تأثير جائحة كورونا على عقود العمل
لا شك أن جائحة كورنا أثرت بشكل كبير على الاقتصاد؛ فقد تأثرت قطاعات اقتصادية بشكل كبير جداً منها شركات الطيران والسياحة وكذلك حركة البضائع والأفراد، وإن كانت هناك قطاعات أيضاً استفادت بشكل كبير كقطاعات المطهرات، والمعقمات، والصناعات الطبية، والصيدلانية. الأمر الذي به تتضح ضرورة إعادة تقييم الأوضاع التعاقدية، للتأكد من أن الحقوق التعاقدية يتم الاحتجاج والتمسك بها بشكل صحيح، وملائم، ومكافئ لطرفيه، وفي الوقت المناسب.
وقد وفرت نصوص القانون الحلول العملية لإعادة هيكلة تنفيذ العقد أو إنهائه في حالة استحالة التنفيذ أو كونه مرهقاً يمكن التأكيد عليها كنظرية القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة.
وبشكل مفصل وموجز كذلك سيتم تناول هذه الدراسة من خلال محورين اثنين، الأول نتناول فيه الطبيعة القانونية لفيروس كورونا، وفي الثاني الأثار القانونية المترتبة عن القرارات الصادرة عن اللجنة المشكلة لمتابعه الفيروس في المملكة الهاشمية الأردنية.
أولًا: الطبيعة القانونية لفيروس كورونا
ثانيًا: الآثار القانونية المترتبة عن القرارات الصادرة بأمر الدفاع 6 بالمملكة الأردنية الهاشمية
أولًا: الطبيعة القانونية لفيروس كورونا
حقيقةً فإن مخاطر الأوبئة ابتداءً من وباء سارس، وانتهاءً بفيروس كورنا أثارت خلال السنوات الأخيرة العديد من الإشكاليات القانونية، أهم هذه الإشكاليات ماهية الطبيعة القانونية لفيروس كورونا؟ تردد الفقه بين كونه ظرف طارئٌ، أو اعتباره قوة قاهرة، وبالرغم من أن كل من الظروف الطارئة والقوة القاهرة لا يمكن توقعها ولا يستطاع دفعها، إلا أنهما يختلفان في قدر هذه الاستطاعة، وهما في الأصل يُعدان تطبيقا لمبدأ أخلاقي عام مفاده لا تكليف بمستحيل.
1_ إمكانية اعتبار جائحة فيروس كورونا قوة قاهرة
عقد العمل، كأي عقد أو التزام آخر، ينشأ ثم ينقضي بحلول أجله بطرق مختلفة[1] منها فعل القوة القاهرة، وإن كانت بعض القوانين لم تنص صراحةً على القوة القاهرة كسبب من أسباب انتهاء عقد العمل، فإن قوانين أخرى نصت عليها صراحة كما هو الشأن بالنسبة للقانون التونسي لسنة 1966 والذي نص في الفصل 14 على أنه «ينتهي عقد الشغل… عند تعذر الإنجاز الحاصل إما من أمر طارئ أو قوة قاهرة حدثت قبل أو أثناء إنجاز العقد أو وفاة العامل”.
وقد أخذ المشرع المصري بنظرية القوة القاهرة في عقود العمل في المادة 697 من القانون المدني المصري والتي تنص على أنه “لا ينفسخ عقد العمل بوفاة رب العمل ….. ويراعى في فسخ عقد العمل لوفاة العامل أو لمرضه مرضًا طويلًا أو لسبب قاهر آخر….”.
والقوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية وغارات العدو وفعل السلطة وكل ما من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة ما كان دفعه ممكناً ما لم يقم المدين الدليل على عكس ذلك. والقوة القاهرة تجد مصدرها في الشريعة الإسلامية في باب الجوائح أي كل ما لا يمكن دفعه. وقد أفرز الاجتهاد القضائي عدة تطبيقات للقوة القاهرة ورتب عليها آثارا قانونية[2]، وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه “يشترط في القوة القاهرة التي ينقضي بها التزام المدين ان تكون أمراً لا قبل للمدين بدفعه أو التحرز منه، ويترتب عليه استحالة تنفيذ التزام الشركة بدفع الفوائد….”[3]
أ_ شروط القوة القاهرة
تقضي القاعدة العامة بأن انتفاء المسؤولية تعاقدية كانت أو تقصيرية يكون بسبب أحد الأسباب المعفية منها، ومن بينها القوة القاهرة، ويحدد الفقه الشروط اللازم توافرها لكي تتحقق القوة القاهرة فيما يأتي:
أن يكون الحادث مما لا يمكن توقعه بمعنى أن يكون حادثًا نادر الوقوع:
مما يعني أن هذا الشرط لا يعني ضرورة أن نتواجد أمام حدث لم يقع من قبل أو لم يقع أبدا؛ فحالات القوة القاهرة عموما تكون أحداثا طبيعية.
أن يكون مما لا يمكن دفعه، بمعنى عدم القدرة على دفع الحدث:
فالأحداث والأفعال التي قد تحصل ولا يمكن مقاومتها تعني انعدام توفر الإمكانيات اللازمة لصدها، وهو شرط نراه مفصليا بالنسبة للقوة القاهرة بحيث يجعل الحدث متميزا بعدم قدرة المدين أو المتعاقد على اتقائه أو تجاوزه ومواجهته.
أن يكون الحادث عنصراً خارجياً:
بمعنى ألا يكون للفعل المتسبب في الأضرار علاقة بنشاط المدين أو المتعاقد، بحيث لم يكن لإرادته دخل في حصوله ولا في الأضرار الناجمة عن حصوله.
استحالة التنفيذ:
إن تحقيق هذا الشرط هو نتيجة لتوافر الشروط الثلاث الأولى أو هو خلاصة لها، بمعنى أنه إذا لم يستطع صاحب العمل توقع القوة القاهرة ولم يتمكن من دفعها ولم يصدر عنه أي خطأ، فمن المحتمل جدا أن يتعذر عليه تنفيذ عقد العمل الذي يربطه بالعامل، ويرى الفقه والقضاء أن تنفيذ الالتزام إذا لم يكن مستحيلا استحالة مطلقة ونهائية لا إمكانية في الاستمرار حال وجودها ولا أمل في جلائها في الأجل القريب، وإنما صاحبته ظروف جعلت من تنفيذه أكثر كلفة أو أكثر إرهاقا بالنسبة للمدين، فإنه لا يسوغ التمسك بالقوة القاهرة، رغم ما ينطوي على ذلك من خسائر مادية فادحة بالنسبة للمدين.[4]
ب_ أثر القوة القاهرة
إذا توافرت شروط القوة القاهرة فإن الأثر الطبيعي الذي يترتب عليها هو انتفاء مسؤولية المدين التعاقدية عن نتائج عدم التنفيذ إذا كانت الاستحالة تامة، ومن ثم فإذا كانت الاستحالة جزئية فينقضي الجزء الذي استحال تنفيذه من غير باقي العقد. وقد قضت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 26 سنة 23 ق جلسة 27 / 12 / 11956 س 7 ص 1022 على: ” تقدير ما إذا كانت الواقعة المدعى بها تعتبر قوة قاهرة هو تقدير موضوعي تملكه محكمة الموضوع في حدود سلطتها التقديرية ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة.
2_ إمكانية اعتبار جائحة فيروس كورونا ظرفا طارئاَ
إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، وهذه الصلاحية للمحكمة لا تعطلها إرادة الأطراف؛ إذ يقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.
أ_ شروط تطبيق نظرية الظرف الطارئ
إن هناك ثمة شروط يتعين توافرها حتى يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة على أرض الواقع، فقد تشدد القضاء في وجوب توافر هذه الشروط مجتمعة وهي كتالي:
أن يكون الالتزام تعاقديا:
يشترط في تطبيق نظرية الظروف الطارئة أن يكون الالتزام الملقى على عاتق المدين ناشئا عن عقد، وبالرغم من الإطلاق الذي يفهم منه أن تطبيق النظرية يشمل جميع أنواع العقود، إلا أن أحد الشروط الرئيسية التي تقوم عليها هذه النظرية وهو شرط عدم توقع الحادث الاستثنائي يوجب استبعاد تطبيقها على العقود الاحتمالية؛ لأن هذه العقود تقوم على احتمال الخسارة والكسب، ولا يستطيع فيها كل من المتعاقدين تحديد ما يحصل عليه من المنفعة وقت التعاقد؛ إذ إنها لا تتحدد إلا فيما بعد تبعا لوقوع أمر محدد كعقود التأمين؛ لذلك لا يسمع فيها ادعاء الخسارة المرهقة من حادث غير متوقع؛ لأن الأساس الذي يبنى عليه هو الخسارة المتوقعة التي يتحملها أحد المتعاقدين.
وفيما يتعلق بعامل المدة، فبالنسبة للعقود التي تنطبق عليها نظرية الظروف الطارئة نجد أن النظرية تطبق على العقود المحددة التي تتغير فيها الالتزامات المتقابلة عند تكوين العقد، إلا إن هذه العقود تختلف من حيث زمن تنفيذها، فمنها ما يكون تنفيذه فورياً، أي أنه يرد على أداء يمكن تنفيذه في الحال مثل عقد البيع الذي يلتزم فيه البائع بنقل ملكية الشيء إلى المشتري، ومنها ما يكون تنفيذه متعاقبا متراخيا، فيطلق عليه عقد المدة أو العقد الزمني؛ لأنه يحتاج إلى زمن يستمر فيه التنفيذ، ويكون الزمن عنصراً جوهرياً فيه كما في عقد الإيجار وعقد العمل.
ولهذا الفارق بين العقد الفوري والعقد الزمني نتائج تتمثل في ضرورة الإعذار في العقد الفوري لاستحقاق التعويض عن التأخير في التنفيذ، في حين لا يكون للإعذار أي ضرورة في عقد المدة؛ لأن تأخر المدين في تنفيذ التزامه المستمر يجعل تنفيذه غير ممكن على الأقل بالنسبة لما فات منه.
الأمر الذي يقودنا إلى التقرير بأن إعمال النظرية يشترط فيه أن يكون العقد من العقود المتراخية التنفيذ، سواء أكان العقد في أصل طبيعته من عقود المدة أي من العقود المستمرة أو الدورية التنفيذ أم كان من العقود الفورية التنفيذ، ولكن كان تنفيذه مؤجلا، ويرجع السبب في ذلك لاحتمال تغير الظروف في أثناء سريان تلك العقود، أما العقود التي يتم تنفيذها فور انعقادها فلا يتصور الأخذ بشأنها بنظرية الظروف الطارئة.[5]
حدوث الظرف الطارئ أثناء تنفيذ العقد:
يتعين لقيام نظرية الظروف الطارئة أن يحدث الظرف الطارئ خلال فترة تنفيذ العقد وليس بعدها أو قبلها، وهذا الظرف الطارئ يتخذ صورة عدة فقد يكون عبارة عن أحداث طبيعية، أو أحداث سياسية، أو حتى من فعل السلطة.
أن يكون الظرف الطارئ غير متوقع للمتعاقدين:
أن من أهم الشروط التي يجب توافرها لتطبيق هذه النظرية أن يكون الظرف الطارئ غير متوقعا للمتعاقدين وقد عبر مجلس الدولة المصري عن هذا الشرط في قرار صادر في 14 مايو سنة 1999 بقوله يجب أن يكون التغيير الذي حصل في أسعار الأشياء أو في أجرة العمل أو في تكاليف الالتزام قد تعدى بكثير ما كان يتوقعه عقلا الرجل الحريص وقت التعاقد.[6]
يجب أن يكون الحادث الاستثنائي كذلك حادثة عامة:
ومعنى الحدث العام أنه غير مقصور على المدين، فإذا تعلق بالمدين فقط كإفلاسه، أو مرضه، أو اضطراب أعماله، أو حريق ممتلكاته، فلا تتطبق نظرية الظروف الطارئة، ويكتفي لاكتساب الحادث صفة العم ومية أن يتعلق بمنطقة أو طائفة معينة وليس بالضرورة أن يصيب جميع المناطق وجميع الأفراد. ويستقل قاضي الموضوع وحده -التمييز بين والمخاطر غير العادية المخاطر العادية التي يتحمل أثرها المتعاقد.
أن يكون الظرف الطارئ خارج عن إرادة المتعاقدين:
يتعين لتطبيق نظرية الظروف الطارئة أن يكون الظرف الطارئ خارج عن إرادة المتعاقدين ولا دخل لإرادتيهما في حدوثه فإذا كان هذا الظرف من صنع المتعاقد أو كان لإرادتهما دخل في حدوثه فإنه لا يمكن تطبيق تلك النظرية لانتفاء أحد شروطها. فإذا كان المتعاقد هو المتسبب بخطئه أو إهماله في حدوث هذا الظرف فإنه يجب أن يتحمل النتائج المترتبة على ذلك بما فيها قلب اقتصاديات العقد.
أن يؤدي الظرف الطارئ إلى قلب اقتصاديات العقد:
يعد هذا الشرط من أهم الشروط المقررة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة فلابد لتطبيق النظرية أن تلحق بالمتعاقد خسارة فادحة استثنائية وغير عادية، أي يلحق به خسائر فادحة تختل معها اقتصاديات العقد اختلالا جسيمًا، مما يؤدي إلى الإخلال بتوازن العقد اختلالا جسيمًا، ويؤدي إلى قلب اقتصاديات العقد رأسا على عقب، فتكون بذلك الخسارة واضحة متميزة.
أن تجعل هذه الظروف تنفيذ الالتزام مرهقاً لا مستحيلاً:
يمكن تعريف الإرهاق بأنه وصف يلحق بالتزام أحد المتعاقدين يجعل تنفيذه لالتزامه مهددا إياه بخسارة فادحة نتيجة تأثر هذا الالتزام بظرف يطرأ بعد إبرام العقد، فالإرهاق كما يبدو يتصف بالمرونة، فيختلف من شخص لآخر ومن زمان لآخر وبالتالي فقد تباينت المعايير لتقدير وجود الإرهاق بين المعيار الموضوعي الذي يعتمد الإرهاق بذاته ومن ذلك ما قضت به محكمة النقض المصرية بأن “تقدير مدى الإرهاق الذي أصاب المدين من جراء الحادث الطارئ مما يدخل في السلطة التقديرية لقاضي الموضوع ومناط هذا الإرهاق الاعتبارات الموضوعية بالنسبة للصفقة ذاتها لا للظروف المتعلقة بشخص المدين”[7]، وبين الإرهاق في مداه بمعنى ان يكون الإرهاق غير مألوف في التعامل بأن تكون الخسارة فادحة وغير مألوفة في التعامل وقد جسدته محكمة النقض المصرية بقولها “تدخل القانون لرد الالتزام الى الحد المعقول طبقا لمادة 147/2 من القانون المدني رخصة من القانون يجب لاستعمالها تحقق شروط معينه أهمها شرط الإرهاق المهدد بخسارة فادحة”.
ب_ آثار نظرية الظروف الطارئة
إذا توافرت الشروط المتقدمة وجب تطبيق نظرية الظروف الطارئة، فيجوز للقاضي تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، والمعقولية هنا هي الحد من فداحة الخسارة لا منعها؛ لأنها متحققة فعلياً.
ولا يجوز للقاضي أن يحكم بفسخ العقد بناء على طلب المدين – ولو أن له ما دون ذلك من إنقاص الالتزامات ومنح الأجل – لأن نظرية الظروف الطارئة تهدف إلى إعادة التوازن بين المتعاقدين وتوزيع الخسارة عليهما، وفي فسخ العقد بناء على طلب المدين إهدار لهذا التوازن بتحميل الدائن كل الخسارة الطارئة، والأمر يختلف إذا كان الدائن هو من يطلب فسخ العقد شريطة أن يكون هذا الفسخ من غير تعويض، لأن قي ذلك تحقيق الموازنة بإعفاء المدين من تنفيذ الالتزام المرهق.
ثانيًا: الآثار القانونية المترتبة عن القرارات الصادرة بأمر الدفاع 6 بالمملكة الأردنية الهاشمية
أثار أمر الدفاع رقم 6 الذي أصدره رئيس الوزراء بتاريخ 8 نيسان 2020 والذي تضمن سلسلة من القرارات الاقتصادية الهامة والمتعلقة بأصحاب العمل وشركات القطاع الخاص والعاملين فيها، العديد من التساؤلات بعد ورود نصوصه غير مفهومة ومبهمة، الأمر الذي نعالجه في بنود موجزة تالية.
أ_ الفترة من 18/ 3/ 2020 وحتى الفترة 31/ 3/ 2020
يلاحظ من أمر الدفاع بأنه يحق لكافة العاملين في مؤسسات ومنشآت القطاع الخاص أو أية جهة أخرى خاضعة لقانون العمل أجورهم المعتادة عن هذه الفترة، على ألا يستحق أي من العاملين في القطاعات المستثناة من قرار مجلس الوزراء بالتعطيل أجراً إضافيًا عن عملهم خلال تلك الفترة، إلا إذا تم تكليفهم بعمل إضافي وفقا لأحكام المادة 59 من قانون العمل رقم 8 لسنة 1996. ويستحق العامل في أي من مؤسسات ومنشآت القطاع الخاص أو أي جهة أخرى خاضعة للضمان الاجتماعي أجره كاملاً عن هذه المدة، سواء كانت هذه المؤسسات من القطاعات المستثناة من قرار مجلس الوزراء بالتعطيل أو غير المستثناة. وفيما يتعلق بالقطاعات المستثناة من قرار مجلس الوزراء بالتعطيل فلا يستحق العامل فيها أي أجر إضافي مقابل عمله في هذه الفترة إلا إذا تم تكليفه بعمل إضافي بما يفوق ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية على أن يتقاضى عن كل ساعة عمل إضافية أجراً لا يقل عن 125% من أجره المعتاد، وهذا هو الأصل الطبيعي وتماشيًا مع ما نهجت علية أغلب دول العالم المتضررة من هذه الجائحة وتطبيقاً لقواعد قانون العمل الأردني الذي كان من المفترض أن تعمل به منشآت القطاع الخاص لكون أن الجائحة لم يكن قد مر عليها إلا شهر واحد فقط. أما القرار الآخر فيما يتعلق بعدم استحقاق العامل أجر إضافي فهذا القرار جاء مبهماً وغير واضح المقصود منه وما هو الهدف من وجوده في أمر الدفاع؟
أمر الدفاع اعتبر هذه الفترة عطلة رسمية يستحق العامل أجره كاملاً مع تعطل العمل بمنشأته التي يعمل بها، أما المقصود بالقطاعات المستثناة من قرار مجلس الوزراء بالتعطيل مثل المستشفيات الخاصة فإعفاء صاحب العمل من الأجر الإضافي للعمال لتلك الفترة فأمر غير منصف، وكان الأجدر أن يلمح أمر الدفاع لإمكانية استحقاق تلك الفئة عند نهاية الأزمة إجازة تعويضية وذلك من باب الأنصاف والعدالة والتكريم.
ويتعين إذاً على كل منشأة قامت بإنهاء خدمات العمال خلال تلك الفترة بالمخالفة لقانون العمل إعادة العمال إلى عملهم خلال أسبوع اعتبارا من 9/ 4/ 2020 مع دفع الأجر عن الأيام التي تم خلالها الاستغناء، ويبقى صاحب العمل غير ملزم بإعادة العامل الذي انتهى عقده محدود المدة خلال الفترة أو كان خلالها في فترة التجربة بشرط توافر الشروط المطلوبة لأنهاء الخدمة من خلال الإخطار وفق ما نص علية القانون والا اعتبر إنهاء العمل تعسفًا.
ب_ فترة العمل من تاريخ 1/ 4/ 2020
وهنا يجب التفرقة بين أكثر من طريق من طرق العمل، وهي:
العمل بدوام كلي للقطاعات المصرح لها بالعمل:
فالموظف الذي يؤدي عمله بالشكل المعتاد وبذات ساعات العمل المحددة في قانون العمل 8 ساعات يستحق الأجر الطبيعي له دون أية خصومات، ولكن يجوز للعامل أو صاحب العمل بالاتفاق فيما بينهم وبإرادة العامل المنفردة على أن يتم الخصم من الأجر بمقدار لا يتجاوز 30% من راتب العامل من تاريخ 1/ 4 / 2020 إلى أن يتم إصدار قرار بوقف ذلك وبشرط ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور، ما دام أن أمر الدفاع لم يشترط موافقة وزارة العمل وإنما ترك الاختيار للعامل وصاحب العمل.
وفيما يتعلق بتخفيض الأجر بنسبة 30% لم يراع أيضاً الاستقطاعات الأخرى المفروضة على العامل أهمها ما قد يكون عليه من قروض، الأمر الذي يشي بأن قرار تخفيض الرواتب غير مفهوم؛ فهو في بداية الأمر ترك الخيار بالإرادة المنفردة للموافقة من قبل العامل دون غيره وفي الفقرة الأخيرة ترك الأمر لكل من صاحب العمل والعامل، ولا شك في أن أمر الدفاع كان تائهًا ومتخوفًا ومرتبكًا من إصدار هذا القرار.
العمل بدوام جزئي للقطاعات الغير مستثناة:
إذ أن بعض أصحاب العمل ممن يكون لديهم أعداداً من العمال يتم تقسيم العمال إلى قسمين جزء من العمال يزاول العمل، وجزء آخر من العمال يكون العامل في حالة الإجازة.
فأما الجزء الأول من العمال المستمرين بالعمل فله كافة أجره دون خصومات، ولكن يجوز للعامل أو صاحب العمل بالاتفاق فيما بينهم وبإرادة العامل المنفردة أن يتم الخصم من الأجر بمقدار لا يتجاوز 30% من راتب العامل، ودون موافقة وزارة العمل.
وأما الجزء الآخر من العمال الذي يكون العامل في حالة الإجازة في القطاعات الغير مستثناة، فيستحق العامل نصف الأجر وبشرط ألا يقل عن الحد الأدنى من الأجور وبشرط موافقة وزارة العمل.
دوام العاملين بشكل جزئي عن بعد للقطاعات الغير مستثناة:
نظراً لأن طبيعة بعض المهام التي يؤدونها تتطلب وجودهم في موقع العمل، مما يعني عدم تمكنهم من أداء أعمالهم بشكل كامل عن بعد، فإن على المنشأة دفع الأجور عن ساعات العمل الفعلية بما لا يقل عن 220 دينار أو عن 50% من أجر العامل أيهما أعلى.
ولا شك في أن هذه الفئة هي الفئة التي سوف تكثر شكواها العمالية؛ فالأصل في نظام العمل عن بعد أنه غير متصور إلا في الأعمال المكتبية أو الأعمال الفنية المرتبطة بالحاسب الآلي فقط، إذ كيف يمكن تصور وجود عمل غير مكتبي عن بعد؟
وفيما يتعلق بالعاملين غير القادرين على العمل عن بعد:
نظراً لأن طبيعة أعمالهم تستلزم وجودهم في موقع العمل مثل العاملين في المصانع والتجارة، فإن العامل يستحق كامل أجوره، كما يستطيع صاحب العمل دفع ما لا يقل عن 50% من قيمة الأجور شريطة ألا يكون الأجر أقل من 220 دينار بموافقة الوزارة.
وفي مجال الحديث عن عقود العمل، فإن هذه العقود تبقى صحيحة ونافذة بمواجهة طرفيها، الا أنها توقفت مؤقتا نتيجة حظر التجوال ومنع أصحاب العمل غير المصرح لهم بفتح منشآتهم مؤقتاً تنفيذا لأوامر الدفاع الصادرة استنادا لقانون الدفاع والتي منعت العامل من تنفيذ التزامه المتمثل بتقديم العمل، وبالتالي أثرت على التزام صاحب العمل بأداء المقابل لهذا العمل وهو الأجر. غير أن ما جاء بالفقرة ح في البند رابعاً من وقف العمل بنص المادة 50 من قانون العمل رقم 8 لسنة 1996 لغايات تنفيذ الفقرتين (ه، و) من نفس البند إنما جاء بصورة تفتقر الى المشروعية، باعتبار أن رئيس الوزراء قد مارس وظيفة تشريعية تخرج أصلا عن نطاق صلاحياته المحددة بتعطيل بعض نصوص القوانين، عندما قام بتعديل ما تضمنته المادة 50 من أحكام بعد وقف العمل بها، وفرض على أصحاب الأعمال أداء كامل أجور العاملين لديهم عن الفترة من 18/ 3/ 2020، وحتى 31/ 3/ 2020، وألزم أصحاب الأعمال بتأدية 50% من أجور العاملين غير المكلفين بعمل لدى المنشآت المشمولة بقرار التعطيل دون تحديد للمدة، وبما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور.[8]
ج_ قرار أمر الدفاع رقم 6 فيما يتعلق بجواز طلب صاحب العمل إيقاف مؤسسته وفق شروطٍ معينةٍ
فيبدو أن القرار جاء مائلا لكفة صاحب العمل دون أن يوضح مصير العامل بتلك المنشأة مع ما يتصور من إلقاء العبء المالي على الحكومة من خلال الاستقطاع من الصناديق الحكومية المعدة لذلك الغرض ورفع يد المنشأة من تحمل تكاليف الأجور بعد مرور فترة زمنية قصيرة من الزمن هو قرار خاطئ حيث جاء القرار على عدم إلزام صاحب العمل بدفع أجور العمال، وكذا عدم السماح له بمزاولة أي عمل أو أي نشاط ما دامت الصلة التعاقدية بينه والعامل قائمة، مع عدم احتساب فترة الإيقاف من مدة عقد العمل. وأخيراً، استمرار نفاذ كافة الالتزامات المالية والتعاقدية المترتبة على صاحب العمل باستثناء أجور العمال، ووضع إشارة منع التصرف على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للمؤسسة بقرار من اللجنة.
د_ عمال المياومة
تسعى الحكومة وعلى ضوء إمكانياتها بتقديم الدعم اللازم لتأمين احتياجات الحياة الأسٍاسية لعمال المياومة الأردنيين من غير المشتركين في الضمان الاجتماعي شريطة اشتراكهم بالضمان الاجتماعي وفق آلية يتم تحديدها لاحقاً.
وعند الحديث عن العمال المياومة فقد نصت المادة السابعة على أن تسعى الحكومة وعلى ضوء إمكانياتها بتقديم الدعم اللازم لتأمين احتياجات الحياة الأساسية شريطة اشتراكهم بالضمان الاجتماعي …
ويبدو واضحاً من أمر الدفاع أنه لا زالت آلية استفادة هذه الفئة من الحماية الاجتماعية قيد الدراسة والتخطيط لها لحين صدور أمر الدفاع.
وكان حري بالحكومة أن تنظر أولا لتلك الفئة قبل الفئات الأخرى لكونها أكثر تضرراً من هذه الأزمة، على أساس أنها لا تملك دخلاً ثابتاً، والأهم من كونها لا تملك دخلاً أن في تضرر الفئات الأخرى بالغ الضرر لها باعتبار أن استقرار هذه الفئة مترتب على استقلال الفئات الأخرى.
ويبدو أن قرار أمر الدفاع رقم 6 جاء كثيراً متحيزًا لصاحب العمل دون العامل من خلال منح الكثير من الامتيازات والدعم الحكومي دون ان يتطرق الأمر الي حماية العامل الضعيف في تلك العلاقة الذي كان لا حول له ولا قوة، وظهر ذلك جليا من خلال نص المادة السادسة من امر الدفاع الذي نص على أنه:
” أ- مع مراعاة ما ورد بالفقرة ه من البند خامساً، يحق لصاحب العمل في مؤسسات ومنشآت القطاع الخاص وأي جهة خاضعة لقانون العمل والمشمولة بقرار التعطيل وغير المصرح لها بالعمل، الاستفادة من برامج الحماية الاقتصادية وفق الشروط المقررة لكل منها.
ب- تعمل الحكومة على منح حوافز تشجيعية لأصحاب العمل الملتزمين بدفع أجور العمال كاملة من بداية العمل بقانون الدفاع وحتى انتهاء العمل به بالإضافة لاستفادتهم من برامج الحماية الاقتصادية وفق الشروط المقررة لكلٍ منها”.
إعداد: عمر سعد
[1] د. أنور سلطان: الموجز في النظرية العامة للالتزام، دراسة مقارنة في القانون المصري واللبناني، النهضة العربية للطباعة
والنشر 1983، بيروت ص 233 وما بعدها.
[2] يراجع في ذلك:
د. خالد الحميري: القوة القاهرة والظروف الطارئة: اتفاق واختلاف، مقال متاح على موقع صحيفة الاقتصادية.
محمد شتا أبو سعد: مفهوم القوة القاهرة، مجلة مصر المعاصرة، العددان 393- 394، سنة74، مصر، ص 1
د. حسين عامر: القوة الملزمة للعقد، رسالة دكتوراه، مصر 1949 ص 412.
[3] د. عبد الحكيم فودة: آثار الظرف الطارئ والقوة القاهرة على الأعمال القانونية، منشأة المعارف، الإسكندرية 2014، ص 177.
[4] د. خالد بني حمد، الفرق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة: دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، المجلة الأردنية للدراسات الإسلامية، العدد 2 لسنة 2006.
[5] د. ياسر باسم ذي نون: رؤى خليل إبراهيم “نظرية الظروف الطارئة وأثرها على الأحكام القضائية: دراسة تحليلية مقارنة”، مجلة جامعة الأمارات/ السنة 28، العدد 57 يناير 2014.
[6] د. محمد محيي الدين، مرجع سابق، ص 267.
[7] نقض مدني 1/ 3/ 1977 -طعن رقم 580 لسنة 43 ق، محمد كمال عبد العزيز، التقنين المدني في ضوء الفقه والقضاء، مصر 1980 ص 423.
[8] مقال على شبكة الإنترنت للدكتور محمد عبد الله الظاهر بعنوان مدي مشروعية أمر الدفاع رقم 6 لسنة 2020.

