الأساس القانوني للمسؤولية التقصيرية
الأصل في تصرفات الإنسان أنها تبنى على الحرية، ولكن هذه الحرية في التصرف تتقيد بحدود، وهذه الحدود قد ترجع إلى مبادئ الأخلاق، وقد يفرضها القانون، وبمجرد تجاوز هـذه الحـدود تستوجب المسؤولية.
والمسؤولية قد تكون أخلاقية أو قانونية، وتعتبر المسؤولية التقصيرية خروجًا عن القواعد العامة في المسؤولية، وخروجًا عن المبدأ العام القاضي بعدم مسؤولية الشخص إلا عن أفعاله الضارة، وسوف نتناول كل ما يتعلق بأسباب تسويغ المسؤولية التقصيرية في العناصر الرئيسية الآتية:
أولًا: مفهوم المسؤولية التقصيرية:
ثانيًا: أساس المسؤولية التقصيرية:
ثالثًا: أركان المسؤولية التقصيرية:
رابعًا: الآثار المترتبة على المسؤولية التقصيرية:
خامسًا: السوابق القضائية المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية:
أولًا: مفهوم المسؤولية التقصيرية:
عرف القانون المدني الأردني المسؤولية التقصيرية، حيث نصت (المادة ٢٥٦) من القانون المدني الأردني على أنه: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”([1]).
إلا إن الفقه اختلف في تعريف المسؤولية التقصيرية، وذلك تبعًا للأساس الذي تقوم عليه المسؤولية، ففي الفقه المصري والفرنسي اشترط أن يكون الفعل الضار بحد ذاته يشكل خطأ، وبناءً على ذلك، تم تعريف المسؤولية التقصيرية بأنها: “حالة الشخص الملزم قانونًا بتعويض الضرر الذي سببه للغير بفعله الخاطئ” وذهب البعض إلى تعريف المسؤولية التقصيرية بأنها: “إخلال بالتزام قانوني، بأن ينحرف الشخص عن السلوك الواجب، أو عن السلوك المألوف العادي”([2]).
ثانيًا: أساس المسؤولية التقصيرية:
إن الأساس التي تقوم عليه المسؤولية التقصيرية يكون نابعًا من الضرر الذي يتسبب به المُقصر للغير، ويتمثل الأساس القانوني للمسؤولية التقصيرية فيما نصت عليه (المادة ٢٥٦) من القانون المدني الأردني: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”([3]).
ويتضح من نص المادة السابقة أن المشرع الأردني جعل نص (المادة ٢٥٦) مطلقًا، وهذا الأمر يكون محل نقد شديد؛ لأنه ليس كل إضرار بالغير يوجب حتمًا الضمان، فقد يترتب الضرر ولا يتوجب الضمان، كما في حالة إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كالقوة القاهرة، وفقًا لنص (المادة ٢٦١) من القانون المدني الأردني: “إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له كآفة سماوية، أو حادث فجائي، أو قوة قاهرة، أو فعل الغير، أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان مالم يقضي القانون، أول الاتفاق بغير ذلك”([4])
ويتضح من نص المادة السابقة أن المشرع الأردني قد أقام المسؤولية على عنصر الضرر لا عنصر الخطأ، وتوافق في هذا الشأن مع الشريعة الإسلامية التي تقيم الضمان على أساس الضرر، فالقانون الأردني يأخذ بالمسؤولية الموضوعية وليس الذاتية، حيث إن مسؤولية الشخص عن الأضرار التي تلحق بالغير، تتحقق في كل حالة بغض النظر عن النشاط الذي قام به سواء أكان خطأً أم لا، مما يؤكد هذا أن المشرع الأردني قد أخذ بمبدأ التعويض عن الأضرار التي تلحق بالغير حتى في حالة الشخص غير المميز.
كما استمد المشرع الأردني من الفقه الإسلامي مصطلح الإضرار بالمباشرة والإضرار بالتسبب، حيث نصت (المادة ٢٥٧) من القانون المدني الأردني على إنه: “الإضرار بالمباشرة أو التسبب، فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له، وإن كان بالتسبب فيشترط التعدي، أو التعمد، أو أن يكون الفعل مفضيًا إلى الضرر”([5]). ويتضح من نص المادة المذكورة أن المشرع الأردني قد جعل الضرر المباشر ملزمًا بالضمان دون أي شرط، سواء أكان ضررًا ماديًا أم معنويًا، أما في حالة الضرر المتسبب، فيشترط لإلزامه بالضمان التعدي، أو التعمد، أو أن الفعل مفضيًا إلى الضرر.
وهنا يؤخذ على المشرع الأردني اشتراط التعمد، أو أن يكون الفعل مفضيًا إلى ضرر؛ لأن النص على هذا الشرط نوعًا من التزيد، فهذا الشرط يتعلق برابطة السبيبة بين الفعل والضرر، وهي رابطة يجب توافرها في جميع الأحوال وإلا فلا ضمان؛ ولذلك كان من الممكن الاستغناء عن هذا الشرط المفترض سواء تم النص عليه، أم لا.
- ما المقصود بالتعمد؟
يكون التعدي عمديًا: “إذا كان الشخص قد أراد الأعمال المادية المؤدية إلى إيقاع الأذى والضرر بالغير، كما أنه أراد تحقيق هذا الضرر الذي وقع، وبذلك يتبين العمد في نية الإضرار بالغير، ولكن لا يكفي أن يتوافر لدى الشخص نية الإضرار بالغير حتى يكون سلوكه خاطئًا موجبًا للمسؤولية، وإنما يجب أن تكون هذه النية سيئة، فلا تعتبر نية الإضرار بالغير خطأً موجبًا للمسؤولية، فقد يريد الشخص أن يضر بالغير؛ ومع ذلك لا يعتبر مخطئًا، وذلك في حالة إذا كان لم يرتكب هذا الفعل الضار إلا ليتفادى ضررًا آخر”([6]).
ويكون التعدي غير عمدي: إذا لم يكن عند الشخص نية الإضرار بالغير، ولكن يقع منه إهمال يؤدي إلى الإضرار بالغير.
ثالثًا: أركان المسؤولية التقصيرية:
لا بد لقيام المسؤولية التقصيرية توافر ثلاثة أركان هما: الركن المادي والمتمثل بالفعل الضار، والركن المعنوي والمتمثل بالضرر، وعلاقة السببية بين الفعل الضار والضرر، بحيث إذا انتفى أحد هذه الأركان؛ فلا تقوم المسؤولية التقصيرية.
١-الركن المادي (الفعل الضار):
إن المشرع الأردني أخذ في هذا الشأن بفكرة الضرر ولم يأخذ بفكرة الخطأ، فالضرر يكون إما بفعل إيجابي، أو بامتناع عن القيام بعمل، ولا فرق في الضرر أن يتخذ انحراف الشخص مظهرًا إيجابيًا، أو مظهرًا سلبيًا.
أما الخطأ فهو الخطأ التقصيري، ويُعرف الخطأ قانونًا بأنه: “عبارة عن الإخلال بالتزام قانوني سابق يصدر عن تميز أو إدراك؛ لذلك فالخطأ في هذه الحالة يقوم على عنصرين، أولهما ماديّ وهو الإخلال، وثانيهما معنويّ وهو التمييز أو الإدراك”([7])
والركن المادي للخطأ: “هو عبارة عن العمل الذي يرتكبه الشخص ويسبب ضررًا للغير، إما بقصد منه، أو بغير قصد منه، إنما يكون نتيجة إهمال أو تقصير منه؛ لذلك يفرض القانون على كل شخص التزام قانوني مفاده عدم إلحاق الضرر بالغير، وهو التزام ببذل عناية، وليس التزام بتحقيق نتيجة؛ مما يتوجب على هذا الشخص مُراعاة اليقظة والحيطة والحذر في جميع أعماله؛ حتى يتجنب إلحاق الضرر بالغير”([8]).
أما الركن المعنوي للخطأ: “هو عبارة عن الإدراك والتمييز، فإذا كان شرط الانحراف عن سلوك الشخص المعتاد ضروريًا لقيام ركن الخطأ للمسؤولية التقصيرية، فإن ّهذا الركن لا قيمة له من الناحية القانونية طالما أنه صدر عن شخص لا يتمتع بالإدراك، أو على الأقل يجب أن يكون مميزًا؛ لكي يعده القانون مسؤولًا عن أعماله غير المشروعة، فالمسؤولية على سبيل المثال لا تقوم في مواجهة الصبي غير المميز، وهذا على خلاف المشرع الأردني الذي جعل الصبي غير المميز ملتزمًا بضمان الضرر”([9]).
٢-ركن النتيجة (الضرر):
يُعد الضرر الركن الثاني من أركان المسؤولية التقصيرية، فلا يكفي لقيام المسؤولية التقصيرية أن يقع الخطأ، وإنما يجب أن يترتب على هذا الخطأ إلحاق ضرر بالغير؛ لأن المسؤولية تعني التزامًا بالتعويض، والتعويض يقدر بقدر الضرر، وبانتفائه تنتفي المسؤولية.
يُعرف الضرر بأنه: “هو الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه، أو مصلحة من مصالحه المشروعة”([10]). والمضرور هو الذي يُكلف بإثبات الضرر الذي وقع عليه؛ لأنه هو الذي يدعيه، ولأن الأصل العدم، فلا يفترض وقوع الضرر لمجرد إخلال الشخص بالتزام قانوني، ووقوع الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات.
-أنواع الضرر:
يُقسم الضرر حسب طبيعته وفقًا للآتي:
الضرر المادي: “هو ذلك الضرر الذي يلحق خسارة مالية بالمضرور؛ فيؤدي إلى نقص في ذمته المالية، مثل المساس بحق من حقوقه المالية”([11])، ويكون الضرر ماديًا إذا كان ملموسًا يمكن رؤيته بالعين المجردة، وتحديده تحديدًا دقيقًا.
الضرر المعنوي: هو عبارة عن ضرر يلحق بالشخص في مصلحة غير مادية، كالعواطف، أو المشاعر، أو السمعة، أو كرامة الشخص، أو الاعتداء على شخص ما في معتقداته الدينية، وهو الضرر لا يمكن إدراكه بالعين ولا يكون ملموسًا.
ويوجد نوعين آخرين للضرر هما:
الضرر المباشر: وهو الضرر الذي يرتبط مباشرة بالخطأ أي ارتباط السبب بالنتيجة، أو بمعنى آخر هو النتيجة الطبيعية للخطأ بحيث لم يكن المضرور قادرًا على تفاديه ببذل جهد معقول.
الضرر غير المباشر: وهو الذي لا يكون نتيجة مباشرة للخطأ أي أنه الضرر الذي فصل بينه وبين الخطأ سبب أجنبي.
– شروط الضرر الموجبة لقيام المسؤولية التقصيرية:
وضع المشرع الأردني شروطًا محددةً في الضرر يلزم توافرها لقيام المسؤولية التقصيرية، وذلك على النحو الآتي:
– أن يكون الضرر محققًا ومؤكدًا:
لا تجوز المطالبة بالتعويض إلا إذا كان الضرر محقق الوقوع، أي أن الضرر مادي أو معنوي يجب أن يكون مؤكدًا في حدوثه، وأن يكون قد وقع فعلًا أو سيقع مستقبلًا، كأن يتعهد شخص بتوريد مواد غذائية للمستشفى شهريًا، ويتوقف عن التوريد فجأة؛ فهنا الضرر سوف يكون محققًا وإن وقع مستقبلًا؛ لذا فلا يجوز المطالبة بالتعويض عن الضرر المحتمل، وهو الضرر الذي لم يقع، ولا يوجد ما يؤكد وقوعه مستقبلًا.
– أن يكون الضرر مباشرًا:
بمعنى أن يرتبط الضرر مباشرةً بالخطأ ارتباط السبب بالنتيجة، فيكون بذلك الضرر نتيجة طبيعية للخطأ الصادر عن الشخص، سواء توقع هذا الأخير أم لم يتوقعه، كما ويشترط فيه ألا يستطيع من لحقه الضرر تفاديه بأي صورة من الصور.
– أن يصيب الضرر حق ثابت أو مصلحة مالية للمضرور:
وهنا يميز القانون بين الضرر المادي كالاعتداء على حياة إنسان، أو الاعتداء على سلامة جسده؛ فيحدث له عاهة مُستديمة تمنعه من مواصلة الحياة بالطريقة الطبيعية، والضرر المعنوي الذي قد يقتصر فقط على إلحاق أذى بنفس أو سمعة المضرور، وحقيقةً كلا النوعين يستوجبان التعويض، ولكن يتم تقديره بحسب نسبة الضرر الواقع.
٣-علاقة السببية بين الخطأ والضرر:
إن المشرع الأردني اشترط لقيام المسؤولية التقصيرية توافر السببية بين الخطأ والضرر، وعلاقة السببية بين الفعل الضار والضرر هي علاقة مباشرة تقوم بين الخطأ الذي ارتكبه شخصًا ما والضرر الذي لحق بآخر وهو المضرور، فهنا لا يكفي لقيام المسؤولية التقصيرية وقوع الفعل الضار والضرر، ولكن يجب أن تربط بينهم صلة مباشرة، بمعنى أن الخطأ الحاصل هو الذي سببَّ الضرر، وعلاقة السببية هي الركن الثالث من أركان المسؤولية التقصيرية، وفقًا لنص (المادة ٢٥٧) من القانون المدني الأردني أنه: “الأضرار بالمباشرة أو التسبب، فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له، وإن كان بالتسبب فيشترط التعدي، أو التعمد، أو أن يكون الفعل مفضيًا إلى الضرر”([12]).
ويشترط القانون على من لحقه الضرر إثبات وجود هذه السببية بين الخطأ الذي صدر عن الشخص الأول، وبين الضرر الذي لحق به، حتى يتمكن من المطالبة بالتعويض، فإذا لم تتوافر علاقة السببية بين الخطأ والضرر الذي تحقق؛ فلا يُعقل بأي حال من الأحوال أن يطالب المضرور بالتعويض عن ضرر يسببه الغير، والمدعي عليه إذا أراد دفع المسؤولية عنه يجب أن ينفي علاقة السببية، وذلك من خلال إثبات السبب الأجنبي -الذي لا دخل له فيه- المؤدي إلى ذلك الضرر.
ويختلط الأمر في بعض الأحيان عندما تتعد الأسباب، أو تعدد الأضرار؛ لذا فلا بد من توضيح جميع الحالات على النحو الآتي:
-الحالة الأولى: إذا ما تعددت الأسباب:
في بعض الأحيان يكون الضرر الحاصل نتيجة عدة وقائع، أو أسباب اشتركت جميعها في حدوثه، وفي هذه الحالة سوف يُصعب استبعاد أي واحد منها؛ لأن الضرر وقع بسببها جميعًا.
ومثال لذلك: لو أن شخص ترك سيارته وفيها المفتاح، فسرقها آخر، وصدم شخص ثاني، ولم يُسارع إلى إنقاذه، فجاء ثالث وحمله بسيارته إلى المستشفى لإسعافه، وفي أثناء الطريق اصطدم بسيارة أخرى؛ فأدّى هذا الحادث إلى وفاة الشخص المُصاب، فعلى من تقع المسؤولية هنا؟
هل على الشخص الأول الذي ترك سيارته مفتوحة، أما الثاني الذي سرقها، أم الثالث الذي حاول إنقاذ المصاب، ولكنه تسبب في مقتله، وللإجابة عن هذا التساؤل، ذهب الفقه القانوني إلى عدة نظريات على النحو الآتي:
-نظرية تكافؤ الفرص: وتقوم هذه النظرية على أساس الأخذ بجميع الأسباب التي أدت إلى إحداث الضرر، بمعنى أن كل سبب يتم الأخذ به، حتى لو كان بعيدًا، بحيث لولا وجوده ما وقع الضرر، ويعتبر سببًا مُتكافئ مع غيره في حدوث الضرر، إلا أن هذه الأسباب لا تعتبر متعادلة إلا إذا كان كل منهما مستقلًا عن غيره.
-نظرية السبب المنتج: يقوم هذا الاتجاه على الأخذ بالسبب الفعال الذي لعب دورًا أساسيًّا في إحداث الضرر، وإهمال الأسباب الباقية.
– نظرية الأثر الذي يترتب على تعدد الأسباب التي أدت إلى إحداث الضرر: وتذهب هذه النظرية إلى القول بأنه متى ما ساهمت عدة أسباب في إنتاج الضرر وقامت الرابطة السببية بين الضرر الذي وقع وبين تلك الأسباب فإنه يجب الاعتماد على كل سبب منها والأخذ بها جميعها.
ولقد نصت (المادة ٢٦٦) من القانون المدني الأردني على أنه: “يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”([13])، ويتضح من نص المادة أن المشرع الأردني أخد بنظرية السبب المنتج.
– الحالة الثانية: إذا ما تعددت الأضرار:
وذلك عندما يؤدي الفعل الخاطئ ضرر لشخص ما، ثم يؤدي هذا الضرر إلى ضرر ثاني؛ فيُصيب به شخص ثاني، ويُفضي هذا الضرر الثاني إلى إصابة شخص ثالث، أي حدوث عدة أضرار نتيجة خطأ واحد.
ومثال ذلك: كما لو قام شخص بشراء ماشية مريضة بمرض معدي من آخر، فأصابت باقي المواشي بالمرض فماتوا، وتعذر عليه زراعة أرضه فكثرة ديونه، فحجز الدائن عليها، وباع الأرض بثمن زهيد.
القاعدة هنا تقضي أن التعويض لا يكون إلا عن الضرر المباشر، إما بقية الأضرار؛ فلا يسأل عنها من ثبت ارتكابه للخطأ، وعليه فإن التعويض في المسؤولية التقصيرية وفقًا لهذا الاتجاه يشمل فقط الضرر المباشر، سواء أكان متوقع أم لا.
رابعًا: الآثار المترتبة على قيام المسؤولية التقصيرية:
مع ثبوت قيام المسؤولية التقصيرية في حق المدعى عليه؛ فيكون حينها ملزمًا بتعويض المضرور عما أصابه من ضرر، ويقدر ذلك التعويض وفقًا لما نصت عليه (المادة ٢٦٦) من القانون المدني الأردني:” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”([14]).
ويمكن أن يكـــون التعويض عينيًا، أو أن يكـــون بمقابل، ونُبين كل نوع منهما فيما يلي:
التعويض العيني: وهو إعادة الحال إلى ما كان عليه قبـل وقـوع الضـرر، والتعـويض العيـني يؤدي إلى وفاء الالتزام عينًا، والوفاء العيني بالالتزام هو الأصل في الالتزامات العقدية. ويمكن أن يقع الوفاء العيني بالالتزام في إطار الالتزامات غير العقديـة أيضًا.
وإذا أخـل المـدين بالتزامه بعـدم الإضــرار بالغير، كــأن يقــوم شــخص ببنــاء حــائط مــن أجــل حجــب النــور والهــواء عــن جــاره بشــكل تعســفي، يمكــن أن يحكــم عليــه بالتعويض العيــني، أي إعــادة الحــال إلى مــا كانــت عليــه قبــل وقــوع الضرر، وذلك بإزالة الجدار وهدمه على حساب من بناه. وإذا طالب المضرور بالتعويض العيـني، وكان ممكنً؛ فيجب على القاضي أن يحكم به.
-التعــويض بمقابــل: إذا كــان التعــويض العيــني يــؤدي إلى محــو الضــرر وإزالتــه، فــإن التعــويض بمقابل يهدف إلى جبر الضرر. وقد يكون المقابل في هذا التعويض نقدي أو غير نقدي، والتعويض غــير النقــدي غالبًا يحكــم بــه لجــبر الضــرر الأدبي.
ولكن يبقى التعويض النقدي هو الأصل في دعوى المسؤولية التقصيرية، ويحكـم القاضـي بـه عندما يتعذر الحكم بالتعويض العيني، أو عندما لا يطلب المضرور التعويض العيني. والأصــــل في التعــــويض النقــــدي أن يكــــون مبلغًا نقديًا يدفعــــه المــــدعى عليــــه مــــرة واحــــدة للمضــرور، ولكــن يمكــن للقاضــي أن يحكــم بتعــويض نقــدي مقســط، أو إيــراد مرتــب مــدى الحيــاة.
ويسـتحق المضـرور التعـويض عـن الضـرر الـذي لحـق بـه نتيجـة عمــل غــير مشــروع مــن تاريخ حــدوث الضــرر، لا مــن وقــت صــدور الحكــم بالتعويض في دعــوى المسؤولية التقصيرية. ويعد هذا الحكم مقررًا لحق المضرور في التعـويض لا منشئًا لـه؛ ويترتـب علـى ذلك أنه من وقت حدوث الضرر يحق للمضرور أن يتصـرف في حقه، ويحولـه للغـير بموجـب حوالـة الحق، كما له أن يتخذ من هذا التاريخ الإجـراءات الاحتياطيـة الـتي تكفـل لـه الحصـول علـى حقـه عند صدور الحكم في دعوى المسؤولية.
كيفية تقدير الضرر:
بمــا أن التعــويض يهــدف إلى جــبر الضــرر؛ فيجــب أن يقــدر بقــدر الضــرر، ويقــدر القاضــي مدى التعويض عن الضرر، بحيث يشمل ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسـب، ويشــمل التعــويض مــن جهــة أخــرى الضــرر المــادي والضــرر الأدبي، كمــا أنــه يشمل الضرر المتوقع والضرر غير المتوقع.
“ويجب على المحكمة أن تبين في حكمها بشأن تقدير التعويض عناصر الضرر المطلـوب عنهـا التعويض، ومناقشة كل عنصر بشكل مستقل، وأنه يحق لها أن تحكم بتعويض إجمـالي عـن جميـع تلـك العناصـر الـتي يستحق المضرور التعويض عنها” ([15]).
وإذا كان القاضي لا يخضع في تقـديره للتعـويض لرقابـة محكمـة الـنقض، علـى اعتبـار أنـه مـن الوقائع المادية التي تخضع للسلطة التقديرية للقاضي؛ فإن تحديد عناصر التعويض هو من المسائل القانونيـــة الـــتي يخضـــع فيهـــا القاضـــي لرقابـــة محكمـــة الـــنقض. وعنـــدما يقـــوم القاضـــي بتقدير التعويض، فإنه يجب عليه أن يراعي التناسب بـين التعـويض والضـرر إذ يجـب أن يكـون مقـدار التعـويض بعـد تقـديره مساويًا للضـرر.
ويترتـب علـى ذلــك أنـه يجـب علـى القاضـي أن يقـدر التعـويض بقيمــة الضرر، وفقًا لما انتهى إليه وقـت الحكـم؛ وبالتالي يـدخل في اعتبـاره تفـاقم الضـرر أو تناقصـه مـن يـوم حدوثه حتى يوم صدور الحكم. وإذا كان لا يجوز للقاضي أن يحكم بتعويض أقل وفق مبدأ التناسب بين الضـرر والتعـويض، فإنــه بالمقابل لا يجــوز لــه أن يحكــم بتعــويض أكثــر للمضــرور، وإلا كــان مــن حــق المســؤول الرجــوع علــى المضــرور بمــا زاد بموجــب دعــوى الإثــراء بــلا ســبب.
خامسًا: السوابق القضائية المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية:
لقد ورد في الحكم رقم (٢٠١) لسنة ٢٠٢١م:
الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ٢٨/٢/٢٠٢١ بما نصه: “أن الأخذ بالبينة ووزنها من محكمة الموضوع لا رقابة لمحكمة التمييز عليها طالما أن النتيجة التي توصلت إليها جاءت مستخلصة استخلاصًا سائغًا ومقبولًا ومستمدة من بينات قانونية ثابتة في الدعوى، وفقًا لنص المادتين (33) و (34) من قانون البينات وعليه، حيث إن محكمة الاستئناف بحثت في أركان المسؤولية التقصيرية، واستندت إلى تقرير الخبرة الجاري أمام محكمة الدرجة الأولى لتقدير التعويض وأن البينة كافية للحكم للمدعية بالتعويض مما يتعين رد السبب، ويكون قرار محكمة الموضوع صحيحًا ومتفقًا مع أحكام القانون اذا عالجت أسباب الاستئناف بكل وضوح وتفصيل…؛ مما يتعين رد التمييز، …، وأن تقديم البينة الخطية والشخصية من مسؤولية المدعى عليها، وفي حال وجود أوراق لم تتمكن من إحضارها أن تطلب من المحكمة، مع الإشارة إلى أن المدعى عليها مؤسسة رسمية ولديها كافة الأوراق المتعلقة بالعطاء مما يتعين رد التمييز”([16]).
كما ورد في الحكم رقم (٢٦٠)لسنة ٢٠٢٠م
الصادر صلح حقوق أربد-بتاريخ ٢٩/٣/ ٢٠٢١ بما نصه: “حيث إن مجمل البينة المقدمة من المدعين لم تثبت قيام المدعى عليه بأي فعل أدى إلى وقوع الضرر اللاحق بهم، …وأن من الثابت أن المدعين هم من قاموا بإعادة بناء السور المنهار على نفقتهم الخاصة، وعلى قواعد جديدة بعد أن انهار السور القديم وانهارت قواعدها، وحيث لم يثبت المدعين قيام المدعى عليه بأي فعل أدى إلى لإلحاق الضرر، أو أن السور الذي كان قائمًا كان يشكل ضررا بالمدعين؛ مما يعني أن أركان المسؤولية التقصيرية بحق المدعى عليه قد انهدمت، حيث لم يثبت الفعل وعلاقة السببية ما بين الفعل والنتيجة وهي الأضرار اللاحقة بالمدعين، …. والحالة هذه حرية بالرد لعلة عدم الإثبات في ضوء أنهما لم يثبتا أركان المسئولية التقصيرية بحق المدعى عليه مما يتعين معه والحالة هذه رد دعوى المدعين بمواجهة المدعى عليه”([17])
القرار الصادر عن محكمة التمييز رقم 1938/1997
(المطالبة بالضرر في قواعد المسؤولية التقصيرية)
“……… اذا أسست المميزة دعواها ومطالبتها بالضرر على قواعد المسؤولية التقصيرية ،وبما ان المميز ضده هو الذي قام بالحفريات والأعمال الإنشائية التي تسببت بالضرر فان الخصومة تكون قائمة بين المميزة والمميز ضده خلافا لما انتهت اليه محكمة الاستئناف في قرارها المطعون فيه …….”.
2- قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 809/1986 (هيئة خماسية) تاريخ 10/12/1986
(التعويض على أساس المسؤولية التقصيرية)
“ان الالتزام القانوني الذي يعتبر الإخلال به خطأ في المسؤولية التقصيرية هو التزام ببذل عناية وهو ان يصطنع الشخص في سلوكه اليقظة والحذر حتى لا يضر بغيرة فإذا انحرف عن هذا السلوك الواجب مع إدراكه بذلك يكون هذا الانحراف خطأ يستوجب المسؤولية التقصيرية سواء كان هذا الانحراف ناتجا عن تعمد الشخص الأضرار بالغير أو عن إهماله وتقصيره ،وبناءا على ذلك فإذا ثبت للمحكمة ان تأخير تسليم البضاعة للمميز ضدها وما ترتب عليه من دفع رسوم تخزين إضافية كان بسبب خطأ المميزة المتمثل في إهمالها تسليم البضاعة للمؤسسة في الميعاد بعد وصولها للميناء ،يرتب عليها التعويض لأنها مسؤولة عن الضرر الذي لحق بالمميز ضدها على أساس ان التعويض جزاء المسؤولية”.
إعداد: محمد محمود
[1] انظر نص (المادة ٢٥٦) من القانون المدني الأردني.
[2] د. طلبه أنور، المسؤولية المدنية، الجزء الثالث، المسؤولية التقصيرية، ص٨.
[3] انطر نص (المادة ٢٥٦) من القانون المدني الأردني.
[4] نظر (المادة ٢٦١) من القانون المدني الأردني
[5] انظر (المادة ٢٥٧) من القانون المدني الأردني.
[6] د. رمضان محمد أبو السعود، مصادر أحكام الالتزام، دراسة مقارنة، ص٣٠٠.
[7]د. حسن علي الذنون، شرح القانون المدني، ص ٢٢٨
[8] د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني (الطبعة 3) ، ص.١٨٣
[9] د. محمد عبد الله الدليمي، النظرية العام للالتزام، ص ٢١٥.
[10] د. منصور، أمجد، ص ٢٨٣
[11] د. علي سليمان، النظرية العامة للالتزام، ص١٦٢.
[12] انظر (المادة 257) من القانون المدني الأردني
[13] انظر المادة (266) من القانون المدني الأردني
[14] المرجع السابق.
[15] د. سليمان مرقس، الوافي، ص٥٣٨.
[16] انظر الحكم رقم (٢٠١) لسنة ٢٠٢١م–الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ٢٨/٢/٢٠٢١
[17] انظر الحكم رقم (٢٦٠) لسنة ٢٠٢٠م الصادر صلح حقوق أربد-بتاريخ ٢٩/٣/ ٢٠٢١

