العدالة التوزيعية

العدالة التوزيعية

تحتل مسألة عدالة التوزيع حيزا كبيرا في الفكر الاقتصادي نظرا لما يترتب عليها من آثار على استقرار المجتمعات والشعور بالعدل والرضا مما ينعكس إيجابا على الأفراد والمجتمعات، من خلال تحسين الأداء الوظيفي وضمان حد أدني من الكفاية للفئات الفقيرة والضعيفة، فما هو المقصود بعدالة التوزيع، وما هي وسائل تحقيقها، والقواعد المتعلقة بها، هذا ما يكشف عنه هذا المقال.

أولا: تعريف عدالة التوزيع:

ثانياَ: وسائل تحقيق العدالة التوزيعية:

ثالثاَ: قواعد توزيع العدالة:

رابعا: تقسيم الأفراد من حيث عدالة توزيع المكافئات 

خامساَ: عدالة التوزيع في الإسلام:

سادساً: تطبيقات عدالة التوزيع في الأردن:

أولا: تعريف عدالة التوزيع:

يمكن تعريف عدالة التوزيع بأنها “مفهوم متعدد الجوانب يشمل تكافؤ فرص الوصول إلى التعليم والوظائف والموارد المادية للإنتاج وربط العائد بالمساهمة الإنتاجية مع ضمان حد أدنى مقبول للمعيشة لكل مواطن والعمل على ضبط التفاوت في توزيع الدخل والثروة في الحدود التي لا تهدد سلامة المجتمع ووحدته”[1].

فهذا التعريف يبين لنا أن مرتكز عدالة التوزيع تكافؤ الفرص، وهذا التكافؤ لا يقتصر على جانب واحد، بل في شتى المناحي والمجالات المتعلقة بالتعليم والحصول على الموارد والوظائف، مع ضمان وجود حد أدنى للمعيشة للمواطنين لأنه ليس كل مواطن يحسن استغلال الفرص والتعامل معها، وأخيرا لابد من مراعاة تقليل الفوارق المجتمعية بين المواطنين، هذا أهم ملامح ومعالم العدالة التوزيعية

 ثانياَ: وسائل تحقيق العدالة التوزيعية:

تتعدد الوسائل التي تحقق عدالة التوزيع، منها تخصيص الأراضي والثروات الطبيعية، وكذلك رفع مستوى تشغيل الأفراد بجانب التدخل والتأثير في منظومة الإنتاج للتركيز على المهم فالأهم، وأخيرا تطوير نظم التمويل بما يحقق هذه العدالة وفيما يلي تناول هذه الوسائل:

1- تخصيص الأراضي والثروات الطبيعية:

جميع الأراضي التي تملكها الدولة لها الحق في إيجارها والاستفادة منها ويتم صرف عائد هذه الأراضي في المنافع العامة للدولة فيعود على المواطن في صورة خدمات ومنافع، وهذه المنافع تساعد في وضع حد أدنى من المعيشة.

كذلك ما يتعلق بالثروات والمعادن الطبيعية التي جعلها الله في البلاد هي ملكية عامة لعموم الناس، ولابد من استثمارها بما يعود بالنفع على جميع المواطنين بغض النظر عن دخل كل مواطن وهذا يساعد على محاربة الفقر وتوفير الحد الأدنى من العيش للمواطن من خلال عوائد هذه الثروات.

2- رفع مستوى تشغيل المورد البشري:

لرفع مستوى التشغيل إلى الحد المطلوب لابد من زيادة معدلات الاستثمار والادخار، ولضمان تحقيق ذلك لابد من ضمان تكافؤ الفرص في التحصيل على موارد الإنتاج، ولكن كما هو معروف لا يستطيع كل مواطن الاستفادة من الموارد الطبيعة وتشغيلها فيلزم لذلك تخصيص الموارد الطبيعية لمن يستطيع استغلالها بما يحقق أعلى عائد تشغيلي للموارد البشرية.

3- التأثير في هيكل الإنتاج:

إذا أردنا تحقيق العدالة فلابد من التحكم في هيكل الإنتاج لتكون الموارد الطبيعة المتوفرة تساعد على تحقيق الكفاية من الموارد الإنتاجية والسلع الضرورية والمهمة، فلا يمكن دفع الإنتاج لسلع كمالية، لهذا لابد من التأثير في هيكل الإنتاج حتى توجه الموارد لتحقيق الكفاية في إشباع الاحتياجات المهمة على حساب الحاجات الأقل أهمية.

4- تطوير نظم التمويل:

يلزم لتحقيق عدالة التوزيع تطوير نظم التمويل لجميع فئات المستثمرين دون النظر إلى كفاءتهم الائتمانية سواء كانت كبيرة أو متوسطة أو صغيرة.

فلابد من أن يكون المعيار هو الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من إقامة المشاريع وتمويلها لا جعل المعيار فقط هو معيار ربحي محض، وبالتالي تتجه المؤسسات التمويلية إلى المشاريع الأكثر ربحا بدلا من المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثاَ: قواعد توزيع العدالة:

من أجل القيام بعدالة التوزيع وضع العلماء قواعد لإقامة هذه العدالة في أي منظمة أو مؤسسة أو شركة وهذه القواعد هي قاعدة المساواة، وقاعدة النوعية وأخيرا قاعدة الحاجة، وفيما يلي بيان هذه القواعد:

1- قاعدة المساواة:

تعني هذه القاعدة أن الكل سواء في العطاء والمنع، فلا تفرقة دون مبررات قوية واضحة، فيكون الجميع فيما يتعلق بالتوزيع والعطاء والمنع والمنح والمكافئات سواء، طالما كانت المخرجات والمدخلات متساوية .

2- قاعدة النوعية:

حينما يتم توزيع المكافئات والزيادات والعطاءات لابد من مراعاة قاعدة النوعية أي يعامل الجميع بغض النظر عن اللون والجنس والنوع.

3- قاعدة الحاجة:

هذه القاعدة تعني أن المقدم في العدالة والعطاء الأشخاص الأكثر حاجة من غيرهم، فمثلا حينما يتم إعطاء زيادة في المرتبات فلابد من حصر الفئات الأكثر حاجة مقابل الأفراد الأقل حاجة.

رابعا: عدالة توزيع المكافئات وتقسيم الأفراد بالنسبة لها:

ما هي طرق توزيع المكافئات وفقا لمبدأ وقاعدة لعدالة التوزيع، وأنواع الأفراد فيما يتعلق بأثر عدالة التوزيع:

1- طرق توزيع المكافئات:

تتعدد طرق توزيع المكافئات إلى طرق ثلاث:

  • التوزيع التنافسي المعتمد على الإنتاج،
  • والتوزيع المتوازن المعتمد على إسهامات الأفراد،
  • وأخيرا التوزيع المتساوي الذي لا يعول على الإنتاج وعلى الإسهامات، بل يسوي في المكافئات بغض النظر عن الإنتاج والإسهام.

2- تقسيم الأفراد:

ينقسم الأفراد وفقا للأثر المترتب على عدالة التوزيع إلى مجموعات ثلاث:

أ- الشخص الحساس:

يسعى هذا الشخص إلى تحقيق العدالة في عمليات التبادل الاجتماعي، فبمجرد أن يدرك أن هناك خلل في تحقق العدالة فإنه يهرع إلى: إما زيادة مخرجاته مع تخفيض مدخلاته وذلك حالة شعوره بالغضب، أو تخفيض مخرجاته والعمل على زيادة مدخلاته حال شعوره بالذنب.

ب- الشخص الخير:

هذا الشخص يقبل دائما بما قدر له ويعتبر ذلك نصيبه حينما تقل المخرجات بالمقارنة مع المدخلات فهو طبع على الخيرية والرضا بمقدوره.

ج- الشخص غير الخير:

هذا الشخص يختلف عن الشخص الخير في أنه حينما تزيد مخرجاته عن المدخلات يشعر بالعدالة فقط في هذه الحالة ويسعى دائما للحصول على منافع أكثر بغض النظر عن زيادة المدخلات.[2]

خامساَ: عدالة التوزيع في الإسلام:

عالج الإسلام قضية عدالة التوزيع معالجة راقية جدا وكان له منهجا خاصا، فهو يقوم على سياسة حكيمة فيما يتعلق بعدالة التوزيع وتوزيع الثروات وحماية الفئات الفقيرة، ولقد ظهر ذلك من خلال العناصر الآتية:

1- نظرة الإسلام إلى المال:

المال في الإسلام هو مال الله تعالى وحده، والرزق من عند الله تبارك وتعالى وقد تكفل به حينما قال تعالى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات: 22]، وقال تعالى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات: 22]

وجعل الله تعالى الإنسان مستخلف في الأرض وملكه منها ما يشاء سبحانه وتعالى.

2-إعلاء شأن وقيمة العمل والكسب:

أعلى الإسلام من شأن العمل والإنتاج وحث عليه، فقد قال – صلى الله عليه وسلم – عمن يخرج طلبا للرزق (إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله)[3].

فالإسلام يحرص على إعلاء قيمة العمل والكسب فقد أمر الله تعالى البشر بالسعي في الأرض والأكل من رزق الله تعالى، فقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الجمعة: 10].

وجعل من خير الأعمال أن يأكل الرجل من عمل يده فقد جاء في الحديث عن المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أكل أحد طعاما قط، خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من عمل يده»[4]

3- إحياء الأراضي وتوزيع الثروات:

راعى الإسلام عدالة توزيع الثروات حينما نص النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث على أنه من أحيا أرض موتى فهي له، فقد عدل بين الناس وسوى بينهم في هذا الأحياء وتملك الأراضي وكذلك فيما يتعلق بتملك المباحات والمعادن والثروات.

فعن جابر بن عبد الله، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»[5]

وحدد في استخراج الكنوز والمعادن قدرا يصرف للفقراء والمساكين كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « وفي الركاز الخمس»[6] والركاز الكنوز المدفونة.

4- فرض الزكاة وبيان مصارفهم:

وضع الإسلام حدا وقدرا للزكاة في المال من أجل إعادة توزيعها على الفقراء والمحتاجين حيث قال تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 60]

فبين الإسلام مصارف الصدقات والزكوات وأعطى الأهمية الأولى للفقراء والمساكين، وقد ورد في السنة أيضا ما يؤكد ذلك كما في حديث معاذ ، فقد أعلم النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذا حينما بعثه لليمن بقوله (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب»[7].

ونص على زكاة الزروع والمحاصيل في قوله تعالى : {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]

5- أعلى من شأن العمل الخيري التطوعي وإعطاء الصدقات:

فالإسلام حث على الصدقات والعمل الخيري، كما في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ” إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. [8]

وكذلك شرع الكفارات وجعلها للفقراء والمساكين، حتى يضمن لهم الحد الأدنى من المعيشة، فنوع من مصادر دخلهم بصورة غير مباشرة.

سادساً: تطبيقات عدالة التوزيع في الأردن:

أجريت دراسة على مجموعة موظفين في دولة الأردن لبيان حقيقة عدالة التوزيع ومدى تحققها في دولة الأردن ومدى إدراك الموظفين لعدالة التوزيع وقواعدها ونظرياتها وأساليب تحققها،  وورد في هذه الدراسة بعض التوصيات المهمة المتعلقة بعدالة التوزيع[9]، والتي تتمثل فيما يلي:

  • العمل على زيادة الوعي بالعدالة التوزيعية في كافة المناحي والمستويات الوظيفية وبيان أهميتها ودورها في تحقيق العدالة وضبط سلوكيات الموظفين.
  • وضع أسس عدالة التوزيع وتطبيقها عن طريق المديرين لأنهم القدوة في الوزارات والمؤسسات لإزالة كل مظاهر الشك والريبة في هذه الوزارات والهيئات.
  • بناء هذه العدالة التوزيعية على أسس واضحة ومحددة وقيام التوازن بين المتطلبات التنظيمية والمتغيرات البيئية.
  • بناء العدالة التوزيعية بالتوازن بين الهدف والوسيلة.
  • بناء ثقافة تنظيمية قائمة على العدالة التوزيعية.
  • إدراك المديرون أن العدالة التوزيعية تساعد على التفرد والإبداع في الجودة مما يتطلب وجود نظم تساعد على تحقيق هذه الأهداف.

وأخيرا لا يخفى على كل عاقل أهمية وجود العدالة التوزيعية، والآثار المترتبة عليها، وكيف أنها تحمي المجتمعات من الشعور بالظلم، وأهميتها في دفع عجلة الإنتاج.

إعداد/ رشاد حمدي.

[1] – ضياء فتحي العدل، العدالة التوزيعية مفهومها وأوضاعها وسبل تحسينها، المجلة المصرية للدراسات التجارية، جامعة المنصورة، كلية التجارة، عام 2019، العدد الثالث، ص 316

[2] – عبد الكريم صالح السكر، أثر العدالة التوزيعية في الأداء الوظيفي، الجامعة الأردنية، 2012، مجلة العلوم الإدارية، العدد 2، ص 236.

[3] – أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (7/ 56)

[4] – صحيح البخاري (3/ 57) رقم الحديث (2072)

[5] – سنن الترمذي ت شاكر (3/ 655) رقم الحديث (1379) وقال: حديث حسن صحيح

[6] – صحيح البخاري (2/ 130) رقم (1499)

[7] – صحيح البخاري (2/ 129) رقم الحديث (1496)

[8] – صحيح مسلم (3/ 1255) رقم (1631)

[9] – عبد الكريم صالح السكر، أثر العدالة التوزيعية في الأداء الوظيفي، الجامعة الأردنية، 2012، مجلة العلوم الإدارية، العدد 2، ص 237.

Scroll to Top