أحكام البيع على الأمانة

أحكام البيع على الأمانة وأثر مخالفتها

لما كانت حاجة الناس للبيع والشراء حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وكانت أيضاً هذه المعاملات تثير الكثير من المشكلات خاصة فيما يتعلق بوصف البائع للشيء المبيع، والذي قد يكون على حالة ظاهرية تخالف الحقيقة الفعلية له، مما حدا بالمشرع إلى وضع آليات وطرق يلزم على المشتري إتباعها في حالة وجود عيب في المبيع، ولا شك أن الشريعة الإسلامية كان لها دورا عظيما في هذه المسألة، فمنها استمدت القوانين الوضعية أحكام التعامل مع المبيع المعيب.

أولاً: تعريف البيع

ثانياً: خصائص عقد البيع

ثالثاً: التزامات طرفي عقد البيع وشروط المبيع

رابعاً: الأثر المترتب على ظهور عيب في المبيع

خامساً: أحكام ضمان العيب

سادساً: الأثر المترتب على توافر شروط العيب الخفي

سابعاً: ما يطرأ على المبيع من عوارض أخرى غير الهلاك

ثامناً: نماذج لأحكام محكمة التمييز بصفتها الحقوقية في البيع على الأمانة

تاسعاً: الخاتمة

أولاً: تعريف البيع

البيع لغة هو من المبادلة والمعاوضة، ويعرف البيع في الشريعة بعدة تعريفات أهما أنه المبادلة التي تتم بمال في مقابل مال على وجه مخصوص.

بينما عرف القانون المدني الأردني في (المادة 465) البيع على أنه (تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض).

ويدخل البيع ضمن طائفة العقود المسماة التي وضع لها المشرع أحكام خاصة نظرا لأهميتها وكثرة التعامل بها، وهو من العقود المنجزة غير المعلقة على شرط، ومتى تم تعليقه على شرط فيسمي البيع مقترناً باسم هذا الشرط، على سبيل المثال البيع بشرط الاختبار والبيع بشرط المذاق، أما إذا ذكر لفظ البيع على إطلاقه كان المقصود به عندئذ عقد البيع المنجز، أي الذي يتم في محل العقد دون تقيد بشرط أو ظرف.

ثانياً: خصائص عقد البيع

1- عقد البيع من العقود الرضائية

عقد البيع هو عقد ينعقد بمجرد تبادل أطرافه للإيجاب والقبول معبرين بذلك عن رغبتهم في إتمام البيع، ولا يشترط في التعبير عن رضا طرفي البيع أن يكون صريحا، بل يجوز أن يكون ضمنيا يفهم من واقع الحال.

2-عقد البيع من العقود الملزمة للجانبين

يقصد بتلك الخاصية أن إبرام عقد البيع ينتج عنه مجموعة من الالتزامات التي تقع على عاتق كلاً من طرفي العقد، ومنها على سبيل المثال التزام البائع بتسليم المبيع، والتزام المشتري بالوفاء بثمن المبيع.

3-عقد البيع من العقود الناقلة للملكية

وذلك لأنه بمجرد تبادل أطراف العقد الإيجاب والقبول تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وتصبح يده على المبيع يد مالك، ويلزمه الثمن تجاه البائع.

4-عقد البيع من عقود المعاوضة

ومصدر تلك الخاصية هو أن البائع يحصل عوضا عن المبيع الثمن المقدر له، والمشتري يحصل على المبيع عوضا عن الثمن المدفوع.

5-عقد البيع من العقود المنجزة

وذلك لأن عقد البيع لا يكون متوقف على أي شرط، وبمجرد الاتفاق ينتقل الثمن للبائع حتى ولو كان مؤجلا، المهم أنه أصبح في ذمة المشتري دينا لا حقا، وينتقل المبيع الى المشتري.

ثالثاً: التزامات طرفي عقد البيع وشروط المبيع

1- التزامات البائع

يلتزم البائع بتسليم المبيع إلى المشتري، ويكون التسليم بأن يضع البائع الشيء المبيع تحت يد وتصرف المشتري، بحيث يمكنه الانتفاع به دون أن ينازعه أحد فيه، كما يضمن البائع أيضاً العيوب الخفية في المبيع، وعدم تعرض الغير للمشتري فيه، كما يلتزم البائع أيضاً بنقل ملكية الشيء المبيع إلى المشتري إذا كان المبيع من الأشياء التي لا تنتقل ملكيتها إلا بالتسجيل.

2- التزامات المشتري

يلتزم المشتري بأن يؤدي ثمن المبيع في الوقت المتفق عليه، وإن كان البيع قد تم بالتقسيط فإن المشتري يلتزم بأداء كافة الأقساط في أوقاتها.

3- ما يشترط في المبيع                                                                                     

– يشترط في الشيء المبيع أن يكون موجوداً وقت العقد أو قابلاً للوجود مستقبلاً، فلا يمكن أن ينعقد البيع إذا كان المبيع غير موجود بشكل حال أو غير قابلاً للوجود مستقبلاً.

– يجب ان يكون المبيع معينا بذاته أو قابلاً للتعين، فان لم يكن معينا بذاته فلا أقل من تعيينه بنوعه.

– أن يكون المبيع مما يجوز التعامل فيه، فلا يصح أن يكون المبيع غير مشروعا، أو مخالفاً للقانون أو الآداب العامة، فإن كان كذلك كان العقد باطلاً بطلاناً مطلقاً.

رابعاً: الأثر المترتب على ظهور عيب في المبيع

يترتب على ظهور عيب في المبيع فسخ العقد وإعادة المتعاقدين للحالة التي كانا عليها قبل التعاقد إذا كان العقد قد نص على خلو المبيع من هذا العيب، وسواء كان ذلك الفسخ اتفاقياً أو قضائياً، بشرط ان يكون الفسخ ما زال ممكنا وذلك عن طريق دعوى الفسخ، أما إذا لم يكن العيب منصوصا عليه في العقد وكان خفيا وقديما، فللمشتري الحق في أن يرجع على البائع مستخدماً دعوى ضمان العيوب الخفية.

ذلك لأن الأصل أن المشتري حين يرغب في شراء المبيع فإنه يقوم بتفحصه بشكل كامل حتى يقف على مدى صلاحيته ومطابقته للمواصفات التي يرغبها، وعما إذا كان به عيباً من العيوب التي تنال من صلاحيته للاستخدام، أو على الأقل يقلل من قيمته ويجعل ثمنه غير متناسباً مع قيمته الفعلية، إلا أن التقدم التكنولوجي الذي يسود كافة مجالات الحياة في العصر الحالي جعل إتمام عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت أمر دارج،  فقد يعرض أحد الأشخاص شيئا للبيع ويضع مواصفات المبيع التي تجعل أحد الأشخاص يرغب في شرائها بناء على تلك المواصفات المذكورة من البائع، ثم يتضح له بعد إتمام البيع أن المبيع ليس على الحالة التي تم وصفه بها من قبل البائع وأن المبيع به عيب خفي لم يكتشفه إلا بعد إتمام البيع.

والمقصود بالعيب الخفي في المبيع أنه العيب الذي يقلل من قيمة الشيء المبيع عند التجار وأهل الخبرة، وعلى ذلك فإن البائع يقع عليه التزام تسليم الشيء المبيع إلى المشتري على النحو المعين في العقد، كما يقع عليه عبء ضمان انتفاع المشتري بالمبيع بشكل هادئ دون أي منغصات، فإن قعد عن ذلك كان مخلا بما عليه من التزام، كما يضمن البائع خلو المبيع من العيوب الخفية التي قد تتبين وتظهر عليه فيما بعد[1].

وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتنهى أيضا عن البيع دون إظهار العيوب الخفية في المبيع، فعن عقبة ابن عامر قال سمعت النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول (المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع أخيه بيعاً وفيه عيب إلا بينه له)، كما أنه وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال (من غشنا فليس منا)، لذا فإن الأصل أن عقد البيع يشترط سلامة المبيع، فكانت السلامة مشروطة كما لو كانت منصوص عليها في العقد بصريح العبارة، ذلك لأنها من بديهيات الأمور، فالمشتري دائما يرغب في معرفة كل جوانب المبيع دون إخفاء أو تدليس من البائع[2].

وقد نصت (المادة 513/1) من القانون المدني الأردني على أنه (إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيراً إن شاء رده أو شاء قبله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن)، ويظهر من هذا النص القانوني أن المبيع إذا ظهر فيه عيبا خفيا يقلل من قيمته كان البائع ضامناً لذلك العيب.

خامساً: أحكام ضمان العيب   

1- تعريف الضمان

الضمان في القانون هو التزام البائع بأن يكون المبيع على الحالة الموصوفة عند البيع، وخلوه من أي عيوب خفية ومسئوليته عن أي عيب خفي قد يظهر بعد البيع.

وقد نصت (المادة 512/1) من القانون المدني الأردني على خيار العيب، حيث جاء في نصها أنه (يعتبر البيع منعقدا على أساس خلو المبيع من العيوب إلا ما جرى العرف على التسامح فيه).

ولما كانت دعوى ضمان العيب مترتبة على العلاقة العقدية بين البائع والمشتري، حيث يلجأ بموجبها المشتري للقضاء بغية الحكم له بفسخ العقد وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، فإن أطراف الدعوى في هذه الحالة هما البائع والمشتري، فيكون المشتري في هذه الحالة هو الدائن، بينما البائع يصبح هو المدين، والفائدة من تمييز أطراف الدعوى تتمثل في أن المدين في دعوى الضمان وهو البائع إذا توفى لا ينتقل الالتزام إلى ورثة المتوفى بل يصبح الالتزام دينا على التركة، فيقضى منها قبل أن تقسم مثله مثل باقي الديون[3].

 – وإذا كان للبائع المدين كفيل فإنه يكون ضامنا للبائع إعمالا للقواعد المقررة في أحكام الكفالة، وإذا كان المبيع ملكا لأكثر من بائع، وقاموا ببيع المبيع المعيب بالعيب الخفي، فعليهم جميعاً يقع التزام الضمان، ويكونوا متضامنين فيما بينهم في أحكام ضمان العيب الخفي، كما يجوز للمشتري أن يرجع على أي منهم طبقا للقواعد المقررة في أحكام التضامن[4].

والطرف الثاني في الدعوى يكون المشتري بصفته الدائن للبائع، فإذا مات الدائن انتقل حق المطالبة بالضمان إلى ورثته، ولهم الحق في الرجوع بضمان المبيع ضد البائع أو تركته إذا توفى البائع المدين أيضاً، ولكن يشترط أن يتفق الورثة فيما بينهم على رد المبيع المعيب، وإذا كان المشتري قد باع المبيع المعيب إلى غيره وهو لا يعلم أن به عيبا خفيا واكتشفه المشتري الثاني، فللمشتري الثاني أن يرفع دعوى الضمان ضد البائع الأول[5].

2- العيوب التي توجب الضمان

لا يعد كل عيبا في المبيع ممثلاً لعيب يوجب الضمان، بل يكون الضمان واجبا على البائع إذا لم يكن المبيع به الصفات التي أكد البائع على وجودها فيه ولولا وجودها في المبيع ما اشتراها البائع، ومن أهم الأمثلة على ذلك العيوب التي تؤدي إلى نقصان قيمة المبيع عند أهل الخبرة، والبائع في هذه الحالة يكون ضامنا للعيب الخفي، حتى لو لم يكن عالما به.

لكن إذا كان المشتري على علم بالعيب، أو كان العيب ممكن معرفته إذا تفحص المشتري المبيع تفحص الرجل العادي لا الخبير، فغالبا لا يتم اكتشاف العيب الخفي إلا بمعرفة الخبراء وأرباب المهنة، فإذا كان من الممكن معرفة العيب قبل الشراء، فإن حق المشتري في المطالبة بالضمان يسقط[6].

وقد حددت (المادة 513/4) من القانون المدني الأردني شروط العيب الخفي بقولها (يشترط في العيب القديم أن يكون خفيا والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع، أو لا يتبينه الشخص العادي، أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلا بالتجربة).

فيشترط في العيب الذي يوجب الضمان على البائع أن يكون عيبا قديما، فإن كان العيب حديثا لا يلزم البائع الضمان إلا إذا أثبت المشتري أن العيب الحديث ناتج عن سبب قديم، وفي ذلك يقول الدكتور السنهوري أن العيب الذي يرجع سببه إلى ما قبل التسليم يعتبر موجود وقت التسليم ويضمنه البائع[7].

 وقد نصت (المادة 513/1 و2 و3) من القانون المدني الأردني على أنه (1- إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيراً إن شاء رده أو شاء قبله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن. 2- يعتبر العيب قديما إذا كان موجودا في المبيع قبل البيع، أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم. 3- يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستندا إلى سبب قديم موجود في المبيع عند البائع).

كما يشترط في العيب أن يكون مؤثرا، والمقصود بالتأثير أن يؤثر العيب إما في أداء المبيع فيما يستخدم له في العادة، أو مؤثرا في قيمته السوقية بحيث أن كل من يرغب في شراء المبيع إذا علم بوجود هذا العيب في المبيع يتراجع عن شرائه، أو ينتقص من ثمنه الفعلي مثل من يشتري سيارة وليس بها عيبا يجعلها غير صالحة للاستخدام، لكن قد يكون بها عيب في الشكل العام أو في كراسيها أو ما الى ذلك مما لا يؤثر على أدائها ووظيفتها، إلا أنه ينتقص من قيمتها ومن ثمنها عند التجار، فإذا كان المشتري لا يعلم بمثل هذا العيب وقت الشراء فله الحق في الرجوع على البائع بضمان العيب الخفي[8].

وأيضاً يشترط في العيب أن يكون خفيا، ولا شك أن هذ الشرط بديهيا لأنه في الأصل يجب على المشتري أن يتفحص المبيع كما يفعل الرجل العادي، بحيث إذا قام بفحص المبيع ولم يجد عيبا ظاهرا فيه فيكون له المطالبة بالضمان، لكن إن تفحص المبيع ثم تجاوز عن بعض العيوب، فلا يحق له المطالبة بضمان البائع باعتبار أن العيب ظاهر وكان يمكنه اكتشافه بسهولة لولا إهماله في فحص المبيع، وبذلك تكون دعوى الضمان مشروطة بأن يكون العيب خفيا لا يمكن معرفته بواسطة خبرة الرجل العادي، بل يحتاج إلى أصحاب الخبرة وأهل المهنة من المتخصصين.

وإذا كان البائع سيء النية بأن تعمد إخفاء العيب عن المشتري، ففي هذه الحالة يكون البائع ضامنا للعيب حتى لو كان المشتري قد أهمل وقصر في فحص المبيع، ذلك لأن سوء نية البائع في الإخفاء قد طغى على خطأ المشتري في تقصيره وإهماله في فحص المبيع فحص الرجل العادي، كذلك إذا اشترط المشتري على البائع خلو المبيع من عيب معين وأكد البائع خلوه من هذا العيب، ثم تم اكتشاف العيب في المبيع، فعندئذ يلزم البائع ضمان هذا العيب في المبيع, لأن العيب حدد بذاته حتى لو كان المشتري لم يفحص المبيع لتأكد خلوه من العيوب أو أهمل في فحصه.

وقد يكون العيب موجودا وقت البيع لكن المشتري لم يكتشفه إلا عند التسليم، ومع ذلك لم يعترض عليه، فيلزمه المبيع ولا يجوز له الرجوع على البائع مطالبا إياه بضمان المبيع، ويقع عبء إثبات علم المشتري بالعيب عند التسليم على البائع.

كما يشترط في البيع الذي يكون فيه حق ضمان العيب ألا يكون بيعا إداريا أو قضائيا، ويرجع السبب في ذلك أن البيوع عن طريق المزاد تأخذ وقتا طويلا يمكن خلاله للمشتري أن يتأكد بكافة الطرق من خلو المبيع من أي عيوب خفية أو ظاهرة، وله في سبيل ذلك الاستعانة بالخبراء في نوع المبيع، والذين يمكنهم بطرق حرفتهم وخبراتهم التأكد من خلو المبيع من أي عيب، كما ترجع الغاية في عدم جواز مطالبة البائع بضمان العيب في هذه البيوع إلى التكلفة الباهظة التي تنفقها الجهة منفذة المزاد، والتي تجعل من الصعب إعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل البيع، خاصة مع ما أتيح للبائع من فرصة لتوقيه البيع بالمزاد الإجباري الذي يصدر به حكم قضائي.

إلا أن ذلك لا يسري على البيع بالمزاد الاختياري كبيع المال الشائع لعدم إمكانية قسمته، فيجوز فيه الرجوع على البائعين بدعوى ضمان العيوب الخفية، ونستند في ذلك إلى ما نص عليه القانون المدني الأردني في (المادة 514) من أنه (لا يكون البائع مسؤولا عن العيب القديم في الحالات التالية: 1- إذا بين البائع عيب المبيع حين البيع. 2- إذا اشترى المشتري المبيع وهو عالم بما فيه من العيب 3-   إذا رضي المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر. 4- إذا باع البائع المبيع بشرط عدم مسؤوليته عن كل عيب فيه أو عن عيب معين إلا إذا تعمد البائع إخفاء العيب أو كان المشتري بحالة تمنعه من الاطلاع على العيب. 5- إذا جرى البيع بالمزاد من قبل السلطات القضائية أو الإدارية).

سادساً: الأثر المترتب على توافر شروط العيب الخفي

إذا وجد المشتري في المبيع عيبا خفيا توافرت فيه الشروط المذكورة آنفا، فيجب عليه عندئذ إبلاغ البائع على الفور، وعلى البائع في هذه الحالة إن ثبت صحة ادعاء المشتري أن يضمن المبيع، وإذا تنصل البائع من ضمان العيب، فيجب على المشتري أن يلجأ إلى القضاء بدعوى الضمان على البائع.

ويشترط عدم التراخي من جانب المشتري في إبلاغ البائع بما اكتشفه من عيب في المبيع، وإذا كان القانون المدني الأردني لم يحدد المدة الواجب أن يخبر المشتري خلالها البائع بوجود عيب خفي في المبيع، إلا ان هذه المدة يمكن تحديدها بالمدة الملائمة أي التي لا يفهم منها رضاء المشتري بالعيب بعد اكتشافه، أو المدة التي تتيح لأهل الخبرة معرفة منشأ العيب من حيث كونه نشأ بعد البيع والتسليم أم قبل البيع والتسليم.

1- سقوط الحق في رفع دعوى ضمان العيب

إذا أبلغ المشتري البائع بوجود عيب في المبيع ولم يلتزم البائع بضمان العيب، يجب على المشتري أن يلجأ إلى القضاء بدعوى ضمان العيب الخفي في مواجهة البائع خلال مدة لا تزيد عن ستة أشهر من وقت التسليم، إلا إذا كان هناك اتفاق بين الطرفين البائع والمشتري على مدة أخرى تلزم البائع بأن يضمن العيب لمدة أطول من المدة التي نص عليها القانون.

ويشترط لتقادم دعوى الضمان مرور مدة الستة أشهر من وقت التسليم أن يكون البائع حسن النية، وذلك بأن يثبت عدم معرفته بوجود العيب في المبيع، أما إذا أثبت المشتري أن البائع كان سيء النية وأخفى العيب بطرق فيها غش أو تدليس لإتمام البيع، فلا يجوز للبائع التمسك بسقوط الحق في رفع دعوى ضمان العيب الخفي بمرور الستة أشهر، وفي ذلك نصت (المادة 521) من القانون المدني الأردني على أنه (لا تسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول).

ويلاحظ أن دعوى ضمان العيب لا تسمع بعد مرور ستة أشهر على تسلم المبيع، أي ان هذه المدة تبدأ من تاريخ تسلم المشتري للمبيع، على أن يوم تسلم المبيع لا يحتسب مع هذه المدة، بل يحسب من اليوم التالي للتسليم، وعلى ذلك فلا تقبل دعوى ضمان العيب إذا مر على تسليم المبيع ستة أشهر وتحسب هذه المدة من اليوم التالي لتسليم المبيع[9].

كما يسقط حق المشتري في رفع دعوى ضمان العيب متى تصرف بالبيع في الشيء المبيع، فالمشتري الذي يشتري سيارة ثم يقوم ببيعها مع علمه بالعيب لثالث، والذي يكتشف بها عيبا خفيا فيرجع على البائع له، في هذه الحالة لا يحق للبائع له ان يرجع على البائع الأول، ويسقط حقه في مطالبة البائع الأول بالضمان لمعرفته المسبقة بالعيب في المبيع ووقته، وفي ذلك نصت (المادة 515) على أنه (إذا تصرف المشتري في المبيع تصرف المالك بعد اطلاعه على العيب القديم سقط خياره).

2- هلاك المبيع المعيب في يد المشتري

متى هلك المبيع المعيب بعد التسليم إلى المشتري، فيجب هنا أن نفرق بين حالتين:

أ- الحالة الأولى

متى كان الهلاك ناتجاً عن استعمال المشتري للمبيع قبل علمه بالعيب الموجود به، ففي تلك الحالة يكون للمشتري الحق في الرجوع على البائع بمقدار ما ينقص من ثمن المبيع بسبب العيب الموجود به، وهذا ما قررته (المادة 516) من القانون المدني على أنه (إذا هلك المبيع المعيب بعيب قديم في يد المشتري أو استهلكه قبل علمه بالعيب رجع على البائع بنقصان العيب من الثمن).

ب- الحالة الثانية

إذا أُثبت المشتري أن هلاك المبيع بسبب العيب الخفي الموجود به، ففي هذه الحالة يكون للمشتري الحق في مطالبة البائع بالتعويض الكلي الذي يرجع إليه الثمن، وذلك إعمالا للقاعدة القانونية التي قوامها أن كل من سبب ضررا للغير لزمه التعويض، ولا يجوز مطالبة المشتري في هذه الحالة برد المبيع لاستحالة ذلك بهلاكه.

سابعاً: ما يطرأ على المبيع من عوارض أخرى غير الهلاك

1- ظهور عيب جديد بعد التسليم

وتفترض هذه الحالة أن يكون المبيع به عيبا قديما، ثم بعد تسليمه إلى المشتري يظهر به عيبا جديدا، فليس للمشتري أن يرده بسبب العيب القديم، ولكن له الحق في مطالبة البائع بضمان العيب القديم، أما إذا كان العيب الجديد ظهر بسبب أجنبي لا يد للمشتري فيه، فله الحق في رد المبيع ومطالبة البائع بكامل الضمان قياسا على هلاك المبيع بسبب أجنبي، أما إذا كان العيب الجديد بسبب المشتري وراجعا إلى فعله فيقتصر حقه على مطالبة البائع بضمان العيب القديم فقط، ولا يجوز له المطالبة برد المبيع[10].

2- حالة زوال العيب الجديد

إذا كان بالمبيع عيب جديد ثم زال وبقي العيب القديم، فإن حق المشتري في الرجوع على البائع بدعوى الضمان يعود إليه مرة أخرى.

3- حالة زيادة المبيع

إذا زاد المبيع المعيب زيادة تجعل في رده اكتساب البائع منفعة ونقص منفعة للمشتري، فعندئذ يمتنع الرد ويكون من حق المشتري مطالبة البائع بقدر نقصان العيب، وليس من حق البائع التمسك في هذه الحالة بضمان العيب، لأن الضمان إنما قرر لصالح المشتري حفاظا على ماله وإعمالا للعدال، وذلك تطبيقا لنص (المادة 518/1) من القانون المدني والتي نصت على أنه (إذا حدث في المبيع زيادة مانعة من الرد ثم ظهر للمشتري عيب قديم فيه فإنه يرجع على البائع بنقصان العيب وليس للبائع الحق في استرداد المبيع).

ثامناً: نماذج لأحكام محكمة التمييز بصفتها الحقوقية في البيع على الأمانة

1- الحكم الصادر في التمييز رقم 1469 لسنة 2021 تمييز حقوق بجلسة 18/5/2021 والقاضي بأن (وفي ذلك فإن محكمتنا كانت قد أعادت هذه الدعوى إلى محكمة الاستئناف منقوضة والقول إن مخالفة المواصفات بالمبيع من حيث التمديدات الصحية والبلاط والأبواب والشبابيك والأباجورات والدهان وتمديدات التدفئة المركزية ما هي إلا من قبيل العيوب في المبيع ويكون للمشتري أن يتمسك بخيار العيب الخفي وفق أحكام المواد 512 و521 و544 من القانون المدني إذا ما توافرت فيها شروط العيب الخفي المحددة قانوناً وطلبت محكمتنا من محكمة الاستئناف معالجة الدفع المثار في الطلب وفقاً لما سبق بيانه وبيان فيما إذا كان قد مضى على المطالبة المثار حولها الدفع بمرور الزمن المدة المحددة بالنصوص السابقة أم لا وفيما إذا كانت شروط العيب الخفي متوافرة أم لا).

2- الحكم الصادر في التمييز رقم 5709 لسنة 2020 تمييز حقوق بجلسة 29/4/2021 والقاضي بأن (وحيث ثبت من البينة المقدمة في الدعوى أن بيع الشقتين من الشركة المدعى عليها الأولى للمدعى عليهم السابع والثامن والتاسعة قد تم بالنسبة للشقة رقم 133 بتاريخ 6/9/2006 للمدعى عليه السابع، والشقة رقم 122 بتاريخ 16/11/2006 للمدعى عليهما الثامن والتاسعة حسب ما ورد بمشروحات دائرة تسجيل أراضي شرق عمان المؤرخة في 6/12/2018 المبرزة في الطلب 280/ط/2018 فإن التاريخين المشار إليهما 6/9/2006 و16/11/2006 هما المعتبران قانوناً لتسليم المبيع عملاً بالمادة (497) من القانون المدني ………..، وبالتالي فإن دعوى ضمان العيب لا تسمع لانقضاء ستة أشهر على تسليم المبيع حيث أقيمت هذه الدعوى بتاريخ 25/9/2018 أي بعد المدة المشار إليها في المادة (521/1) من القانون المدني).

تاسعاً: الخاتمة

يجب أن نشير إلى أن القانون قد وفر للمشتري سبل الحماية اللازمة إذا ما اكتشف أن المبيع ليس على الصفة الموصوف بها، وذلك حفاظا على أموال الأفراد، وتأكيداً على أن الأمانة في البيع والشراء هي الطريق القويم بعيدا عن الغش والتدليس والتغرير.

كتابة: محمد إسماعيل حنفي

[1] – محمود جلال حمزة – التبسيط في شرح القانون المدني الأردني – ط1 – ج 4 – جمعية عمال المطابع التعاونية – 2005 -, ص 130.

[2] – احمد محمد علي داوود – أحكام العقد في الفقه الإسلامي والقانون المدني – ج 2- دار الثقافة للنشر والتوزيع – الأردن – 2011 – ص3.

[3] – الياس ناصيف – موسوعة العقود المدنية والتجارية – ط1 – ج8 – منشورات الحلبي القانونية – الطبعة الأولى – 2020 – ص 566.

[4] – عبد الرزاق احمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – ط3 – ج4 – لبنان – 2009 – ص729.

[5] – المصدر السابق نفسه – ص 730 و731.

6- المصدر السابق نفسه – ص624.

[7] – عبد الرزاق السنهوري – مصدر سابق – ص632.

[8] – المصدر السابق نفسه – ص627.

[9] – محمد يوسف الزعبي – شرح عقد البيع في القانون المدني الأردني – ط1 – دار الثقافة للنشر والتوزيع – الأردن – 2006 – ص 438.

10- عبد الرزاق السنهوري – المصدر السابق – ص653.

Scroll to Top