الأحكام القانونية لعقد الاستشارات الهندسية
قال تعالى}فَاسْأَلُوا أَهْلَ الِّذْكرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{[1],فلكل علم وفن أهله العارفين به, فكما نلجأ للطبيب فيما يتعلق بالشؤون الصحية, ونلجأ للمحامي فيما يتعلق بالشؤون القانونية, كذلك يلجأ الراغبون في تشييد وبناء مشروع ما إلى ذوي الخبرة من أهل الهندسة ليقدموا لهم التصاميم والمعلومات التي يحتاجون إليها ودراسات الجدوى الاقتصادية, وإيحاد الحلول المناسبة للمشاكل التي تطرأ أثناء تنفيذ المشروع, فيكونوا على دراية بكل ما يخص مشروعهم وذلك مقابل أجرة يدفعها صاحب المشروع أو ما يسمى بالمستفيد للمستشار الهندسي في إطار عقد يبرم بينهما يعرف بعقد الاستشارات الهندسية, وهو من العقود المستحدثة, وسوف نتناول في هذا المقال الحديث عن هذا العقد الهام في العصر الحالي خاصة مع تطور المجال العمراني وذلك على النحو التالي:
أولا: المقصود بعقد الاستشارات الهندسية
ثانياً: خصائص عقد الاستشارات الهندسية
ثالثاً: تمييز عقد الاستشارات الهندسية عن غيره من العقود
رابعا: التكييف القانوني لعقد الاستشارات الهندسية:
خامسا: الآثار المترتبة على عقد الاستشارات الهندسية:
سادسا: المسؤولية المدنية للمهندس الاستشاري الناشئة عن الإخلال بعقد الاستشارات الهندسية:
وسوف نتناول هذه العناصر بالتفصيل فيما يلي:
أولا: المقصود بعقد الاستشارات الهندسية
عقد الاستشارات الهندسية هو من العقود المستحدثة لذلك لم يعتني المشرع بذكر تعريف لهذا العقد وترك أمر التعريف للفقه القانوني, وقد عرفه الفقهاء تعريفات عديدة منها:” أنه اتفاق بين مهني (يقال له الاستشاري) متخصص في فرع من فروع المعرفة الفنية, يلتزم بمقتضاه في مواجهة الطرف الآخر (يقال له العميل أو رب العمل) في مقابل أجر متفق عليه أن يقدم استشارة ودراسة هي أداء من طبيعة ذهنية شأنها أن تؤثر بطريقة فعالة في توجيه قرارات العميل”[2]
إذاً يتضح من خلال هذا التعريف أن عقد الاستشارات الهندسية هو :عقد يلتزم بمقتضاه المهندس الاستشاري بتقديم المشورة اللازمة والمعلومات الكافية لبناء وتشييد مشروع ما مقابل التزام المستفيد بدفع الأجرة المتفق عليها.
ونوضح المصطلحات الخاصة بهذا العقد (المهندس الاستشاري- المستفيد – الاستشارة) على النحو التالي:
يقصد بالمهندس الاستشاري: هو مهندس زاول مهنته مدة من الزمن مما تولد لديه الخبرة والكفاءة والدراية الكافية فيما يتعلق بعمله من إنشاء تصاميم البناء وتنفيذها وتقديم المعلومات الفنية ودراسات الجدوى الاقتصادية وغير ذلك فيما يخص مجال عمله ,ومن ثم يكون أهلاً لثقة المستفيد أو صاحب المشروع الذي يرغب في تشييد مشروع ما فيقرر اللجوء إليه والاستعانة به قبل الإقدام على تنفيذ المشروع لينهل من بحر علمه وخبرته فيكون على علم بكل ما يتعلق بمشروعه في المستقبل ومن ثم يقرر المضي في هذا المشروع أو العدول عنه.
وقد عرف الاتحاد الأوروبي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) المهندس الاستشاري بأنه: “الشخص الذي يمتلك المعارف العلمية والتقنية والمهنية والخبرة العملية والذي يمارس المهنة باسمه الخاص مستقلاً عن أي مؤسسة تجارية أو حكومية لصالح عميله ويتصرف بحيادية تامة ولا يتلقى أي عقود إلا من عميله”[3].
وقد نصت (المادة21) من نظام المكاتب والشركات الهندسية الأردني رقم (31) لسنة 1989على الشروط الواجب توافرها في المهندس الاستشاري بقولها:” لغايات هذا النظام يشترط فيمن يصنف كمهندس رأي في النقابة بهذه الصفة ما يلي:
- أن يكون قد مارس المهنة ممارسة فعلية مدة لا تقل عن(15سنة) بعد حصوله على الشهادة الجامعية الأولى شريطة أن يكون قد أمضى مدة لا تقل عن (8) سنوات من هذه المدة في ممارسة الاختصاص الذي يطلب تصنيفه فيه.
- أو أن يكون قد مارس المهنة ممارسة فعلية مدة لا تقل عن (10) سنوات بعد حصوله على شهادة الاختصاص العليا في الهندسة شريطة أن يكون قد أمضى مدة لا تقل عن (5) سنوات من هذه المدة في ممارسة الاختصاص الذي يطلب تصنيفه فيه.
- أن يكون قد تحمل بنجاح بارز مسؤولية تصميم أو إدارة مشروع هندسي كبير لتصنيفه كمهندس رأي.
- أن لا تكون له علاقة بأي وجه من أوجه النشاط التجاري أو الصناعي أو المقاولات التي تتصل بصورة مباشرة بالاستشارة المتخصصة أو العامة التي يمارسها.
- أن يتمتع بصفات الشمول والتطلع للأمور والنظرة المستقبلية للمهنة ومتابعة تطورها وغير ذلك من الصفات الذاتية التي تضفي على طالب التصنيف شخصية مميزة بالعلم والخبرة والكفاءة.”
يقصد بالمستفيد: هو صاحب المشروع الذي يرغب في تشييد مشروع ما فيقرر اللجوء إلى المهندس الاستشاري والاستعانة به قبل الإقدام على تنفيذ المشروع لينهل من بحر علمه وخبرته فيما يتعلق بتشييد وبناء المشاريع فيكون على علم بكل ما يتعلق بمشروعه في المستقبل ومن ثم يقرر المضي في هذا المشروع أو العدول عنه, وذلك مقابل أجرة متفق عليها فيما بينهم يلتزم المستفيد بدفعها إلى المهندس الاستشاري.
وقد يكون المستفيد شخصاً طبيعياً أو معنويا كالدوائر الحكومية والمؤسسات والهيئات العامة والشركات والجمعيات .
يقصد بالاستشارة: المعلومات الفنية والتصاميم التي يقدمها المهندس الاستشاري للمستفيد المتعلقة بالمشروع الذي يرغب المستفيد في القيام بها, وهذه الاستشارة هي محل التزام المهندس الاستشاري وتعتمد على كفاءته وخبرته في مجال عمله, ويكون المستفيد من خلال هذه الاستشارة على علم بكل ما يتعلق بمشروعه في المستقبل ومن يثم يقرر المضي فيه أو العدول عنه.
ثانياً: خصائص عقد الاستشارات الهندسية
لعقد الاستشارات الهندسية خصائص عامة تتشابه مع سائر العقود وخصائص أخرى تميز هذا العقد عن غيره من العقود وسوف نتناول هذه الخصائص على النحو التالي :
أ)الخصائص العامة لعقد الاستشارات الهندسية:
وهذه الخصائص هي التي يشترك فيها عقد الاستشارات الهندسية مع غيره من العقود المدنية وتتمثل فيما يلي:
- عقد الاستشارات الهندسية عقد رضائي:
فهو ينعقد بمجرد توافق إرادتي المستفيد والمهندس الاستشاري دون حاجة إلى إبرامه في شكل معين, فيستوي أن يعقد شفاهة أو كتابة إلا أن الواقع العملي يجعل هذا العقد مكتوباً لأن المعلومات التي يقدمها المهندس الاستشاري يستعين بها المقاول في تنفيذ المشروع وقد وُضعت صيغ نموذجية لهذا العقد يمكن تعديلها لتناسب كل عقد والتوقيع عليها ومنها عقد الفيديك.
- عقد الاستشارات الهندسية عقد ملزم للجانبين:
فهذا العقد ينشئ التزامات متبادلة على عاتق الطرفين ومن ثم لا يحق لأي طرف فسخ العقد بإرادته المنفردة دون أن يتحمل نتائج هذا الفسخ ، وبمقتضى هذا العقد يلتزم المهندس الاستشاري بتقديم الرأي الفني المتخصص والتصاميم والحفاظ على سرية المشروع، وبالمقابل يلتزم المستفيد بدفع الأجرة المتفق عليها والتعاون مع المهندس الاستشاري بتقديم ما يحتاج إليه من معلومات ومستندات.
- عقد الاستشارات الهندسية من العقود المحددة:
أي تكون التزامات الطرفين محددة وقت العقد وهو الأصل , ومع ذلك قد يكون عقداً احتمالياً إذا اتفق الطرفان على أن المهندس الاستشاري يقدم المشورة للمستفيد في الوقت الذي يحتاج إليها مقابل أجر شهري ثابت مدة عامين مثلاً فهنا تكون التزامات المهندس الاستشاري غير محددة وقت إبرام العقد.
- عقد الاستشارات الهندسية عقد معاوضة:
أي يأخذ كل طرف مقابل لما يقدمه للطرف الآخر, فالمستفيد يحصل على المشورة الخاصة بمشروعه التي تمكنه من تحديد ما إذا كان سيقدم على تنفيذ هذا المشروع من عدمه وكافة البيانات اللازمة, والمهندس الاستشاري يحصل على الأجرة المتفق عليها، ومن ثم لا يجوز الاتفاق بين الطرفين على عدم اقتضاء الأجر صراحة أو ضمناً فإذا لم يحدد الطرفان الأجرة وجب اعتبارها بحسب العرف الجاري بين المهندسين الاستشاريين وفقاً (للمادة797) من القانون المدني الأردني.
- عقد الاستشارات الهندسية فوري التنفيذ:
أي أن ينفذ كلا الطرفين التزامه في الوقت المحدد دفعة واحدة, ولكن يجوز الاتفاق بين الطرفين على أن يقدم المهندس الاستشاري المشورة على دفعات فيكون العقد حينئذ مستمر التنفيذ.
- عقد الاستشارات الهندسية عقد غير مسمى:
أي لم يخصصه المشرع باسم محدد ولم يقم بتنظيم أحكامه وذلك نظراً لأنه من العقود المستحدثة التي ظهرت مع التطور في المجال العمراني .
ب) الخصائص المميزة لعقد الاستشارات الهندسية:
هذه الخصائص تجعل عقد الاستشارات الهندسية متميزاً عن غيره من العقود المدنية سواء عند إبرام العقد أو أثناء تنفيذه أو حتى بعد تمام التنفيذ وهذه الخصائص تتمثل فيما يلي:
- عقد الاستشارات الهندسية من عقود الاعتبار الشخصي:
أي أن المستفيد حينما يختار المهندس الاستشاري فإنه يعتمد على الصفات الشخصية للمهندس المتمثلة في كفاءته وخبرته وهو يمنح ثقته فيه بناء على ذلك فيذهب إليه على أمل أنه سيجد عنده أفضل الحلول المتعلقة بمشروعه.
ويترتب على كون عقد الاستشارات الهندسة من العقود الشخصية أنه في حالة وفاة المهندس الاستشاري أو فقده الأهلية قبل إتمام تنفيذ العقد فإن أثر هذا العقد لا ينتقل لخلفه العام, وفي حين كان الورثة يمارسون نفس النشاط ورغب المستفيد في استمرار التعاقد معهم فإنه يتعين عليه إبرام عقد جديد معهم ولا ينتقل عقد مورثهم إليهم.
أما في حالة وفاة المستفيد أو فقده الأهلية قبل إتمام العقد فإن أثر هذا العقد ينتقل إلى ورثته إلا إذا نص القانون أو كانت طبيعة العقد تقضي خلاف ذلك فلا ينتقل أثر العقد لورثته.
- عقد الاستشارات الهندسية عقد مهني:
فهو عقد يبرمه المستفيد مع صاحب مهنة حرة وهو المهندس الاستشاري, و يعتمد محل العقد على جانب كبير من الجهد الذهني الذي يحتاج إليه الاستشاري لتصميم المشروع والإشراف على تنفيذه ووضع دراسات الجدوى الاقتصادية والمدة المقررة لتنفيذ المشروع وغير ذلك من الأمور المهنية التي تعتمد على الاعتبار الشخصي للمهندس الاستشاري.
- عقد الاستشارات الهندسية ينشئ التزامات غير تقليدية:
رغم أن عقد الاستشارات الهندسية من عقود المعاوضات الملزمة للجانبين التي يحصل فيها المهندس الاستشاري على الأجرة ويلتزم بالتسليم إلا أن هناك بعض الالتزامات التي تتناسب مع طبيعة هذا العقد تجعلها التزامات غير تقليدية لا تتوافر في جميع العقود كالالتزام بالسرية وتقديم النصيحة اللازمة للمستفيد, وذلك لأن هذا العقد يعتمد على الجانب الشخصي للمهندس الاستشاري والأداء الذهني الذي يقدمه, والتزام المستفيد بالتعاون ليتمكن الاستشاري من تحقيق أهدافه التي يسعى إليها وإيجاد أفضل الحلول للمشاكل التي تواجه المشروع.
ثالثاً: تمييز عقد الاستشارات الهندسية عن غيره من العقود:
قد يتشابه عقد الاستشارات الهندسية مع غيره من العقود التي تعتمد على الأداء الذهني والأسرار المهنية ومن ضمن هذه العقود عقد الترخيص وعقد نقل التكنولوجيا وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أ)التمييز بين عقد الاستشارات الهندسية وعقد الترخيص:
عقد الترخيص هو: “عقد رضائي يمنح بمقتضاه الطرف الأول ويسمى المرخص إذناً للطرف الثاني ويسمى المرخص له بأن يستغل اختراعاً حاصلاً على براءة اختراع لمدة معينة لقاء مقابل مالي محدد”[4].
وقد ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن عقد الاستشارات الهندسية هو صورة من صور عقد الترخيص لتشابهه معه من عدة نواحي وهي كالتالي:
- كلاهما من عقود الاعتبار الشخصي التي تعتمد على الأداء الذهني فعقد الترخيص يعتمد على الأداء الذهني للمرخص, وعقد الاستشارات الهندسية يعتمد على الأداء الذهني للمهندس الاستشاري.
- كلاهما من عقود المعاوضة يحصل فيها كلاً من المرخص والمهندس الاستشاري على مقابل نقدي متفق عليه.
- كلاهما لا يتضمن تنازل عن ملكية ما يقدمه الشخص المهني للطرف الثاني فالمرخص لا يتنازل عن براءة اختراعه للمرخص له وإنما يعطيه حق استغلاله مدة محددة , وكذلك المهندس الاستشاري يستطيع منح نفس الاستشارة التي قدمها للمستفيد بعد انتهاء العقد لغيره من المستفيدين .
إلا أن جانب آخر من الفقه لم يقبل هذا التشابه ورد على هذه الادعاءات بقوله:
محل عقد الترخيص عبارة عن براءة اختراع تعتمد على النشاط الصناعي لذلك لا يتنازل المخترع عنها أما عقد الاستشارات الهندسية فمحله استشارة تعتمد على النشاط الذهني للمهندس الاستشاري وقد يتفق المستفيد مع المهندس الاستشاري صراحة على تملكه للاستشارة بعد دفعه الأجرة كاملة.
وأوجه التشابه التي ذكرت لا ترقى لجعل عقد الاستشارات الهندسية من صور عقد الترخيص.
ب ) التمييز بين عقد الاستشارات الهندسية وعقد نقل التكنولوجيا:
عقد نقل التكنولوجيا : هو عقد يبرم بين طرفين يتعهد أحدهما بنقل معلومات متعلقة بإنتاج السلع والخدمات إلى الطرف الآخر الذي يحتاج إليها في صيغة تتلاءم مع موضوعها.
ويرى جانب من الفقه أن عقد الاستشارات الهندسية هو صيغة من صيغ عقد نقل التكنولوجيا وذلك لتشابههما من عدة نواحي وهي:
- كلاهما يلتزم فيه الطرف المتخصص الذي لديه معلومات فنيه بنقلها للطرف الآخر الغير متخصص ويعتمدان فيه على الأداء الذهني.
- إن كان عقد الاستشارات الهندسية قائما على نقل معلومات فيكون هو و عقد نقل التكنولوجيا وجهان لعملة واحدة كأن يكون المشروع الذي يرغب المستفيد في الحصول على الاستشارة فيه هو مشروع صناعي
- كلاهما يرتب التزامات غير تقليدية كالالتزام بالسرية والتعاون.
ورغم أوجه التشابه بين هذين العقدين إلا أن كلاهما يتميز عن الآخر من عدة جوانب هي:
- يلتزم المهندس الاستشاري بتقديم المشورة اللازمة التي يحتاج إليها المستفيد والتي بناء عليها يقرر المستفيد المضي في المشروع أو العدول عنه ,أما في عقد نقل التكنولوجيا فإن الطرف المتخصص يلتزم بنقل معلومات متعلقة بإنتاج السلع والخدمات أو خلق سلع جديدة ومن ثم يكون مفهوم كلا منهما مختلفا عن الآخر.
- في عقد نقل التكنولوجيا يقوم المجهز بنقل المعلومات والتنازل عنها للمتلقي ولا يملك منحها لمتلقي آخر بعد إبرام العقد, أما في عقد الاستشارات الهندسية فقد يقوم المهندس الاستشاري بتقديم ذات الاستشارة بعد انتهاء العقد إلى مستفيدين آخرين .
رابعا: التكييف القانوني لعقد الاستشارات الهندسية:
اختلف الفقه القانوني في تحديد الطبيعة القانونية لعقد الاستشارات القانونية وذلك على أربعة أقوال :1- أنه عقد وكالة 2- أنه عقد عمل 3- أنه عقد بيع خدمات 4- أنه عقد مقاولة
وتفصيل هذه الأقوال على النحو التالي:
الرأي الأول: عقد الاستشارات الهندسية عقد وكالة:
عرفت المادة(833)من القانون المدني الأردني عقد الوكالة بأنه: عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخص آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم.
وقد ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن عقد الاستشارات الهندسية هو عقد وكالة استناداً إلى الحجج التالية:
- أن كلا العقدين يعتمدان على الاعتبار الشخصي فعقد الاستشارات الهندسية يعتمد على الاعتبار الشخصي للمهندس الاستشاري الذي بناء عليه يلجأ المستفيد للتعاقد معه لما رأى من كفاءته وخبرته في مجال عمله فتولدت لديه الثقة فيه, وكذلك عقد الوكالة يقوم على الاعتبار الشخصي للوكيل الذي يختاره الموكل للنيابة عنه في التصرفات القانونية, والوكيل أيضاً يعتمد على الاعتبار الشخصي للموكل .
- أن عقد الاستشارات الهندسية يعتمد على النشاط الذهني للمهندس الاستشاري لذلك فهو لا يهدف للربح كعقد الوكالة فهو في الأصل عقد تبرع.
- كلا العقدين يرتب التزاما بالتبصير فالمهندس الاستشاري يلتزم بتبصير المستفيد وتقديم الرأي الفني المتخصص الملائم للمشروع, وكذلك الوكيل يقوم بتبصير الموكل بكل ما يتعلق بالتصرف القانوني الذي ناب عنه فيه.
- كلا العقدين من العقود الغير لازمة فالموكل يملك عزل الوكيل قبل إتمام التصرف القانوني والوكيل أيضا يملك أن يتنازل عن الوكالة , وكذلك المستفيد يملك عزل المهندس الاستشاري وللأخير أن يتنازل عن الاستشارة قبل إتمام العقد.
إلا أن جانب آخر من الفقه انتقد اعتبار عقد الاستشارات الهندسية بأنه عقد وكالة ورد على الحجج السابقة بقوله:
- عقد الوكالة تغلب فيه صفة النيابة على الوكيل فهو يكون نائبا عن الموكل ويعمل باسمه و لحسابه, أما في عقد الاستشارات الهندسية فالمهندس الاستشاري يعمل باسمه هو ولحسابه هو وليس باسم ولحساب المستفيد.
- عقد الوكالة يرد على التصرفات القانونية أما عقد الاستشارات الهندسية فهو وإن كان يتميز بأنه عمل ذهني بيد أن محل هذا العقد هو عمل مادي.
- الوكيل يعمل لمصلحة الموكل أما المهندس الاستشاري و إن كان يقدم المشورة والرأي الفني إلا إنه يعمل لمصلحته هو ويسعى لتقديم مشورته على أكمل وجه ليكسب ثقة المزيد من المستفيدين ويتقاضى أجر .
- يرتب عقد الاستشارات الهندسية التزاما بالتعاون على عاتق المستفيد فيتعين عليه تقديم المعلومات اللازمة التي تمكن المهندس الاستشاري من تصميم المشروع وعمل دراسة جدوى اقتصادية وغير ذلك أما في عقد الوكالة فلا يبرز هذا الالتزام على هذا النحو.
ومما سبق يتضح بأن عقد الاستشارات القانونية لا يعتبر من قبيل عقد الوكالة .
الرأي الثاني: عقد الاستشارات الهندسية عقد عمل:
عرفت المادة(805/1)من القانون المدني الأردني عقد العمل بأنه:” عقد يلتزم أحد طرفيه بأن يقوم بعمل لمصلحة الآخر تحت إشرافه أو إدارته لقاء أجر”
وقد ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار عقد الاستشارات الهندسية من قبيل عقود العمل استنادا للحجج التالية:
- يخضع العامل في عقد العمل لإشراف رب العمل وإدارته, وكذلك المهندس الاستشاري يخضع لإشراف المستفيد وإدارته من الناحية التنظيمية والإدارية من حيث تحديد الظروف الخارجية التي يتم تنفيذ العمل فيها فالمستفيد يكون لديه فكرة يرغب في تنفيذها ويذهب للمهندس الاستشاري ليحصل على رأيه الفني في إطار هذه الفكرة , وهذه التبعية الإدارية يكفي لتحققها قدرة المستفيد على الإشراف وإن لم يمارسها بصورة فعلية فهي تختلف بحسب كفاءة وخبرة المهندس الاستشاري والثقة فيه وحجم المشروع ونوع العمل حتى أنه في بعض الأحيان تكاد تكون هذه التبعية معدومة.
- تكييف عقد الاستشارات الهندسية على أنه عقد عمل يجعل المهندس الاستشاري متمتعا بالضمانات التي يتمتع بها العامل في عقد العمل كوجوب الحصول على أجرة , ويكون المهندس الاستشاري ملتزما ببذل العناية فيما يقدمه من استشارة لا ملتزما بتحقيق النتيجة, وعدم مسؤوليته عن العيوب الخفية التي تظهر أثناء تنفيذ مشورته, و يكون المستفيد هو من يتحمل تبعة الأخطاء التي تصدر من المهندس الاستشاري إن كانت الاستشارة لا تعطي حلولا كافية للمشاكل التي تواجه المشروع.
- كلاهما يعتمد على الاعتبار الشخصي فرب العمل يعتمد على الاعتبار الشخصي للعامل ومدى كفاءته في أداء العمل وكذلك المستفيد يعتمد على كفاءة المهندس الاستشاري.
- كلاهما يقوم على التعاقد مع شخص يمارس مهنة متخصصة وإن كان المهندس الاستشاري يعتمد على الأداء الذهني فهو لا يقل أهمية عن العمل المادي ويعتبر عقد الاستشارات الهندسية صورة مستحدثة لعقد العمل, فمفهوم عقد العمل اتسع ليشمل الأعمال الذهنية.
إلا أن هذه الحجج تعرضت لانتقادات شديدة متمثلة في الآتي:
- أن المهندس الاستشاري يمارس عمله مستقلا عن المستفيد ولا يكون تابعا له بل إن المستفيد هو الذي يحتاج لتوجيه وإشراف المهندس الاستشاري فيما يتعلق بتشييد وبناء مشروعه وليس العكس.
- تطبيق أحكام عقد العمل على أعمال المهندس الاستشاري تؤدي إلى نتائج غير ملاءمة مع طبيعة عقد الاستشارات الهندسية والمهندس الاستشاري لا يتمتع بذات الحماية التي يتمتع بها العامل كتحديد ساعات العمل والعطلات ,كما أن أحكام كل عقد مختلفة عن الآخر فيما يتعلق بانتهاء العمل فعقد العمل لا ينتهي بموت رب العمل وإنما بموت العامل.
- القول بأن عقد الاستشارات الهندسية وإن كان يقوم على الأداء الذهني إلا أنه يعتبر صورة مستحدثة لعقد العمل الذي اتسع مفهومه ليشمل الأداء الذهني والتصرف المادي يجعل من عقد الاستشارات الهندسية عقد مقاولة رغم أن هذا الرأي اعترض على اعتبار عقد الاستشارات الهندسية من قبيل عقود المقاولة.
الرأي الثالث: عقد الاستشارات الهندسية عقد بيع خدمات:
نجد هذا الرأي بوضوح في القرارات القضائية الفرنسية والبلجيكية, حيث يرى هذا الاتجاه أن المهندس الاستشاري حينما يقدم المشورة الفنية المتخصصة والتي يكون لها قيمة اقتصادية للمستفيد مقابل الحصول على أجرة فهو بذلك ينقل ملكية هذه المعلومات الفنية التي تمثل خدمة إلى الغير بمقابل ومن ثم يكون بيع لخدمة استنادا إلى المادة (60) من اتفاقية روما التي تعتبر “من الخدمات الأداءات المقدمة مقابل أجر والناتجة غالبا من أنشطة ذات طبيعة صناعية أو فنية أو تجارية أو من أنشطة المهن الحرة”
إلا أن القانون الأردني لا يعرف بيع الخدمات وإن كان البعض يرى أن بيع الخدمة يجد مجاله في الاتفاق المبرم بين البنك والعميل لتقديم استشارات ومعلومات, وقد نصت المادة(465) من القانون المدني الأردني على أن عقد البيع هو:” تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض”. لذلك تم انتقاد هذا الرأي بالحجج التالية:
- أن البيع يرد على الأشياء المادية التي تنتقل ملكيتها من البائع إلى المشتري مقابل ثمن نقدي والقول بأن البيع يرد على الخدمات كما يرد على الأشياء المادية فهو غير سليم لأن الخدمة تخضع لتنظيمات أخرى بخلاف عقد البيع كعقد العمل مثلا.
- أن عقد البيع يعني انتقال ملكية الشيء المبيع من البائع إلى المشتري وفي عقد الاستشارات الهندسية لا تنتقل فيه ملكية الاستشارة إلى المستفيد.
- الالتزامات المترتبة على عقد الاستشارات الهندسية تختلف عن تلك المترتبة على عقد البيع كالتزام المهندس الاستشاري بالسرية والتزام المستفيد بالتعاون.
- كذلك النتائج المترتبة على إخلال البائع بتنفيذ التزاماته في عقد البيع تختلف عن تلك المترتبة على إخلال المهندس الاستشاري بتنفيذ التزامه التي تعتمد على الاعتبار الشخصي فلا يملك المستفيد سوى إنهاء الرابطة التعاقدية والمطالبة بالتعويض أما في عقد البيع فتوجد قواعد التنفيذ الجبري التي يستطيع المشتري اللجوء إليها لإجبار البائع على تنفيذ التزامه.
- لا يلزم أن تكون الاستشارة ذات قيمة اقتصادية فهي تختلف باختلاف نوع المشروع وطبيعة العمل.
الرأي الرابع: عقد الاستشارات الهندسية عقد مقاولة:
نصت المادة (780) من القانون المدني الأردني على أن عقد المقاولة هو:” عقد يتعهد أحد طرفين بمقتضاه أن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء بدل يتعهد به الطرف الأخير”.
وقد ذهب أغلب الفقه القانوني إلى القول بأن عقد الاستشارات الهندسية هو عقد مقاولة استنادا إلى الحجج التالية:
- كلا العقدين يرد على العمل المادي دون العمل القانوني فالمقاول يلتزم بالقيام بعمل ما وكذلك المهندس الاستشاري يلتزم بتقديم المشورة الفنية التي يعتمد فيها على مهنته من حيث وضع التصاميم وغيرها باسمه الشخصي فهو إذا يقوم بعمل مادي كالمقاول .
- أهم ما يميز عقد العمل عن عقد المقاولة هو عنصر التبعية فالعامل يكون تابعا لرب العمل وخاضعا لإشرافه وإدارته أما المقاول فلا يكون تابعا لرب العمل ولا يخضع لإشرافه وإدارته, وكذلك المهندس الاستشاري لا يكون تابعا للمستفيد ولا يخضع لإشرافه وإدارته ومن ثم يكون عقد الاستشارات الهندسية شأنه شأن عقد المقاولة.
- كلا العقدين يترتب عليه التزام أحد الطرفين بتبصرة الطرف الآخر وإبداء النصح فالمهندس الاستشاري يلتزم بتبصرة المستفيد وكذلك المقاول يلتزم بتبصرة رب العمل في بعض صور المقاولة.
وقد انُتقد هذا الرأي من قبل بعض الفقهاء ورفض اعتبار عقد الاستشارات الهندسية عقد مقاولة استنادا للحجج التالية:
- يعتبر المقاول مضارب مكتسبا صفة التاجر إذا كان محل المقاولة عملا تجاريا وهو يسعى لتحقيق الربح في المقام الأول, بخلاف المهندس الاستشاري يمارس مهنة حرة يعتمد فيها على الأداء الذهني لذلك لا يوصف بالتاجر ولا يسعى في المقاوم الأول لتحقيق الربح.
- القول بأن كلا العقدين يرد على التصرفات المادية دون القانونية غير صحيح, فإن كان عمل المقاول يرد فعلا على التصرفات المادية إلا إن عمل المهندس الاستشاري يعتمد على أدائه الذهني ومن ثم لا يوصف بالعمل المادي.
- بما أن عقد الاستشارات الهندسية يعتمد على الأداء الذهني للمهندس الاستشاري لذلك يعتبر عمل مدني, بخلاف عقد المقاولة فقد يكون مدنيا وقد يكون تجاريا.
- اختلاف أحكام عقد المقاولة عن عقد الاستشارات الهندسية فيما يتعلق بانتهاء العقد, فالمقاولة تنتهي بموت المقاول ولا ينتهي عقد الاستشارات الهندسية بموت المستفيد.
- عقد المقاولة ملزم للجانبين فلا يجوز لأحد طرفيه إنهاء العقد بإرادته المنفردة, أما عقد الاستشارات الهندسية فهو غير ملزم للجانبين فيستطيع المستفيد عزل المهندس الاستشاري ويستطيع المهندس الاستشاري أن يتنحى عن العقد قبل تمام التنفيذ.
- التزام المقاول هو التزام بتحقيق نتيجة وليس بذل عناية فهو ملزم بإتمام عمل معين, أما المهندس الاستشاري فهو ملزم ببذل عناية وليس تحقيق نتيجة فهو يبذل جهده ليقدم أفضل الحلول التي يراها ملاءمة لحل المشاكل التي تواجه المشروع حتى وإن لم يترتب على هذا الحل علاج المشكلة كليا.
- يقوم عقد الاستشارات الهندسية على الاعتبار الشخصي للمهندس الاستشاري ومدى كفاءته وخبرته, بخلاف عقد المقاولة فشخص المقاول ليس محل اعتبار فقد يكلف المقاول غيره للقيام بالعمل.
ويمكن الرد على هذه الانتقادات في النقاط التالية:
- اعتبار الأداء الذهني من قبيل التصرف القانوني دون العمل المادي لا يستند على أي سند قانوني.
- ينشئ عقد الاستشارات الهندسية التزاما على عاتق المستفيد بالتعاون مع المهندس الاستشاري وتقديم ما يلزم ليتمكن المهندس الاستشاري من إبداء الرأي الفني المتخصص , وهذا الالتزام لا يرقى إلى جعل المهندس الاستشاري خاضع لإشراف وإدارة المستفيد بل هو مستقل في أداء مهنته.
- القول بأن كلا الطرفين في عقد الاستشارات الهندسية يستطيع إنهاء العقد بإرادته المنفردة غير صحيح فالمستفيد يستطيع وحده إنهاء العقد بإرادته المنفردة ويكون ملزما بالتعويض في حين لا يستطيع المهندس الاستشاري إنهاء العقد بإرادته المنفردة وهو ما استقر عليه الفقه القانوني.
- القول بأن عقد الاستشارات الهندسية يعتمد على الأداء الذهني ومن ثم يكون عملا مدنيا وغير مشابه لعقد المقاولة غير صحيح لأن عقد المقاولة قد يكون مدنيا وحينئذ يشبه عقد الاستشارات الهندسية وقد يكون تجاريا فهو يحتمل الوجهين.
- القول بأن التزام المهندس الاستشاري هو التزام ببذل عناية دون تحقيق نتيجة غير صحيح لأن المهندس الاستشاري ملتزم أيضا بتحقيق نتيجة هي تقديم المشورة وإنشاء التصاميم وتسليمها للمستفيد, وهو يشبه التزام المقابل حينئذ فالمقاول ملتزم أيضا بإتمام العمل وتسليمه لرب العمل.
- القول بأن عقد الاستشارات الهندسية قائم على الاعتبار الشخصي للمهندس الاستشاري بخلاف عقد المقاولة الذي لا يكون فيه شخص المقاول محل اعتبار غير صحيح فالمقاول قد يكون أيضا محل اعتبار لدى رب العمل حينما يتفق رب العمل مع المقاول على قيام المقاول بنفسه ببناء المشروع ومن ثم يكون شخص المقاول محل اعتبار ولا يستطيع اسناد العمل لغيره.
وبعد عرض الأربعة أراء السابقة يتضح أن عقد الاستشارات الهندسية وإن كان يقترب من عقد المقاولة إلا أنه عقد ذو طبيعة خاصة يستلزم تنظيمه بأحكام تتلاءم مع طبيعته التي تعتمد على الأداء الذهني وكونه ينشئ التزامات غير تقليدية.
خامسا: الآثار المترتبة على عقد الاستشارات الهندسية:
يترتب على عقد الاستشارات الهندسية التزامات متبادلة تقع على عاتق طرفيه, فهناك التزامات تنشئ على عاتق المهندس الاستشاري وأخرى تنشئ على عاتق المستفيد ونوضح هذه الالتزامات في النقاط التالية:
أ)التزامات المهندس الاستشاري:
يترتب على عقد الاستشارات الهندسية ثلاثة التزامات غير تقليدية تقع على عاتق المهندس الاستشاري تتمثل فيما يلي:
الالتزام الأول :الالتزام بتقديم الاستشارات الهندسية:
يعتبر التزام المهندس الاستشاري بتقديم الاستشارة الهندسية هو جوهر عقد الاستشارات الهندسية وغايته, فالمستفيد لم يقدم على هذا العقد إلا ليحصل على الاستشارة الفنية. وهذا الالتزام التزام أصلي يتعين على المهندس الاستشاري تقديم استشارته في الزمن المتفق عليه وطبقا لما هو مقرر في بنود العقد فإن لم يوجد اتفاق على ذلك فحسب ما يقضي به عرف المهنة وطبيعة العمل, فإذا لم يلتزم المهندس الاستشاري بهذا الالتزام يحق للمستفيد فسخ العقد.
وتقديم الاستشارة الهندسية يمر بمراحل ثلاث وفقا لما يراه الفقه القانوني تتمثل فيما يلي:
- مرحلة جمع البيانات والمعلومات اللازمة حول المشروع كالاطلاع على موقع المشروع , وفي حالة ما إذا احتاج لأدوات أو أشخاص يعاونونه فعليه أن يأتي بهم على نفقته الخاصة قياسا على عمل المقاول.
- بذل الجهد لإيجاد أنسب الحلول التي تحقق مصلحة المستفيد.
- تقديم الاستشارة الهندسية التي تكون أساسا يعتمد عليها المستفيد أثناء التنفيذ.
الالتزام الثاني :الالتزام بالتبصير:
لما كان المهندس الاستشاري هو الطرف المهني المتخصص في عقد الاستشارات الهندسية فإنه يلتزم بتبصير الطرف الغير متخصص(المستفيد ) بجميع المعلومات والبيانات المهنية بحكم خبرته العلمية والعملية ليكون المستفيد على بينة من أمره, وهو التزام عام فرضه القضاء على المهني بحكم خبرته , ويجب أن تكون هذه المعلومات دقيقة وشاملة ومواكبة لأحدث التغييرات.
والالتزام بالتبصير يحوي على التزامين:
التزام بالإعلام: أي أن يُعلم المستفيد بكافة المعلومات والبيانات المتعلقة بالمشروع والمخاطر التي قد تطرأ أثناء تنفيذه, ومن ثم يستطيع تقرير ما إذا كان سيمضي في هذا المشروع أو أن يحيد عنه.
التزام بالنصيحة: أي أن يقدم النصيحة للمستفيد بصدق وأمانة وإحاطته بالمخاطر المترتبة على التنفيذ كأن تكون الأرض غير صالحة للبناء عليها, كما يتعين على المهندس الاستشاري مراعاة النصوص القانونية واللائحية المتعلقة بالتنظيم العمراني كارتفاعات الأبنية واحترام حقوق الغير عند تحرير رخصة البناء فلا يبني على أرض الغير وهذا يعني أن التزام المهندس الاستشاري لا تقتصر فقط على النصيحة التشييدية وإنما تشمل أيضا الجانب القانوني وإن كان هناك رأي يرى اقتصار نصح المهندس الاستشاري على أمور التشييد فحسب لأنه رجل تشييد ولا يلتزم من الناحية القانونية إلا في حدود تحرير طلب ترخيص البناء.
الالتزام الثالث: الالتزام بالسرية:
لما كانت الاستشارة التي يقدمها المهندس الاستشاري تحوي على معلومات فنية دقيقة متعلقة بالمشروع و يستلزم فيها السرية وعدم اطلاع الغير عليها لكي لا يتعرض المستفيد لأضرار مادية ومعنوية لذلك كان عقد الاستشارات الهندسية قائما على الاعتبار الشخصي فالمستفيد يختار من يثق فيه ليحافظ على سرية الأمور المتعلقة بمشروعه لذلك يتعين على المهندس الاستشاري أن يكون أهلا لهذه الثقة ويلتزم بعدم إفشاء أسرار المشروع للغير.
ولكن هل تعتبر جميع البيانات المتعلقة بالمشروع سرية أم أن السرية تقتصر على بيانات بعينها؟ هناك اتجاهان في الفقه بشأن هذا الموضوع ونوضحهم فيما يلي:
الاتجاه الأول: يرى أن تحديد البيانات التي تعتبر سرية متوقفة على اتفاق الطرفان في العقد صراحة عليها بموجب شرط صحيح سواء كان الإفشاء عنها يضر بالمستفيد أم لا .
الاتجاه الثاني: يرى أن تحديد البيانات التي تعتبر سرية ترجع إلى طبيعة هذه البيانات ولا تتوقف على ما اشترطه الطرفان في العقد فحسب, فما كان سريا بطبعه يتعين الالتزام بسريته حتى لو لم يشترط المتعاقدان صراحة على سريته كمخططات وتصاميم المطارات العسكرية.
والالتزام بالسرية ليس التزام مؤقت ينتهي بانتهاء العقد وإنما هو التزام أبدي يمتد حتى بعد انتهاء العقد .
وبعد أن وضحنا الالتزامات الثلاث التي تقع على عاتق المهندس الاستشاري فإننا نوضخ نطاق هذا الالتزام على النحو التالي:
نطاق التزام المهندس الاستشاري:
قد ثار خلاف في الفقه القانوني حول نطاق التزام المهندس الاستشاري هل هو التزام بتحقيق نتيجة أم التزام ببذل عناية وترتب على هذا الخلاف رأيان:
الرأي الأول: يرى أن التزام المهندس الاستشاري هو التزام بتحقيق نتيجة, فهو ملتزم بتقديم الاستشارة التي يحتاج إليها المستفيد والتي لم يلجأ إلى المهندس الاستشاري إلا ليحصل عليها معلقا جل آمله في كفاءته وخبرته والتي بمقتضاها نال ثقته ومن ثم اعتمد عليه في تصميم مشروعه وإيجاد الحلول الملاءمة للمشاكل التي قد تظهر أثناء التنفيذ, وبناء عليه تنشأ التزامات غير تقليدية على عاتق المهندس الاستشاري تجعله ملتزما بتحقيق النتيجة المرجوة منه وإلا تحمل تبعة خطأ عدم تحقق النتيجة.
الرأي الثاني: يرى أن التزام المهندس الاستشاري هو التزام ببذل عناية, فهو ملتزم ببذل الجهد اللازم لإيجاد الحلول المناسبة التي تواجه المشروع وعمل دراسة جدوى اقتصادية ليستطيع المستفيد تنفيذ مشروعه وتحقيق النتائج الاقتصادية المرجوة منه في الوقت المحدد، وهو بذلك ملتزم ببذل عناية الرجل العادي في مثل تخصصه كالتزام أصحاب المهن الحرة مثل الطبيب والمحامي فهم ملتزمون ببذل عناية دون تحقيق نتيجة, والقول بغير ذلك يجعل المهندس الاستشاري يحجم عن تقديم الاستشارة إن رأى أنه ملزم بتحقق نتيجة مشورته وأنه سيتحمل تبعة عدم تحققها, كما أن الالتزامات الغير تقليدية الناشئة عن عقد الاستشارات القانونية تجعل من هذا الالتزام التزام ببذل عناية وليس التزام بتحقيق نتيجة.
والرأي الثاني هو الأقرب للصواب.
ب)التزامات المستفيد:
يترتب على عقد الاستشارات الهندسية التزامان على عاتق المستفيد هما: الالتزام بدفع الأجرة, والالتزام بالتعاون وسوف نبينهما على النحو التالي:
الالتزام الأول: الالتزام بدفع الأجرة:
عقد الاستشارات الهندسية من عقود المعاوضة التي يأخذ كل طرف مقابل لما يعطي لذلك حينما يلتزم المهندس الاستشاري بتقديم مشورته فإنه يأخذ مقابل لهذه المشورة متمثلة في الأجر الذي يقدمه المستفيد, ويخضع هذا الأجر للقواعد العامة في القانون المدني فيجب أن يكون موجودا ومعينا أو قابل للتعيين ومشروع.
ويتحدد هذا الأجر بالاتفاق بين المتعاقدين فقد يتفقان على تحديد الأجر بناء على عدد ساعات العمل أو نسبة مئوية ثابتة أو مبلغ إجمالي ثابت, وقد يدفع دفعة واحدة أو على أقساط .
فإذا لم يتفق الطرفان على تحديد الأجر وجب الرجوع للعرف الجاري في تلك المهنة، وإذا لم يقم المستفيد بدفع الأجر فإنه يكون مخلا لالتزامه ويستطيع المهندس الاستشاري أن يجبره على الوفاء إما بالحجز على أمواله أو بفسخ العقد وطلب التعويض طبقا للقواعد العامة.
وقد ثار خلاف في الفقه حول حق المهندس الاستشاري في أخذ الأجرة في حالة فسخ المستفيد العقد قبل تمامه أي في مرحلة الدراسة الأولية التي يقوم بها المهندس الاستشاري بعد إبرام العقد وقبل تمام التسليم:
فذهب رأي إلى عدم استحقاق المهندس الاستشاري أجر عن الدراسة الأولية التي يقوم بها طالما أن المستفيد استعمل حقه في فسخ العقد بإرادته المنفردة قياسا على عدم استحقاق المحامي لأتعابه إن قام الموكل بإنهاء علاقته بالمحامي قبل تمام القيام بعمله.
بينما يرى الرأي الثاني وهو الأصوب بضرورة استحقاق المهندس الاستشاري لتعويض مقابل ما قام به من عمل وما كان يستطيع كسبه لو أنه أتم العمل، ولم يعالج المشرع الأردني مثل هذه المسألة رغم أهميتها.
الالتزام الثاني: الالتزام بالتعاون:
الالتزام بالتعاون من الالتزامات الغير تقليدية الناشئة عن عقد الاستشارات الهندسية وهو التزام ببذل عناية وإن ذهب جانب من الفقه إلى اعتباره التزام بتحقيق نتيجة .
والالتزام بالتعاون يحتوي على عدة صور تبعا لمراحل العقد تتمثل فيما يلي:
التزام بالإعلام: وهو ينشأ في مرحلة إبرام العقد فيتعين على المستفيد تقديم المعلومات اللازمة التي يحتاج إليها المهندس الاستشاري وإعلامه بالأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من وراء هذا المشروع ليستطيع الاستشاري تقديم الاستشارة التي تحقق هذه الأهداف وتقديم المستندات اللازمة.
التزام بالمساهمة: وهو ينشأ في مرحلة التنفيذ فيتعين على المستفيد تقديم المعدات اللازمة وتبادل الآراء لتقريب وجهات النظر ليستطيع الاستشاري تقديم استشارة تتلاءم مع أهداف المستفيد وإيجاد أفضل الحلول للمشاكل التي تعترض التنفيذ.
التزام بالسرية: وينشأ بعد التنفيذ فيتعين على المستفيد الحفاظ على سرية المعلومات المتفق عليها .
سادسا: المسؤولية المدنية للمهندس الاستشاري الناشئة عن الإخلال بعقد الاستشارات الهندسية:
المسؤولية المدنية قد تكون مسؤولية عقدية وقد تكون مسؤولية تقصيرية وسوف نتناول بيانهما على النحو التالي:
أ)المسؤولية العقدية للمهندس الاستشاري:
هي المسؤولية الناشئة عن إخلال المهندس الاستشاري لالتزاماته الناشئة عن العقد الصحيح مما ترتب عليه إلحاق الضرر بالمستفيد, ولكي تقوم هذه المسؤولية يتعين توفر أركانها الثلاثة المتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر ونوضح أولا هذه الأركان ثم نوضح ثانيا الآثار المترتبة على هذه المسؤولية فيما يلي:
1- أركان المسؤولية العقدية:
الخطأ العقدي للمهندس الاستشاري:
يقصد بالخطأ العقدي اخلال المهندس الاستشاري بتنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد اخلالا جسيما سواء أكان عمدا أو اهمالا أو تقصيرا مما يترتب عليه إلحاق ضرر بالمستفيد
ومثال الخطأ العقدي أن يخطئ المهندس الاستشاري في حسابات التصاميم مما يلحق بالمشروع ضرر جسيم , ويجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب المباشر في إحداث الضرر سواء بسبب فعل الاستشاري نفسه أو تابعه إن كان قد اشترك معه في تقديم الاستشارة أما إن كان هذا الخطأ بسبب أجنبي كخطأ الغير أو خطأ المستفيد فلا تقوم المسؤولية العقدية في حق المهندس الاستشاري.
الضرر:
هو الضرر المادي المباشر الناتج عن خطأ المهندس الاستشاري , فالضرر قد يكون ماديا وقد يكون معنويا والمشرع الأردني اعتد بالضرر المادي فقط في المسؤولية العقدية بخلاف المسؤولية التقصيرية فقد اعتد بكلا النوعين, والضرر المادي هو الذي يصيب شخص المستفيد أو ذمته المالية , وينبغي أن يكون هذا الضرر مباشر فإن كان غير مباشر فلا تقوم المسؤولية العقدية للمهندس الاستشاري , كما يجب أن يكون هذا الضرر المباشر متوقعا إلا إذا ارتكب الاستشاري غشا أو خطئا جسيما فحينئذ يسأل عن الضرر المباشر سواء أكان متوقعا أو غير متوقع , كما يجب أيضا أن يكون هذا الضرر محقق أي مؤكد الحدوث سواء حالا أو مستقبلا أما الضرر الاحتمالي فلا يترتب عليه قيام المسؤولية العقدية.
علاقة السببية بين الخطأ والضرر:
لكي تقوم المسؤولية العقدية لدى المهندس الاستشاري يجب توافر علاقة سببية بين خطأ الاستشاري والضرر الذي أصاب المستفيد فيجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب المباشر في إلحاق الضرر بالمستفيد , أما إن كان سبب الضرر الذي لحق المستفيد سبب أجنبي كقوة قاهرة أو حادث فجائي أو خطأ المستفيد نفسه أو الغير فحينئذ تنقطع رابطة السببية ولا تقوم المسؤولية العقدية للمهندس الاستشاري.
2- آثار المسؤولية العقدية للمهندس الاستشاري:
إذا قامت المسؤولية العقدية قبل المهندس الاستشاري فيكون من حق المستفيد فسخ العقد أو طلب التعويض على النحو التالي:
فسخ عقد الاستشارة الهندسية:
قد يكون هذا الفسخ اتفاقيا وقد يكون قضائيا, فالفسخ الاتفاقي هو الذي يتفق فيه المتعاقدان على أن العقد يفسخ من تلقاء نفسه إن أخل أحدهما بتنفيذ التزاماته وقد نصت المادة(254) من القانون المدني الأردني على أن:” يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء للالتزام الناشئ عنه وهذا الاتفاق لا يعفي من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه”, والاتفاق على فسخ العقد يستلزم إعذار المدين قبل الفسخ إلا إذا اتفق الطرفان أيضا على أنه يعتبر مفسوخا دون حاجة إلى إعذار مسبق.
أما الفسخ القضائي فيستلزم توفر ثلاثة شروط: إعذار المهندس الاستشاري, وإقامة دعوى قضائية بالفسخ, وصدور حكم بالفسخ .
والقاضي يملك سلطة تقديرية في منح المدين أجلا للوفاء بالتزامه ويؤجل الحكم بالفسخ وقد يقضي بالتعويض دون فسخ العقد.
ويترتب على فسخ العقد سواء اتفاقا أو قضاء اعتبار العقد كأن لم يكن بأثر رجعي وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد فإن تعذر ذلك يكتفى بالتعويض.
التعويض:
كما أن للمستفيد أن يطلب فسخ العقد فله أيضا طلب التعويض, فقد يتفق الطرفان على مقدار محدد للتعويض من خلال شرط اتفاقي في العقد فإذا لم يتفقا على تحديد التعويض تعين على المحكمة تقدير التعويض بما يتلاءم مع الضرر الواقع على المستفيد, ويجب إعذار الاستشاري قبل المطالبة بالتعويض بإنذاره أو بأي طلب كتابي أو الاتفاق على أن الإعذار يكون متحققا بحلول أجل التنفيذ دون حاجة إلى إنذار.
ب)المسؤولية التقصيرية للمهندس الاستشاري:
المسؤولية التقصيرية تنشئ عن كل فعل ألحق ضرر بالغير وسوف نبين أولا أركان هذه المسؤولية ثم نبين ثانيا الآثار المترتبة على هذه المسؤولية على النحو التالي:
1- أركان المسؤولية التقصيرية:
المسؤولية التقصيرية هي كل فعل ألحق ضرر بالغير فيلزم صاحبه بالتعويض. وتخضع المسؤولية التقصيرية للمهندس الاستشاري للقواعد العامة للمسؤولية التقصيرية في القانون المدني فينبغي توافر ثلاثة أركان هي:
الخطأ التقصيري :سواء من شخص المهندس الاستشاري أو من أتباعه الذين تربطهم به علاقة تبعية كممثل المهندس الاستشاري المكلف بمراقبة سير العمل والإشراف عليه ووقع الخطأ أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها, ويقصد بالخطأ كل انحراف عن السلوك المألوف للمهنة أو الخروج عن النتيجة المرجوة, حيث لم يتم اتخاذ الحيطة والعناية اللازمة بشأن العامة , وإن تعدد المسؤولون عن الخطأ كانوا جميعا متضامنين بتعويض الضرر المترتب على أخطائهم.
الضرر: سواء أكان ضررا ماديا أو معنويا ,فالمشرع الأردني اعتد بكلا الضررين في المسؤولية التقصيرية بخلاف المسؤولية العقدية التي اعتد فيها بالضرر المادي فقط, ويجب أن يكون مباشرا ومحققا واعتدى على مصلحة مشروعة للمستفيد أو الغير, ومثال الضرر تهدم البناء وتضرر أحد المارة
علاقة السببية بين الخطأ والضرر: بأن يكون هذا الخطأ هو السبب المباشر في إلحاق الضرر فإن انتفت علاقة السببية فلا تقوم حينئذ المسؤولية التقصيرية.
2- آثار المسؤولية التقصيرية للمهندس الاستشاري:
يلتزم المهندس الاستشاري بالتعويض سواء كان الضرر بسبب التصميم أو الانشاء ويشمل التعويض عن الضرر الواقع والكسب الفائت, ويجب أن يكون العيب جسيما وخفيا ولا تسمع دعوى الضمان بعد سنة من اكتشاف العيب أو تهدم البناء.
كتابة : أبرار السيد
[1] )سورة النحل, الآية43.
([2] منصور محمد حسين, المسؤولية المعمارية, منشأة المعارف, الإسكندرية, مصر,ط1,سنة2013,ص33.
[3]) المؤتمر الثاني للفيديك المنعقد في مدينة بيرن عام1914,متواجد على موقع:http://www.eea.org.eg/mzawala/z19.htm
([4] الجبوري, علاء عزيز, عقد الترخيص, رسالة ماجستير منشورة,ط1,عمان, دار الثقافة, سنة2000,ص10-11.

