مراحل الدعوى الجزائية

مراحل الدعوى الجزائية في القانون الأردني

لا يخلو أي مجتمع كان من الجريمة، فالجريمة تعد ظاهرة اجتماعية ترتبط بشكل رئيسي بظهور ونشأة المجتمعات، لذلك اهتم المشرع بوجه عام بسن القوانين التي تنظم التصرفات والأفعال التي تمثل جريمة من جهة، ومن جهة أخرى نظم مجموعة من القواعد والإجراءات الشكلية التي تيسر للجهة صاحبة الاختصاص اقتضاء حق المجتمع والمجني عليه من مرتكب تلك التصرفات والأفعال.

ويُعتبر الطريق إلى معاقبة مرتكب الجريمة هو الدعوى الجزائية، والتي عرفها المشرع الأردني بمسمى آخر يميزها وهو مسمى (الدعوى الجزائية أو القضية الجزائية)، والذي يستدل منه على أن القضية الجزائية لا تعبر فقط عن حق المجني عليه فقط باعتباره حقاً شخصياً، ولكنها تعبر عن حق المجتمع بأسره باعتباره الحق العام، فما هي الدعوى الجزائية أو دعوى الحق العام؟

أولاً: المقصود بالدعوى الجزائية

ثانياً: أطراف الدعوى الجزائية

ثالثاً: صاحب الحق في تحريك الدعوى الجزائية

رابعاً: المراحل التي تمر بها الدعوى الجزائية

خامساً: سقوط الحق في الدعوى الجزائية

سادساً: نماذج لأحكام قضائية صادرة في شأن الدعوى الجزائية

سابعاً: الخاتمة

أولاً: المقصود بالدعوى الجزائية

الدعوى الجزائية أو القضية الجزائية في صورة مبسطة تمثل الوسيلة التي يتم عن طريق تحريكها النيل من مرتكب الفعل المجرم، وإخضاعه للعدالة لينال الجزاء الذي نص عليه القانون كعقوبة للجرم الذي ارتكبه، وقد وردت الدعوى الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني تحت مسمى دعوى الحق العام.

وقد تم تعريف الدعوى الجزائية من قبل فقهاء القانون الجزائي بأكثر من تعريف ولكنها لم تختلف في مضمونها في شيء، ويتبين ذلك من التعريفين المختارين للدعوى الجزائي والآتي بيانهما:

– هي دعوى تتم إدارتها وتحريكها من قبل النيابة العامة عن طريق محاكمة قضائية تمارس فيها النيابة دورها كممثل للادعاء قبل المتهم، ويتم محاكمة المتهم بموجبها عن الجريمة المسندة إليه، وذلك وصولاً إلى إيقاع العقوبة المناسبة عليه نظير ما ارتكبه والتي تتخذ غالباً في حال إدانته صورة العقوبة السالبة للحرية.

– هي حق المجتمع في معاقبة المتهم والذي تباشره النيابة العامة باسم المجتمع، ويتم في إطارها اتخاذ إجراءات تحريك الدعوى العمومية لطرحها أمام القضاء الجزائي، ومباشرتها حتى تصل المحكمة إلى قرارها النهائي بشأن إدانة أو تبرئة المتهم.

فإذا ما أردنا وضع تعريفاً لدعوى الحق العام سنجد أنها دعوى تقام من قبل النيابة العامة سواء بشكل مباشر أو عن طريق شكوى يتقدم بها المجني عليه، وتستهدف منها إحالة الجاني للمحكمة لتتم محاكمته وإصدار الحكم عليه عن جريمته سواء بالإدانة أو البراءة.

ثانياً: أطراف الدعوى الجزائية

للدعوى الجزائية طرفين أصيلين وهما النيابة العامة والمشكو في حقه (المتهم)، وإن كان ذلك لا ينال من اشتراك المجني عليه أو المضرور في حق تحريك الدعوى الجزائية في بعض الحالات المحددة في القانون.

1- النيابة العامة

تُعد النيابة العامة هي ممثل المجتمع في اقتضاء حقه من مرتكب الجريمة، حيث أن الدعوى الجزائية تمثل حقاً للدولة تستهدف من استخدامه تحقيق الصالح العام، فهي التي تبدأ في التحقيق مباشرة في الجريمة دونما انتظار لشكوى من المجني عليه – عدا ما نص عليه القانون من وجوب الشكوى بداية – ثم تحيلها للمحكمة وتباشرها أمامها كممثل للدولة والمجتمع، وحتى صدور حكماً فاصلاً فيها.

وهو ما يستوجب الثناء على ما قام به المشرع الأردني من تسمية الدعوى الجزائية بـ (دعوى الحق العام)، فتلك التسمية أقرب إلى طبيعتها ومضمونها من مسمى الدعوى، حيث تنبئ عن مضمونها وجوهرها بأنها مقررة لحماية الصالح العام[1].

2- المشتكى عليه أو المتهم (المدعى عليه)

حدد المشرع الأردني في نص (المادة 4) من قانون أصول المحاكمات الجزائية جملة من المسميات التي تطلق على من تقيم النيابة العامة عليه دعوى الحق العام، حيث أطلق عليه (المشتكى عليه) متى أقيمت عليه دعوى الحق العام، فإذا كانت الجريمة المسندة إليه هي جنحة ظناً أنه ارتكبها فيسمى في تلك الحالة (ظنيناً)، أما إذا كانت الجريمة التي أسندت إليه تمثل جناية فيكون مسماه في تلك الحالة (المتهم).

3- المجني عليه أو المشتكي

وهذا الطرف هو طرف استثنائي، بمعنى أنه لا يعد طرفاً أساسياً في الدعوى الجزائية، وإن كان هو صاحب الحق في إقامة الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجزائية ضد المتهم، والتي يمكنه إقامتها أمام المحكمة الجزائية، والمجني عليه هو من وقع عليه فعل الاعتداء المجرم قانوناً من قبل المتهم وتضرر منه.

ويُقصد بكون هذا الطرف طرفاً استثنائياً أن القانون قد قيد سلطة النيابة العامة في تحريك بعض الدعاوى الجزائية تحديداً بقيد يتمثل في تقديم المجني عليه لشكوى، بحيث لا يحق للنيابة العامة أن تحرك الدعوى الجزائية الخاصة بتلك الجرائم إلا عند تقديم شكوى من المجني عليه، وعندئذ تقوم النيابة العامة بتحريك الدعوى الجزائية بناء على تلك الشكوى، وهو ما سنتعرض له تفصيلاً في الجزء التالي من المقال.

ثالثاً: صاحب الحق في تحريك الدعوى الجزائية

نصت المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته وذلك في فقرتها الثانية على أن:

(1- تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون).

ويتبين من النص المذكور أن القانون قد قرر قاعدة عامة تتمثل في أن صاحب الاختصاص والحق الأصيل بتحريك ومباشرة دعوى الحق العام (الدعوى الجزائية) هي النيابة العامة، ثم وضع استثناء على تلك القاعدة يتمثل في الأحوال التي يقرر فيها القانون اختصاص تحريك الدعوى الجزائية لشخص آخر.

1- اختصاص النيابة العامة بتحريك الدعوى الجزائية

وجدت دعوى الحق العام لتحقيق أكثر من هدف رئيسي، ومن أهم هذه الأهداف إسباغ الحماية على المجتمع من ارتكاب مثل تلك الجرائم عن طريق تحقيق الردع العام، لذلك باتت تلك الدعوى بمثابة حق عام للمجتمع، وبالتالي يمارس المجتمع هذا الحق من خلال من يمثله ألا وهو النيابة العامة.

ووفقاً لذلك فإن سلطة تحريك دعوى الحق العام تثبت للنيابة العامة ويحق لها ممارستها وذلك بمجرد أن يتصل علمها بوقوع الجريمة، ولا يختلف الأمر باختلاف المصدر الذي اتصل علمها بالجريمة من خلاله، ودون أن يكون ذلك متوقفاً على التقدم بشكوى من قبل المجني عليه في الجريمة أو من يتضرر منها[2].

2- حق المجني عليه في تحريك الدعوى الجزائية

نصت (المادة 3/1/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على ما يلي:

(1-أ- في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى أو ادعاء شخصي من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ إجراء في الدعوى إلا بعد وقوع هذه الشكوى أو الادعاء).

ومن مجمل هذا النص يتبين لنا أن القانون قد حدد بعض الحالات التي يقيد فيها حق النيابة العامة الأصيل في تحريك الدعوى الجزائية بتقديم شكوى، سواء كانت تلك الشكوى من المجني عليه أو من غيره كما لو كانت ممن يمثله قانوناً، فما هو مضمون هذا القيد المقرر على سلطة النيابة العامة؟

أ- ما هي الشكوى؟

يُقصد بالشكوى الإبلاغ بحدوث الجريمة والذي يتم تقديمه من قبل المجني عليه أو أي شخص يعتبر نفسه قد تضرر من تلك الجريمة، ويكون تقديم ذلك الإبلاغ إلى السلطات المختصة لتتخذ الإجراءات القانونية اللازمة نحو تقديم مرتكب هذه الجريمة للمحاكمة.

والشكوى التي يتم التقدم بها من قبل المجني عليه تعد هي الشرط الرئيسي والأساسي الذي لا تتمكن النيابة العامة من تحريك الدعوى الجزائية بدون تحققه، وذلك في بعض الجرائم المحددة بالقانون على سبيل الحصر، بحيث إذا ما تخلف المجني عليه عن تقديمها تظل سلطة النيابة العامة مقيدة ولا تستطيع ممارسة اختصاصها الأصيل في تحريك الدعوى الجزائية[3].

وتُعتبر الشكوى حقاً خالصاً للمجني عليه، وهي أيضاً حق مطلق، بمعنى أنه لا يجوز إجبار المجني عليه على تقديم شكواه لتحريك الدعوى الجزائية قبل مرتكب الجريمة، فالمجني عليه يتمتع بكامل ومطلق الحرية في أن يتقدم بتلك الشكوى لتبدأ النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها، أو أن يختار عدم تقديم شكواه وبالتالي يقيد يد النيابة العامة في تحريكها.

ب- من له حق تقديم الشكوى؟

من مجمل نص (المادة 3/1/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني يتبين لنا أن القانون لم يقصر حق التقدم بالشكوى على المجني عليه، ولكنه جعلها حقاً أيضاً لغيره، فمن هم الغير الذين قصدهم المشرع في تلك المادة؟

يتبين لنا أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يخلو من تحديد هؤلاء الغير، حيث نص في (المادة 3/1/ب، ج، د) على أن:

(ب- إذا كان المجني عليه في الجريمة لم يكمل خمس عشرة سنة أو كان مصاباً بعاهة في عقله تقدم الشكوى ممن له الولاية عليه، وإذا كانت الجريمة واقعة على المال تقبل الشكوى من الوصي أو القيم. ج- إذا تعارضت مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله أو لم يكن له من يمثله تقوم النيابة العامة مقامه. د- إذا كان المجني عليه شخصاً معنوياً فتقبل الشكوى أو الادعاء الشخصي بناء على طلب خطي من الممثل القانوني للشخص المعنوي أو من ينوب عنه).

مما يتبين معه أن يثبت لهم حق تقديم الشكوى هم:

– بداية قد يتم تقديم الشكوى من المجني عليه بشخصه، وذلك إذا كان القانون يسمح له بذلك لتوافر شرط الأهلية فيه للتقدم بمثل تلك الشكوى.

– كما يثبت الحق في تقديم الشكور للولي على المجني عليه متى كان المجني عليه خاضعاً للولاية لعدم بلوغه سن الخامسة عشر أو كان مصاباً بأي عاهة عقلية تعيقه عن ذلك

– يمكن أيضاً أن يتقدم بالشكوى الوصي أو القيم على المجني عليه متى كانت الجريمة المرتكبة قد استهدفت مال المجني عليه.

– إذا كان هناك أي تعارض بين مصلحة المجني عليه والمصلحة الخاصة بمن يمثله قانوناً (كالوصي أو القيم)، أو لم يكن هناك من حيث الأصل من ينوب عن المجني عليه أو يمثله قانوناً، فإن النيابة العامة هي من يضطلع بتقديم الشكوى عنه.

– في الحالة التي يكون الجرم قد وقع على شخص معنوي، فإن صاحب الحق في تقديم الشكوى يكون هو الممثل القانوني للشخص المعنوي، أو من يقوم مقامه وينوب عنه قانوناً، شريطة أن تكون الشكوى مكتوبة، وهو ما يستفاد منه أن تقديم الشكوى بوجه عام – عدا حالة أن يكون المجني عليه شخص معنوي – يكون إما شفاهة أو عن طريق الكتابة.

ويكون تقديم الشكوى إلى الجهات المختصة والتي حددها قانون أصول المحاكمات الجزائية بأنها إما مأمور الضبط القضائي وإما المدعي العام وإما قاضي الصلح.

ج- سقوط الحق في تقديم الشكوى

طبقاً لما نص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني فإن حق المشتكي (المجني عليه) في الشكوى يسقط في ثلاث حالات، وتتمثل هذه الحالات الثلاث فيما يلي:

– أن يكون قد مضى ما يجاوز ثلاث أشهر على التاريخ الذي علم به المجني عليه بوقوع الجريمة وبشخص من قام بارتكابها دون أن يتقدم بشكواه، فبمرور تلك المدة يسقط حقه في التقدم بها، إلا أن مدة السقوط تلك تنطبق على الشكوى ولا تمتد إلى مطالبته بحقوقه المدنية قبل المشتكى عليه.

– إذا تقدم المجني عليه بالشكوى ثم تراخى عن متابعتها لمدة تتجاوز الثلاث أشهر.

– في أي دعوى من الدعاوى الجزائية الصلحية الأخرى التي يتم إقامتها من المجني عليه بشكل مباشر، وذلك متى لم يقم المجني عليه بمتابعة شكواه لمدة تتجاوز الستة أشهر.

د- سلطة النيابة العامة في التصرف في الشكوى

متى تم تقديم الشكوى من المجني عليه أو من يمثله قانوناً، فإن النيابة العامة تكون مجبرة على تحريك الدعوى الجزائية ضد المشتكى عليه، فليس الأمر اختيارياً للنيابة العامة في تلك الحالة، بل هو أمراً وجوبياً عليها، فالالتزام هنا يقع على عاتق النيابة العامة بقبول الشكوى والمبادرة لفتح تحقيق فيها دونما أي تراخي، ثم تصدر فيها القرار الذي يتناسب مع وقائعها وملابساتها.

رابعاً: المراحل التي تمر بها الدعوى الجزائية

سواء كان تحريك الدعوى الجزائية قد تم عن طريق النيابة العامة مباشرة أو بناء على شكوى من المجني عليه أو من يمثله قانوناً في الأحوال التي يجيز القانون فيها ذلك، فإن الدعوى الجزائية متى تم تحريكها تمر عبر ثلاث مراحل رئيسية نوجزها فيما يلي:

1- المرحلة الأولى: التحقيق الابتدائي

تتمثل هذه المرحلة في الإجراءات الأولية التي ينتم اتباعها من قبل سلطات التحقيق، فتبدأ تلك السلطات في تدقيق وتقييم ما هو متوافر من أدلة، والتثبت من أنها تربط المشتكى عليه بتلك الجريمة المسندة إليه أم لا، وغيرها من إجراءات التحقيق الأخرى التي تعتبر ممهدة لإحالة الدعوى إلى المحكمة الجزائية متى كانت الأدلة بها كافية لذلك[4].

2- المرحلة الثانية: الإحالة

متى تم الانتهاء من إجراء التحقيق الابتدائي وتبين لجهة التحقيق أن الأدلة المتوافرة تعد كافية لمحاكمة المشتكى عليه، فإنها تتخذ قرارها بإحالته إلى المحكمة الجزائية لمحاكمته وفقاً لمواد العقاب التي تثبتها في قرارها بالإحالة، حيث تتولى النيابة العامة عندئذ توجيه الاتهام للمشتكى عليه وإحالته للمحاكمة.

3- المرحلة الثالثة: المحاكمة

تتمثل تلك المرحلة في مرحلة المناضلة أمام المحكمة في الموضوع من قبل النيابة العامة كسلطة اتهام من جهة، وبين المشتكى عليه ودفاعه من جهة أخرى، وذلك بهدف الوصول إلى الحقيقة المتمثلة في ثبوت التهمة المسندة للمشتكى عليه أو نفيها، بحيث تتمكن المحكمة من تكوين عقيدتها الكافية لإصدار حكمها بالإدانة أو البراءة.

خامساً: سقوط الحق في الدعوى الجزائية

إن الحكمة من تقرير قاعدة السقوط بالتقادم أو بغيره من أسباب السقوط هو إما أن الجريمة مع مرور الوقت تصبح طي النسيان، وتستقر الأوضاع بما لا يدع مجالاً لتوقيع عقوبة على مرتكبها، كما أن الزمن يمحي آثار الجريمة وأدلتها ويجعل من الصعب تتبع مرتكبها، أو أن تكون الجريمة المرتكبة قد صدر بشأنها عفواً يخرجها من دائرة التجريم، أو أن يكون مرتكب الجريمة قد وافته المنية، لذلك فقد عدد المشرع الأردني في صلب قانون أصول المحاكمات الجزائية الحالات التي يسقط فيها الحق في تحريك الدعوى الجزائية، فإذا ما أردنا حصراً بتلك الحالات سنجد أنها تتمثل فيما يلي:

1- وفاة المتهم

من المستقر عليه قانوناً أن الدعوى الجزائية هي دعوى تستهدف مرتكب الفعل الذي يمس الحق العام، فلا يجوز تحريكها إلا على المشتكى عليه شخصياً باعتباره مرتكب الجريمة التي تم تحريك الدعوى الجزائية عنها، وبالتالي فهي لا تورث في حال وفاته، بل تسقط الدعوى الجزائية في تلك الحالة، مع ملاحظة أن سقوطها لا يؤثر بأي حال من الأحوال على الدعوى المدنية المرتبطة بها، والتي تنتقل إلى ورثته الذين يمكن اختصامهم فيها لإلزامهم بالتعويض، وقد نص المشرع في (المادة 336/1، 2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على تلك الحالة من حالات السقوط.

2- صدور عفو عن الجريمة

المقصود بالعفو عن الجريمة هو صدور نص قانوني يزيل الصفة الإجرامية عن فعل من الأفعال التي يضعها قانون العقوبات موضع التجريم، فيصير ذلك الفعل بمثابة الأفعال المباحة، وقد جعل المشرع صدور مثل ذلك القانون سبباً تسقط بتحققه وقيامه الدعوى الجزائية، ولا يصبح تحريكها ممكناً.

ولا ينال ذلك من تأثير صدور عفو خاص على تحقيق ذات الأثر، حيث يترتب أيضاً على صدور عفو خاص سقوط الدعوى الجزائية، والمقصود بالعفو الخاص هو العفو الذي يصدر مستهدفاً جريمة محددة أو شخصاً معيناً، بحيث يزيل الصفة الإجرامية سواء عن الشخص أو الفعل المكون للجريمة، وهو أيضاً لا يصدر إلا بقانون.

3- التقادم

التقادم يمثل مدة محددة ومعينة من الزمن تسقط الدعوى الجزائية ويسقط الحق في تحريكها بمضي تلك المدة وانتهائها دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من الإجراءات فيها، وقد حدد المشرع تلك الحالات ومدد السقوط فيها على النحو التالي:

– قرر المشرع سقوط الحق في تحريك الدعوى الجزائية في جرائم الجنايات بمرور عشر سنوات من تاريخ وقوعها متى لم يتم اتخاذ أي إجراء فيها خلال هذه المدة (المادة 338/1/ أصول المحاكمات الجزائية)، وجعل بدء احتساب تلك المدة من تاريخ آخر إجراء أو معاملة قانونية تمت في هذه الجناية متى كان التحقيق فيها قد بدأ بالفعل (المادة 338/2 أصول المحاكمات الجزائية).

– كما قرر المشرع أيضاً سقوط الحق في تحريك الدعوى الجزائية في جرائم الجنح بمرور مدة ثلاث سنوات، ويكون احتساب تلك المدة من تاريخ وقوع الجنحة إذا لم يتخذ فيها أي إجراء، أو من تاريخ آخر إجراء صحيح تم فيها (المادة 339 أصول المحاكمات الجزائية).

– بالنسبة للمخالفات فقد جعل المشرع مدة سقوط الحق في تحريكها هو عام واحد من تاريخ ارتكابها، شريطة ألا يكون قد صدر بشأنها حكماً قضائياً، حتى وإن كان التحقيق في تلك المخالفة قد بدأ بالفعل خلال هذه السنة، وفي حالة صدور حكماً في المخالفة خلال تلك السنة وتم الطعن عليه بطريق الاستئناف، فإن مدة السقوط المقدرة بعام واحد يبدأ احتسابها من تاريخ تقديم استدعاء الاستئناف (المادة 340 أصول المحاكمات الجزائية).

– في الدعاوى الجزائية التي تتوقف على تقديم شكوى من المجني عليه فقد جعل المشرع مدة سقوط الحق في تحريك هذه الدعوى بمضي ثلاثة أشهر من تاريخ علم المجني عليه بوقوع الجريمة مالم يتقدم بها خلال تلك المدة، فإذا تقدم بشكواه ولم يقم بمتابعتها أو اتخاذ أي إجراء فيها من تاريخ تقديمها ولمدة ثلاثة أشهر فإن المشرع أوجب على المحكمة أن تسقط دعوى الحق العام (المادة 3/2/أ أصول المحاكمات الجزائية).

– جعل المشرع مدة التقادم في الدعاوى الجزائية الصلحية التي يتم إقامتها وتحريكها من قبل المشتكي بشكل مباشر هي ستة أشهر تحتسب من تاريخ آخر إجراء صحيح قام به المشتكي في الدعوى، وبمرورها دون اتخاذ أي إجراء أجاز القانون للمحكمة أن تقضي بسقوط دعوى الحق العام.

سادساً: نماذج لأحكام قضائية صادرة في شأن الدعوى الجزائية

– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية والصادر في الطعن رقم 2796 لسنة 2020جزائي بجلسة 23/12/2020، والذي جاء في مضمونه:

(وجدت المحكمة أن جرم الإيذاء المسند للمتهم هو من الجرائم التي تتوقف الملاحقة فيها على شكوى، وحيث أسقط المشتكي ……… لحقه الشخصي عن المتهم …….، وحيث إن المشتكي ……. قد قدر الطبيب الشرعي مده التعطيل له بأسبوع واحد الأمر الذي يترتب معه إسقاط دعوى الحق العام عنه).

– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية والصادر في الطعن رقم 873 لسنة 2021جزائي بجلسة 30/5/2021، والذي جاء في مضمونه:

(وعليه وحيث إن الوقائع المنسوبة للمتهمين وفقاً لما ورد بإسناد النيابة العامة قد تمت بتاريخ 26/12/2006 وهو تاريخ تنظيم عقد البيع رقم ………، وقد تم تحريك دعوى الحق العام بناء على شكوى المشتكي ……………. المقدمة بوساطة وكيله المحامي ……. بتاريخ 12/2/2019 وفقاً لما ورد بإفادته لدى محقق هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وحيث إنه ومنذ تاريخ وقوع الجريمة بتاريخ 26/12/2006 وحتى تحريك دعوى الحق العام بحق المتهمين بتاريخ 12/2/2019 قد مضى مدة تزيد على عشر سنوات ولم تجرِ أي ملاحقة قضائية بحق المتهمين خلالها وبالتالي فإن دعوى الحق العام تكون قد تقادمت ومضى عليها الزمن وفقاً لأحكام المادة 338 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأمر الذي يستوجب إسقاط دعوى الحق العام للتقادم لمرور الزمن المسقط للدعوى).

سابعاً: الخاتمة

تعتبر الدعوى الجزائية هي وسيلة المجتمع في اقتضاء حقه من مرتكب الجريمة، وهي وسيلة هامة وخطيرة نظراً لأهمية وخطورة الحق العام الذي وجدت من حيث الأصل لاقتضائه، وقد جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وتعديلاته منظماً للدعوى الجزائية بصورة تستحق الإشادة، وخاصة فيما قرره من موازنة بين حق النيابة العامة كحق أصيل في تحريك الدعوى الجزائية وحق الشكوى للمجني عليه، وفي تقريره لحالات السقوط وغيرها من التفصيلات الأخرى الهامة التي تم تنظيمها تنظيماً محكماً جعل من قانون أصول المحاكمات الأردنية نموذجاً جديراً بأن يحتذى به من قبل مشرعي القوانين الجزائية.

كتابة: أحمد عبد السلام                      

[1] – أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – مج (1) – دار النهضة العربية – مصر – 1981 – ص218.

[2] – محمد الحلبي – الوسيط في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية – ج (1) – مكتبة دار الثقافة – الأردن – 1996 – ص87.

[3] – صبري الحشكي – الشكوى في القانون الجزائي – الطبعة الأولى – مكتبة المنار – الأردن – 1986 – ص6.

[4] – محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – الطبعة الخامسة – دار النهضة العربية – مصر – مصر – 1982 – ص614.

Scroll to Top