مدى قانونية تسجيل المكالمات الهاتفية

قانونية تسجيل المكالمات في القانون الأردني

 تفتقر معظم التشريعات العربية لقانون ينظم موضوع تسجيل المكالمات بعكس القانون الأمريكي الذي يعطي لأي من طرفي المكالمة تسجيل المكالمات الهاتفية وفق القانون الفدرالي ( See 18 U.S.C. 2511(2)(d) )  والذي يسمى قانون الطرف الواحد والذي مفاده أن قيام أي من طرفي المكالمة بالتسجيل أمر جائز، ومعنى ذلك أن غاية القانون هو منع أي شخص ليس طرفا في المكالمة من القيام بتسجيلها.

ومما لا شك فيه أنه يجب التفريق بين قيام أحد طرفي المكالمة بتسجيل المكالمة، وبين أن يقوم طرف ثالث بالتسجيل دون أذن أي منهما والذي يعتبر أمر ممنوع دستوريا وبموجب قانون العقوبات وقانون الاتصالات وهو ما سيخرج عن نطاق هذا المقال وسنقصر الحديث عن الحال الذي يقوم به أي من طرفي المكالمة بتسجيلها بإذن أو بغير إذن الطرف الآخر، وهو ما يقود الى التساؤل عن ماهية الحدود التي تفصل بين تسجيل المكالمات الهاتفية في إطار القانون وإجراءاته وضوابطه، وبين تسجيل المكالمات الهاتفية الذي يتضمن في فحواه مخالفة للقانون، وبمعنى آخر ما هو مدى قانونية تسجيل المكالمات الهاتفية؟

أولاً: ماهية تسجيل المكالمات الهاتفية

ثانياً: الطبيعة القانونية لتسجيل المكالمات

ثالثًا: موقف القانون الأردني والمقارن من حجية تسجيل المكالمات

رابعًا: الموازنة بين موقف القوانين المقارنة

خامسًا: نماذج أحكام صادرة بشأن تسجيل المكالمات الهاتفية

سادسًا: الخاتمة

أولاً: ماهية تسجيل المكالمات الهاتفية

1- المقصود بالمكالمة الهاتفية

تعد المكالمة الهاتفية نوعاً من المحادثات الشخصية الخاصة التي يتم بين طرفيها عملية تبادل لأفكار أو معلومات أو أمور شخصية تخصهما، وذلك في إطار من السرية والخصوصية التي تجمع طرفي المحادثة فقط دون سواهما، وتحول دون تنصت الغير عليها.

ويقصد بالمكالمات الهاتفية أي أحاديث أو مناقشات تتم بين طرفين بشكل غير مباشر، أي بشكل غير وجاهي عن طريق هاتف أرضي أو نقال، وذلك دونما النظر إلى اللغة التي تتم بها تلك المحادثات، طالما كان لها دلالة تفيد مضمونها، لذلك فإن المكالمات الهاتفية التي لا يكون مضمونها سوى همهمات أو صرخات متناثرة لا يستدل منها على أي مضمون خارج نطاق مفهوم المحادثات، فيجب أن تكون المحادثة المحمية لها مضمون معبر عن أفكار ومعاني مترابطة لها دلالة محددة.

2- المقصود بتسجيل المكالمات

يقصد بعملية التسجيل العملية التي يتم من خلالها ضبط الأصوات وحفظها وتخزينها من خلال استخدام أحد أنواع الأجهزة الرقمية المعدة لذلك، وذلك بغرض استخدامها عندما يكون هناك حاجة تستدعي إعادة سماعها[1].

وهناك طريقين تتم من خلالهما عملية تسجيل المكالمات، الطريق الأول هو الطريق المباشر والذي يكون فيه التسجيل باستخدام لاقطات صوتية، والطريق الثاني هو الطريق غير المباشر – وهو المستهدف من هذا المقال – والذي تتم فيه عملية التسجيل من خلال التنصت أو التسجيل لمكالمات هاتفية تتم بين طرفين، ويتم التسجيل بشكل خفي ومستتر[2].

3- أساس الحماية المفروضة لمكالمات الهاتفية

تجد حماية المكالمات الهاتفية وسريتها أساسها في حق قررته الدساتير المختلفة للفرد قوامه أن ما يجريه من محادثات هاتفية يتمتع بالسرية ويتم حمايته من المراقبة، وهو امتداد لحق الخصوصية الذي يشمل حق الفرد في التمتع بالخصوصية في كافة مناحي حياته الخاصة.

وقد نصت الدساتير العربية هذا الحق، ومن أهم تلك الدساتير:

– ما نص عليه الدستور الأردني في (المادة 18) منه من أنه (تعتبر جميع المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال سرية لا تخضع للمراقبة أو الاطلاع أو التوقيف أو المصادرة إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون).

– كما نص الدستور السعودي في (المادة 40) منه على أن (المراسلات البرقية والبريدية والمخابرات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصـال مصـونة ولا يجوز مصادرتها أو تأخيرها أو الاطلاع عليها أو الاستماع إليها إلا في الحالات التـي يبينهـا النظام).

– ونص على ذلك أيضاً الدستور المصري في (المادة 57) منه حيث نص على أن (للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس، وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون، كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك).

4- طرق تسجيل المكالمات الهاتفية

تختلف طرق التسجيل للمكالمات الهاتفية بحسب نوع الهاتف المراد تسجيل المكالمات التي تجرى من خلاله، ففي الهواتف التقليدية (الخطوط الأرضية) نجد أن تسجيل المكالمات يتم من خلال أجهزة يتم توصيلها على الخط الخاص بالمشترك، وتقوم تلك الأجهزة بتسجيل المكالمات الصادرة منه والواردة إليه.

أما في الهواتف النقالة فإن التكنولوجيا الحديثة كان لها أثر في ظهور أكثر من طريق لتسجيل المكالمات التي تتم عبر هذا النوع من الهواتف، ومن أهم تلك الطرق:

أ- الطريقة الأولى

تتمثل أولى طرق تسجيل المكالمات في الهواتف النقالة التي تتمتع بتقنية متقدمة في برنامج يتيح إمكانية تسجيل أي محادثات صوتية تتم من خلال هذا الهاتف، سواء كانت واردة له أو صادرة منه، ويسمى هذا البرنامج ببرنامج (Spy Call)، وهذه الطريقة تعد أخطر الطرق المتبعة في تسجيل المكالمات، نظراً لسهولته وعدم وجود أي عقبات تعوق دون القيام به.

ب- الطريقة الثانية

وهي الطريقة التي يتم فيها التسجيل من خلال الشركة التي تقدم الخدمة، إلا أن تلك الطريقة نادراً ما يتم اللجوء إليها نظراً لما تتسم به من إجراءات روتينية ومعقدة يلزم اتباعها للحصول على إذن بإجراء التسجيل بتلك الطريقة، وهو ما يجعل الجهة التي ترغب في التسجيل تلجأ إلى الطرق الأخرى التي تتسم بالسهولة وتخلو من الروتين والتعقيدات.

ج- الطريقة الثالثة

تتميز الهواتف المحولة بخاصية ذاتية تمكنها من العمل كمسجل أصوات، وبالتالي يمكن ضبط الهاتف على تسجيل المكالمة قبل إجرائها حتى يقوم الهاتف بتسجيلها بشكل تلقائي عند بدء المحادثة، وهو ما يتشابه إلى حد كبير مع الطريقة الأولى، مع الاختلاف في أن الطريقة الأولى يستخدم فيها برامج حديثة ومتطورة تعمل بدون أن تحتاج إلى ضبط للتسجيل قبل المكالمة، بحيث تسجل جميع المكالمات دون استثناء ودون حاجة للتوجيه.

ثانياً: الطبيعة القانونية لتسجيل المكالمات

تباينت الاتجاهات الفقهية في تحديد الطبيعة القانونية لتسجيل المكالمات الهاتفية، حيث رأى اتجاه من الفقه الإيطالي بأنها نوعًا من المحررات من حيث كونها وسيلةً حديثةً لتحديد الكلمة المنطوقة[3]،بينما ذهب اتجاه آخر من الفقه الإيطالي يعارض هذا الاتجاه إلى أن التسجيلات الصوتية لا يمكن اعتبارها نوعًا من أنواع المحررات، على أساس أن المشرع يُعني بالمحررات تلك التي تتم بالكتابة دون أي وسيلة أخرى صوتية أو تصويرية[4].

 وذهب اتجاه في الفقه الأمريكي إلى أن التسجيلات الصوتية مجرد أداة للتحري وليست وسيلةً لجمع الأدلة، في حين ذهبت بعض أحكام القضاء اللبناني إلى أن التسجيلات الصوتية تُعد قرينة يُضيفها القاضي إلى كافة أدلة الإثبات، حتى ولو كانت هذه القرينة ضعيفة.

وذهب البعض إلى اعتبار التسجيلات الصوتية إجراءات باطلةً بطلانًا مطلقًا، متى كان من شأنها أن تؤدي إلى انتهاك حق الفرد في خصوصيته، وأن الدليل المتحصل منه لا يجوز الاستناد إليه، حتى لو كان هذا التسجيل مأذون به من قبل قاضي التحقيق، على اعتبار أن هذه التسجيلات تشكل اعتداءً على حق لا يقبل أي استثناء.

 وذهب الرأي الراجح في الفقه إلى أن التسجيلات الصوتية تُعد من إجراءات التفتيش، وذلك على اعتبار أن التفتيش هو الاطلاع على محل منحه القانون حرمةً خاصةً لضبط ما يمكن أن يُفيد في كشف الحقيقة[5]، ونؤيد من جانبنا هذا الرأي، على اعتبار أن الغاية من التسجيلات الصوتية، تتمثل في البحث عن دليل يساعد في كشف الحقيقة، وهذه الغاية ذاتها هي الغاية من التفتيش، ويؤيد هذا الرأي القضاء المصري، حيث اعتبر أن المكالمات الهاتفية بمثابة الرسائل، فهي لا تعدو أن تكون رسائل شفوية مما يجعلها خاضعة لإحكام التفتيش وضماناته، ومنها ألا يتم التفتيش إلا بعد الحصول على الموافقات القضائية.

ثالثًا: موقف القانون الأردني والمقارن من حجية تسجيل المكالمات

تباينت المواقف التي اتخذها كل تشريع من التشريعات المقارنة بخصوص تسجيل المكالمات الهاتفية، واعتبارها ذات حجة قانونية من عدمه، حيث لجأ البعض منها إلى تنظيمها بشكل صريح وواضح، في حين وضع بعض مشرعي القوانين الأخرى تشريعات خاصة بهذه المسألة، في حين ذكرها البعض الآخر بشكل ضمني.

1- موقف المشرع الأردني

يُعتبر حق الإنسان في الخصوصية المكفولة له بوجه عام والمكفولة لما يجريه من مكالمات هاتفية هو حق ثابت ومستقر له في الدستور والقانون، إلا أن هذا الحق قد أصبح عرضة لتحديات خطيرة تهدد بالنيل منه خاصة في ظل التقدم والتطور الهائلين في المجال التقني، والتي وفرت وسائل يُمكن من خلالها التنصت على المكالمات الهاتفية وتسجيلها وجعلتها من أيسر الأمور، وإن كانت تلك الوسائل يمكن الاستفادة منها في مجال الأدلة الجنائية، إلا أن ذلك يكون بشكل قانوني وفي أضيق الحدود.

في الدستور الأردني

في (المادة 18) منه من أنه (تعتبر جميع المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال سرية لا تخضع للمراقبة، أو الاطلاع، أو التوقيف، أو المصادرة إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون). ومقصد هذه المادة منع تسجيل المكالمات من الغير، وحضر مراقبتها بدون مسوغ قانوني.

في قانون العقوبات

كان المشرع الأردني من المشرعين الذين نصوا صراحة على ضرورة كفالة السرية والخصوصية للمكالمات الهاتفية، وأنه لا يجوز المساس بها إلا في حدود المعنية في القانون، وذلك إنفاذاً لنص (المادة ١٨) من الدستور الأردني المبينة سلفاً، وأيضاً طبقاً لما نصت عليه (المادة 348 مكرر) من قانون العقوبات الأردني من أن (يعاقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبالغرامة مائتي دينار كل من خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور أو استخدام المنظار ، وتضاعف العقوبة في حال التكرار).

ونجد في النص أن وسيلة التسجيل يجب أن تكون من خلال استراق السمع أو البصر وفق ما تقتضي المادة 348 مكرر من قانون العقوبات. 

وظاهر ذلك أن المشرع الأردني حظر تسجيل المكالمات الهاتفية، وكفل لها الحماية بشكل مطلق كقاعدة عامة، وعاقب من يرتكب ذلك الفعل باعتباره فعلاً يجرمه القانون.

في قانون أصول المحاكمات الجزائية

إلا أن المشرع قد وضع قيداً وحيداً على سرية الاتصالات الهاتفية وخصوصيتها وهو القيد المتمثل في الاستثناء على تلك القاعدة والوارد في نص (المادة ٨8) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أنه (للمدعي العام ان يضبط لدى مكاتب البريد كافة الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود ولدى مكاتب البرق كافة الرسائل البرقية كما يجوز له مراقبة المحادثات الهاتفية متى كان لذلك فائدة في إظهار الحقيقة)، حيث اعتبر المشرع أن مراقبة – وتسجيل – المكالمات تعد قانونية متى كانت تستهدف إظهار حقيقة، ولا يقصد بأنها تستهدف أن تكون محتملة الدلالة على الحقيقة، بل يجب أن تكون لها أثر كاشف للحقيقة، وعندئذ تكون لها الحجية القانونية.

في قانون الاتصالات الأردني

 المادة 71 من قانون الاتصالات والتي نصت على :

(كل من نشر أو أشاع مضمون اي اتصال بواسطة شبكة اتصالات عامة أو خاصة أو رسالة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 300 دينار أو بكلتا العقوبتين).

وظاهر النص أن التجريم هنا يقتصر على اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني. 

2- موقف المشرع المصري

نصت (المادة ٣٠٩ مكرر/أ) من قانون العقوبات المصري على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاء المجني عليه أ- استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون).

كما صدر القانون رقم (٣٧) لسنة ١٩٧٢م بشأن حماية الحريات الفردية، حيث تضمن تعديل لبعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، ومن ضمنها ما ورد بنص (المادة ٩٥) من قانون الإجراءات الجنائية المصري من أن (لقاضي التحقيق أن يأمر بضبط جميع الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البرق، وأن يأمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الضبط أو الاطلاع أو المراقبة أو التسجيل بناء على أمر مسبب ولمدة لا تزيد على ثلاثين يومًا قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة).

كما نصت (المادة ٢٠٦) من قانون العقوبات المصري على ذات مضمون نص (المادة 95) وأجازت للنيابة العامة ذات ما أجازته لقاضي التحقيق في (المادة 95) ووفقاً لذات القيود والشروط.

ومن خلال نصوص المواد سالفة الإشارة يتبين أن المشرع المصري نص على سرية المكالمات الهاتفية وحظر تسجيلها كقاعدة عامة، إلا أنه أباح ذلك في حالات استثنائية أورد شروطها على سبيل الحصر وجعل للتسجيل حجية قانونية حال تحققها، وتتمثل تلك الشروط في:

– أن يكون التسجيل قد تم بناء على صدور إذن قضائي مسبب يبيح التسجيل.

– أن يكون لهذا التسجيل أثراً في ظهور الحقيقة.

– أن يتم التسجيل برضا وموافقة من قبل المجني عليه.

– تحديد مدة المراقبة أو التسجيل بحد أقصى ثلاثين يوماً تقبل التجديد.

– أن تكون الجريمة التي يتم التسجيل بشأنها هي جناية أو جنحة لا يقل الحكم فيها عن ثلاث أشهر.

3- موقف النظام السعودي من تسجيل المكالمات 

نص نظام الإجراءات الجزائية السعودي في (المادة 56) منه على أن (للرسائل البريدية والبرقية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، فلا يجوز الاطلاع عليها أو مراقبتها إلا بأمر مسبب ولمدة محددة وفقاً لما ينص عليه هذا النظام)، كما نص أيضاً في (المادة 57) منه على أن (لرئيس هيئة التحقيق والادعاء العام أن يأمر بضبط الرسائل والخطابات والمطبوعات والطرود، وله أن يأذن بمراقبة المحادثات الهاتفية وتسجيلها متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جريمة وقعت على أن يكون الأمر أو الإذن مسبباً ومحدداً بمدة لا تزيد على عشرة أيام قابلة للتجديد وفقاً لمقتضيات التحقيق).

كما نص في نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في المادة (3/1، 4) منه على أنه (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل شخص يرتكب أياً من الجرائم المعلوماتية الآتية: 1- التنصت على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي دون مسوغ نظامي صحيح أو التقاطه أو اعتراضه ……… 4- المساس بالحياة الخاصة عن طريق إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا أو ما في حكمها).

وكما هو واضح فإن المشرع السعودي جرم التنصت وتسجيل المكالمات الهاتفية بنص (المادة 3/1، 4) من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية وإن كان ذلك ضمنياً، وهو مما يؤخذ على المشرع السعودي أنه لم يجرم تسجيل المكالمات الهاتفية بنص صريح، إلا أنه قد جرمه ضمنياً، فالفقرة (1) منها قد استهدفت التنصت على المكالمات عبر الهواتف الذكية والفقرة (4) استهدفت إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بكاميرا والتي من أوجه إساءة استخدامها هو تسجيل المكالمات الهاتفية.

إلا أن هذه القاعدة لها استثناء يبيح تسجيل المكالمات وفقاً لما ورد بنظام الإجراءات الجزائية، حيث اشترط لذلك الاستثناء صدور أمر مسبب ومحدد المدة، وأن يكون في التسجيل أثراً لكشف الحقيقة.

رابعًا: الموازنة بين موقف القوانين المقارنة

في إطار ما أوضحناه من موقف المشرعين في القوانين المقارنة من مسألة تسجيل المكالمات الهاتفية، ومدى تجريمها، والحالات التي أجازت فيها تلك القوانين استثناء قيام حجية قانونية لتسجيل المكالمات الهاتفية، تبين لنا أن هناك بعض نقاط التوافق والاختلاف في المواقف التي اتخذها مشرعي تلك القوانين، ويمكننا أن نوجز بياناً بمواضع التوافق والاختلاف بين القوانين المقارنة.

1- أوجه الاتفاق

بمراجعة موقف القوانين المقارنة من مسألة مدى قانونية تسجيل المكالمات الهاتفية يتبين لنا أن هذه القوانين قد اتفقت على قاعدة عامة واحدة، وتتمثل تلك القاعدة في تجريم تسجيل المكالمات الهاتفية بوجه عام، كما تتفق أيضاً فيما يخص الحالات الاستثنائية التي يباح فيها التسجيل ويكون قانونياً، وكان ذلك الاتفاق مقتصراً على بعض شروط الإباحة والتي تتمثل في:

– أن يكون التسجيل قد تم بموجب إذن قضائي مسبب.

– أن يكون لهذا التسجيل أثر في ظهور الحقيقة.

– أن تكون مدة المراقبة محددة بشكل مسبق ومقيدة بحد أقصى لا ينبغي تجاوزه.

كما أن القوانين المقارنة اعتبرت أن تسجيل المكالمات دون توافر تلك الشروط يعد جريمة، وضع لها كل قانون منهم العقوبة التي تتناسب معه.

2- أوجه الاختلاف

اختلفت القوانين المقارنة (الأردني والمصري والسعودي) في شأن قانونية تسجيل المكالمات الهاتفية في أكثر من موضع، ويمكننا أن نحصر أوجه الاختلاف في ثلاث أوجه وهي حالة إجراء التسجيل دون وجود إذن قضائي، ومدى تأثير رضاء الشخص الذي يتم التسجيل له على قانونية التسجيل، وحالة تسجيل المكالمات في المقاسم الهاتفية من طرف الشركة.

أ- إجراء التسجيل دون وجود إذن قضائي

من خلال تعرضنا للقوانين المقارنة تبين لنا أن القاسم المشترك بين هذه القوانين هو اشتراطها أن يكون هناك إذن قضائي مسبب سابق في صدوره على إجراء التسجيل، وبالتالي فإن إجراء التسجيل في ظل القوانين المقارنة الثلاث يجب أن يسبقه إذن قضائي مسبب، فإن تم التسجيل دون صدور مثل هذا الإذن عد باطلاً وخالياً من أي قانونية أو حجية، بل يتحول إلى فعل يجرمه القانون ويلزم معاقبة مرتكبه.

ولا ينال من ذلك البطلان أن يصدر إذناً لاحقاً على حصول التسجيل، حيث إن الحكمة من اشتراط الإذن القضائي المسبب هو حماية حرمة الحياة الخاصة للأشخاص وسرية محادثاتهم الهاتفية، وجعل تسجيلها في أضيق الحدود وبأسباب ترد بالإذن الصادر بالتسجيل، فالعبرة هنا بتاريخ ووقت صدور الإذن بأن يكون الإذن سابقاً وليس لاحقاً في صدوره على التسجيل.

ب- رضاء من يتم التسجيل له على إجراء التسجيل

بمراجعة ما تناولناه بشأن الشروط الاستثنائية التي متى تحققت بات تسجيل المكالمات الهاتفية قانونياً سنجد أن القانون المصري يختلف عن القانونين الأردني والسعودي في هذا الشأن، فالقانون المصري – قانون العقوبات – نص في (المادة ٣٠٩ مكرر/أ) على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاء المجني عليه ……………)، ومن نص هذه المادة يتبين أن المشرع المصري اعتبر أن موافقة ورضاء المجني عليه يعد سبباً من الأسباب التي تبيح التسجيل، وتجعل تسجيل المكالمات الهاتفية قانونياً حتى لو لم يصدر به إذناً مسبباً، حيث ساوى المشرع بين الأحوال المصرح بها قانوناً – والمقصود هنا الإذن – وبين رضاء المجني عليه.

في حين أن القانونين الأردني والسعودي لم يتضمنا مثل هذا الشرط، وهو ما يجعل منع تسجيل المكالمات هو منع مطلق، لا يستثنى منه سوى الأحوال المصرح بها قانوناً، ولا يغير رضاء المجني عليه عن التسجيل في شيء، حيث يظل التسجيل غير قانوني، حتى لو تم برضاء المجني عليه، طالما لم يكن هناك إذن قضائي مسبب.

وجدير بالذكر أن القانون المصري قد فرق في شأن رضاء المجني عليه بين حالتين، الحالة الأولى هي الرضا السابق على التسجيل، والرضا اللاحق على التسجيل، ففي حالة الرضا السابق على التسجيل يكون التسجيل جائزًا ومشروعًا باعتباره قد تم بناءً على رضا المجني عليه وهو ما يجيزه القانون، بينما في حالة الرضا اللاحق على التسجيل لا يكون التسجيل مشروعًا، ويعد الاستدلال بهذه التسجيلات باطلًا؛ لأنها تمت خلسة وبدون علم المتحدث.

ج- التسجيل عن طريق المقاسم الهاتفية 

في بعض الشركات والمؤسسات التي يكون لديها مقاسم هاتفية، تظهر مشكلة تسجيل المحادثات والمكالمات التليفونية سواء من قبل الموظف المختص بالمقسم الهاتفي والقائم على تحويل المكالمات، أو من قبل الشركة أو المؤسسة ذاتها وذلك بدواعي أخذ رأي العملاء لتطوير الخدمة التي تقدمها، فما هو الموقف القانوني لكل من التشريعات المقارنة من تلك الحالة؟

على الرغم من اتفاق التشريعات المقارنة الثلاث على تجريم تلك الحالة، إلا أنها اختلفت في العقوبة التي قررتها كل منها لمرتكبها.

فبالنسبة للمشرع الأردني فقد نص في (المادة 71) من قانون الاتصالات الأردني المعدل رقم 13 لسنة 1995على أنه (كل من نشر أو أشاع مضمون أي اتصال بواسطة شبكة اتصالات عامة أو خاصة أو رسالة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (100) دينار ولا تزيد على (300) دينار أو بكلتا العقوبتين.

أما في قانون الاتصالات المصري رقم 10 لسنة 2003 فقد نص في (المادة 73/1) منه على أنه (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قام أثناء تأدية وظيفته في مجال الاتصالات أو بسببها بأحد الأفعال الآتية 1- إذاعة أو نشر أو تسجيل لمضمون رسالة اتصالات أو لجزء منها دون أن يكون له سند قانوني في ذلك).

وفي نظام الاتصالات السعودي رقم 74 لسنة 1422 هـ وتحديداً في (المادة 37/ 7، 13) منه قد نص على أنه (يعد مرتكباً لمخالفة كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم بأحد الأعمال الآتية: 7- التقاط أي مكالمة هاتفية أو معلومة منقولة خلال شبكات الاتصال العامة بالمخالفة لأحكام هذا النظام، ……… 13- تعمد الكشف خارج نطاق واجبه عن أي معلومة أو محتوى أي رسالة تم اعتراضها خلال إرسالها).

ونلاحظ أن المشرع السعودي لم ينص صراحة على تسجيل المكالمات في تلك الحالة، ولكنه أوردها بشكل ضمني، حيث وضع لها عدة صور دون أن ينص صراحة على التسجيل، على خلاف المشرعين الأردني والمصري اللذان نصا صراحة في تلك الحالة على تجريم التسجيل والنشر والإذاعة للمكالمات الهاتفية.

وبالطبع فإنه متى كان الفعل مجرم فلا تكون نتيجته مشروعة، وبالتالي فإن تجريم القوانين المقارنة لفعل التسجيل في تلك الحالة، فإن الناتج الذي ينتج عنها وهو التسجيل يعد ناتج غير قانوني أو مشروع، وبالتالي ليس له حجية أو قانونية.

خامسًا: نماذج أحكام صادرة بشأن تسجيل المكالمات الهاتفية

1- موقف القضاء الأردني من تسجيل المكالمات

أما بالنسبة للقضاء الأردني فتعج الأحكام القضائية الجزائية بالتناقض حول تسجيل المكالمات الهاتفية والحديث هنا عن قيام أي من طرفي المكالمة بالتسجيل ، فقد اعتبرت بعض المحاكم أن تسجيل المكالمات يعتبر عمل قانوني مشروع واعتبرت التسجيل بينة واستندت لها في بعض الأحكام ، وفي أحكام أخرى اعتبرتها جريمة خرق الحياة الخاصة واسترقاق السمع وفي بعض الأحكام اعتبرته مخالفة لقانون الاتصالات.

وبشكل عام فان القضايا التي أقيمت من قبل أحد طرفي المكالمة واستند بها المشتكي أو المدعي الى المكالمة فقد تعاملت معه كفعل مشروع، وأجازت إجراء الخبرة عليه في معظم قرارات محاكم الدرجة الأولى، وفي أحكام أخرى قام بها أحد طرفي المكالمة بنشر التسجيل الصوتي للغير، أو إسماعه للغير ،أو للتحقير، أو التشهير ، فقد اتفقت معظم المحاكم على اعتباره خرق لحرمة الحياة الخاصة.

ورد في الحكم رقم (٣٥) لسنة ٢٠١٧م

الصادر من محكمة التمييز  الأردنية بصفتها الجزائية بجلسة ٢٦/٧/٢٠٢٠ بما نصه (إذا كانت النيابة وفي سبيل إثباتها لهذه التهمة قد اعتمدت على مشاهدات لمحتويات هاتف المتهم، والمتضمنة إرساله رسائل صوتية، وتسجيلات فيديو عبر تطبيق برنامج الواتساب، والتي تدور بمجملها عن حديث ما بين المتهم، وشخص لبناني الجنسية يُدعى…… يتعهد بموجبها الأخير، بتأمين المتهم بكميات من المواد المخدرة وبالتالي تجد المحكمة بأن المقاطع الصوتية، وتسجيلات الفيديو لا ترقى إلى مستوى الدليل القاطع والجازم لإثبات أركان  وعناصر هذه التهمة، وإنما تبقى وعلى فرض ثبوتها في إطار الأعمال التحضيرية التي لا يمكن الاستناد والتعويل عليها في الإدانة، ذلك أن الإدانة يجب أن ترقى إلى درجة الجزم واليقين، الأمر الذي يقتضى معه إعلان براءته عن الشروع التام باستيراد مادة مخدرة بقصد الاتجار خلافًا لأحكام المادة (8/أ/1) من القانون ذاته، وبدلالة المادة (68) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة (1960) بالنسبة للمتهم).

الحكم رقم 3179 لسنة 2020 محكمة تمييز جزاء

وفي هذا القرار أقرت لمحكمة الجنايات استنادها الى تسجيلات المكالمات فقد ورد في القرار :

وبخصوص جنحة عرض فعل منافٍ للحياء خلافاً لأحكام المادة (306) من قانون العقوبات المسندة للمتهم فقد تبين للمحكمة أن جميع الأفعال والأقوال التي أتاها المتهم بمواجهة المشتكية كانت برضاها التام وهذا ثابت من خلال الرسائل المتبادلة بينهما على الهاتف ومن خلال المكالمة الهاتفية التي أفرغها الخبير الفني وأوردها بتقرير خبرته وحيث إن المشتكية بوقت فعل الاعتداء كانت قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها وكانت الأفعال برضاها فإن ذلك كله يستدعي إعلان عدم مسؤولية المتهم عن هذه الجنحة.

وفي الحالة المعروضة نجد أن محكمة الجنايات الكبرى قد استعرضت بينات الدعوى وناقشتها واستخلصت منها وجود علاقة ما بين المشتكية والمتهم وهناك تبادل رسائل عبر الهاتف بواسطة تطبيق الواتس أب ومكالمات صوتية وأن المشتكية اعتادت زيارة المتهم في مكتبه ومن خلال ذلك ومحتويات الرسائل استدلت على أن الأفعال المسندة للمتهم تمت برضا وموافقة المشتكية التي لم تشتكِ إلا بعد تقديم المتهم لشكوى ضد زميليها بجرم الابتزاز.
ومن خلال استعراض أوراق الدعوى وبيناتها نجد أن ما توصلت إليه محكمة الجنايات الكبرى صحيح واستنتاجها واقع في محله وإن البينة المقدمة تؤدي إلى هذه النتيجة مما يجعل سببي الطعن لا يردان على القرار المميز ويتعين ردهما.

2- القضاء المصري

ورد في الحكم رقم (5011) لسنة 1995 والصادر من محكمة النقض المصرية الدائرة الجزائية بجلسة 22/3/1995 بما نصه (لما كانت المادة 95 من قانون الإجراءات الجزائية المصري قد أناطت بقاضي التحقيق أن يأمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية وإجراء التسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جناية، وإذا كانت التسجيلات قد تمت بإذن من نيابة أمن الدولة العليا قد وافقت هذا النظر فإن الدفع ببطلانها على ما تقدم إيراده يكون غير قائم على سند صحيح من القانون).

سادسًا: الخاتمة

تعتبر جرائم التنصت والمراقبة وتسجيل المكالمات الهاتفية من أخطر الجرائم التي يمكن أن تصيب الإنسان في حرمة حياته الخاصة، والتي تشمل سرية المكالمات الهاتفية أيضاً باعتبارها أحد عناصر الحياة الخاصة، لذلك اهتمت القوانين المقارنة بتنظيم الكيفية التي يتم من خلالها تقنين تسجيل المكالمات الهاتفية وذلك في أضيق الحدود، وفي حالات محددة على سبيل الحصر والتحديد، والقانون الأردني منع تسجيل المكالمات من طرف ثالث دون مسوغ قانوني، أما بالنسبة لأطراف المكالمة فلم يتم تنظيم ذلك بشكل واضح وصريح وهو ما أوقع القضاء الأردني في هذه الحيرة والتناقض.

 المحامي: سامي العوض وأحمد عبد السلام                              

[1] – مسرة خالد – الدليل الرقمي ومعايير جودته في الإثبات الجنائي – مركز الكتاب الجامعي – الأردن – 2014 – ص42.

[2] – أنوار البدراني – حجية المستخرجات الصوتية والمرئية الإلكترونية في الإثبات الجنائي – مجلة جامعة تكريت للحقوق – ع (1) – ج (2) – 2018 – ص 423.

[3] – أحمد ضياء الدين خليل – مشروعية الدليل في المواد الجنائية -بدون دار نشر – مصر – 1983 – هامش ص 833.

[4] – مسعود موسى – قبول الدليل العلمي أمام القضاء الجنائي – ط1 – منشورات جامعة قار يونس – ليبيا – 1999 – ص٤٣٠.

[5] – حسن المرصفاوي – المرصفاوي في المحقق الجنائي – ط2 – منشأة المعارف – مصر – 1990 – ص٧٨.

Scroll to Top