مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب
يُعد موضوع مسؤولية الناقل الجوي للركاب من أهم الموضوعات التي لقيت أحكامها اهتمامًا بالدراسة والبحث القانوني، ونظرًا لوجود قصور تشريعي حول تحديد مسؤولية الناقل الجوي واختلاف الاتفاقيات الدولية، وقوانين النقل الجوي بين الدول حول تحديد هذه المسؤولية.
لذا أبدى المجتمع الدولي اهتمامًا كبيرًا بتنظيم أحكام مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب، وأُجريت العديد من المحاولات المستمرة؛ لإنجاز هذه المهمة بوضع القواعد المنظمة لمسؤولية الناقل الجوي عن الركاب، ونتناول موضوع مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب في العناصر الرئيسية الآتية:
أولًا: المفهوم القانوني للناقل الجوي:
ثانيًا: أساس مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
ثالثًا: حالات مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
رابعًا: دعوي مسؤولية الناقل الجوي:
خامسًا: السوابق القضائية الخاصة بمسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
ونقدم شرح تفصيلي لكل من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: المفهوم القانوني للناقل الجوي:
يُعرَف الناقل الجوي بأنه: “كل شخص طبيعي أو اعتباري يعرض أو يقوم بتشغيل خطوط جوية لنقل الركاب، أو البريد، أو البضائع، أو أي منها “([1]).
ثانيًا: أساس مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
سوف نتناول مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب في الاتفاقيات الدولية الأتية:
١-مسؤولية الناقل الجوي وفقًا لاتفاقية وارسو لسنة ١٩٢٩م.
اهتمت اتفاقية وارسو لسنة 1929م بعقد النقل الجوي، وأوضحت الأضرار التي تتحقق فيها المسؤولية عن عدم الالتزام بما يفرضه العقد، وطبقًا لاتفاقيه وارسو لسنة 1929م تعتبر مسؤولية الناقل الجوي مسؤولية عقدية، كما أن الالتزام الذي يعتبر الإخلال به مكونًا لخطأ الناقل هو التزام عقدي يفرضه عقد النقل على عاتق الناقل الجوي، “وقد بينت اتفاقية وارسو أن التزام الناقل بسلامة المسافرين هو التزام ببذل عناية” ([2])، فتتحقق مسئوليته بمجرد حصول الضرر، ولا تسقط هذه المسؤولية إلا بإثبات السبب الأجنبي.
كما بنت اتفاقية وارسو المسؤولية العقدية للناقل الجوي عن وفاة الركاب أو إصابتهم بأي أذى بدني على أساس المسؤولية الشخصية التي تقوم على أساس الخطأ التعاقدي المفترض للناقل، أي أنه بمجرد حدوث ضرر یُصیب الراكب أو البضاعة أو الأمتعة المسجلة، وتقع المسؤولية على الناقل الجوي دون أن يقع على الراكب عبء إثبات خطأ الناقل الجوي، كما وضعت الاتفاقية حدًا للتعويض يلتزم به الناقل في مواجهة كل مسافر بمبلغ قدره (125.00٠) فرنك بوانكاريه.
ويُعد الناقل الجوي سيء النية وفقًا لاتفاقية وارسو الأصلية، إذا ثبت أن الضرر الذي أصاب الراكب يرجع إلى غش أو الخطأ المعادل للغش طبقًا لقانون المحكمة المختصة بالنظر في النزاع.
ومما سبق يمكننا القول إن مسؤولية الناقل الجوي وفقًا لاتفاقية وارسو هي مسؤولية عقدية مبنية على الخطأ المفترض في جانب الناقل الجوي، فيعد مسؤولًا بقوة القانون.
٢-مسؤولية الناقل الجوي وفقًا لبروتوكول لاهاي لسنة ١٩٥٥م.
“تم تعديل بعض النصوص الخاصة باتفاقية وارسو لسنة ١٩٢٩م بموجب بروتوكول لاهاي الموقع بتاريخ ٨/٩/ ١٩٥٥م، والذي دخل حيز التنفيذ في ١/٨/١٩٦٣م”([3])، “ولقد كرس بروتوكول لاهاي حماية الناقل الجوي والتخفيف من مسئوليته عن طريق سهولة التخلص منها”([4]).
ومسؤولية الناقل الجوي بموجب بروتوكول لاهاي هي مسؤولية عقدية تقوم على أساس الخطأ المفترض القابل لإثبات العكس.
وأبرز ما جاء به بروتوكول لاهاي، هو تعديل الحد الأقصى للتعويض، وذلك برفعه إلى الضعف بمبلغ قدره (250.000) فرانك بوانكاريه لكل راكب، وكذلك إلغاء الخطأ الملاحي باعتباره سببًا للإعفاء من مسؤولية الناقل الجوي، كما أقر هذا البروتوكول مد نطاق الاستفادة من تحديد المسؤولية وأسباب دفعها فيما قد ترفع عليهم من دعاوى لتشمل تابعي الناقل بدلا من الناقل.
كما أقر البروتوكول بتخفيف الجزاءات الموقعة على الناقل الجوي سيء النية، فقصرها على حرمانه من التمسك بالحد الأقصى للتعويض الذي حددته الاتفاقية، وأباح له الحق في الإعفاء من المسؤولية، وذلك عن طريق إثبات اتخاذ الإجراءات الضرورية؛ لتلافي وقوع الضرر.
٣- مسؤولية الناقل الجوي وفقًا لاتفاقية مونتريال لسنة ١٩٩٩م:
“أدي تعدد الاتفاقيات والبروتوكولات الحاكمة للنقل الجوي على المستوى الدولي إلي إثارة التنازع بينهما، ذلك بسبب عدم التطابق بين الدول المصدقة على البروتوكولات وتلك المصادقة على الاتفاقية الأصلية، فإذا كان النقل بين دولة طرف في اتفاقية وارسو الأصلية ودولة طرف في بروتوكول لاهاي المعدل لها، فإنه يثار التنازع بين الاتفاقية والبروتوكول، حول أيهما أولى بالتطبيق، وقد انقسم الأعضاء حول طرق فض هذا النزاع، فذهب اتجاه أول إلى أن اتفاقية وارسو هي الاتفاقية الأولى بالتطبيق باعتبارها القدر المتيقن المشترك بين دولتا القيام والوصول، في حين ذهب اتجاه آخر أن وجود بروتوكول لاهاي وتعايشه جنبًا إلي جنب مع اتفاقية وارسو قد يؤدي في نهاية الأمر إلى عدم تطبيق أي منهما على النقل الجوي الدولي، وإلى العودة مرة أخرى إلي قواعد التنازع في القوانين” ([5]).
ولم تهمل اتفاقية مونتريال لسنة 199٩م هدفها الموضوعي والمتمثل في الموازنة بين مصالح المسافرين ومصالح ناقليهم، فأصبحت مسؤولية الناقل الجوي للأشخاص وفقًا لاتفاقية مونتريال مسؤولية ذات طابع خاص.
“وقد ثار خلاف فقهي بين الفقهاء حول مسؤولية الناقل في اتفاقية مونتريال بين العديد من الفقهاء، حيث يري جانب من الفقه، أن مسؤولية الناقل الجوي في اتفاقية مونتريال تعتبر مسؤولية موضوعية كأصل عام”([6])، وتقوم على أساس فكرة المخاطر وتحمل التبعة، إلا أن اتفاقية مونتريال خرجت على هذا الأصل العام في الحالة التي تتجاوز فيها قيمة الأضرار مائة ألف وحدة حقوق سحب خاصة.
ويري هذا الجانب من الفقه أن: “حصر الاتفاقية لوسائل التخلص من المسؤولية في حالة عدم تجاوز المائة ألف وحدة حقوق سحب خاصة يأتي في مصلحة المسافر، ويتماشى مع الطبيعة الموضوعية لمسؤولية الناقل الجوي عن هذه الأضرار والتي تحصر سبل التخلص من مسؤولية الناقل الجوي في أضيق نطاق”([7])
وهناك اتجاه آخر من الفقه يرى بأن “واضعو اتفاقية مونتريال لسنة 1999م، قد استبعدوا الأخذ بفكرة المخاطر وتحمل التبعة كأساس لمسؤولية الناقل الجوي، ويؤيد هذا الاتجاه قوله بأن سكوت الاتفاقية عن ذكر حالات أخرى للإعفاء من المسؤولية إضافة لخطأ المضرور لا يمنع إعفاء الناقل إذا قدم أسباب أخرى من الأسباب العامة للإعفاء من مسؤولية الناقل كالقوة القاهرة” ([8]).
ومما سبق يمكننا القول أن اعتبار مسؤولية الناقل الجوي للأشخاص مسؤوليةً موضوعيةً تقوم على أساس فكرة المخاطر التي من الممكن أن تعرقل نمو مرفق النقل الجوي، إلا أن الاتجاه السليم أن مسؤولية الناقل الجوي في ظل اتفاقية مونتريال لسنة 199٩م هي ليست مسؤولية موضوعية تقوم على أساس فكرة المخاطر، بل هي في العموم مسؤولية عقدية مبنية على الخطأ المفترض والقابل إثبات العكس، كذلك المسؤولية الموضوعية تتحقق بمجرد وقوع الضرر، وتوافر علاقة السببية دون أدنى سبيل للتخلص منها، وهو ما لا نجده في ظل أحكام اتفاقية مونتريال وفقًا لسنة 199٩م، فالناقل الجوي في كل حالات المسؤولية الواردة في الاتفاقية يمكن له التخلص من المسؤولية لأسباب معينة.
وخلاصة القول تكمن في أن مسؤولية الناقل الجوي عن أضرار التأخير في نقل المسافرين هي مسؤولية شخصية قائمة على أساس الخطأ المفترض، وبإمكان الناقل التخلص منها إذا ما أثبت أنه وتابعوه قد اتخذوا كافة التدابير الضرورية لتفادي وقوع الضرر الناجم عن التأخير، أو أنه استحال عليهم ذلك، وهذا الحكم استبقته اتفاقية مونتريال لسنة 199٩م من اتفاقية وارسو لسنة 192٩م، دون أن تتعرض له بالتعديل بخلاف المسؤولية عن سلامة المسافرين.
ثالثًا: حالات مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
يمكن تحديد مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب من خلال الصور الآتية:
١-التزام الناقل الجوي بضمان سلامة الركاب
يشترط لقيام مسؤولية الناقل الجوي بالالتزام بضمان السلامة، أن يكون الضرر قد لحق بالراكب خلال المدة التي يكون الناقل الجوي ملتزمًا بضمان سلامة المسافر؛ لذلك كان من الضروري تحديد النطاق الزمني للالتزام بضمان السلامة، وفي ذلك نصت (المادة ١٧) من اتفاقية وارسو عام 1929م على أن: “يكون الناقل مسؤولًا عن الضرر الذي يقع في حالة وفاة، أو أي جرح، أو أي أذى بدني آخر يصيب الراكب، إذا كانت الحادثة قد وقعت على متن الطائرة أو في أثناء أي عملية من عمليات صعود الراكب أو نزوله”.
“وينشأ التزام الناقل بضمان السلامة منذ اللحظة التي يخضع فيها المسافر لأوامر الناقل الجوي عند مغادرة قاعة تجمع المسافرين في مطار القيام للتوجه إلى الطائرة”([9]) ويستمر هذا الالتزام طوال الرحلة الجوية وبعد الهبوط حتى اللحظة التي ينهي فيها الناقل توصيل المسافرين إلى مباني مطار الوصول.
“ونجد أن مصدر هذا الالتزام في القانون المصري والقانون الأردني هو عقد النقل المتفق عليه ما بين المسافر والناقل الجوي، فتكيف الالتزام الناقل الجوي في كل من القانون المصري والأردني بضمان سلامة المسافر هو التزام عقدي بتحقيق نتيجة، فإذا لم تتحقق النتيجة انتفت ذمة الناقل ودون حاجة الى إثبات الضرر، ووقوع الخطأ من الناقل الجوي، ولا يتمكن الناقل الجوي التخلص من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت الناقل أن الضرر الذي أصاب المسافر قد نتج عن وقوع قوة قاهره لا دخل لإرادته بها، أو من المضرور نفسه، أو عن فعل الغير”([10]).
وبالرجوع للمادة المشار إليها سابقًا الخاصة فنجد أنه لابد من توافر شروط محددة؛ لقيام هذه مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب، وتتمثل هذه الشروط في:
- أن يكون الإخلال بالالتزام بضمان السلامة قد نشأ عن حادث.
- أن يقع هذا الحادث أثناء فترة زمنية معينة.
- أن ينتج عن الحادث ضرر يصيب المسافر.
٢–مسؤولية الناقل الجوي عن التأخير:
يقع على عاتق الناقل الجوي الالتزام بالنقل في الميعاد المحدد، وتقوم مسؤولية الناقل إذا ما أخل بتنفيذ هذا الالتزام على نحو يلحق الضرر بالمسافر، وهذا الالتزام يعد التزامًا بتحقيق نتيجة، فبمجرد عدم حصول النتيجة، والتي تتمثل في توصيل المسافر إلي مكان الوصول في الميعاد المتفق عليه تنعقد مسؤولية الناقل الجوي، وذلك وفقًا لما نصت عليه (المادة ١٩) من اتفاقية وارسو لعام ١٩٢٩م: “يُسأل الناقل عن الضرر الذي ينشأ عن التأخير في نقل المسافرين أو الأمتعة أو البضائع بطريق الجو”([11])، إلا أنه لا تقوم مسؤولية الناقل الجوي عن مجرد التأخير في تنفيذ النقل الجوي، وإنما عن الضرر الذي قد ينجم عن هذا التأخير، أي أن التأخير لا يمثل في ذاته إضرارًا بالمسافر، وإنما قد يكون مصدرًا لهذا الضرر.
وقد نصت (المادة ٢٧) من اتفاقية مونتريال لسنة 1999م على أنه: “على الناقل إيصال الراكب إلى المكان المحدد في الموعد المتفق عليه، وطريقة تحديد الموعد تكون إما باتفاق الطرفين أو من خلال نشرات دورية يعلنها الناقل للجمهور ويلتزم بتنفيذها، ففي حالة إخلال الناقل في تنفيذ ما ورد في تلك النشرات وتأخر وصول الراكب عن الموعد المحدد كان الناقل مسؤولًا عن تعويض الضرر الذي يصيب الراكب من جراء ذلك”([12])، ويتبين أن المادة المذكورة قد أعطت للناقل الحق في رفض التعاقد مع أي راكب دون أدنى مسؤولية عليه.
تُعد شروط التزام الناقل الجوي بميعاد محدد للنقل من قبيل الشروط المخففة للمسؤولية؛ لذا فإنه يجب القضاء ببطلانها، وتُعد كأن لم يكن؛ حيث إن هذه الشروط تجعل التزام الناقل الجوي بالنقل بالميعاد المحدد التزامًا بوسيلة، مما يضع عبء إثبات الخطأ عن التأخير في عملية النقل على عاتق المضرور، وذلك يتنافى مع طبيعة الناقل الجوي الذي يعد مسؤولًا بقوة القانون عن أضرار التأخير إلا إذا قدم ما يثبت أنه هو وتابعيه قد اتخذوا التدابير اللازمة؛ لتفادي الضرر، ولابد من التمييز بين فرضين لإمكان إثارة مسؤولية الناقل الجوي:
الفرض الأول: الاتفاق سلفًا على مواعيد محددة لإنجاز النقل الجوي
“في هذا الفرض يكون التزام الناقل الجوي بتنفيذ النقل في الميعاد المتفق عليه التزامًا بوسيلة يفترض فيه خطأ الناقل؛ وبالتالي تثور مسؤولية الناقل الجوي عن الأضرار التي تنجم عنه بمجرد حدوث الضرر، ولا يستطيع الناقل الجوي دفع تلك المسؤولية إلا عن طريق إثبات اتخاذ كافة التدابير الضرورية لمنع وقوع الضرر أو استحالة اتخاذه”([13]).
الفرض الثاني: هو عدم الاتفاق سلفًا على مواعيد محددة لإنجاز النقل الجوي
وفي هذا الفرض لا يعني أن يكون الناقل الجوي صار طليقًا من كل قيد في إنجاز النقل الجوي في المدة التي يقدرها، وإنما يظل ملتزمًا بإنجاز النقل في فترة زمنية معقولة.
ويثور التساؤل عن التأخير الموجب المسؤولية وفقًا لأحكام اتفاقية وارسو، ومن المقرر أنه يجب أن يقع التأخير أثناء فترة النقل الجوي، فإذا حدث التأخير خارج نطاق النقل الجوي؛ فهنا لا تخضع مسؤولية الناقل لأحكام اتفاقية وارسو، وإنما تخضع للقانون الوطني الواجب التطبيق.
ولقد اختلف الفقه حول تحديد المقصود بفترة النقل الجوي بالنسبة إلى مسؤولية الناقل الجوي عن التأخير، ويرى البعض أن تلك المدة تبدأ في السريان منذ اللحظة التي تتهيأ فيها الطائرة للإقلاع من مطار القيام حتى هبوط الطائرة في مطار الوصول، ويذهب الفقه الغالب على أن يكون الناقل الجوي مسؤولًا في حالة حدوث التأخير خلال الفترة التي يكون فيها الناقل مسؤولًا عن سلامة المسافرين أو البضائع أو الأمتعة المسجلة.
رابعًا: دعوي مسؤولية الناقل الجوي:
لكي يتمكن المضرور (الراكب) من إقامة دعوى المسؤولية على الناقل الجوي، لابد من تحديد المحكمة المختصة بنظر الدعوى أولًا، ومن ثمَّ تحديد المدعى عليه تحديدًا نافيًا للجهالة، وفي الأخير تحرير دعواه تحريرًا كافيًا ببيان الأضرار التي لحقت به، وتحديد طلباته في الدعوى على وجه الدقة، زما يهمنا في دعوى مسؤولية الناقل الجوي تحديد أطرافها، مع بيان المحكمة المختصة بنظر الدعوى.
١–أطراف الدعوى في دعوى المسؤولية:
ينحصر أطراف الدعوى في الآتي:
- المدعي
يكون المدعي في دعوى المسؤولية -التي ترفع على الناقل الجوي- الشخص المضرور (المسافر.
“ويثور التساؤل عن مدى جواز رفع المسؤولية من قبل ورثة المسافر في حالة وفاته، فاتفاقية وارسو لم تنظم هذا الرجوع، ومن المقرر أن للورثة إثارة مسؤولية الناقل الجوي”([14]).
وأيًا كانت صفة المدعي أو الأساس الذي يستند إليه في رفع دعواه، فإن (المادة ٢٤) من اتفاقية وارسو تقضي “بعدم جواز رفع دعوى المسؤولية في أية صورة كانت في الأحوال المنصوص عليها في المواد (17، 18، 19) إلا بالشروط وفي الحدود المقررة في تلك الاتفاقية”([15]).
- المدعى عليه
المدعي عليه في دعوى المسؤولية هو الناقل الجوي، وقد تثار مسؤولية تابعيه، ففي حالة وفاة الناقل، تقضي (المادة ٢٧) من اتفاقية وارسو بأنه: “في حالة وفاة المدين تقام دعوى المسؤولية في الحدود المقررة في هذه الاتفاقية على من يخلفونه”، وإذا رفعت الدعوى على خلف الناقل الجوي يستفيد هؤلاء من أحكام المسؤولية المحدودة الواردة في اتفاقية وارسو.
وفي حال الناقلين المتتابعين، فيما يتعلق بنقل الركاب، تنص الفقرة الثانية من (المادة ٣٠) من الاتفاقية المذكورة على أنه: “لا يجوز للمسافر أو خلفه الرجوع سوى على الناقل الذي وقع الحادث أو حدث التأخير في مرحلة النقل الجوي التي تولاها، ويقع إثبات أن الحادث أو التأخير ترتب في هذه المرحلة على المدعى”([16])؛ لذلك أجازت الاتفاقية الرجوع على الناقل الأول بشرط أن يكون هناك اتفاق صريح على تحمل هذا الناقل المسؤولية عن الناقل الجوي بكل مراحله.
٢– المحكمة المختصة بنظر الدعوى:
تقضي الفقرة الأولى من (المادة ٢٨) من اتفاقية وارسو” بأن دعوى المسؤولية على الناقل الجوي يجب رفعها في إقليم إحدى الدول المتعاقدة، وذلك لكي تضمن تقييد المحكمة المعروض أمامها النزاع بإحكامها”
وقد منحت الاتفاقية المدعي خيارًا في إقامة دعواه أمام واحدة من الثلاث محاكم الآتية:
١-محكمة موطن الناقل أو المركز الرئيسي لنشاطه.
٢-محكمة الجهة التي يكون للناقل فيها منشأة تولت عنه إبرام عقد النقل الجوي.
٣-محكمة جهة الوصول.
ويلاحظ بالنسبة لمحكمة موطن الناقل أو المركز الرئيسي لنشاطه، أن الدول تختلف فيما بينها في تحديد مفهوم الموطن، أما بالنسبة للشخص المعنوي، فالاتفاقية تأخذ معيار المركز الرئيسي للنشاط، وهو يختلف عن المركز الرئيسي للإدارة، وتجيز الاتفاقية للمدعي أن يرفع دعواه أمام المحكمة التي تقع في دائرتها منشأة للناقل تولت عنه إبرام عقد النقل الجوي، وفي ذلك تيسير على المدعين نظرًا لإقامته في أغلب الأحوال في المكان الذي توجد به المنشأة، ويمكن للمدعي رفع الدعوى أمام محكمة جهة وصول الطائرة.
خامسًا: السوابق القضائية الخاصة بمسؤولية الناقل الجوي عن الركاب:
لقد نص الحكم رقم (٢٦٨٥) لسنة ٢٠١٤م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ٧/١٢/٢٠١٤م: “إن المستفاد من أحكام (المادة 20) من اتفاقية وارسو أنه لا يكون الناقل مسؤولًا إذا ثبت أنه وتابعيه قد اتخذوا كل التدابير اللازمة لتفادي الضرر، أو أنه كان من المستحيل عليه أو عليهم اتخاذ مثل هذه التدابير”. و(المادة 21) من الاتفاقية نصت (إذا أثبت الناقل أن الشخص المضرور هو الذي تسبب بوقوع الضرر، أو شارك بإهماله في إحداث الضرر جاز للمحكمة وفقاً لأحكام قانونها الخاص أن تعفي الناقل كلياً أو جزئياً من مسؤولية).
وحيث ثبت لمحكمة الاستئناف أن المدعى عليها كانت قد قامت باتخاذ التدابير الضرورية لتفادي وقوع الضرر العائد لحالة مورث المدعين المرضية ،والتي كان يعاني منها، وذلك من خلال استدعاء الأطباء الموجودين على متن الطائرة والذين قاموا بإجراء الإسعافات اللازمة والتدخلات الطبية اللازمة لمثل هذه الحالة وإعطائه العلاجات الضرورية وهي (أرتوربين وأدرنالين وأكسجين) وتدليك للقلب دون أن يتمكنوا من إسعافه، وحيث علل الطبيين اللذان قاما بإسعاف مورث المدعين وإجراء العلاجات اللازمة له أن سبب الوفاة يعود إلى الحالة المرضية لمورث المدعين ولا ينطبق عليها وصف الحادث المنصوص عليه في (المادة 17) من اتفاقية وارسو. والذي وصفته بأنه عارض يقع أثناء الرحلة أو عمليات الصعود أو النزول على الطائرة. وبالتالي ما حصل لمورث المدعين لا ينطبق عليه وصف الحادث المنصوص عليه في المادة سالفة الإشارة”([17]).
كما ورد في الحكم رقم (٤٨٤) لسنة ١٩٨٧م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ١٧/٩/١٩٨٧م: “يستفاد من نصوص المواد 79 /2 و277 /2 من قانون التجارة و70 ، 73 من قانون الطيران المدني و17 ، 20 من اتفاقيه وارسو (أن مسؤولية الناقل الجوي عن سلامه المسافر من حوادث النقل وإخطاره وان كانت مفترضة الا ان مسئوليته هذه تنتفي اذا كان الضرر قد وقع بسبب قوة قاهرة، كما يعفى من المسؤولية اذا كان الناقل قد اتخذ الاحتياطات اللازمة لتفادي الضرر أو تعذر عليه)؛ وبناءً على ذلك فإن أسباب الإعفاء من المسؤولية تكون متوافرة بحق الناقل على أساس أن الوفاة كانت نتيجة مرض المسافر ولا علاقة لها بظروف النقل الجوي، ونتجت بسبب قوه قاهره غير متوقعة من قِبَل الناقل دون أن يقصر في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لدفعها أو منع وقوعها”([18]).
إعداد: محمد محمود
[1] الطيران المدني السعودي، ص١٠
[2] د. فايز نعيم رضوان، قانون الطيران التجاري، أكاديمية كلية شرطة دبي، ص ١٦٠
[3] د. محمد فريد العريني، القانون الجوي، النقل الجوي الداخلي والدولي، ص 180.
[4] د.أبو زيد رضوان، القانون التجاري، قانون الطيران الجوي، القاهرة، ص٣٠٠.
[5] د هشام فضلي، مسؤولية الناقل الجوي على الصعيدين الدولي والداخلي، ص١٠.
[6] د. معتز نزيه صادق المهدي، الالتزام بالسرية والمسئولية المدينة “دراسة مقارنة”، مجلة القانون والاقتصاد، العدد 82 – ص 457.
[7] د.محمد فريد العريني، القانون الجوي، ص٣١٥.
[8] د.حمدلله حمد لله، القانون الجوي الداخلي والدولي، ص٦٧.
[9] محكمة التمييز المدنية، الغرفة الرابعة، قرار رقم ٣١، ٥/١٢/٢٠٠٠، ص٦٥٢.
[10] د. عيسي غسان رفضي، مسؤولية الناقل الجوي الدولي عن الضرر الواقع على الأشخاص وامتعتهم، دار الثقافة للنشر، عمان، ط١، ص٩٢.
[11] انظر (المادة ١٩) من اتفاقية وارسو لعام ١٩٢٩م
[12] انظر (المادة ٢٧) من اتفاقية مونتريال لسنة 1999م
[13] د. محمد فريد العريني، القانون الجوي، النقل الجوي الداخلي والدولي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ص١١٩.
[14] د. محمد فريد العريني، القانون الجوي، النقل الجوي الداخلي والدولي، دار المطبوعات، الإسكندرية، ص١٧٧.
[15] انظر (المادة ٢٤) من اتفاقية وارسو
[16] انظر (المادة 30) من اتفاقية وارسو
[17] انظر الحكم رقم (٢٦٨٥) لسنة ٢٠١٤م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ٧/١٢/٢٠١٤م
[18] انظر الحكم رقم (٤٨٤) لسنة ١٩٨٧م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ١٧/٩/١٩٨٧م

