السندات بيد الغير
أوجب المشرع الأردني على المدعي الذي يتقدم بلائحة دعواه لدى قلم المحكمة والمدعى عليه بلائحته الجوابية أن يرفقا قائمة بالبينات الموجودة تحت يد الغير حتى يتمكن كل منهم بتأييد وتعزيز موقفه أمام المحكمة، وعليه فإنه يتضح لنا أنه ليس بالضرورة أن تكون البينة دائما موجودة تحت يد كل من المدعي والمدعى عليه، لذلك سوف نتناول في هذا المقال مسألة وجود هذه البينات /السندات بيد الغير الذي لا يعتبر خصما في الدعوى وكالآتي:
من هو الغير؟
هو كل شخص لم يكن طرفا في الخصومة القائمة، سواء بصفته مدعيا أو مدعى عليه، أو متدخلا مع ملاحظة أن الغير بهذا الوصف قد يكون شخصا طبيعيا أو معنويا خاصا أو عاما.
وعليه فإنه وفيما يتعلق بمسألة المستندات الموجودة بيد الغير، وتحديدا في طلب الإلزام بتقديم مستند، فإن الخلف العام أو الخاص قد يكون من الغير ما دام أنه ليس طرفا في الخصومة القائمة.
صفة غير الملزم بتقديم مستندات تحت يده
إن الحديث عن الزام الغير بتقديم مستند تحت يده يستوجب تحديد صفته بخصوص النزاع القائم بين الخصوم ،لأنه يترتب على ذلك آثار تختلف باختلاف المركز القانوني لتلك الصفة ،ويتضح موقف المشرع الأردني فيما يتعلق بصفة أو مركز الغير الملزم بتقديم مستندات تحت يده بناءا على أمر المحكمة في متن المادة 25 فقرة 1 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته ،والتي أجازت للمحكمة دعوة الغير لإلزامه بتقديم ورقة أو مستند ،فدعوة الغير لإلزامه بتقديم مستند تحت يده يقطع الشك باليقين في عدم اعتبار الغير طرفا في الخصومة القائمة ،لأن الدعوة توجه عادة للشهود ،بعكس الإدخال بناءا على طلب أحد الخصوم الذي يجعل من الغير خصما جديدا في النزاع القائم .
وعليه فإن صفة الغير أو مركزه القانوني يشبه صفة ومركز الشاهد في قانون البينات الأردني، فكلاهما ليس طرفا في النزاع القائم، فالشاهد يقوم بالإخبار عن واقعة حدثت مع غيره، ويترتب عليها حق لغيره، وأقواله أمام المحكمة تعتبر طريقة من طرق الإثبات، ودعوة الغير لإلزامه بتقديم مستند تحت يده يكون من أجل الاعتماد على المحرر أو المستند الموجود تحت يده كدليل إثبات، فالمحكمة لا تقرر دعوة الغير وإلزامه بتقديم ما تحت يده إلا إذا اقتنعت بأن المحرر أو المستند منتج في الإثبات وضروري لحسم النزاع القائم. [1]
وما يؤكد تشابه المركز القانوني لكل من الشاهد و الغير الملزم بتقديم ورقة أو مستند تحت يده ،ما أشارت اليه كل من المادة 57 و 59 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته ،حيث أشارت كل منهما الى وجوب إرفاق المدعي مع لائحة دعواه والمدعى عليه مع لائحته الجوابية قائمة ببيناتهم الخطية الموجودة تحت يد الغير ،بالإضافة الى قائمة بأسماء الشهود وعناوينهم الكاملة والوقائع المراد إثباتها بالبينة الشخصية لكل شاهد على حدى ،فكليهما يقوم بتقديم ما يفيد الخصوم من البينات .
حالات إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
- إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه.
- إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى.
ومن الجدير بالذكر أن هاتان الحالتان تخصان الخصم وليس الغير، ولكن ونظرا لتطبيق النصوص القانونية الخاصة بالخصم على الغير، فإن هاتين الحالتين تطبقان على حالات إلزام الغير، ولكن بكيفية تنسجم مع اعتبار الغير شخصا خارجا عن الخصومة، وقد تناولنا هذه الحالات بالتفصيل في مقال سابق بعنوان إلزام الخصم بتقديم ستند.
إجراءات إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
بين المشرع الأردني وتحديدا في المادة 25 من قانون البينات، أن إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده يكون وفقا للأحوال والأوضاع المقررة في طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده، وعليه فإنه لابد من تقديم طلب الى المحكمة لإلزام الغير بتقديم مستند تحت يده من قبل أحد الخصوم، ثم تنظر المحكمة بهذا الطلب وتصدر قرارها بشأنه.
كيفية تقديم طلب إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
لم يشترط المشرع شكلا خاصا في تقديم هذا الطلب، حيث أجاز أن يقدم بموجب مذكرة أو استدعاء كتابة الى المحكمة الناظرة للدعوى، كما أجاز أن يقدم هذا الطلب شفاهية على محاضر الدعوى شريطة أن يثبت ذلك على المحضر، وأن يكون ذلك بحضور الخصم الآخر.
الشروط الواجب توافرها في طلب إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
أما عن الشروط الواجب توافرها في هذا الطلب فلابد من:
- أن يكون الطلب مقدما من قبل من له صفة في تقديمه: أي من قبل أحد الخصوم، فلابد أن يكون هذا الطلب صريحا وواضحا، فوجوب تقيد الخصوم بضرورة حصر البينة منذ البداية سواء عند تقديم لائحة الدعوى، أو عند تقديم اللائحة الجوابية، فإن مجرد الإشارة الى وجود مستند تحت يد الغير ضمن مفردات قائمة البينات المرفقة مع لائحة الدعوى، أو اللائحة الجوابية لا يغني عن ضرورة تقديم طلب واضح وصريح بإلزام الغير بتقديم المستندات التي تحت يده. [2]
- تقديم هذا الطلب الى المحكمة التي تنظر الدعوى، وأن يشتمل على البيانات المنصوص عليها في متن المادة 21 من قانون البينات والمتعلقة بتحديد المستند المطلوب إلزام الغير بتقديمه، ومضمونه وأهميته، وهي ذكر أوصاف المستند وفحواه، والواقعة التي سوف يستشهد بالسند عليها والدلائل على وجود السند تحت يد الغير، ووجه إلزامه بتقديمه.
ميعاد تقديم هذا الطلب
لابد من التمييز ما بين الإشارة الى المستند الموجود تحت يد غير كبينة ضمن قائمة البينات، والطلب من المحكمة دعوة الغير لتقديم هذا السند، فبالنسبة الى وقت الإشارة الى وجود مستند تحت يد الغير، كبينة ضمن قائمة البينات، فيجب أن يكون ذلك في الدعوى المرفوعة أمام محكمة البداية عند تقديم الخصم للائحته إذا كان مدعيا، أو عند تقديمه للائحته الجوابية إذا كان مدعى عليه.
أما في الدعاوى المرفوعة أمام محكمة الصلح، فإن الإشارة الى وجود هذا المستند تحت يد الغير تكون عند تقديم الخصم لمؤيدات دعواه.
أما عن ميعاد تقديم الطلب الى المحكمة لدعوة الغير بهدف إلزامه بتقديم المستند الموجود تحت يده، فإن ذلك يكون بعد الدخول بموضوع الدعوى عندما يأتي دور الخصم في تقديم بيناته، بمعنى أن وقت تقديم طلب دعوة الغير لإلزامه بتقديم مستند تحت يده يجوز في أي وقت بعد الدخول في موضوع الدعوى مادام أن المهلة القانونية المحددة لتقديم البينات لم تنته بعد.
قرار المحكمة في طلب إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
منح المشرع الأردني للمحكمة وبموجب نص المادة 25 من قانون البينات السلطة التقديرية من حيث قبول وإجابة الطلب بدعوة الغير لإلزامه بتقديم مستند تحت يده، أو عدم إجابة هذا الطلب، وعليه فإنه يترتب على المحكمة في كلا الحالتين البت في هذا الطلب بالقبول أو الرفض، وبالتالي يتوجب على المحكمة النظر في هذا الطلب شكلا وموضوعا ليتسنى لها إصدار القرار المناسب فيه.
أما من حيث الشكل، فعلى محكمة الموضوع ابتداءا وفي حال قدم إليها طلب بإلزام الغير بتقديم مستند تحت يده، أن تتأكد من توافر الشروط التي أوجب المشرع وجودها في هذا الطلب، فإذا كان الطلب موافق لأحكام القانون تقرر قبوله شكلا، ثم تنتقل الى رؤيته موضوعا، أما إذا تبين لها أن الطلب المقدم لا تتوافر فيه الشروط التي يتطلبها القانون، أو كانت الأوراق المطلوب تقديمها بموجب هذا الطلب غير منتجة للفصل في الدعوى، فإنها تقرر رفض هذا الطلب شكلا.[3]
أما من حيث الموضوع، ففي حال قررت المحكمة قبول الطلب شكلا، فإنها تنتقل لرؤيته موضوعا من خلال دعوة الغير للحضور أمام المحكمة من خلال مذكرة وعند حضوره تجري المحكمة تحقيقا معه لتلزمه بتقديم المستند تبعا لذلك، وعليه وعند مثوله أمام المحكمة فإن هذا الغير المطلوب منه السند قد يقر بوجود السند تحت يده أو يبقى ساكتا، وفي كلا هاتين الحالتين يعفى طالب السند من الإثبات، وتقرر المحكمة إلزامه بتقديم المستند المطلوب في الحال أو في أقرب موعد تحدده المحكمة لذلك.[4]
إنكار الغير لوجود السند
أما في حال أنكر المطلوب منه السند وجوده تحت يده ،ففي هذه الحالة يتوجب على طالب السند أن يقدم إثباتا كافيا على وجود المستند تحت يد المطلوب منه ،فإذا أثبت ذلك تلزم المحكمة المطلوب منه السند تقديمه في الحال ،أو في أقرب موعد تحدده لذلك ،أما إذا عجز طالب السند عن تقديم الإثبات الكافي بوجود السند تحت يد المطلوب منه ،فعلى المحكمة في هذه الحالة أن تحلف المنكر يمينا بأن السند لا وجود له ،وبأنه لا يعلم وجوده ولا مكانه وأنه لم يخفه أو يهمل في البحث عنه ليحرم طالبه من الاستشهاد به ،فإذا حلف هذه اليمين تعتبر المحكمة طالب السند عاجز عن إثبات طلبه وتقرر رده ،وفي حال رفض الحلف فإن ذلك يعتبر إقرارا منه بوجود السند تحت يده .
الآثار المترتبة على إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده
سبق وأشرنا الى أنه في حال رفض المحكمة لهذا الطلب، فإنه لا تثور أية إشكالية قانونية، ويكون هذا الرفض سببا من أسباب الطعن بالحكم الصادر في نهاية الخصومة، وكذلك الحال إذا قررت المحكمة قبول الطلب وتم دعوة الغير وإلزامه بتقديم ما تحت يده من مستندات وقام الغير بتقديمها، فلا تثور أيضا أية إشكالية قانونية، حيث تكون الغاية من الطلب قد تحققت ليعود بذلك أمر وزن البينة الى محكمة الموضوع. [5]
أثر تخلف الغير عن الحضور أمام المحكمة أو تخلفه عن تقديم السند الذي ألزم بتقديمه
إذا امتنع الغير عن الحضور أمام المحكمة رغم دعوته وتبليغه صحيحا دون معذرة مشروعة يجوز للمحكمة أن تصدر مذكرة إحضار بحقه، وإذا حضر ولم تقتنع المحكمة بمعذرته، يجوز لها أن تحكم عليه بالحبس لمدة لا تزيد على أسبوع، أو بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير ويكون قرارها قطعيا. [6]
وفي حال حضر الغير وثبت وجود السند تحت يده، ورفض تقديمه على الرغم من إلزام المحكمة له بتقديمه، فيكون بذلك ارتكب جريمة جنائية، كونه امتنع عن تنفيذ حكم قضائي وفقا لأحكام المادة 473 من قانون العقوبات الأردني، بالإضافة الى أنه يعد مرتكبا لجريمة عرقلة سير العدالة وفقا لأحكام المادة 222 من قانون العقوبات والتي اعتبرت كل من يخفي أو يتلف قصدا وثيقة أو مستند وهو يعلم أنه ضروري في أية إجراءات قضائية قاصدا بعمله هذا أن يحول دون استعماله في معرض البينة. [7]
اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن المستندات بيد الغير
القرار الصادر عن محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3579/2016 تاريخ 18/12/2016
“…….وفي ذلك نجد أن موضوع الدعوى هو المطالبة بقيمة كمبيالات موقعة بين المميزين كمدين وكفلاء للمدين ولم ينكروا توقيعهم على هذه الكمبيالات وحيث أن الكمبيالة كورقة تجارية صرفية فإنها تتمتع بذاتها بالقوة الثبوتية وبالتالي فإن موضوع طلب إلزام الغير بتقديم ما تحت يده من مستندات غير منتج في الإثبات في هذه الدعوى وعليه فإن عدم إجابة طلب المميزين في محله وهذا السبب لا يرد على القرار مما يتوجب رده. “
إعداد المحامية : ثمار إبراهيم
الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة
[1] -د. عباس العبودي –شرح أحكام قانون البينات الجديد –دار الثقافة –عمان 2004 –ص 143.
[2] -تمييز حقوق رقم 14/2004 تاريخ 14/4/2004 منشورات عدالة.
[3] -تمييز حقوق رقم 1570/2007 تاريخ 14/1/2008 وتمييز حقوق رقم 5461/2005 تاريخ 28/5/2006 منشورات عدالة.
[4] -المادة 22 من قانون البينات الاردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته.
[5] -تمييز حقوق رقم 800/1990 تاريخ 18/1/1991 وتمييز حقوق رقم 1034/1990 تاريخ 6/3/1991.
[6] -المادة 18 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني.
[7] -المادة 473 والمادة 222 من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته.

