الأعمال التجارية

الأعمال التجارية

عرفت قواعد القانون التجاري مع مرور الوقت تطورا بالغًا لتتوسع نتيجة حتميات اقتصادية فاستلزمت المعاملات الحديثة إصدار نصوص لتطبيقها على ممارسي الأعمال التجارية وفئاتهم ومعايير تمييز تلك الأعمال على معايير عدة مثل المضاربة من أجل الربح والمقاولة وغيرها من المعايير، وهو ما يثير تساؤلًا عن تمييز العمل التجاري والشروط الواجب توفرها بالتاجر، وقد آثرنا في هذا المقال أن نجيب للقارئ عن تلك التساؤلات من خلال الآتي:

أولاً: ماهية الأعمال التجارية:

ثانياً: أهمية التفرقة بين العمل التجاري والعمل المدني:

ثالثاً: التجار بحسب القانون الأردني:

رابعاً: معايير التفرقة بين الأعمال التجارية والمدنية

خامساً: أنواع الأعمال التجارية:

سادسًا: الخاتمة

 

أولاً: ماهية الأعمال التجارية:

إن الأعمال التجارية تمثل أعمال الوساطة في تداول السلع والثروات بغية تحقيق الربح شريطة أن تكون ممارسة احترافية، وهي أيضاً كل عمل يقوم التاجر به مستهدفًا تحسين تجارته، ولقد أوردت القوانين التجارية مفاهيم عديدة عن تكييف الأعمال التجارية للتاجر وغيره ممن يهتمون بالحفاظ على صفاتهم المدنية غير أنه إذا قام بهذا العمل تاجر لشؤون تتعلق بتجارته فإنه يلحقه بالتبعية وبالتالي فهذه تبعية حتمية للصفات التجارية، فمصدر تجارية هذا العمل لا يكمن في طبيعته فحسب كأحد صفاته وإنما في مهنة القائم به كشراء التاجر الأثاث أو الدفاتر لمحله التجاري أو شراء الزيت والفحم للآلات.[1]

والأعمال التجارية لا تُميَّز وفقًا للناحية الموضوعية فقط بل يمكن أن تُمنح الصفة التجارية على أساس شخصي استنادا إلى صفة القائم بالعمل وشؤون تجارته، ولا يقتصر العمل بين التجار فقط بل يمتد إلى المدنيين وهو ما يترتب عليه تداخلًا بين العمل المدني والتجاري، ومن هذا المنطلق برزت نظرية الأعمال التجارية غير مقتصرة على الناحية الموضوعية فحسب كي يعتبر العمل تجارياً بل تتوسع في ذلك وتضفي الصفة التجارية على أساس شخصي محض وذلك استناداً إلى الشخص القائم بالعمل، ونظرية الأعمال التجارية بالتبعية انعكست في القانون باتساع دائرة الأعمال التجارية النسبية أو الذاتية أو الشخصية تمييزا لها عن الأعمال التجارية الموضوعية ولقد أقام القضاء قرينة لصالح من يتعامل مع التاجر مقتضاها أن كل ما يقوم به التاجر من أعمال خارجية عن الأعمال التجارية التي ذكرها الـقانون، وتعتبر أعمالًا تجارية بالتبعية فتخضع لأحكام القانون التجاري من حيث الإثبات والاختصاص وغيرها.

ثانياً: أهمية التفرقة بين العمل التجاري والعمل المدني:

لما كان من غير الممكن للنشاط التجاري الاستغناء عن عنصري السرعة والائتمان في إتمام المعاملات التجارية، فقضي بإخضاع الأعمال التجارية إلى تنظيم قانوني مختلف عن التنظيمات الخاضعة له الأعمال المدنية، وفيما يلي أهم النقاط التي يختلف فيها التنظيم القانوني للأعمال التجارية عن الأعمال المدنية:

  • طرق الإثبات:إن القاعدة العامة للإثبات في جانب المواد المدنية يجب التقيد بالأولوية لقواعد الإثبات أولها بالكتابة في كافة التصرفات القانونية التي تتجاوز قيمتها مبلغ محدد، غير أن الالتزام التجاري يمكن إثباته مهما كانت قيمته، بكافة طرق الإثبات مثل الشهادة والقرائن وغير ذلك باستثناء ما استوجب القانون إثباته بالكتابة كعقود الشركات مثلاً.[2]
  • الفائدة القانونية:تختلف الفائدة القانونية الواجبة على المدين حال تأخره عن الوفاء بالتزامه في الموعد المحدد، بحسب نوعية الدين نفسه أكان تجاري أم مدني، وتكون الفائدة المدنية أقل في المسائل التجارية ويعود السبب في ارتفاع سعر الفائدة في المسائل التجارية إلى أن النقود تدر أرباحاً أكثر جرّاء استغلالها تجارياً.
  • التضامن بين المدينين:إن التضامن بين المدينين لا يكون مفترضًا وإنما يكون بناء على اتفاقات أو نصوص في القانون، بخلاف المعاملات التجارية، فالملتزمين بدين تجاري يُعتبرون متضامنين في هذا الالتزام دون اشتراط النص عليه في القانون، وللدائن حق مطالبة أي من المدينين بكامل قيمة الدين منفرداً عن باقي المدينين حتى يتمكن من اقتضاء دينه كاملًا.
  • الإفلاس:إذا توقف التاجر عن دفع ديونه التجارية خضع لنظام الإفلاس، أما في حال أن امتنع المدين عن الوفاء بالدين المدني فإنه يخضع لنظام أخف وطأة هو نظام الإعسار.
  • مهلة الوفاء:تسمح القواعد العامة للقاضي منح المدين بدين مدني مهلة معقولة من أجل تنفيذ التزاماته وذلك في حال استدعت حالته ذلك، شريطة ألا يلحق بالدائن من هذا التأجيل أضرارًا جسيمة، أما فيما يخص القانون التجاري فيحظّر على القاضي أن يمنح مثل تلك المهلة من أجل الوفاء بالديون التجارية إلا في عدد من الحالات الاستثنائية، وذلك لما تقتضيه الحياة التجارية من سرعة التنفيذ.
  • التنفيذ على المال المرهون:في الرهن المدني على الدائن المرتهن أن يتحصل على حكم من القاضي للتنفيذ على الشيء المرهون، أما في الرهن التجاري للدائن في حالة عدم الدفع وقت الاستحقاق، أن يراجع دائرة التنفيذ ويطلب إرسال إخطار إجرائي إلى مدينه، وبعد مرور ثمانية أيام على وقوع التبليغ، يقوم رئيس التنفيذ ببيع الأشياء المرهونة بالمزاد العلني، ويستوفي الدائن دينه من الثمن عن طريق الامتياز.
  • التقادم:الأصل أن كافة الحقوق تتقادم بمضي خمس عشرة سنة على استحقاقها فيما يخص المسائل المدنية، عدا الحالات التي ينص فيها القانون على مددٍ أخرى، في حين جعل المشرع مدة التقادم في المسائل التجارية عشر سنوات إن لم يتم تعيين أجل أقصر.

ثالثاً: التجار بحسب القانون الأردني:

وضعت المادة (9/1) من قانون التجارة الأردني الملامح العامة للأنشطة والشروط اللازمة لمنح الأفراد صفة التجار[3] وهم:

أ‌. الأشخاص الذين تكون مهنتهم القيام بأعمال تجارية ب‌. الشركات التي يكون موضوعها تجارياً.

ويتضح من هذا النص أن كلمة “الأشخاص” المذكورة في النص أعلاه تشير إلى الأشخاص الطبيعيين والأشخاص الاعتباريين، وفيما يلي شروط اكتساب الشخص الطبيعي صفة التاجر وشروط اكتساب الشركة صفة التاجر على النحو التالي:

  1. أن الشخص يزاول عملا تجاريا بحكم طبيعته الذاتية المنصوص عليها في المادة (6) ويعمل على غرار الأعمال المعروضة لتشابه خصائصها وأهدافها وفقا للمادة (7).
  2. الاحتراف الفعلي وهو السلوك المستمر والمضطرد للتجارة،[4] وهو مصدر رزق الفرد ليمارس هذا العمل بشكل منتظم ومنظم بقصد الاستفادة من هذا العمل لكي تضفي عليه احترافية العمل طابع التاجر، ويلزم توفر العناصر التالية:
  • نوع العمل وطبيعته: يجب أن يكون العمل عملاً تجاريًا بقصد تحقيق ربح أو المضاربة في الأسواق المالية أو من يمارس أعمال التوكيل والسمسرة وغيرها، والمدني لا يكتسب صفة التاجر إلا إذا مارس نشاطاً تجارياً إضافة إلى عمله مثل الأستاذ الذي يشتري الورق لطباعة كتبه، أو الطبيب الذي يشتري بعض الأدوية لاستخدامها في عيادته، يجب أن يكون العمل الذي ينخرط فيه الشخص الطبيعي بشكل متكرر عملاً يدر دخلاً.
  • تكرار العمل، وممارسته أصالة: يجب تكرار العمل الذي يمارسه الشخص الطبيعي حتى يكتسب صفة التاجر وأن يقوم بالأعمال لحسابه الخاص وليس لحساب الغير أو يتحمل مخاطر المشروع ويحصد أرباحه، أما الاحترافية المهنية فقد نصت عليها أحكام المادة (11) من قانون التجارة والحكمة في ذلك حماية المتعاملين مع الآخرين وإخضاع من يتعامل معهم لالتزامات التجار ونظام الإفلاس.
  1. القيام بأعمال تجارية لحسابه الخاص: بحيث يتحمل الخسائر لأنه يربح وتكون مسؤوليته تجاه الآخرين غير محدودة (بشكل مشترك).
  2. 4. الأهلية التجارية: من أجل اكتساب صفة التاجر يجب أن يتمتع الشخص بالصفة التجارية وفقًا لأحكام المادة (15) من قانون التجارة التي أخضعت الصفة التجارية لأحكام القانون المدني المحددة للأهلية وفقًا لأحكام من المواد (43، 44، 45، 127) من القانون المدني رقم (43) لسنة 1976.

رابعاً: معايير التفرقة بين الأعمال التجارية والمدنية

تباحث فقهاء القانون عن المعايير التي يمكن وفقها تحديد طبيعة العمل التجاري والمدني ووضع عدة نظريات في هذا الشأن وفيما يلي شرح لأهمها:

١. نظرية المضاربة: يقصد بالمضاربة السعي وراء تحقيق الأرباح المادية وبمقتضى تلك النظرية يعتبر العمل تجارياً وذلك إذا كان الهدف منه هو الحصول على المكاسب المادية، ويعاب على النظرية أنها ليست صحيحة على إطلاقها كون نطاقها يتسع ويضيق في بعض الأحيان، إذ أن هنالك من الأعمال ما يعتبر عملًا تجارياً حتى ولو لم يتوافر قصد الربح فيه كالبيع بخسارة بقصد القضاء على منافس.[5]

٢. نظرية التداول: يتخذ الفقيه تالير التداول أحد المحاور الذي تدور حوله الأعمال التجارية، وعلى إثر رؤيته فالتجارة تتمثل في تداول السلع والنقود، والعمل التجاري هو عمل يتناول تلك الثروات عند حركتها ونقلها، فيما يؤخذ على هذه النظرية أن هناك أعمالاً تتجلى معها فرص التداول فيها مع أنها لا تعتبر أعمالاً مدنية كما هو الحال في عمل الجمعيات التعاونية التي تشتري السلع لتبيعها إلى أعضائها بسعر التكلفة.

٣. نظرية المشروع: يرى إيسكارا عميد النظرية أن فكرة المشروع تمثل ضابط التمييز بين الأعمال التجارية والأعمال المدنية كون أن العمل يعدّ تجارياً في حال تمت ممارسته على شكل مشروع، أي على سبيل التكرار والاعتياد عليه، ولكن العيب في هذه النظرية أن بعض الأعمال التجارية تأخذ الوصف التجاري ولو وقعت مرة واحدة، كما هو الحال في شراء المنقول بقصد البيع بربح، وهناك بعض المهن تمارس على شكل مشروع مع أنها تعد أعمالاً مدنية كمهنة المحاماة والطب.

ويظهر مما تقدم أن كل نظرية اشتملت على قسط من الحقيقة يمكن بواسطته الكشف عن بعض خصائص العمل التجاري من دون أن ترقى النظرية إلى مرحلة اتخاذها أساساً فريداً لتحديد طبيعة جميع الأعمال التي يعدها القانون تجارية.

خامساً: أنواع الأعمال التجارية:

تقسم الأعمال التجارية إلى قسمين رئيسين: الأعمال التجارية بطبيعتها، والأعمال التجارية بالتبعية، والأعمال المختلطة

١. الأعمال التجارية بطبيعتها:

تنقسم الأعمال التجارية بطبيعتها أو بحكم ماهيتها، إلى فرعين: أعمال تثبت لها الصفة التجارية ولو وقعت مرة واحدة، وأعمال لا تعد تجارية إلا إذا صدرت في إطار مشروع.

أ- الأعمال التجارية المنفردة: تشمل الأعمال التجارية المنفردة[6] ما يلي:

1ـ الشراء لأجل البيع أو التأجير.

2ـ الاستئجار لأجل التأجير ثانية: فمن استأجر سيارة وغايته نقل الركاب بالأجرة يعدّ عمله تجارياً.

3ـ أعمال الصرافة ومعاملات المصارف: تقوم عمليات الصرافة على مبادلة نقود بنقود أخرى، أما أعمال المصارف فتقوم على تسليف النقود وفتح الحسابات والاعتمادات وتقديم الكفالات وغيرها.

4ـ الأعمال المتعلقة بالتجارة البحرية: كإنشاء السفن أو شرائها لاستثمارها أو بيعها، وإجارة السفن والتزام النقل عليها وعقود استخدام الرّبان والملاحين وغير ذلك، ومعظم هذه الأعمال يعدّ تجارياً ولو بوشر مرة واحدة، غير أنه يندر وقوعه كذلك فالأعمال البحرية تتم على الأغلب ضمن إطار مشروعات لشركات مساهمة كبيرة.

ب- المشروعات التجارية: لم يسبغ المشرع الصفة التجارية على بعض الأعمال إلا إذا تمت عن طريق مشروع، والمشروعات التجارية متعددة:

1.مشروع تقديم المواد (مشروع التوريد): وهو التعهد الذي يلتزم بموجبه شخص أن يقدم إلى شخص آخر موادَّ معينة بصفة دورية ومنتظمة في مدة محددة من الزمن وذلك بمقابل مبلغ متفق عليه كتعهد توريد الأغذية للمطاعم والمستشفيات.

2ـ مشروع المصانع: يعدّ مشروع المصانع عملاً تجارياً ولو كان مقترناً باستثمار زراعي، إلا إذا كان تحويل المواد يتم بعمل يدوي بسيط.

3ـ مشروع النقل براً أو جواً أو نهرياً: إن جميع عمليات نقل البضائع والأشخاص التي تتم براً بواسطة القطار أو السيارات أو غير ذلك، أو تتم جواً بوساطة الطائرات، أو نهرياً بواسطة المراكب وغيرها، تعد أعمالاً تجارية إذا بوشرت من خلال مشروع.

4ـ مشروع الوكالة بالعمولة والسمسرة: الوكيل بالعمولة هو الشخص الذي يتعهد بأن يعقد باسمه لحساب موكله بيعاً وشراء وغيرهما من العمليات التجارية بمقابل عمولة.

5ـ مشروع التأمين: يقصد بالتأمين تعهد شخص يدعى المؤمِّن، (وغالباً ما يكون شركة) بأن يؤدي للمؤمَّن له مبلغاً من المال عند تحقق الخطر المؤمَّن منه بمقابل قسط يؤديه المؤمَّن له للمؤمِّن.[7]

6ـ مشروع المشاهد العامة: يتناول تعبير المشاهد العامة كل ما أعد لتسلية الجمهور بمقابل عوض كدور السينما والمسارح والمقاهي، وهذه الأعمال تعدّ تجارية إذا تمت ضمن إطار مشروع منظم ومستمر يضارب على عمل الآخرين.

7ـ مشروع التزام الطبع: ويقصد به مشروع النشر، والناشر هو من يشتري إنتاج غيره العلمي أو الأدبي أو الفني بقصد نشره عن طريق الطباعة أو التصوير أو التسجيل وتحقيق الربح من بيعه للجمهور.

  1. مشروع المخازن العامة: المخازن العامة هي المحلات التي تودع فيها البضائع بمقابل أجر، ويتسلم المودعون فيها سنداً يسمى سند التخزين، والسند إذ يمثل البضاعة المودعة، يمكّن صاحبه عن طريق النزول عنه للغير من بيع البضاعة أو رهنها من دون إخراجها من المخزن.

9ـ مشروع المناجم والنفط: تتناول هذه المشروعات استخراج الفحم والمعادن والنفط مباشرة من الطبيعة، وتعدّ هذه المشروعات تجارية سواء أكان القائم بها مالكاً للأرض التي تقع فيها المناجم والآبار أم مستأجراً لها.

2. الأعمال التجارية بالتبعية:

 أ_ أساس النظرية: 

وتقوم هذه النظرية بإسباغ الصفة التجارية على عمل يكون تابعاً لحرفة التاجر حتى يطبق نظام قانوني واحد على العمل الأصلي والعمل التابع وفقاً للمبدأ القائل إن الفرع يتبع الأصل في الحكم، لذا فإن جميع الأعمال التي يقوم بها التاجر لحاجات تجارته تعد تجارية في نظر القانون فالأعمال التجارية بالتبعية هي في الأصل أعمال مدنية بطبيعتها، ولكنها تصبح تجارية بسبب صدورها من تاجر لحاجات تجارته، إذن مصدر تجارية هذه الأعمال ليس في طبيعتها وإنما في مهنة القائم بها.[8]

وبالمقابل يمكن القول إن الأعمال التجارية تنقلب إلى أعمال مدنية متى أجراها غير التاجر لتكمل حرفته المدنية، فيعدّ مثلاً عملاً مدنياً بالتبعية شراء المزارع للأكياس التي يعبئ فيها محصوله ويبيعها مع المحصول، ولاعتبار العمل تجارياً بالتبعية يجب أن تتوافر ثلاثة شروط:

الشرط الأول: صفة التاجر: ويعد تاجرا كل من يباشر عملا تجاريا ويتخذه حرفة معتادة له ويشترط توافر أهلية معينة للاشتغال بالتجارة، ويلاحظ أن المعول عليه في كون الشخص تاجرا أو غير تاجر ليس بما يصف به نفسه ولا بما يصفه غيره، بل باعتياده على قيامه بالأعمال التجارية واتخاذها حرفة له، ويستوي أن يكون التاجر فردا أو شركة لكي يعتبر العمل المدني بطبيعته عملا تجاريا إذا كان صادرا لحاجات تجارته.

الشرط الثاني: أن يكون العمل متعلقا بممارسة التجارة: يكتسب المصنف الصفة التجارية بالتبعية إذا كان متعلقًا بالنشاط التجاري، حتى لو لم يكن الغرض منه المضاربة والربح، بل ارتباطه بتجارة التاجر أو حدوثها في نطاق نشاطه التجاري أو بالمناسبة من هذا النشاط، وليس من الضروري أن يعتبر العمل تجاريًا بالامتداد وأن تكون العلاقة مباشرة بين العمل والنشاط المهني للتاجر، بل يكفي أن يكون النشاط التجاري قد حدث بمناسبة نشاط التاجر سواء أكان فردًا أو شركة تجارية بحيث لولا هذا النشاط ما كان للتاجر أن يتم تجارته.

الشرط الثالث: الالتزامات بين التجار:

توسع المشرعون في إضفاء الطابع التجاري على الأعمال المتعلقة بممارسة النشاط التجاري سواء أكان طرفا العلاقة تاجرًا أي أن لكل منهما صفة تاجر أو ناشئة عن التزامات بين التجار أو إذا كانت مسألة مدنية كأن يتعامل تاجر مع شخص مدني في شؤونه التجارية، لكن هذا العمل يعد تجاري بالامتداد للتاجر.

ب_ تطبيقات النظرية:

  • العقود: إن سائر العقود التي يبرمها التاجر بمناسبة تجارته تكتسب الصفة التجارية: فشراء التاجر أثاثاً لمحله التجاري هو عمل تجاري.
  • العمل غير المشروع: تشمل نظرية الأعمال التجارية بالتبعية التزامات التاجر التي تجب على العمل غير المشروع الذي يقع في معرض ممارسته لحرفته، فيعدّ عملاً تجارياً بالتبعية مثلاً التزام التاجر بالتعويض عن أعمال المنافسة غير المشروعة التي قد تقع منه إضراراً بتاجر آخر.
  • الإثراء بلا سبب: وتنطبق النظرية أيضاً على التزامات التاجر المستندة إلى الفضالة أو الإثراء بلا سبب، إذا تعلقت هذه الالتزامات بحرفته التجارية فلو دفع شخص لتاجر بالخطأ مبلغاً أكبر مما يستحقه فإن التزام التاجر برد المبلغ غير المستحق يكون عملاً تجارياً بالتبعية.

3. الأعمال التجارية المختلطة:

يتم العمل التجاري بوجه عام بين شخصين فإذا كان العمل تجاريا بنسبة إلى الطرفين فلا صعوبة وهذا هو الشأن في تاجر الجملة الذي يبيع بضائعه لتاجر التجزئة فإن كلا منهما يقوم بعمل تجاري لكن في حالات عديدة يكون العمل تجاريا بالنسبة إلى أحد الطرفين ومدنيا بالنسبة للأخر وهذه الأعمال لا تعتبر طائفة مستقلة عن الأعمال التجارية ولا تخرج عن كونها أعمال تجارية أصلية أو بطريقة التبعية إذا تم العمل بين طرفين يقوم أحدهما وحده بالعمل التجاري، فلا يمكن إخضاع العمل المختلط لنظام قانوني موحد تجاريا كان أو مدنيا لذلك يتوجب الأخذ بنظام مزدوج مقتضاه تطبيق القواعد المدنية علي الطرف الذي يعتبر العمل مدنيا بالنسبة إليه وهذا يؤدي إلى خلق مشاكل لا حصر لها في الحياة العملية فيلجأ القضاء عند الفصل في النزاع تارة إلى قواعد القانون المدني وتارة إلى قواعد القانون التجاري، ويتم العمل عادة بين شخصين ضمن ثلاثة حالات:

الحالة الأولى: يتم العمل التجاري بين تاجرين كما لو باع صاحب المصنع السلع التي ينتجها للتاجر الوسيط الذي يشتريها لإعادة بيعها، ولا يثير هذا النوع من الأعمال إشكالية فيما يتعلق بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق في حال وجود نزاع؛ فيطبق عليها القانون التجاري كون العمل تجاري الطبيعة بالنسبة إلى الطرفين.

الحالة الثانية: قد يتم العمل بين شخصين ويعد مدنياً بالنسبة إلى كل منهما كما لو باع مزارع جزءاً من محصوله لشخص من أجل حاجته الشخصية من أجل استهلاكه وفي حال وجود نزاع ينطبق على هذا النوع من الأعمال القانون المدني نظراً لصفتها المدنية بالنسبة إلى طرفيها.

الحالة الثالثة: وقد يتم العمل بين شخصين ويعد بالنسبة إلى أحدهما عملاً تجارياً وبالنسبة إلى الشخص الآخر عملاً مدنياً، ويسمى هذا النوع من الأعمال بالأعمال المختلطة نظراً لصفتها المختلطة بالنسبة إلى أطرافها، وأمثلة هذا النوع من الأعمال كثيرة:

كالمزارع الذي يبيع الأقطان الناتجة من زراعته إلى تاجر القطن، فيبيع الأقطان وهذا عمل مدني من جانب المزارع وشراؤها عمل تجاري بالنسبة إلى تاجر القطن، وكذلك عقد النشر الذي يتم بين المؤلف والناشر، وعقد العمل الذي يبرم بين العامل وصاحب المصنع، والعقد الذي يتم بين الممثل وبين صاحب مشروع المشاهد العامة، في كل هذه الصور نجد طرفاً يُعدّ العقد بالنسبة إليه عملاً تجارياً في حين يُعدّ العقد نفسه بالنسبة إلى الطرف الآخر عملاً مدنياً.

والحقيقة أن الأعمال المختلطة لا تمثل نوعاً جديداً من الأعمال التجارية وإنما هي الأعمال التجارية ذاتها التي سبق لنا بحثها سابقاً سواء التجارية المنفردة أو التي تتم على شكل مشروع أو بالتبعية، فكل هذه الأعمال يمكن أن تكون تجارية مختلطة، وذلك إذا أمكن أن تُعدّ تجارية على هذا النحو أو ذلك بالنسبة إلى طرف واحد فقط من طرفيها في حين تظل مدنية بالنسبة إلى الطرف الآخر، والسؤال هنا ما هو القانون أو النظام القانوني الواجب التطبيق بالنسبة إلى الأعمال المختلطة؟

والمشرع الفرنسي لم يتعرض لمثل هذه المشكلة والحقيقة أنه ترك ذلك لاجتهاد الفقه، والقضاء والاجتهاد بنى رأيه على الأخذ بنظام مزدوج مفاده تطبيق أحكام القانون المدني على التزامات الطرف الذي يعد العمل تجارياً بالنسبة إليه، أما فيما يتعلق بالإثبات في القانون التجاري الأردني فإنه يقتضي تطبيق قواعد الإثبات التجارية على من يُعدّ العمل تجارياً بالنسبة إليه، فإذا باع مزارع محصوله لتاجر وادعى الأخير أنه لم يتسلم المحصول من المزارع أو أنه دفع الثمن وجب عليه التزام قواعد الإثبات المدنية؛ أي يتعين عليه الإثبات بالكتابة لأن العمل مدني بالنسبة إلى المزارع، إما إذا ادعى المزارع أنه سلم المحصول إلى التاجر أو أنه لم يقبض الثمن كان له أن يُقيم الدليل على ادعائه بجميع طرق الإثبات لأن الإثبات في المواد التجارية حُر طليق من القيود.

آثار الأعمال المختلطة:

من حيث الإثبات: الأصل في القانون التجاري هو مبدأ حرية الإثبات، أما في القانون المدني فإن وسائل الإثبات مقيدة وعندما يتعلق الأمر بعمل مختلط وعرض النزاع على القضاء يحق للمدعي المدني أن يثبت صحة ادعاءه ضد الطرف التجاري بجميع طرق الإثبات، أما التاجر فلا يمكنه أن يجادل المدعي ما لم يكن ذلك وفق أحكام القانون المدني، فعلى سبيل المثال إذا ادعى التاجر أنه اشترى محصولًا من فلاح وأنه لم يتسلمه فعليه الالتزام بقواعد الإثبات التجاري ولكن إذا ادعى المزارع تسليم المحصول فعليه تقديم الدليل من خلال جميع وسائل الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود والافتراضات.

من حيث الاختصاص: الاختصاص القضائي نوعان: اختصاص قضائي نوعي، وسلطة قضائية محلية وفيما يتعلق بالولاية القضائية المحددة فإن الأمر لا يثار بسبب عدم وجود قضاء تجاري مستقل كما هو الحال في فرنسا حيث يوجد قضاء تجاري إلى جانب القضاء المدني، ويرجع الاختصاص المحدد للمحكمة المدنية أو التجارية وفقًا لطبيعة العمل فيما يتعلق بالمدعى عليه تطبيقًا للقواعد العامة التي تنص على وجوب لجوء المدعي إلى محكمة المدعى عليه.

أما إذا كان العمل تجاريًا للمدعى عليه فيجوز للمدعي المدني مقاضاة المدعى عليه أمام المحكمة التجارية ومحكمة المدعى عليه لكن القضاء يسمح للمدعي المدني أيضًا بالحق في رفع قضيته أمام المحكمة المدنية بحيث يكون لديه الحق في رفع دعواه أمام المحكمة المدنية أو أمام المحكمة التجارية، وبالنسبة للولاية القضائية المحلية فلا يجوز رفع دعوى على المدعي المدني إلا أمام محكمة موطنه أي مكان إقامته وفقًا للقواعد العامة، أما الطرف التجاري فيجوز رفع الدعوى عليه أمام إحدى المحاكم الثلاث: محكمة موطنه، محكمة مكان إبرام العقد، محكمة مكان تنفيذ العقد من حيث الرهن والفائدة.

ويصعب أحيانًا الفصل بين الجانبين المدني والتجاري في الأعمال المختلطة وهذا هو الحال في عقد الرهن حيث تختلف طرق إثبات العقد وتنفيذه حسب ما إذا كان الرهن مدنيًا أم تجاريًا وغير منطقي، وتنقسم العملية إلى جزأين يخضع كل منهما لقواعد مختلفة، وهذا هو الحال في نظام الفائدة الذي يختلف باختلاف ما إذا كان الدين مدنيًا أم تجاريًا، ومن الطبيعي أن يكون للدين الواحد نظام فائدة واحد فقط، ومن الثابت في مثل هذه الأحوال أن العمل المختلط يجب أن لا يكون له إلا طابع واحد مدني أو تجاري بحسب صفة الدين بالنسبة إلى المدني، فإذا كان المدني يقوم بعمل تجاري فإن الرهن الذي يحيله الدائن ضمانا للدين يتم تسييره وفقا لقواعد الرهن التجاري بالإضافة إلى أنه يلتزم بالفوائد المدنية.

سادسًا: الخاتمة

في النهاية نستنتج أن القانون التجاري يضفي الطابع التجاري ليس فقط على الأعمال التجارية بطبيعتها أو العمل وفقًا للشكل، ولكن أيضًا على الأعمال التي يقوم بها التاجر كاحتياجات التجارة التي يقوم بها التاجر وتلك التجارة بالتبعية هي أعمال مدنية بطبيعتها، لكنها تعتبر تجارية عندما يقوم بها التاجر وتتعلق بشؤونه التجارية وخضوعها لمهنته التجارية، ونطاق تطبيق الأعمال التجارية بالتبعية يكون في ميدان الالتزامات التعاقدية كعقد الكفالة وعقد العمل والعقود الواردة على العقار وكذلك في ميدان الالتزامات غير التعاقدية والأعمال التجارية المختلطة لها أثار من حيث الإثبات ومن حيث الاختصاص ومن حيث الرهن والفائدة.

إعداد/ أميرة السعيد.

[1] بورنان حورية، ضوابط التفرقة بين العمل المدني والعمل التجاري، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر، فيفري 2005 ، ص12

[2] نادية فوضيل، القانون التجاري الجزائري، الطبعة الثامنة، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، 2006 ص 65

[3] قانون التجارة الأردني لسنة 1966

[4]فوزي محمد سامي، شرح القانون التجاري، الجزء الأول، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2004 ، ص 28

[5] عزيز العكيمي ،شرح القانون التجاري، الجزء الأول، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، 2003 ، ص 71

[6]أحمد محرز، القانون التجاري الجزائري، الطبعة الثامنة، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، 2006 ، ص 78

[7] عمورة عمار، الوجيز في شرح القانون التجاري الجزائري، دار المعرفة، الجزائر، 2000 ، ص 64

[8]  علي البارودي، القانون التجاري، دار المطبوعات الجامعية، مصر، 2006 ، ص 64-65

Scroll to Top