حق الدفاع أمام القضاء
لا ريب أن حق الإنسان في الدفاع عن نفسه بصفة عامة من الحقوق المقدسة والقديمة قدم الإنسان ، ويمكننا القول بأن دفاع المرء عن نفسه ضرورة يذود بها المخاطر ويدفع من خلاله ما يكره ، ويتفرع عن هذا الحق العام حق الإنسان الدفاع عن نفسه أمام القضاء ، فهو أمرٌ أقرته جميع الشرائع ، ونصت على احترامه الدساتير المختلفة ، وسايرتها القوانين والأنظمة المقارنة في شتى البلدان ، ومن قبل ذلك كان للشريعة الإسلامية الحظ الأوفر والسبق الأكمل في إقراره وتنظيمه وتحقيقه .
وحق الدفاع أمام القضاء ضروري بقدر وجود القضاء ذاته ، فلا يُتصور وجود نظام قضائي يربو للعدالة ويسعى لها ولا يقسط للدفاع حقه ، لذا كان حق الدفاع من أهم المبادئ التي قامت عليها الأنظمة القضائية، ويسعنا القول بأن احترامه وأقساطه حقه هو احترامٌ للعدالة.
أولاً: مفهوم حق الدفاع كمبدأ قضائي
ثالثًا: أهمية حق الاستعانة بمحام
رابعًا: مظاهر ضمانات حق الدفاع في القانون الأردني
خامسًا: كفالة الفقه الإسلامي لحق الدفاع
سادسًا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بحق الدفاع
أولاً: مفهوم حق الدفاع كمبدأ قضائي
ونعني بحق الدفاع أن يكون للخصوم – بالأصالة أو الإنابة- أمام القضاء الفرصة الكاملة في إبداء والأدلاء بطلباتهم وشرحها وتقديم الأدلة التي توضح وتؤازر دفاعه وكذا تفنيد طلبات خصمهم وأدلتهم .
وقيل في مفهومه : ذلك الحق الذي يكفل لكل شخص حرية إثبات طلبه أو نفى ما وجه اليه أمام القضاء ، ومن مستلزماته إحاطة الشخص المنسوب اليه الاتهام علما بالتهمة الموجهة اليه باللغة التي يفهمها ،والاستعانة بمترجم عند اللزوم ، وحقه في تقديم الأدلة والاطلاع على كافة أوراق الدعوى ، وأن يكون له محام للدفاع عنه ([1])
ومن خلال هذا المفهوم يتضح لنا أن حق الدفاع أمام القضاء هو السبيل الذي يمكن المتقاضين سواء كانوا مدعون أو مدعى عليهم، متهمين أو مجنى عليهم ويجوز أن يتولوا ذلك بأنفسهم باعتبارهم جزء من الخصوم فهم أكثر الناس على بيانها، أو بالإنابة بواسطة محامى يتولى الدفاع عنهم، وهذا الحق قد اهتمت به المواثيق الدولية باعتباره من أهم الحقوق الإنسانية، فقد نصت (المادة 11/ 1 ) من الإعلان العالمي للحقوق الإنسان وحريته الأساسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 ” كل شخص متهم بجريمة يعد بريئا حتى تثبت إدانته بمحاكمة علنية تؤمن له ضمانات الدفاع “.
فهذا النص دل بعبارته على كفالة حق الدفاع واعتبره من الضمانات الأساسية لحقوقه وحريته.
فإذا ولينا وجهتنا للدستور الأردني وجدناه وإن كان لم يتضمن بين طياته النص صراحة على كفالة حق الدفاع إلا أنه نص على قاعدة أصلية هي أساس هذا الحق باعتبار أن الأصل في الإنسان البراءة ، وهذا الأصل بالضرورة لا يتزحزح عنه بالإدانة إلا بأدلة قطعية يتوصل إليها بطريقة مشروعة بينتها مفصلة وواضحة في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
كما تضمن الدستور الأردني الكثير من النصوص التي تحمى حقوق الأفراد وحرياتهم ومنها ما نصت عليه (المواد 8،10،9 ) بأنه لا يجوز حبس أحد ولا دخول المساكن ولا أن يحظر على أحد الإقامة في جهة ما الا في الأحوال التي بينها القانون .، ولا شك أن القانون قد حملت نصوصه بين طياتها حق الدفاع، وكفلة حمايته ،وتطبيقه، واحترامه .
ثانيًا: مضمون حق الدفاع
ومضمون حق الدفاع في جوهره يتضمن معنيين: ([2])
المعنى الأول:
أنه ينشئ حقا يتمثل في إتاحة الفرصة للخصوم أن يقدموا كل ما لديهم من طلبات ودفوع تتعلق بما هو منسوب إليهم.
المعنى الثاني:
أن جوهر حق الدفاع يتضمن واجبا يقع على عاتق القاضي يبدوا واضحا في الدور الصامت الذي يقوم به القاضي حيال النزاع؛ لأن رسالة القاضي أمام الدفاع رسالة إنصات وهذا الواجب الذي يفرضه حق الدفاع على القاضي يستلزم منه أن يكون واسع الصدر ويتمتع بجانب كبير من الصبر ، لأن الصبر جزء من العدالة وبناء عليه لا يجوز للقاضي أن يفصل في نزاع لم يسمع فيه كل أطرافه ، أو أن يحكم على شخص دون سماع دفاعه أو حتى على الأقل دعوته للدفاع عن نفسه سواء حضر ودافع عن نفسه أو حضر ولم يبد دفاعا أي لا بد من كفالة حق الدفاع وإلا كان الحكم باطلا، وإن كان الأصل في القاضي أن يترك للدفاع الحرية الكاملة في إبداء دفاعه كاملا دون مقاطعة سواء كان مدعيا أو مدعى عليه فإنه يجوز له أيضا مقاطعته إذا ما خرج الخصم أو من يدافع عنه عن مقتضيات الدفاع أو أخل بحرمة وآداب الجلسة، كأن يتجاوز الدفاع حدوده بالسب أو الطعن في حق أجنبي لا علاقة له بموضوع النزاع المعروض، ولا يعتبر هذا العمل من القاضي إخلالا بحق الدفاع ؛ لأن استعمال هذا الحق مقرون بجانب من اللياقة، وكذلك إذا طلبت المحكمة من الخصوم الرد على نقاط الضعف أثناء الدفاع لسماع وجهة نظرهم حال بعض نقاط الضعف، غير ذلك لا يجوز للقاضي مقاطعة الدفاع بحجة ضيق الوقت وازدحام الجلسات وإلا كان ذلك إخلالا بحق الدفاع.
ثالثًا: أهمية حق الاستعانة بمحام
لا ريب أن استعانة الخصوم بمحامي ذات أهمية بالغة بالنسبة لسير الإجراءات وتحقيق العدالة ويبدو جلياً أهمية ذلك في نقاط .
– أن وجود المحامي مع المتهم يبث في نفسه الثقة والطمأنينة.
الواقع العملي أثبت – بما لا يدع مجالاً للشك – أن وجود المحامي مع المتهم وقت مباشرة إجراءات التحقيق في مواجهته – سواء إجراءات جمع أدلة كالاستجواب أو مواجهة أو حتى معاينة أو إجراءات احتياط إزاء المتهم كالحبس الاحتياطي وتجديداته – يضفي الثقة في نفس المتهم والطمأنينة، وهذا يفيد العدالة ولا يُضيرها.
– وجود المحامي مع المتهم يضفى على المتهم الهدوء ويهدئ من روعه ويمنع حدوث اعتراف غير اردى.
– يُضفي على الإجراءات المشروعية.
رابعًا: مظاهر ضمانات حق الدفاع في القانون الأردني
وإن كان الدستور الأردني قد خلا من نص صريح يتضمن حق الدفاع ، إلا أن المقنن الأردني – خاصة في التشريعات الإجرائية – اهتم بحق الدفاع وحقق ضماناته في كافة مراحل الدعوى أمام القضاء، فنجد أن حق الدفاع في كافة مراحل الدعوى الجنائية مكفول ،ولكن أحكام ذلك تختلف بالقدر الذى يتناسب وأهمية المرحلة وخطورتها ، ففي جميع مراحل الدعوى كمرحلة الاستدلال أو التحقيق الابتدائي أو المحاكمة فحق الدفاع مكفول للإنسان أن يستخدمه، وهناك مراحل يتوجب وجود دفاع حقيقي بل أحياناً تكون الاستعانة بالمحامي أجراء واجب لصحة المحاكمة ولو لم يرضى المتهم بذلك ، ومن مظاهر ذلك :-
× في مرحلة الاستدلال وهى المرحلة التمهيدية والتي تسبق مرحلة التحقيق الابتدائي ولا يعدها مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية وإنما هي مرحلة سابقة على مراحل الدعوى وتسمى بالتحري والاستدلال وهى منوطة بالسلطة العامة ، وفى هذه المرحلة وإن كانت قد خلت من أساس تشريعي في الاستعانة بمحام إلا أنها لا يوجد نص يمنع ذلك ومن ثم فإن الأصل أن الاستعانة بمحام أمر جائز أمام جميع الجهات والسلطات غير أننا لا ننكر من الناحية العملية والقانونية أن دور المحامي في مراحل الدعوى سواء في مرحلة التحقيق الابتدائي أو المحاكمة أكثر أهمية وأشد خطورة .
بيد أنه وإن لم يكن هناك أساس تشريعي ينظم حق الاستعانة بالمحام في مرحلة الاستدلال والتحري فإن دور المحامي في مراحل الدعوى كشف العوار الذي قد يكون لحق بالإجراءات التي وقعت في مرحلة الاستدلال ، ومن ثم يمكننا القول إن رقابة المحام لمرحلة الاستدلال قائمة أمام مرحلة التحقيق الابتدائي والمحاكمة .
× أما مرحلة التحقيق الابتدائي ونعني بها مجموعة الإجراءات التي تباشرها سلطة التحقيق الابتدائي فقد حملت التشريعات الإجرائية العديد من النصوص التي كفلت هذا الحق ، فقد نصت (المادتان 64 – 66) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على أن: ” للمتهم ووكيله الحق في حضور جميع أعمال التحقيق عدا سماع الشهود “.
فهذا النص دال بعبارته الواضحة على أحقية المتهم في الوقوف على جميع أعمال التحقيق بنفسه أو بواسطة محاميه ولم يستثن من ذلك سوى حالة سماع الشهود وهذا النص يخص مرحلة التحقيق الابتدائي ومن ثم لا يشمل مرحلة المحاكمة ولعل هذا من سمات التفرقة بين مرحلتي التحقيق الابتدائي والمحاكمة .
× ما نصت عليه (المادة 65) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن: ” يجوز لكل من المتهم والمدعي الشخصي أن يوكل محامياً واحداً لدى قاضى التحقيق وبذلك يكون المشرع الأردني قد أقر ضمانة الاستعانة بمحام تحقيقاً لحق الدفاع ، وهذا النص يستلزم بالضرورة وجود تسهيل وتيسير اتصال المتهم بمحاميه ، فضلاً عن أن هذا يجعل حضور المحامي أمام جهة التحقيق حضوراً فعالاً ليس فقط أجراء شكلياً وهذا بالطبع يؤتي للعدالة ثمارها.
× فقد نصت (المادة 63 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على قاعدة جوهرية واعتبرها لصيقة الصلة بالنظام العام كفل من خلالها ضمانة حق الدفاع أمام جهة التحقيق الابتدائي ورتب البطلان كجزاء على مخالفتها ، وبيان ذلك أن هذه المادة أوجبت على المدعي العام أن لا يجري التحقيق مع المتهم واستجوابه عن التهم المسندة إليه أو مواجهته بالأدلة القائمة ضده بدون محامي، ومن ثم فإن فعل ذلك بالمخالفة لحكم هذه المادة كان الإجراء الذي باشره باطلا، وهذا الأصل يتوافق مع الحكم الذي جاءت به (المادة 124 ) من قانون الإجراءات الجنائية المصري.
ولا يفوتنا أن الاستثناءات الواردة على القاعدة سالفة الذكر تتمثل في :
– حالة رفض المتهم حضور المحامي.
– إذا تأخر المحامي رغم دعوته لمدة 24 ساعة.
– إذا اقتضت الضرورة والسرعة ذلك.
× كما أن (المادة 120 – 1) من قانون الإقرارات والمحاكمات الجزائية أوجبت الاستعانة بالمحامي لكل متهم بجناية وذلك حتى يكون للمتهم دفاع حقيقي وليس مجرد دفاعا شكليا، ولا ننسى أن أغفال المحكمة هذه الضمانة الجوهرية يستوجب بطلان إجراءات المحاكمة ولو لم يتمسك بذلك المتهم، وذلك لأن حضور المحامي إجراء لصيق الصلة بالنظام العام متى كانت التهمة جناية.
× وجاءت (المادة 208) من القانون سالف الذكر بالنص على ذات الضمانة وجاءت عباراتها كالآتي: –
” 1 – في الجنايات التي يُعاقب عليها بالإعدام أو الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد أو الأشغال المؤقتة مدة عشر سنوات فأكثر يتعين حضور محام للمتهم في كل جلسة محاكمة وإذا قام المتهم بإعلام المحكمة بانتهاء علاقته بمحامية ويتعذر تعيين محام بديل لصعوبة أحواله المادية ،فيتولى رئيس هيئة المحكمة تعيين محام له ويدفع للمحامي الذى عين بمقتضى هذه الفقرة أتعابه وفقاً لنظام يصدر لهذه الغاية.
2 – إذا تغيب المحامي الذى اختاره المتهم أو الذى عينه المدعى العام أو رئيس الهيئة عن حضور إحدى الجلسات المحاكمة دون عذر تقبله المحكمة ، فعليها تعيين محام آخر لتمثيل المتهم لمتابعة إجراءات المحاكمة المقررة لتلك الجلسة ، ويتم تحديد أتعاب هذا المحامي على النحو المبين في الفقرة السابقة.
3 – في الجنايات التي يُعاقب عليها بالأشغال المؤقتة مدة تقل عن عشر سنوات يجوز للمدعى العام أو المحكمة المختصة في أي مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية إحالة طلب المتهم لوزير العدل بالتنسيق مع نقابة المحامين لتقديم المساعدة القانونية له أمام المحكمة إذا وجدت مسوغات لذلك.
× ومما يجدر الإشارة إليه أن من مظاهر تحقيق الدفاع أنه بعد أقفال باب المرافعة لا تقبل المحكمة أي طلب أو دفع أو حتى دليل لم يُطرح على بساط بحثها ويطلع عليه الخصوم وإلا كان ذلك إخلالاً بحق الدفاع.
مراعاة حق الدفاع في مرحلة التنفيذ وما بعد المحاكمة :
ومن مظاهر حق الدفاع أنه إذا صدر حكم ضد شخص خارج المملكة الأردنية في محاكمة لم تُتيح له فيها حق الدفاع ، ومن ثم فإنه يمكننا القول إن الأحكام الأجنبية لا تقبل التنفيذ في المملكة الأردنية إذا لم تتحقق بشأنها ضمانة حق الدفاع ، وهذا الأمر مستقر عليه قضاءً وفقهاً .
ومن خلال العرض السابق يتضح لنا مسلك المشرع الأردني من حق الدفاع فقد كفله في جميع مراحل الدعوة أمام سلطة التحقيق الابتدائي والنهائي، وقد احسن صنعا؛ لأن أهمية حق الدفاع لا تخفى على كل ذي لب ومدى مساهمتها في تحقيق العدالة لأنه لا تكون العدالة الحقيقة إلا إذا وجد دفاع حقيقي ، وقد جرت أحكام محكمة التمييز على بيان ذلك في العديد من أحكامها واعتبرت أن حضور المحامي وطلبه البراءة أصليا واحتياطيا استعمال الرأفة دون إبداء دفوع موضوعية من قبيل الدفاع الشكلي لا الدفاع الحقيقي، ورتبت على ذلك البطلان وعللت ذلك بالأخلال بضمانات حق الدفاع كضمانة اصليه للمحاكمة العادلة.
ولا شك أن هذا المبدأ جدير بالاحترام والإشادة فقد كفل ضمانة الدفاع وحي حقها حتى بعد صدور الأحكام القضائية .
خامسًا: كفالة الفقه الإسلامي لحق الدفاع
أما الفقه الإسلامي فلا نُبالغ إن قلنا إن له دائماً أفضلية ومهما حرصت النظريات الحديثة والتشريعات المتأخرة على تحقيق العدالة وكفالة ضماناتها فلن تخرج قيد أنملة عن نظريات الفقه الإسلامي، ومن مظاهر كفالة حق الدفاع في الفقه الإسلامي منهجاً وتطبيقاً الآتي :
× قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لذي عليه الحق سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لَا يستطيع أَن يُمِلَّ هُوَ فليملل وليه بِٱلۡعَدۡلِۚ} ([3])
وجاء في تفسيره: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} أَيْ جَاهِلًا بِالْإِمْلَاءِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: طِفْلًا صَغِيرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، السَّفِيهُ: الْمُبَذِّرُ الْمُفْسِدُ لِمَالِهِ أَوْ فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ {أَوْ ضَعِيفًا} أَيْ شَيْخًا كَبِيرًا وَقِيلَ هُوَ ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِعَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} لِخَرَسٍ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عُجْمَةٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ غَيْبَةٍ لَا يُمْكِنُهُ حُضُورَ الْكَاتِبِ أَوْ جَهْلٌ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أَيْ قَيِّمُهُ {بِالْعَدْلِ} أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ. ([4])
× ما جاء برسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قاضيه على اليمن – رضى الله عنهما ، وكان نصها
«فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ، وَأَنْفِذْ إِذَا تَبَيَّنَ لَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ، وَفِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ، فَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ،» ([5])
وقال السرخسى شارحاً لذلك «فَافْهَمْ إذَا أَدْلَى إلَيْك الْخَصْمَانِ وَالْإِدْلَاءُ رَفْعُ الْخُصُومَةِ إلَى الْحَاكِمِ وَالْفَهْمُ إصَابَةُ الْحَقِّ فَمَعْنَاهُ عَلَيْك بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ إذَا أَدْلَى إلَيْك وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْمَعْ كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَافْهَمْ مُرَادَهُ وَبِهَذَا يُؤْمَرُ كُلُّ قَاضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنْ الْمُبْطَلِ إلَّا بِذَلِكَ وَرُبَّمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا يَكُونُ فِيهِ إقْرَارٌ بِالْحَقِّ لِخَصْمِهِ. فَإِذَا فَهِمَ الْقَاضِي ذَلِكَ أَنْفَذَهُ. وَإِذَا لَمْ يَفْهَمْ ضَاعَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ وَلَا نَفَاذَ لَهُ وَقِيلَ الْمُرَادُ اسْتَمِعْ إلَى كَلَامِ الشُّهُودِ وَافْهَمْ مُرَادَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْحَقِّ بَيْنَ يَدَيْك.وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ لِتَنْفِيذِ الْقَاضِي»([6])
فهذه الرسالة العمرية أو كما تُسمى بالقضائية كفلت حق الدفاع فى عبارتها “فافهم إذا أدلى إليك ” أي افهم من الخصوم واسمع منهما وناقشهما حتى تبلغ مبلغ فهم الدعوى فهم واقع ثم تحكم فيها إذا تبين لك .
ما يشترط في القاضي عند جلوسه في ساحة القضاء من آداب .
أنه يشترط للفصل بين الخصوم أن يكون الخصم على علم بالدعوى والأدلة والحجج القائمة ضده ، وإلا فإن القاضي لا يقبل الدعوى ومن الأمثلة على ذلك :-
1 – ما جاء «عَن علي؛ قال: بعثني النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اليمن، فَقَالَ لي: يا علي، إِذَا أتاك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء؛ قَالَ: علي: فما زلت قاضيا. » ([7])
وهو ما نعني به مناقشة الخصوم وطرح حججهم على بساط البحث تحقيقاً لحق الدفاع بمعناه القانوني ، وهذا ما يبدو جلياً وواضحا في وصية النبي – صلى الله عليه وسلم – للإمام على – رضى الله عنه – وعلة ذلك أنه أحرى بالقاضي الفهم ومعرفة الحق ومن ثم تحقيق العدالة في ثوبها الأكمل .
2 – «وقَالَ: ابن أبي غيلان، عَن ابن موهب؛ قال: ثلاث إِذَا لم تكن في القاضي فليس بقاض؛ يشاور إن كان عالماً، ولا يسمع شكيةً من أحد ليس معه خصم، ويقضى إِذَا فهم» ([8])
3 – «للشعبي قال: كنت جالسا عند شريح إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب وتبكي بكاء شديدا، فقلت: أصلحك الله، ما أراها إلا مظلومة. قال: وما علمك؟ قلت: لبكائها. قال: لا تفعل؛ فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وهم له ظالمون.»([9])
وخلاصة القول إن حق الدفاع ضماناً للعدالة التي تسعى جميع الشرائع – السماوية وغيرها – لتحقيقها ولا تكون العدالة الحقيقية إلا بدفاعٍ حقيقي أمام محاكمة كُفل له فيها كل الضمانات .
سادسًا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بحق الدفاع
فقد قضت محكمة التمييز بما يلي:
“يُعتبر الحكم الأجنبي الذى يصدر خارج المملكة دون أن يُتاح للمحكوم عليه حق الدفاع هو حكم لا يقبل التنفيذ في المملكة “([10])
واستقر قضاء التمييز على ما يلي:
” أجازت المادة 1/7/ج من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية رقم 8 لسنة 1952 للمحكمة أن ترفض الطلب المرفوع إليها لتنفيذ حكم أجنبي إذا كان المحكوم عليه لم يبلغ مذكرة الحضور من المحكمة التي أصدرت الحكم ولم يحضر أمامها “([11])
إعداد /محمد عبد الله الحفناوي
[1]– الوسيط في الإجراءات الجنائية د سرور أُشير اليه في ضمانات حق الدفاع عن المتهم رسالة ماجستير ص 3
[2] -الوجيز في قانون المرافعات المدنية والتجارية (ج 1 – النظام القضائي ، ص 75)
[3]– سورة البقرة، الآية رقم (282).
[4]– “تفسير البغوي” (1/349).
[5]-«تاريخ المدينة لابن شبة» (2/ 775)
[6]– «المبسوط للسرخسي» (16/ 60):
[7]– «أخبار القضاة» (1/ 86):
[8]– «أخبار القضاة» (1/ 80):
[9]– «العقد الفريد» (1/ 81):
[10]– تمييز حقوق رقم 2010/102 هيئة خماسية تاريخ 14/7/2010 منشورات عدالة.
[11]– تمييز حقوق 2005/3549 هيئة خماسية تاريخ 26/2/2006.

