات إرهابية أو أفراد ويتم توجيه هذه الجريمة ضد المرافق الدولية أو الأشخاص المتمتعين بالحماية الدولية أو ضد الدولة، فلا يشترط وجود تحريض من جانب دولة لقيام الجريمة الدولية.
د- إذا وقعت الجريمة ضد النظام السياسي الدولي:
ويكون ذلك في حالة إذا ما وقعت الجريمة ضد السلام وأمن البشرية أو ضد الأفراد أو الأموال في أكثر من دولة.
هـ- إذا تم ترويع الضمير العالمي:
يتحقق الركن الدولي في حالة إشاعة الفزع والرعب في نفوس الناس، كجرائم الإرهاب التي ترتكب ضد دولة ما.
خامسًا: من أنواع الجريمة الدولية:
وفقا للتقسيم الذي أخذت به محكمتا نورمبرغ وطوكيو فإن الجرائم الدولية التي تمس النظام القانوني أو الاجتماعي الدولي هي الجرائم الدولية بمعناها الضيق هي الجرائم ضد أمن وسلام البشرية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
1- الجرائم ضد أمن وسلام البشرية:
الجرائم ضد أمن وسلام البشرية هي الجرائم التي تمس سيادة الدولة، والتي يتوفر الركن المادي لها بالتهديد والإعداد والتآمر لاستخدام القوة للعدوان على إقليم دولة أخرى أو التشجيع لنشاط إرهابي في دولة أخرى، أو التدخل في الشئون الداخلية والخارجة لدولة ما أو بث الرعب والزعر في نفوس الناس، ويتحقق الركن المعنوي بتوافر القصد الجنائي وهو اتجاه إرادة الجاني لارتكاب الفعل الإجرامي مع علمه بعدم مشروعية الفعل الإجرامي.
ويشترط لتوافر الركن الدولي في جريمة التآمر ضد السلام أن تتم بناء على خطة من جانب الدولة بقصد ارتكاب جريمة ضد السلام تجاه دولة أخرى كأن تصدر الخطة من كبار رجال الدولة العسكريين أو المدنيين مما يعني أن الفعل يرتكب باسم الدولة ولحسابها وينتفي الركن الدولي إذا ما صدرت تلك الخطة ونفذت بمعرفة أشخاص عاديين لما تتطلبه من تعبئة عسكرية وتمويل كبير وهذا ما أكدته محكمة نورمبرغ.[14]
وجريمة العدوان إذا لم تتم بتخطيط من دولة ضد دولة فإنها تكون جريمة داخلية مثل مهاجمة سفن القراصنة لسفن دولة أخري، وتعد أيضا جريمة داخلية الحروب الأهلية بين رعايا الدولة.
2- جرائم الحرب:
وهي الجرائم التي تقع أثناء الحرب والتي تخالف المواثيق والعهود المتعلقة بالحرب، كقتل الأسرى، ونقل المدنيين من مساكنهم، وتدمير المدن والقرى، واستخدام أسلحة محرمة دوليا، ويتحقق الركن المادي لجريمة الحرب بقيام أحد أطراف الحرب بالقيام بأحد هذه الأفعال، ويتحقق الركن المعنوي بتوافر القصد الجنائي وهو اتجاه إرادة الجاني لارتكاب الفعل الإجرامي مع علمه بعدم مشروعية الفعل الإجرامي.
ويتوافر الركن الدولي بارتكاب إحدى هذه الأفعال المخالفة لعادات وقوانين الحرب بتخطيط من جانب إحدى الدول المحاربة ضد مواطني الدولة المحاربة معها.
وجرائم الحرب هي كل سلوك جاء مخالفا لعادات وقوانين الحروب، ذلك إن حرية المقاتل في القتل مقيدة بضوابط لا يجوز له تجاوزها، ومن تلك القيود ما يتعلق بوسيلة القتال، فلا يجوز استعمال أسلحة ممنوعة دوليا كالمتفجرات ذات الوزن الكبير، ومنها قيود تتعلق بالأهداف والغايات التي تكون غرضا للهجوم فلا يجوز تدمير المدن والقرى، أو قتل الأسرى والتنكيل بهم، أو استعباد المدنيين في أعمال شاقة.[15]
3- الجرائم ضد الإنسانية:
الجرائم ضد الإنسان هي الجرائم التي تمثل اعتداء صارخ ضد الإنسان، كالاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، ويعد التجريم هنا وسيلة لبسط حماية لحقوق الإنسان، وضمانة للحد من طغيان الحكام، فهذه الجرائم تعد من أخطر الجرائم جسامة، ويتحقق الركن المعنوي بتوافر القصد الجنائي وهو اتجاه إرادة الجاني لارتكاب الفعل الإجرامي مع علمه بعدم مشروعية الفعل الإجرامي.
ويقوم الركن المادي على مجموعة من الأفعال الجسيمة التي تمس إحدى المصالح الجوهرية للإنسان أو مجموعة بشرية تشترك بالدين أو بالفكر السياسي أو بالعرق، وأن يتم على شكل هجوم منهجي مدروس ضد هذه المجموعة، ومن صور هذه الأفعال أو الاعتداءات “الاسترقاق- الإبادة- إبعاد السكان الأصليين أو نقلهم قسرا من مناطقهم- القتل المتعمد- السجن الذي يشكل حرمانا شديدًا للحرية البدنية- اضطهاد الجماعة- الاغتصاب- اختطاف الأشخاص”.[16]
ويتحقق الركن الدولي في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية إذا تم بناء على خطة وتدبير من جانب دولة ضد أخرى أو ضد جماعة بشرية ذات عقيدة معينة ولو كانت تتمتع بنفس جنسية الدولة كما يحدث من اضطهاد وتفرقة عنصرية في جنوب أفريقيا، وقد أكدت محكمتا نورمبرغ وطوكيو على دولية هذه الجريمة.[17]
كتابة : مصطفى كامل
[1] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 206
[2] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 209
[3] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 84
[4] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 216
[5] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 217
[6] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 89
[7] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 227
[8] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 222
[9] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 222
[10] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 255
[11] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 263
[12] دكتور فتوح عبد الله الشاذلي، القانون الدولي الجنائي، طبعة 2002، ص 282
[13] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 299
[14] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 335
[15] دكتور حسنين إبراهيم صالح عبيد، الجريمة الدولية، طبعة 1994، ص 234
[16] دكتور يوسف حسن يوسف، القانون الجنائي الدولي ومصادره، طبعة 2010، ص 49
[17] دكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق، الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، ص 341

