إلزام الخصم بتقديم سند
تعد الأدلة الكتابية من أهم وأنجح وسائل الإثبات في المنازعات المدنية، واجتمعت على ذلك أغلب التشريعات المدنية، وكذلك الحال بالنسبة لأحكام القضاء والفقه المقارن، والعلة في ذلك أن هذه الأدلة تعتبر ضمانا كافيا لحماية حقوق الأفراد، وكذلك لما تتضمنه من بيانات ومعلومات تمتاز بطابع الثبات مهما مر عليها الزمان، ولا بد لنا أن نوضح المقصود بالدليل الكتابي حتى نتمكن من معرفة ماهية إلزام الخصم بتقديم سند.
ويقصد بالدليل الكتابي ما يستند عليه أحد الخصمين أو كليهما من كتابه في إثبات حقه أو نفي ادعاء الخصم الآخر، ونظرا للأهمية التي تتمتع بها الأدلة الكتابية، فأن المشرع الأردني الزم المدعي بأن يرفق في لائحة دعواه وكذلك المدعى عليه في لائحته الجوابية قائمة ببيناته الموجودة تحت يد الخصم، حتى يتمكن كل منهم من التمسك بالأدلة التي تؤيد ادعائه.
واستثناءً على الأصل العام الذي لا يجيز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم ورقه ضد نفسه ليستفيد منها في إثبات دعواه، فأنه يمكن لكل خصم الطلب من المحكمة إلزام الخصم الآخر بتقديم ورقة أو مستند تحت يده، وفي مقالنا هذا نسلط الضوء على مسألة في غاية الأهمية ألا وهي إلزام الخصم بتقديم السند وعلى النحو الآتي:
جدول المحتويات
ماهية إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
حالات إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
كيفية تقديم طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
البيانات الواجب توافرها في طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
مكان وزمان طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
الآثار المترتبة على امتناع الخصم من تقديم المستند الموجود تحت يده
إثبات الطلب وإصدار القرار بإلزام الخصم بتقديم السند أو التحليف
سحب مستند أو ورقة من ملف الدعوى
من هو الخصم؟
ينصرف لفظ الخصم في أي دعوى إلى كل شخص داخل نطاق الخصومة في تلك الدعوى [1]،فهو يطلق على أطراف الخصومة من مدعي ومدعى عليه، أو الشخص الذي يتم إدخاله في الدعوى، سواء من قبل الخصوم أو من قبل المحكمة، وكذلك على الشخص المتدخل في الدعوى، سواء أكان تدخلا انضمامي أو تدخلا هجوميا.[2]
ماهية إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
يقصد بإلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده هو الحالات التي يكون فيها المستند في حيازة أحد الخصوم في الدعوى وتحت يده، وليس في حيازة الغير الذي لم يكن طرفا في الخصومة، وقد تناول المشرع الأردني مسألة إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده في قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته.
والسند أو المحرر أو الورقة هو كل كتابة يمكن أن يستند عليها أحد الطرفين في إثبات حقه أو صحة ما يدعيه أو ينفيه حسب مقتضى الحال، حيث يتم الأخذ بها في الإثبات بوصفها دليلا كتابيا، سواء أكان هذا المستند رسميا أو عاديا أو غير موقع عليه.
حالات إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
أجاز المشرع الأردني وتحديدا في نص المادة 20 من قانون البينات أن يطلب الخصم إلزام خصمه بتقديم الأوراق المنتجة في الدعوى والتي تكون تحت يده، حيث نصت على حالتين هما:
إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمها أو تسليمها:
تشترط هذه الحالة وجود نص في القانون يجيز مطالبة الخصم بتقديم مستند تحت يده، إذا كان القانون لا يحظر مطالبته بتقديمه أو تسليمه، وفي هذه الحالة يكفي أن يكون الخصم ملزما بتقديم المستند عند طلبه بمقتضى أي قانون أو لائحة.
وعليه فإنه يتعين على الخصم أن يبين طبيعة هذه المستندات ومدى تأثيرها في الدعوى بما تحتويه من بيانات، والنص القانوني الذي يلزم من هي بحيازته على تقديمها، لتبحث المحكمة بعدها في هذا الطلب فإن تبين لها أن المستند أو المحرر منتج في الدعوى، وأن القانون يوجب من هو حائز لها بتقديمها أو تسليمها قضت بإلزامه بذلك.
ويقصد بالقانون في هذا الخصوص معناه العام، فهو ليس مقصورا على قانون معين بذاته، وإنما يمتد الى كافة القوانين التي تقرر إلزام الخصم بتقديم محرر تحت يده، مثل القانون المدني والقانون التجاري وغيرها من القوانين الأخرى.
إذا استند اليها خصمه في أية مرحلة من مراحل الدعوى
تشترط هذه الحالة أن يستند الخصم في الدعوى الى مستند معين دون أن يقدمه وقد رأى المشرع أنه يجوز للخصم الآخر في هذه الحالة أن يطلب إلزام الخصم الأول بتقديم هذا المستند، حتى يصار الى التحقق من وجودها وفحصها والتأكد من صحة التوقيع وسلامتها المادية.
ويقصد بمراحل الدعوى، المرحلتين الابتدائية، أي أن تكون الدعوى منظورة أمام محكمة الصلح أو منظورة أمام محكمة البداية، والاستئنافية أي أنها أمام محكمة الاستئناف.
كيفية تقديم طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
ينبغي لنا وقبل الخوض بكيفية تقديم هذا الطلب، أن نبين أن هذا الطلب لا يقتصر على طرف واحد في الخصومة، أي أنه ينطبق على كلا الخصمين سواء أكان المدعي أو المدعى عليه، فقد يطلب المدعي إلزام المدعى عليه بتقديم مستند تحت يده، وقد يطلب المدعى عليه إلزام المدعي بتقديم ما بحوزته من مستندات، ففي كلتا الحالتين لا تثور أية مشكلة.
كيفية تقديم طلب إلزام الخصم
يمكن تقديم هذا الطلب في سياق الدعوى المنظورة، فيكون بذلك متفرعا عن دعوى أصلية، حيث إن الخصومة قائمة بين الأطراف والدعوى قائمة في أصل الحق، وللمحكمة أن تسمح للخصوم وأثناء سير الدعوى بتقديم مستندات في أية مرحلة تكون عليها، إذا اقتنعت بأنها ضرورية للفصل فيها، ولا يشترط شكلية معينة وخاصة في تقديم هذا الطلب، حيث يجوز أن يقدم باستدعاء مكتوب الى المحكمة التي تنظر الدعوى أمامها.
كما يجوز أيضا تقديم الطلب بدعوى أصلية، فلا يوجد هنالك مانع قانوني من أن يلجأ الخصم الى إلزام خصمه بتقديم مستند تحت يده، من خلال الطرق المعتادة لرفع الدعوى ابتداء، دون أن تكون هنالك دعوى منظورة في أصل الحق المتنازع عليه، شريطة أن يبين المستندات التي يطلبها والموجودة تحت يد الخصم، وبالتالي فانه لا مانع من أن يقدم هذا الطلب بصفة أصلية دون أن تكون هنالك دعوى منظورة.
البيانات الواجب توافرها في طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
ألزم المشرع الأردني الخصم الذي يتقدم بطلب لإلزام خصمه بتقديم مستند تحت يده أن يبين في هذا الطلب بيانات نصت عليها المادة 21 من قانون البينات صراحة وتحت طائلة الرد وهذه البيانات هي:
- أوصاف السند أو الورقة.
- فحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل.
- الواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها.
- الدلائل والظروف التي تؤيد أنها تحت يد الخصم.
- وجه إلزام الخصم بتقديمها.
الغاية من وجوب توافر هذه البيانات
هو تحديد ذاتية المستند المطلوب تقديمه، ومضمونه ووجه ارتباطه بالدعوى ومدى فائدته في الفصل فيها، ومصلحة الطالب في إلزام خصمه بتقديمها وطريقة إثبات وجودها تحت يد الخصم.
ويجب أن يذكر نوع هذا السند فيما إذا كان سندا رسميا أو عاديا أو غير موقع عليه، وتاريخ هذا المستند وموضوعه أو مضمونه والحقوق والالتزامات الثابتة فيه ومصدر هذه الحقوق والالتزامات، بالإضافة إلى الدلائل والظروف التي تؤكد وتؤيد وجود هذا المستند تحت يد الخصم، ووجه تعلقه بالدعوى الأصلية وكونه منتج فيها أو وجه المصلحة في طلب تقديمه.
خلو الطلب إلزام الخصم بتقديم سند من البيانات التي يشترطها القانون
رتبت المادة 21 المشار إليها أعلاه أنه يتوجب على المحكمة رد الطلب في حال خلا من أي بيان من البيانات التي أوردتها في متنها صراحة، لهذا يجب توافر هذه البيانات وإلا رفض الطلب لعدم تقديمه حسب الأصول والقانون.
لذلك يتوجب على المحكمة إذا قدم إليها طلب بإلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده، أن تتأكد من توافر هذه البيانات والشروط التي أوجب المشرع توافرها في هذا الطلب، ومن مدى إنتاجيته في الفصل في الدعوى، فإذا تبين للمحكمة أن الطلب المقدم لم تتوافر فيه الشروط التي يتطلبها القانون فإنها تقرر رفض الطلب.
مكان وزمان طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده
لا يجوز تقديم هذا الطلب إلا أمام القضاء من خلال خصومة قائمة، وعليه لا يمكن أن يقدم بمجلس غير مجلس القضاء.
أما عن زمان تقديم هذا الطلب، فيقصد به الفترة الزمنية التي يجيز القانون خلالها تقديم هذا الطلب، وهذه الفترة تبدأ من رفع الدعوى وتنتهي بإغلاق باب المرافعة فيها، كما يجوز أيضا تقديم هذا الطلب قبل رفع الدعوى وقبل صدور الحكم فيها وذلك بدعوى أصلية كما سبق وذكرنا ذلك بالتفصيل.
الآثار المترتبة على امتناع الخصم من تقديم المستند الموجود تحت يده
رتب المشرع الأردني جزاء على امتناع الخصم عن تنفيذ أمر المحكمة أو تقديم المستند الذي في حوزته ،حيث نصت المادة 23 من قانون البينات الأردني أنه إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة أو السند في الموعد الذي حددته المحكمة أو أمتنع عن حلف اليمين المذكورة في متن المادة 22 من ذات القانون ،بأن الورقة أو السند لا وجود له أو أنه لا يعلم بوجوده ولا مكانه وأنه لم يخفه أو لم يمهل بالبحث عنه ليحرم خصمه من الاستشهاد به ،اعتبرت الصورة التي قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها ،وفي حال لم يكن الخصم قد قدم صورة من الورقة أو السند ،فإن المشرع أجاز للقاضي أن يأخذ بقوله وذلك فيما يتعلق بشكل هذا السند أو موضوعه.[3]
إثبات الطلب وإصدار القرار بإلزام الخصم بتقديم السند أو التحليف
في إثبات الطالب (الخصم)لصحة طلبه بإلزام خصمه بتقديم مستند تحد يده فإننا نكون أمام احتمالين، إما أن يتمكن الطالب من إقامة الدليل على وجود السند المطلوب تقديمه تحت يد خصمه، أو أن يعجز عن تقديم الإثبات الكافي على ذلك، وقد نصت المادة 22 من قانون البينات الأردني على هذين الاحتمالين.
فإذا ثبت للمحكمة وجود السند تحت يد الخصم، فإنها تقرر إلزامه بتقديم هذا السند أو الورقة في الحال أو في أقرب موعد تحدده، أما إذا عجز الخصم الطالب عن تقديم الإثبات الكافي وصحة الطلب فإن المحكمة تقرر تحليف المنكر يمينا بأن الورقة أو السند لا وجود له، وأنه لا يعلم وجودة أو مكانه، وأنه لم يخفه ولم يهمل بالحث عنه ليحرم خصمه من الاستشهاد به.[4]
أما إذا أنكر الخصم وجود السند لديه صراحة، وكان الطالب لم يقدم إثباتا كافيا تقتنع به المحكمة، فبمقتضى القواعد العامة يعتبر الطالب عاجزا عن إثبات طلبه.
سحب مستند أو ورقة من ملف الدعوى
وضحت المادة 24 من قانون البينات الأردني ،حالة قيام الخصم بتقديم ورقة أو سند من أجل الاستدلال به في الدعوى ،حيث بنيت بأنه لا يجوز له سحب هذا السند من ملف الدعوى إلا بموافقة ورضى الخصم وبإذن خطي من رئيس المحكمة ،حيث أشترط المشرع بعد موافقة الخصم والإذن الخطي من رئيس المحكمة أن يضع الخصم صورة مصدقه عن المستند المراد سحبه ،وذلك من خلال تأشير قلم المحكمة على الصورة بأنها تطابق الأصل ،وختمها بختمه ،ليحفظ بعد ذلك في ملف الدعوى ،ومن الجدير بالذكر أن هذه الحالة تسري عادة بعد انتهاء الدعوى وصدور الحكم فيها ،أما في حالة إذا كانت الدعوى منظورة وأراد الخصم أن يسحب ورقة أو مستند ،فأنه يترتب على ذلك موافقة الخصم الآخر ،وإذن القاضي بذلك ،وتحفظ صورة مصدقة عليها في ملف الدعوى بعد تأشير قاضي الموضوع عليها بمطابقتها للأصل.
اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن إلزام الخصم بتقديم سند
القرار الصادر عن محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 737/2021 تاريخ 29/4/2021:
“………أما بخصوص مخالفة المحكمة لإحكام المادتين (21 و 22)من قانون البينات عندما قررت عدم قبول طلب إلزام الخصم بإبراز مستندات تحت يده فإن القانون رسم طريقا لغايات إلزام الخصم بتقديم مستندات تحت يده فنجد أن المدعية تقدمت بطلبها بتاريخ 16/1/2017 خلافا لشروط المادة (21)من قانون البينات قبل تعديلها بالقانون رقم 22 لسنة 2017 حيث كانت توجب على مقدم الطلب وتحت طائلة الرد أن يبين أوصاف السند أو الورقة وفحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل والواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها والدلائل والظروف التي تؤيد أنها تحت يد الخصم ووجه إلزام الخصم بتقديمها.
وحيث أن المدعية لم تلتزم بمتطلبات المادة (21) من قانون البينات فإن قرار المحكمة بعدم قبول هذا الطلب لا يخالف القانون مما يتعين معه رد هذه الأسباب “.
النصوص القانونية المتعلقة بإلزام الخصم بتقديم مستند
قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته
المادة 20
يجوز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم الإسناد أو الأوراق المنتجة في الدعوى التي تكون تحت يده:
- إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمها أو بتسليمها.
- إذا استند إليها خصمه في أية مرحلة من مراحل الدعوى.
المادة 21 يجب أن يبين في هذا الطلب تحت طائلة الرد :
- أوصاف السند أو الورقة.
- فحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل.
- الواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها.
- الدلائل والظروف التي تؤيد أنها تحت يد الخصم.
- وجه إلزام الخصم بتقديمها.
المادة 22
إذا الطالب طلبه أو أقر الخصم بأن السند أو الورقة في حوزته أو سكت قررت المحكمة لزوم تقديم السند أو الورقة في الحال أو في أقرب موعد تحدده المحكمة وإذا أنكر الخصم ولم يقدم الطالب إثباتا كافيا لصحة الطلب وجب أن يحلف المنكر يمينا بأن الورقة أو السند لا وجود له وأنه لا يعلم وجوده ولا مكانه وأنه لم يخفه أو لم يهمل البحث عنه ليحرم خصمه من الاستشهاد به.
المادة 23
إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة أو السند في الموعد الذي حددته المحكمة أو أمتنع عن حلف اليمين المذكورة اعتبرت الصورة التي قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها فإن لم يكن خصمه قد قدم صورة عن الورقة أو السند جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكله أو بموضوعه.
المادة 24:
إذا قدم الخصم ورقة أو سند للاستدلال به في الدعوى فلا يجوز له سحبه إلا برضاء خصمه وبإذن خطي من رئيس المحكمة بعد أن تحفظ صورة مصدقة عنه في إضبارة الدعوى.
إعداد المحامية : ثمار إبراهيم
الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة
[1] -تمييز حقوق رقم 1945/2008 تاريخ 13/1/2009 منشورات عدالة.
[2] -المادتان 213 و 214 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني.
[3] المادة 22 و23 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته.
[4] جمال عبد الغني مدغمش، إلزام الخصم بتقديم محرر تحت يده، ص 65

