الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق
تنقسم القواعد القانونية إلى قواعد آمرة وقواعد مكملة، وتعد القواعد العامة في قانون الإثبات من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، بل يجب الانصياع لأحكامها وعدم الالتفاف حولها أو محاولة التضييق من تنفيذها أو معارضتها، إذ أنها قواعد واجبة التنفيذ بحكم القانون.
وهي من القواعد التي يحكم القاضي بها من تلقاء نفسه، ولا ينتظر أن يدفع بها أحد الخصوم، وواجبة العلم من الكافة فلا يقبل الدفع بالجهل بها أو الاحتجاج بعدم معرفتها.
أولاً: مفهوم القواعد الآمرة في الإثبات وطبيعتها
ثالثاً: مفهوم الاستحقاق وأركانه
خامسا: الأساس القانوني للقاعدة
أولاً: مفهوم القواعد الآمرة في الإثبات وطبيعتها
يقصد بالقواعد الآمرة هي تلك القواعد التي لا يستطيع الأفراد ولا يجوز لهم الاتفاق على مخالفة أحكامها.
ويعني ذلك أن تلك القواعد لا يستطيع الأفراد بإرادتهم المنفردة أن يتفقوا على مخالفتها، فإرادتهم في مواجهتها كالعدم، أي أنه لا مجال لإعمال مبدأ سلطان الإرادة فيما يتعلق بهذه القواعد، حيث إن حكم هذه القواعد هو خضوع الأفراد المطلق والكامل لأحكامها دون نزاع أو خلاف.
وتلك القواعد يثبت لها وجوبية العلم أي لا يجوز الاحتجاج بعدم العلم بها، فالعلم بها مفترض على الكافة، ولا يقبل الدفع بالجهل بها أو إنكارها، وهي قواعد تتعلق بالنظام العام أي أنه يجوز للمحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها ودون حاجة للدفع بها في الدعوى من أياً من الخصوم، ومن أمثلة تلك القواعد قواعد قانون العمل، فهي قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، وكذلك نص القانون المدني الأردني في (المادة 63) منه على أن “الاضطرار لا يبطل حق الغير”، والمادة (64) التي نصت على أن ” درء المضار أولى من كسب المنافع”، والمادة (74) التي نصت على أن ” اليقين لا يزول بالشك”، والمادة (73) التي نصت على أن ” الأصل براءة الذمة وعلى الدائن أن يثبت حقه وللمدين نفيه”.
ثانيا: مفهوم الظاهر وعناصره
1- مفهوم الظاهر
يقصد بالظاهر هو الغالب على الظن في حدوث الشيء بلا منازع، فلو مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت أسلمت قبل موته فهي تدعي هنا الاستحقاق، وقالت الورثة أسلمت بعد موته فالقول قولهم، إذ أن الظاهر هنا هو إسلامها بعد موته.
فالظاهر هو نقيض الباطن، كما أن الظاهر هو الوضع الذي تراه العين دون إدراك محتواه ومضمونه، فقد يكون الظاهر كالباطن أو مخالفاً له، وهو وضع غير يقيني، ولكن يغلب عليه الظن، لذلك فهو لا يصلح لإثبات الاستحقاق، ولكنه يصلح لدفع استحقاق الغير.
2- عناصر الظاهر
يستند الظاهر أو الوضع الظاهري إلى ثلاث عناصر رئيسية في قيامه تتمثل في:
أ- صاحب الوضع الظاهر
ويقصد به الشخص الذي يتقلد المركز الفعلي الظاهر الذي يخالف الوضع الحقيقي.
ب- المتعامل من الغير حسن النية
هو من يجري التعاملات مع الشخص صاحب الوضع الظاهر ظناً منه أنه يتعامل مع صاحب الحق الحقيقي.
ج- صاحب الحق
هو الشخص صاحب المركز الحقيقي الذي يخالف الوضع الظاهر، وهو صاحب المصلحة من هذا المركز.
ثالثاً: مفهوم الاستحقاق وأركانه
1- مفهوم الاستحقاق
أما الاستحقاق فهو ادعاء شخص على غيره ملكيته لشيء مطالبا إخراجه من حيازة حائزه إلى حيازته، وصورة الاستحقاق هو أن يدعي شخص ملكية شيء ويثبت دعواه ويقضي له القاضي بملكيته وانتزاعه من يد الحائز لصالحه.
ولقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” المقرر _ في قضاء محكمة النقض _ أنه وإن كان الأصل أن العقود لا تنفذ إلا في حق عاقديها، وأن صاحب الحق لا يلتزم بما يصدر عن غيره من تصرفات بشأنها، إلا أنه باستقراء نصوص القانون المدني يبين أن المشرع قد اعتد في عدة تطبيقات هامة بالوضع الظاهر لاعتبارات توجبها العدالة وحماية حركة التعامل في المجتمع”([1]).
ويكون الاستحقاق بدعوى يرفعها شخص مدعيا ملكيته لشيء ومطالبا بجعل هذا الشيء في حيازته رغم أنه لا يملك بينه على ذلك، كمن يأخذ منقولا مملوكا للغير ويدعي ملكيته فهو بحيازته بظاهر الأمر رغم أنه لا يملك دليلا على ذلك.
ويقصد بدعوى الاستحقاق أنها ” تلك الدعوى التي يرفعها الغير أثناء التنفيذ على العقار مدعيا ملكية العقار المنفذ عليه أو جزء منه طالبا بطلان إجراءات التنفيذ لوقوعها على مال غير مملوك للمنفذ ضده”([2]).
أي أن الاستحقاق لا يرد إلا على شيء متنازع عليه بين شخصين أحدهما حائزا له أو واضعا يده عليه، والآخر يدعي ملكيته وقد يكون لا يحوز ما يثبت ذلك.
ويتشابه ذلك مع قاعدة أن الحيازة في المنقول سندٌ للملكية، بمعنى أنه إذا حاز شخص منقولا هو في الحقيقة ليس ملكا له فإن هذا الوضع الظاهر بحيازته له غير كاف لاستحقاقه، إلا أنه يكفي لدحض استحقاق الحائز لهذا الشيء طالما أن هناك نزاع على ملكيته من المالك الفعلي له.
2- أركان الاستحقاق
أ- المستحق
وهو الشخص الذي يدعي الاستحقاق، أي مالك الشيء الفعلي الذي استولى عليه غيره، ويشترط في المستحق أن يكون أهلا للملكية، أي يجب أن تتوافر في حقه أهلية الوجوب فقط، فلا يشترط أن تتوافر فيه أهلية الأداء، وتثبت الملكية للشخص بأهلية الوجوب ولو ناقصة كالجنين إذ أنه تثبت له الحقوق كالميراث والوصية والنسب والوقف وكلها تثبت الملكية، فكونه إنسانا – ولو جنينا – يثبت له حق الملكية، وبالتالي فتعدي شخص على هذا الملك يعد غصب لهذا الحق وبالتالي اعتداء على حقه في الملكية.
ب- المستحق عليه
ويقصد به المدعى عليه، أي الشخص الذي يدعي مالك الشيء أنه غصبه أو وضع يده عليه وهو ليس ملكا له، ويشترط أن تتوافر في شأنه:
– الأهلية: وهي هنا أهلية الوجوب وليست الأداء، ويقصد بأهلية الأداء صلاحية المرء لأن تكون أفعالة وأقواله معتبره شرعا، أما الوجوب فهي صلاحية المرء لوجوب الحقوق الشرعية له وعليه.
– العلم: فلا يشترط أن يكون المستحق عليه عالما أنه حائزٌ ويتصرف في ملك غيره، فسواء كان عالما أو غير عالمٍ بذلك فإن الاستحقاق يتحقق، إذ أنه يتحقق مع العلم والجهل لأنه ثابت بوضع يده عليه.
ج- الشيء المستحق
وهو الشيء محل الاستحقاق الذي يحوزه شخص ويدعي ملكيته آخر، ويشترط فيه أن يكون عينا معينه سواء كانت معينه بذاتها أو بوصفها، كما يشترط أن يكون موضوع حق الاستحقاق حق ملكية.
رابعا: معنى القاعدة وأحكامها
إن ظاهر الأمور وإن كانت لا تكفي لإثبات الاستحقاق، إلا أنها تكفي لدحض استحقاق الشخص لهذا الشيء طالما شهد به، فالوضع الظاهر ينبئ عن الظن وليس اليقين.
وهذا ما نصت عليه المادة (76) من القانون المدني الأردني بقولها ” الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق”.
فالمعنى العام هو أنه طالما أن الظاهر في الأمر هو ملكية الشخص للشيء وليس هناك منازع حول ذلك، فيكون الشخص مالكاً لهذا الشيء، أما إذا كان هناك منازع فالظاهر يعد دليلا على عدم إثبات الاستحقاق.
فالعبرة هي بوجود منازع من عدمه، فإذا لم يكن هناك منازع فالاستحقاق ثابت بالوضع الظاهر أما إذا كان هناك منازع فإن هذا الظاهر يعد قرينه على دحض هذا الاستحقاق.
وعلى ذلك فإن تلك القاعدة تقوم على الأحكام التالية:
- أن الظاهر لا يكفي لثبوت الاستحقاق طالما كان هناك نزاع.
- أن ذلك الظاهر كافيٌ لدفع دعوى استحقاق الغير.
ويمكننا القول إن معنى ذلك أنه إذا كان الظاهر غير كافيا للاستحقاق إلا أنه يعد كافيا لنفى الاستحقاق، فالوضع الظاهر تترجح به الدعوى ولا يثبت به الاستحقاق.
ولقد قضت محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية في حكم لها بأن إنهاء عمل المدعي تم تعسفيا، وألزمت المستأنفة ببدل الفصل التعسفي وشهر الإنذار استنادا لأحكام القانون المدني، وخاصة المادة (76) والتي تنص على أن الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق ([3]).
هذا وتتفق هذه القاعدة مع قاعدة ” البينة على المدعي واليمين على من أنكر”، إذ أن الشخص الذي يدعي ملكيته لشيء عليه تقديم ما يثبت ذلك، فإذا فعل كان له الاستحقاق، أما اذا لم يتمكن من تقديمه فعلى المدعى عليه اليمين، فإذا حلف كان له الاستحقاق، وهو ما أكده معنى الحديث الشريف في حديث علقمة بن وائل عن أبيه قال ” جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي فقال الكندي: هي أرضي في يدي ليس له فيها حق, فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للحضرمي : ألك بينة؟ قال: لا, فلك يمينه, قال يا رسول الله إن هذا الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك, فانطلق ليحلف فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم – لما أدبر : أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما, ليلقين الله وهو عنه معرض”([4]).
وتتمثل دلالة هذا الحديث في أن الخصومة قد انتهت بسقوط ادعاء المدعي وحلف المدعى عليه اليمين إذ أن الظاهر هو وضع يد المدعى عليه على الأرض فلو كان هذا كافيا لتلك تلك الأرض لما طلب منه الرسول – صلى الله عليه وسلم – حلف اليمين، وبالتالي فإن الظاهر يعد حجه في الدفع لا في الاستحقاق.
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” عبء الإثبات يقع على عاتق من يدعي خلاف الوضع الظاهر”([5]).
ففي نطاق الحقوق العينية فالأصل هو الظاهر، فالحائز للعين لا يطالب بإثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك، والخارج الذي يدعي ملكية العين هو الذي يدعي خلاف ذلك فعليه يقع عبء الإثبات ([6]).
وهو ما نص عليه القانون المدني الأردني في المادة (77) على أنه” البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”.
أي أنه على المدعي أن يثبت دعواه فإذا لم يتمكن فليس له شيء، وفي هذه الحالة يحلف المدعى عليه وله الاستحقاق، وهو ما نصت عليه المادة (78) مدني أردني على أنه” البينة لإثبات خلاف الوضع الظاهر واليمين لإبقاء الأصل”([7])
خامسا: الأساس القانوني للقاعدة
استند المشرع الأردني في تقريره لهذه القاعدة لنظرية الأوضاع الظاهرة والتي أقرها المشرع الأردني في القانون المدني في المادة (2/ 2 و3) منه، والتي تنص على أنه “فإذا لم تجد المحكمة نصا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فاذا لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية 3- فاذا لم توجد حكمت بمقتضى العرف، فإن لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة ……… “.
ويشترط لصحة الوضع الظاهر ركنان:
1- الركن المادي
ويتمثل الركن المادي في وجود مظاهر تؤكد صحة هذا الوضع بالنسبة لصاحبه وأنه صاحب حق، ويكون ذلك بشكل ظاهر للآخرين لا يقبل الشك بحيث يتعاملون معه كأنه بالفعل هو المالك الحقيقي لهذا الشيء.
2- الركن المعنوي
ويتمثل الركن المعنوي في توافر حسن النية لدى الغير الذي يقوم بالتعامل مع الشخص صاحب الوضع الظاهر، وذلك في أن هذا الوضع الظاهر هو الحقيقي، ويتعامل معه من هذا المنطلق بحيث يغلب لديه اليقين بأن هذا هو الوضع الصحيح والحقيقي، كما يجب ألا يكون في وسعهم معرفة المركز الحقيقي لصاحب الوضع الظاهر ولو بذلوا في ذلك عناية الرجل المعتاد ([8]).
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن التصرف المبرم بعوض بين صاحب الوضع الظاهر والغير حسن النية يُعد نافذا في مواجهة صاحب الحق متى كان الأخير قد ساهم بخطئه – سلبا أو إيجابا – في ظهور المتصرف على الحق بمظهر صاحبه, مما يدفع الغير حسن النية إلى التعاقد معه للشواهد المحيطة بهذا المركز والتي من شأنها أن تولد الاعتقاد الشائع لدى الكافة بمطابقة هذا المظهر للحقيقة دون أن يرتكب هذا الغير خطأ أو تقصير في استطلاع الحقيقة ولقاضي الموضوع بما له من سلطة تقدير الأدلة وفهم الواقع في الدعوى استخلاص تلك الشواهد ومدى إسهام صاحب الحق في قيامها”([9]).
الخاتمة
توازن قاعدة أن الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق بين استقرار المعاملات والحفاظ على حقوق الأفراد، فهي تمنح صاحب الوضع الظاهر حجة يمكنها أن تحمي وضعه الظاهر في مواجهة من يدعي الاستحقاق، ولكنها لا تجعلها سنداً يثبت استحقاق صاحب الوضع الظاهر لهذا الوضع على وجه الحقيقة.
كتابة دكتور/ عبد المنعم الشرقاوي
([1]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 518لسنة70ق, دوائر الإيجارات, جلسة 21\3\2012.
([2]) د. عبدالحميد المنشاوي, إشكالات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية, بدون طبعة, دار الفكر الجامعي, الإسكندرية ,1995, ص179.
([3]) حكم محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية رقم \282لسنة2020, جلسة10\5\2020.
([4]) رواه مسلم, رقم الحديث 139 من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه.
([5]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 577لسنة62ق, جلسة27\4\1999, مجلة القضاء, س31, ع يناير- ديسمبر, 1999, ص512.
([6]) د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, الالتزام بوجه عام, الإثبات, آثار الالتزام, دار النهضة العربية, 1986, ص72.
([7]) حكم تمييز حقوق أردني, طعن رقم\ 2178لسنة2014, جلسة 27\8\2014, منشورات العدالة, 2015.
([8]) د. عبدالباسط جميعي, نظرية الأوضاع الظاهرة, ط1955, ص99.
([9]) حكم نقض مدني مصري, طعن رقم \806لسنة50ق, جلسة19\3\1987.

