تجديد الالتزام

تجديد الالتزام

الأصل أن يترتب على أي التزام وفاء, أو يقوم المدين بالوفاء بما التزم به تجاه الدائن, أو التنفيذ بعين ما التزم به تجاه الدائن, ولكن قد لا يترتب على الالتزام وفاء بالمعنى السابق, أي لا يقوم المدين بأداء ما عليه وفاء به، وإنما يقبل الدائن أن يستعيض عن محل التزام المدين بمحل آخر من عمل أو مال أو يقبل من المدين أو غيره التزام جديد بدلا من الالتزام القديم, ففي هذه الحالة لا يحصل الدائن على وفاء ولكنه يحصل على ما يعادل حقه, وهذا المعنى السابق هو الالتزام بما يعادل الوفاء أو انقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء, وبذلك يعتبر تجديد الالتزام طريقا من طرق انقضاء الالتزام ومصدرا من مصادر إنشائه في آن واحد.

أولا: مفهوم تجديد الالتزام:

ثانيا: شروط تجديد الالتزام:

ثالثا: أنواع تجديد الالتزام:

رابعا: أثار تجديد الالتزام:

خامسا:  تجديد الالتزام في التشريع الأردني:

أولا: مفهوم تجديد الالتزام:

لم يخص المشرع الأردني تجديد الالتزام بنصوص محدده تنظم أحكامه كما فعل المشرع المصري الذي نص على أحكامه في القانون المدني في المواد من المادة 352 إلى 358 ([1]), ولكن المشرع الأردني لم يهمل تجديد الالتزام، بل أشار إليه في (المادة 429) من القانون المدني رقم 43لسنة 1976, والتي نصت على أنه: ” إذا اتفق الدائن مع أحد المدينين المتضامنين على تجديد الدين برئت ذمة الباقين إلا إذا احتفظ بحقه قبلهم جميعا “.

والواقع أن المشرع الأردني قد اكتفى بتنظيم الوفاء الاعتياضي بموجب (المادة 341) من القانون المدني، وأحكام الحوالة بنوعيها حوالة الحق وحوالة الدين واستعاض بهما بدلا من التجديد والإنابة إلا أنه أشار إلى التجديد كما ذكرنا في نص (المادة 429 ) سالفة الذكر.

وبطبيعة الأمور أن يتضمن التجديد تغيير سواء كان تغيير في الدين أو تغيير المدين أو تغيير الدائن، وعلى ذلك وبالرجوع  (للمادة 352) من القانون المدني المصري يمكن تعريفه بأنه : الاتفاق بين الدائن والمدين على استبدال الالتزام الأصلي التزام جديد أو بين الدائن وأجنبي على أن يكون هذا الأجنبي هو المدين الجديد مكان المدين الأصلي أو بين الدائن والمدين وأجنبي على أن يكون هذا الأجنبي هو الدائن الجديد.

 إذ تنص (المادة 352) من القانون المدني المصري على أن: ” يتجدد الالتزام: (أولا) بتغيير الدين، إذا اتفق الطرفان على أن يستبدلا بالالتزام الأصلي التزام جديد يختلف عنه في محله أو في مصدره.

(ثانيا) بتغيير المدين، إذا اتفق الدائن مع أجنبي على أن يكون هذا الأجنبي مدينا مكان المدين الأصلي وعلى أن تبرأ ذمة المدين الأصلي دون حاجه لرضائه،  أو إذا حصل المدين على رضاء الدائن بشخص أجنبي قبل أن يكون هو المدين الجديد.

(ثالثا) بتغيير الدائن، إذا اتفق الدائن والمدين وأجنبي على أن يكون هذا الأجنبي هو الدائن الجديد”.

ولقد عرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها حين قضت بأن: ” تجديد الالتزام في صوره الثلاث التي عددتها (المادة 352) سالفة البيان يعتبر طريقا من طرق انقضاء الالتزام ومصدرا من مصادر إنشائه في آن واحد، فهو اتفاق يرمي إلى استبدال التزام جديد بالتزام قديم مغاير له في محله أو في مصدره أو في أطرافه، وهذا الاتفاق على التجديد لم يتطلب فيه القانون شكلا خاصا فانه يكفي أي تعبير عن الإرادة يدل على تراضي الطرفين واتجاه نيتهما إليه”([2]).

– التعريف الفقهي لتجديد الالتزام:

لقد عرفه البعض بأنه:  ” اتفاق يقصد به استبدال التزام جديد بالتزام قديم مغاير في عنصر من عناصره، فالتجديد طريقة من طرق انقضاء الالتزام ومصدر من مصادر إنشائه لأن به ينقضي القديم وينشأ الالتزام الجديد الذي يأخذ محله”([3]).

وعرفه آخر بأنه: ” استبدال التزام بالتزام، فالرابطة القانونية القديمة تزول بنشوء الرابطة القانونية التي تحل محلها فهناك التزام يطرد التزام، والاستبدال يكون بتغيير الدين أو أحد الطرفين، أما إذا حصل الاتفاق على استبدال محل عمل وأن يقترن ذلك بالتنفيذ فالاتفاق الحاصل هو استبدال بوفاء (أو وفاء بمقابل دون تجديد)”([4]).

وعرفه آخر بأنه: ” استبدال التزام جديد بالتزام قائم (قديم) سواء كان عنصر التجديد هو تغيير محل الالتزام أو أساسه (مصدره) أو تغيير المدين أو الدائن وفي كل هذه الصور ينقضي الالتزام القديم ليحل محله الالتزام الجديد ومن هنا كان التجديد سببا للانقضاء، ومن ناحية أخرى فإن انقضاء هذا الالتزام لا يتم دون حصول الدائن على التزام جديد بدلا من الالتزام المنقض ولذا فانقضاء الالتزام في حال التجديد هو بما يعادل الوفاء”([5])

ثانيا: شروط تجديد الالتزام:

ومن خلال نصوص القانون المدني المصري في (المواد من 352 إلى 354) يتضح أنه يلزم توافر شروط معينه لقيام تجديد الالتزام وهي:

1- توافر الأهلية:

إن تجديد الالتزام هو بهذا الشكل يعد عقدا يلزم توافر الأهلية، والأهلية المقصودة هنا هي أهلية الأداء وليس أهلية الوجوب، أي أهلية إبرام التصرفات القانونية، وأن تكون إرادة الأطراف خالية من عيوب الإرادة، فلا يصح انعقاد العقد من مجنون، أو معتوه، أو سفيه، أو صغير السن.

2- اتفاق الأطراف:

فيشترط أن يتفق الأطراف على التغيير سواء بتغيير الدين أو الدائن، فلا يتصور أن يكون هناك تجديد بدون اتفاق وتراضي بين أطراف العقد، لأنه يحمل أحد الأطراف التزام سواء بتحمل الدين، أو الاتفاق من الأطراف الثلاثة الدائن والمدين وأجنبي على أن يكون هذا الأجنبي هو الدائن، أما تبرئة ذمة المدين الأصلي فلا تتطلب موافقة المدين الأصلي وإنما يتفق الدائن وأجنبي على أن يحل الأجنبي محل المدين ويتم تبرئة ذمة المدين دون الحاجة إلى رضاه([6]).

3- وجود التزام قديم وآخر جديد:

فيشترط لصحة تجديد الالتزام أن يكون هناك التزام قديم كي يحل محله التزام آخر جديد باتفاق أطراف العقد، أي بمعنى تعاقب الالتزامين.

4- اختلاف الالتزام الجديد عن الالتزام القديم في المحل أو المصدر:

فيجب أن يكون الالتزامان مختلفان في المحل, ومحل الالتزام هو الأداء الذي يلتزم به المدين في مواجهة الدائن, ففي الالتزام القديم كان الالتزام بتنفيذ الالتزام عيني (الدين) أما في الالتزام الجديد فيستعيض الدين بشيء آخر غيره وذلك بالتراضي بين الدائن والمدين, وبالتالي فيكون محل الالتزامان مختلفان فالالتزام الأول هو الدين أما الجديد فهو الشيء الذي يستعاض به بدلا من الدين, كما يمكن أن يكونا مختلفان في المصدر أو السبب في نشوء الالتزام، أي سبب الالتزام بأن كان الدين لدى المدين قرض فيكون سببه هو عقد القرض, فيتم الاتفاق على استبداله بتجديد الالتزام وتحويله إلى ثمن لبضاعة أو أرض فيكون التغيير استنادا لعقد البيع بعد أن كان قرضا([7]).

5- نيه تجديد الالتزام:

فالأصل أنه لا ينعقد أي عقد بدون اتجاه نية أطرافه إلى تنفيذه، فلابد من توافر النية لكي ينعقد العقد، بأن تتجه نية الطرفان إلى تجديد الالتزام، والنية هنا هي اتجاه إرادة الأطراف إلى إحداث الأثر المنتظر من العقد وهو تجديد الالتزام المتفق عليه، وذلك إما بتغيير الدين ،أو تغيير المدين أو بتغيير الدائن، ولكن يجب أن يقترن هذا التجديد بالاستمرارية، أي يكون هناك تجديد مع استمرار نفس الالتزامات، فجوهر التجديد هو التعديل مع الاستمرارية([8]).

ثالثا: أنواع تجديد الالتزام:

لقد بينت (المادة 352) من القانون المدني المصري سالفة البيان أن هناك نوعين من تجديد الالتزام يتعلقان بموضوع الدين وبشخص أو بأطراف العقد، أي موضوعي يتعلق بالدين،  وشخصي يتعلق بتغيير أحد أطراف العلاقة وهما الدائن أو المدين.

وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” تجديد الالتزام بتغيير الدين وفقا للمادة 352\2 من القانون المدني يتم باتفاق الدائن مع أجنبي على أن يكون هذا الأجنبي مدينا مكان المدين الأصلي وعلى أن تبرأ ذمة المدين الأصلي دون حاجة لرضائه أو إذا حصل المدين على رضاء الدائن بشخص أجنبي أن يكون هو المدين الجديد”([9]),  وذلك على النحو التالي:

1- التجديد الموضوعي:

ويتعلق التجديد الموضوعي كما بينت (المادة 352) من القانون المدني المصري بأول حالة وهي تغيير الدين، وذلك في حالة اتفاق الطرفان على استبدال الالتزام الأصلي بالتزام آخر جديد مختلف عنه في المحل والسبب.

وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن: ” تجديد الالتزام بتغيير موضوعه وفقا لما تقضي به الفقرة الأولي من المادة 352من القانون المدني هو عقد يتفق فيه الطرفان مع انقضاء التزام سابق وأن يحل محله التزام آخر يختلف عن الأول في محله أو في مصدره، واستخلاص تجديد الالتزام أمر موضوعي يستقل به قاضي الموضوع متى كانت الأسباب التي أقامت عليها المحكمة حكمها من شأنها أن تؤدي إلى القول بذلك”([10]).

والاختلاف في المحل يكون باستبدال محل الدين، وذلك بأن كان الدين مبلغا من النقود فيتفق الطرفان على استبداله بمقدار من القمح أو الأرز مثلا، أما السبب أي سبب الالتزام بأن كان الدين لدى المدين قرض فيكون سببه هو عقد القرض، فيتم الاتفاق على استبداله بتجديد الالتزام وتحويله إلى ثمن لبضاعة أو أرض فيكون التغيير استنادا لعقد البيع بعد أن كان قرضا([11]).

ولكن لا يجوز أن يكون التجديد مجرد تقييد الالتزام في حساب جار وإنما يتحدد الالتزام إذا قطع رصيد الحساب وتم إقراره، وهو ما نصت عليه (المادة 355) من القانون المدني المصري على أنه: ” لا يكون تجديدا مجرد تقييد الالتزام في حساب جار، وإنما يتحدد الالتزام إذا قطع رصيد الحساب وتم إقراره على أنه إذا كان الالتزام مكفولا بتأمين خاص فإن هذا التأمين يبقى ما لم يتفق على غير ذلك”.

2- التجديد الشخصي:

ويتعلق التجديد الشخصي بالحالتين الثانية والثالثة المنصوص عليهما في (المادة 252 فقره ثانية وثالثة) من القانون المدني المصري سالفة البيان، وهما حالتي التجديد بتغيير المدين والدائن([12]).

ففي حالة التجديد بتغيير المدين يتفق الدائن مع أجنبي على أن يكون هذا الأجنبي مدينا مكان المدين الأصلي وتبرأ ذمة المدين ودون أن يتوقف ذلك على موافقة المدين أو رضائه، أما التجديد بتغيير الدائن وذلك بأن يتفق الأطراف الثلاثة المدين والدائن والأجنبي على أن يكون الأجنبي هو الدائن الجديد.

رابعا: آثار تجديد الالتزام:

من خلال تعريف تجديد الالتزام يتبين لنا أن تجديد الالتزام ينقضي به التزام وينشأ به التزام وبالتالي فهو يترتب عليه أثران هما:

الأول: الأثر المسقط:

من الطبيعي أن يترتب على تجديد الالتزام انقضاء الالتزام القديم الذي كان يلتزم به المدين، هو وجميع توابعه من التأمينات والمطالبات التي كانت للدائن([13]).

ولكن المشرع استثنى من ذلك جواز نقل التأمينات الشخصية والعينية في حالة رضاء الأطراف وهو ما بينته (المادة 356) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن: ” يترتب على التجديد أن ينقضي الالتزام الأصلي بتوابعه وأن ينشأ مكانه التزام جديد، ولا ينتقل إلى الالتزام الجديد التأمينات التي كانت تكفل تنفيذ الالتزام الأصلي إلا بنص القانون أو إلا إذا تبين من الاتفاق أو من الظروف أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى ذلك”.

الثاني: الأثر المنشئ:

يترتب على تجديد الالتزام ليس فقط سقوط الالتزام القديم، بل في ذات الوقت ينشأ التزام جديد يتمثل في تغيير الدين وإنشاء التزام جديد مكان الالتزام الأصلي أو تغيير المدين بأن يكون مكانه أجنبي بعد أن يتفق الدائن معه وتبرأ ذمة المدين الأصلي، أو تغيير الدائن بالاتفاق بين المدين والدائن والأجنبي، وهذه الحالات الثلاثة فيها إنشاء التزام جديد مترتب على التجديد.

وهذا الالتزام الجديد المنشئ مستقل عن الالتزام الأصلي ومختلف عنه من حيث الأحكام فهو التزام جديد وليس تابع للأول.

خامسا:  تجديد الالتزام في التشريع الأردني:

كما ذكرنا آنفا، فإن المشرع الأردني لم يخص تجديد الالتزام بنصوص قانونية في القانون المدني الأردني وإنما أشار إليه في (المادة 429) منه سالفة البيان.

فالمشرع الأردني استعاض بذلك بتنظيم أحكام الوفاء الاعتياضي والذي نص عليها في (المادة 340), (341), (342) من القانون المدني([14]).

ونصت (المادة 340) من القانون المدني الأردني على أنه: ” يجوز للدائن أن يقبل وفاء لدينه شيئا آخر أو حقا يؤديه المدين ويخضع الاتفاق على الاعتياض لشرائط العقد العامة”.

ففي هذه المادة ذكر المشرع الأردني عبارة (شيئا آخر أو حقا يؤديه المدين), فهو قصد منها أن الدائن من الممكن أن يقبل وفاء لدينه من المدين شيئا آخر، ولم يحدد هذا الشيء فلفظ شيء هنا واسع يشمل كل الأشياء فمن الممكن أن يشمل أي التزام من أداء أمر معين أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.

ونصت (المادة 341) من ذات القانون على أنه: ” تسري أحكام البيع على الوفاء الاعتياضي إذا كان مقابل الوفاء عينا معينة عوضا عن الدين، وتسري عليه أحكام الوفاء في قضاء الدين”.

ففي هذه المادة نجد أن المشرع قد قصد جواز أن يكون العوض شيء آخر، أي جواز أن يكون العوض شيئا آخر دون الاشتراط أن يكون عينا معينة، أما إذا كان العوض عينا معينة فلابد من قيام المدين بنقل ملكية هذه العين للدائن بدلا من التزامه الأصلي([15]).

ونصت (المادة 342) على أن” ينقضي الدين الأول مع ضماناته في الوفاء الاعتياضي وينتقل حق الدائن إلى العوض”.

أي أن بمجرد تقديم المحل الجديد الذي يستبدل به المحل القديم، ينقضي الالتزام فوريا وينتقل حق الدائن إلى العوض المقدم (المحل الجديد).

كما نص المشرع الأردني على تجديد الالتزام في (المادة 273) من قانون التجارة الأردني لسنة1966 والتي تنص على أنه: ” لا يتجدد الدين بقبول الدائن تسليم شيك استيفاء لدينه فيبقي الدين الأصلي قائما بكل ما له من ضمانات إلا أن توفي قيمة هذا الشيك”.

أي أن تسليم الشيك للدائن ليس معناه استيفاء الدائن لدينه أو تجديد الدين، وإنما يظل الدين قائما إلى أن يوفي قيمة الدين بصرف قيمة الشيك، ولا ينقضي الالتزام الأصلي وإنما يبقى قائما ولا تبرأ ذمة المدين منه.

ويتبين لنا من خلال هذه النصوص أن المشرع الأردني لم يتناول تجديد الالتزام بشكل مباشر كما ذكرنا إلا أنه في ذات الوقت قد أورده في تلك النصوص، واكتفى كما ذكرنا بتنظيم الوفاء الاعتياضي، والوفاء بمقابل كبديل للتجديد الالتزام، لذلك سنتناول الفارق بين الوفاء بمقابل وتجديد الالتزام لبيان مدي تطابقهما أو اختلافهما، وإلى أي مدي قصر المشرع الأردني في عدم تنظيم تجديد الالتزام في نصوصه وذلك على النحو التالي:

– الوفاء بمقابل (الوفاء الاعتياضي) وتجديد الالتزام:

لقد نظم المشرع الأردني الوفاء الاعتياضي في نصوص المواد (342:340) من القانون المدني الأردني كما بينا آنفا، أما المشرع المصري فقد نظم أحكام الوفاء الاعتياضي ولكنه أطلق عليه مصطلح “الوفاء بمقابل” وذلك في نصوص المواد (351،350):

فقضت (المادة 350) من القانون المدني المصري على أن: ” إذا قبل الدائن في استيفاء حقه مقابلا استعاض به عن الشيء المستحق قام هذا مقام الوفاء”.

ونصت المادة (351) على أنه: ” يسري على الوفاء بمقابل فيما إذا كان ينقل ملكية شيء أعطى في مقابله الدين، أحكام البيع، وبالأخص ما تعلق منها بأهلية المتعاقدين وضمان الاستحقاق وضمان العيوب الخفية، ويسري عليه، من حيث إنه يقضي الدين أحكام الوفاء، وبالأخص ما تعلق منها بتعيين جهة الدفع وانقضاء التأمينات”.

ووفقا لنصوص المواد (341،340) من القانون المدني الأردني، ونصوص القانون المصري سالفة الإشارة فإنه يمكن تعريف الوفاء الاعتياضي بأنه: “وسيلة فورية لانقضاء الالتزام، تتم باتفاق الدائن والمدين على تقديم الأخير محل جديد بدلا من المحل الأصلي يقوم مقام الوفاء وينقضي به الالتزام، وينتقل حق الدائن إلى العوض”.

ولقد عرفه البعض بأنه” اتفاق بين الدائن والمدين على أن يوفي المدين للدائن بشيء آخر غير محل الالتزام ويقوم المدين بوفاء هذا الشيء فعلا”([16]).

وعرفه آخر بأنه” أن يقدم المدين لدائنه مقابلا يرتضيه عوضا عن الشيء المستحق”([17]).

وعرفه ثالث بأنه” الاتفاق بين الدائن والمدين على أن يقوم المدين بتقديم شيء أو حق آخر بدل محل الالتزام الأصلي وعوضا عنه ويكون ذلك مبرئا لذمنه”([18]).

ويتضح من النصوص السابقة وتعريفات الفقهاء لمقابل الوفاء أنه يلزم توافر ركنان لمقابل الوفاء:

الركن الأول: الاتفاق بين الدائن والمدين:

 كما هو الحال في تجديد الالتزام، إذ أن الأصل هو أن يقوم المدين بالوفاء بالدين كما هو متفق عليه، وإذ كان هناك تغيير فباتفاق الطرفين، وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” وفاء الديون بغير طريقة دفعها نقدا يجب أن يكون حاصلا باتفاق الطرفين(الدائن والمدين المتعاقدين) وأن يكون فوق ذلك منجزا نافذا غير قابل للعدول عنه”([19]).

كما قضت محكمة التمييز الأردنية في حكم لها بأن” العبرة في تكييف الدعوي هي للوقائع الواردة وللقواعد القانونية المنطبقة عليها وليس التسمية التي يطلقها الخصوم عليها, وعليه فإذا كانت الوقائع الواردة في صحيفة الدعوى تفيد أن المدعي استلم القطيع الأخير من الصيصان من باب التعويض عن نفوق القطيع الأول, وهو أمر جائز عملا بنص (المادة 340) من القانون المدني التي أجازت للدائن أن يقبل وفاء بدينه عوضا آخر, ويخضع الاتفاق على الاعتياض لشرائط العقد العامة, وتسري عليه أحكام البيع وينقضي به الدين الأول مع ضماناته”.([20]).

الركن الثاني: تنفيذ هذا الاتفاق:

 ويكون ذلك بقيام المدين بنقل ملكية شيء إلى الدائن لتبريء ذمته أمام الدائن من هذا الدين، وغالبا ما يكون تنفيذ الالتزام بنقل ملكية عقار مثلا للدائن بدلاُ من النقود، أو وفقا لنصوص القانون المدني الأردني الاستعاضة عن المحل الأصلي بمحل آخر جديد.

ولكن المشرع الأردني وإعمالا لشرط نقل الملكية الوارد في نصوص القانون المدني، فانه أورد نصا في قانون التجارة الصادر عام 1966 بموجب (المادة 273) سالفة البيان، بين فيها أن قبول الدائن استيفاء الدين بشيك أو كمبيالة أو أي ورقة لا يبرئ ذمة المدين من الدين إلا إذا قبض الدائن قيمة الشيك.

والوفاء بمقابل أو الوفاء الاعتياضي كما عبر عنه المشرع الأردني لا يعتبر عقدا فهو لا ينشئ التزاما وإنما ينقضي به التزاما، وبالتالي فهو ليس عقدا كما هو الحال في تجديد الالتزام، إذ أنه تبرأ ذمة المدين لمجرد اتفاق المدين والدائن على الاستعاضة عن الشيء المستحق.

أما تجديد الالتزام فهو ينشئ التزام جديد بتغيير الدين أو المدين أو الدائن وبالتالي فهو يعد عقدا بالتزام جديد.

وبالتالي فان الوفاء الاعتياضي يتشابه مع تجديد الالتزام، ولكن هناك اختلاف جوهري وهو تنفيذ الاتفاق، إذ أن تنفيذ الاتفاق في الوفاء الاعتياضي يكون فورياً بمجرد تقديم المحل الجديد وتبرأ ذمة المدين تماما، أما في تجديد الالتزام فلا يكون تنفيذ الالتزام فوري وتبقى العلاقة قائمة بين المدين والدائن([21]).

وعلى ذلك يمكن أن نلخص القول إلى أن: “الوفاء بمقابل أو الوفاء الاعتياضي كما أطلق عليه المشرع الأردني هو أقرب شبه لتجديد الالتزام إلا أنه يختلف عنه في أن الوفاء الاعتياضي لا ينشئ التزام ويؤدي إلى انقضاء الالتزام القائم بالاستعاضة عنه بالتزام جديد مختلف عنه في المحل فقط، ويكون فيه تنفيذ الاتفاق بالالتزام فوري ومباشر وقت الاتفاق، فهناك شرط جوهري لوجود الوفاء الاعتياضي وهو أن ينقل المدين للدائن حق الملك حالا ولا يكفي مجرد الالتزام بذلك، وعليه تبرأ ذمة المدين.

 أما تجديد الالتزام فهو عقد ينشئ التزام جديد يختلف عنه في محله أو مصدره ([22]), ولا ينقضي الالتزام وإنما تبقي العلاقة قائمه بين المدين والدائن([23]), وبالتالي فلا يمكن الاستغناء عن تجديد الالتزام بالوفاء الاعتياضي لأنه لا يشمل كافة حالات التجديد، ولكنه يقتصر على المحل فقط، فالتجديد أعم وأشمل من الوفاء الاعتياضي فقد يكون التجديد بالتغيير في الدين أي المحل أو المصدر (السبب)، أو بالمدين أو بالدائن.

 وبذلك فان المشرع الأردني قد جانبه الصواب في عدم تنظيمه تجديد الالتزام في نصوص خاصه كما فعل المشرع المصري، إذ أنه لا يمكن الاستغناء عنه بأي نظام آخر.

كتابة : د عبد المنعم الشرقاوي

([1]) القانون المدني المصري رقم (131), نشر هذا القانون في الوقائع المصرية في العدد (108) بتاريخ 29تموز لسنة1948.

([2]) حكم نقض مصري, طعن رقم 877لسنة85ق, جلسة21\3\2016, مجموعة مكتب فني.

([3]) د. برهام عبدالله, أساسيات نظرية الالتزام, بدون طبعه, الإسكندرية, جامعة الإسكندرية, مؤسسة الثقافة الجامعية, 1956, ص163.

([4]) د, حسام الدين كامل الأهواني, النظرية العامة للالتزام (أحكام الالتزام) ج2, ط2, بدون مكان نشر, دار أبو المجد للطباعة, 1996, ص374,

([5]) د. جميل الشرقاوي, النظرية العامة للالتزام, الكتاب الثاني, (أحكام الالتزام), ط1981, القاهرة, بند105, ص291, وفي هذا المعني, د. محمد حسين منصور, مبادئ القانون, المدخل إلي القانون, الالتزامات, بدون طبعة, ص470.

([6]) نص المادة (352) فقره ثانية, من القانون المدني المصري, علي انه” بتغيير المدين, إذا اتفق الدائن مع أجنبي علي أن يكون هذا الأجنبي مدينا مكان المدين الأصلي وعلي أن تبرأ ذمة المدين الأصلي دون حاجة لرضائه, أو إذا حصل المدين علي رضاء الدائن بشخص أجنبي قبل ان يكون هو المدين الجديد”.

([7]) د. جميل الشرقاوي, النظرية العامة للالتزام, (أحكام الالتزام), الكتاب الثاني, القاهرة, دار النهضة العربية, 1995, ص326.

([8]) د. حسام الدين كامل الأهواني, مرجع سابق, ص455,

([9]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 2132لسنة52ق, جلسة 18\1\1988, مجموعة مكتب فني.

([10]) حكم نقض مصري, طعن رقم\501لسنة44ق, جلسة 7\6\1982, مجموعة مكتب فني,

([11]) د. جميل الشرقاوي, مرجع سابق الإشارة اليه, ص326.

([12]) د. جميل الشرقاوي, المرجع السابق, ص326.

([13]) د. سمير تناغوا, التأمينات الشخصية والعينية” الكفالة, الرهن, حق الاختصاص, الرهن الحيازي, حقوق الامتياز”, بدون طبعة, الإسكندرية, منشأة المعارف, 1996, ص99.

 ([14]) القانون المدني الأردني رقم (43) نشر هذا القانون في العدد (2645) من الجريدة الرسمية بتاريخ (1) آب لسنة 1976, ص2.

([15]) د. أمين رجا دواس, القانون المدني, أحكام الالتزام, “دراسة مقارن’”., أحكام الالتزام, دراسة مقارنة, ط1, ص38.

([16]) د. سمير تناغوا, المبادئ الأساسية في نظرية العقد وأحكام الالتزام, بدون طبعه, الإسكندرية, منشأة المعارف, بدون سنة تشر, ص345.

([17]) د, أنور طلبه, الوسيط في شرح القانون المدني, ج2(المسئولية عن الأشياء\الإثراء بلا سبب\دفع غير المستحق\الفضالة\آثار الالتزام\ انقضاء الالتزام), ط1, الإسكندرية, دار الفكر الجامعي, 1998, ص849.

([18]) د. أمين دواس, القانون المدني, أمحاك الالتزام “دراسة مقارنة”, ط1, رام الله, دار الشروق للنشر والتوزيع, 2005, ص37.

([19]) حكم نقض مصري, جلسة1\4\1943, مجموعة أحكام النقض في 25سنه, ص280, أورده د, عبدالودود يحي, الموجز في النظرية العامة للالتزامات, ص702.

([20]) تمييز حقوق, رقم\ 744لسنة1991, مجلة نقابة المحامين, لسنة1993, ص945.

([21]) د. حسام الدين كامل الأهواني, النظرية العامة للالتزام, مرجع سابق, ص452.

 ([22]) نص المادة (352) من القانون المدني المصري, سالفة البيان.

 ([23]) د, رضا متولي وهدان, النظام القانوني في تجديد الالتزام مقارنا بالفقه الإسلامي, بدون طبعة, المنصورة, دار الفكر والقانون, 2007, ص66.

Scroll to Top