الأشياء والأموال في القانون المدني

الأشياء والأموال في القانون المدني

تنقسم الأموال والأشياء إلى أقسام عدة، سواء من حيث طبيعتها، أو قابليتها للاستهلاك من عدمه، وما لا شك فيه أن تمييز الأشياء عن بعضها البعض له فوائد، أهمها تحديد العقود التي يمكن إبرامها على الشيء محل التعاقد، والعقود التي يستحيل إبرامها على الشيء محل التعاقد.

أولاً: تعريف الأموال وأقسامها

ثانياً: تعريف الأشياء وأقسامها

ثالثاً: تقسيم الأشياء إلى قابلة للاستهلاك وغير قابلة للاستهلاك

رابعاً: الفرق بين الشيء المثلي والشيء القيمي

خامساً: الخاتمة

أولاً: تعريف الأموال وأقسامها

1- تعريف الأموال

المال وفقاً لتعريفه في (المادة 53) من القانون المدني الأردني على أنه (المال هو كل عين أو حق له قيمة مادية في التعامل).

وفي الفقه القانوني يعرف المال بأنه هو الحق ذو القيمة المالية أياً كان ذلك الحق سواء عينياً أو شخصياً أو حقاً من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية او الصناعية[1].

وفي بعض الأحيان قد يحدث خلطاً بين المال والشيء، وهو ما حدث مع المشرع الفرنسي الذي جعل لكل منهما نفس المعنى، وقد تم انتقاد هذا الاتجاه لما به من خلط بين مفهومين مختلفين في معنى واحد، حيث جعل الحق نفسه والشيء محل الحق  شيئا واحداً، لذلك فقد تم إخراج الشيء محل الحق من مفهوم المال، وبقى المال يرد على الحقوق المالية المترتبة للشخص على شيء ما، ويظهر الفارق بين المال والشيء بشكل واضح في ان المال هو الحق الذي له قيمة مالية يمكن تقديرها بالنقود، وسواء كان هذا الحق عينيا، أو شخصيا أو معنويا، أما الشيء فهو كما أسلفنا محل هذا الحق نفسه.

2- أقسام المال

لما كانت الأموال هي الحقوق التي ترد على الأشياء المادية، فيمكننا تمييز المال عن الشيء من خلال تقسيم الأموال إلى حقوق عينية وحقوق شخصية.

وكمعيار للتفرقة بين الحق العيني والحق الشخصي يمكن تعريف الحق العيني بأنه سلطة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين وبها يكون للشخص الحق في استخلاص ما للشيء من فوائد اقتصادية لنفسه[2].

أما الحق الشخصي فهو الرابطة القانونية بين طرفين يخول بموجبها للدائن مطالبة المدين بتنفيذ التزامه، ورغم وجود محاولات كثيرة للخلط بين الحق العيني والحق الشخصي، إلا أن التمييز بينهما لازال قائما وهو الأجدر بالإتباع، فصاحب الحق العيني لا يحتاج إلى وساطة للوصول إلى حقه، باعتبار أن حقه العيني ملتصقا به وعلاقته به مباشرة، وعلى خلاف ذلك فصاحب الحق الشخصي الذي لا يصل إلى حقه إلا عبر المدين، وليس بينه وبين الشيء سلطة مباشرة، وهو ما يجعله مضطراً للجوء إلى للمدين ليتمكن من الوصول لحقه الشخصي، ومن الأمثلة على ذلك صاحب حق الانتفاع والمستأجر صاحب الحق الشخصي، فصاحب حق الانتفاع يستطيع وبسهولة وبشكل منفرد أن يباشر سلطته على المنتفع به بلا حاجة إلى من يتوسط له في ذلك، على النقيض من ذلك نجد أن المستأجر لابد له من اللجوء إلى المؤجر ليتيح له استعمال المأجور، وبالتالي فلا يصل لذلك إلا عبر وساطة المؤجر.

كما أن الحق العيني لا بد فيه من مدين خلافاً للحق العيني الذي لا يكون فيه مدين، فالمهم في الحق العيني أن يكون منصباً على ما هو معين ومحدد بالذات من الأشياء أو مترتباً عليها، وهو ما لا يستلزم توافره في الحق الشخصي، والحقوق العينية والحقوق الشخصية إما أن ترد على عقار، أو على منقول، كما قد تكون أصلية أو تبعية.

ثانياً: تعريف الأشياء وأقسامها

1- تعريف الأشياء

عرفت (المادة 54) من القانون المدني الأردني الأشياء بأنها (كل شيء يمكن حيازته مادياً او معنوياً والانتفاع به انتفاعاً مشروعاً ولا يخرج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلاً للحقوق المالية)، كما يعرف في الفقه القانوني الشيء بأنه محل الحق سواء كان ماديا أو معنويا، والذي لم ينشأ عن علاقة دائنيه[3].
وبهذا التعريف يمكننا التفرقة بين الأشياء والأموال، فالشيء لا يعدو أن يكون محلا للحقوق المالية، ويشترط في الشيء حتى يمكن اعتباره محلا للحقوق المالية عدة شروط أهمها أن يكون الشيء مما يجوز التعامل عليه، فلا يجوز أن يكون الشيء خارجا عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون، والمقصود بالتعامل هنا صلاحية الشيء أن يكون ملكا لأحد الأفراد ليستأثر به لنفسه، وهذا شرط في الشيء حتى يصلح للتعامل عليه، أما الأشياء التي لا يمكن أن تصلح للتملك لأحد الأفراد فتكون إما لطبيعتها كالماء الجاري في الأنهار أو البحار أو أشعة الشمس أو الهواء، حيث أن انتفاع أحد الأفراد بها لا يمنع من انتفاع غيره بها، وإما أنها تخرج عن التعامل بحكم القانون أي التي يمنع القانون التعامل بها بوجه عام برغم قابليتها للاستئثار، كالمواد المخدرة أو الأموال العامة التي تستأثر الدولة بملكيتها، بيد أنه بعض من تلك الأشياء قد يرد عليها استثناءات تجعلها صالحة للتعامل فيها، وذلك وفق شروط توضع لتجعلها قابله للتعامل عليها، فالقانون قد يجيز تملك أموال الدولة بشروط يضعها، وقد يجوز التعامل في بيع وشراء المواد المخدرة إذا كانت الحاجة إليها لأغراض طبية، وهنا تكون صلاحية التعامل بالنسبة للشيء نسبية، بمعنى قصورها على حالات وشروط محددة، فإذا ما انتفت هذه الشروط أو أحدها رجعت الأشياء إلى حكمها القانوني من عدم جواز التعامل فيها.

ومبدأ مشروعية الشيء محل التعامل مبدأ نسبي يختلف من دولة لأخرى، فإذا كانت بعض الأشياء لا تصلح أن تكون مشروعة للبيع والشراء في دولة ما قد تكون جائزة في دولة أخرى، مثل الخمور التي تجيز بعض الدول لمواطنيها تعاطيها وبالتالي فهي جائزة لتكون محل للتعامل، في حين أن بعض الدول الإسلامية تمنع بيع وشراء الخمور فتصبح الخمور من الأشياء التي لا يجوز التعامل فيها رغم جواز التعامل فيها في دول أخرى، مما يعني أن مبدأ مشروعية الشيء محل التعامل مبدأ نسبي يختلف باختلاف ما تسنه الدول من تشريعات.
ويترتب على التعامل في الشيء الخارج عن دائرة التعامل بطلان التعامل بطلاناً مطلقاً، سواء كان خارجا عن التعامل لطبيعته أو لسبب قانوني يمنع التعامل فيه، ذلك لأنه من شروط صحة الالتزام أن يكون محله مشروعا وممكنا، والبطلان هنا بطلانا مطلقا لمخالفته للنظام العام، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الاتفاق على ما يخالف النظام العام، وعلى ذلك فإذا اتفق طرفان على بيع شيئا مملوكا للدولة، أو بيع شيئا يعاقب القانون على التعامل فيه كبيع المواد المخدرة أو الإتجار بالبشر، أو بيع شيء لا يمكن نسب ملكيته لشخص ما لاستحالة ذلك كبيع الهواء أو مياه الأنهار الجارية فيكون العقد باطلا بطلانا مطلقا.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان الشيء في ظاهره لا يمكن التعامل فيه بسبب طبيعته أو لسبب قانوني يمنع ذلك ثم زال ذلك السبب، فعندئذ يصبح الشيء مما يجوز التعامل فيه، ومثال على ذلك أن يكون القانون قد نص على تجريم استعمال نوع معين من الأدوية باعتبارها تعد مادة مخدرة، ثم بعد فترة يلغى النص المجرم للتعامل عليها، ففي هذه الحالة يرجع حق الأشخاص في التعامل في ذلك الشيء بعد خروجه من حظر التعامل فيه، كذلك رغم أن مياه الأمطار لا تصلح أن تكون شيئا يجوز التعامل فيه بسبب طبيعته، إلا أنه إذا قام أحد الأشخاص بتخزين جزء من تلك المياه في ملكه الخاص، وأراد بيعها أو التعامل فيها فليس هناك ما يمنع ذلك، حيث تحول ذلك الشيء من كونه عاماً إلى شيء مملوك لصاحبه ومحدد المقدار والذات، وانتفت عنه صفة عدم جواز التعامل فيه بسبب طبيعته.

2- تقسيم الأشياء

لما كان المتفق عليه أن الأشياء هي كل ما ينتفع به ويمكن حيازته مادياً أو معنوياً، وأن الشيء هو محل الحق، فتنقسم الحقوق التي يكون الشيء محلا لها إلى أشياء مادية وأشياء غير مادية.

أ- المقصود بالحقوق التي يكون محلها شيء غير مادي

هي الأشياء التي يكون وجودها المعنوي عوضا عن وجودها المادي وتحدد قيمتها بقيمة وجودها المعنوي، مثل حقوق التأليف والأسماء التجارية وبراءات الاختراع والعلامات التجارية وغيرها، فرغم أن هذه الأشياء ليس لها وجود مادي محسوس إلا أن لها قيمة مادية تقابله هذا الوجود وتعبر عنه، وهذه الأشياء غير المادية لم تكن التشريعات في بادئ أمرها تهتم بحمايتها، إلا أنه وفي ظل التقدم التكنولوجي الحالي اهتمت الدول بإصدار تشريعات لحماية الأشياء المعنوية المترتب عنها حقوقا مالية، كحق المؤلف فيما يسمى بالملكية الأدبية والفنية ،وحق الملكية التجارية، وحق الملكية الصناعية، والتقسيم هنا يرد على الأشياء، فالأشياء نفسها هي التي قد تكون مادية أو غير مادية أما الحقوق فهي دائما معنوية.

ب- المقصود بالحقوق التي يكون محلها شيء مادي

الشيء المادي تتنوع وتتمايز تقسيماته إما على حسب نوعه، بحيث يكون الشيء المادي عقاراً أو منقول، وقد يكون الشيء المادي قابلاً للاستهلاك أو غير قابل له، وقد يكون الشيء المادي مثلياً أو قيمياً، وسوف نقتصر على تقسيم الأشياء المادية من حيث قابليتها للاستهلاك من عدمه، ومن حيث كون الشيء المادي مثليا أو قيميا، تاركين الحديث عن العقار والمنقول لمقال آخر لكونه موضوع متشعب ومتشابك ويقتضي الحديث عنه بصورة مستقلة.

ثالثاً: تقسيم الأشياء إلى قابلة للاستهلاك وغير قابلة للاستهلاك

1- الأشياء القابلة للاستهلاك

يقصد بالشيء القابل للاستهلاك الشيء الذي أعد بطبيعته لأن يكون أول استعمال له هو الاستعمال الذي يستهلك فيه، فهو غير قابل للاستعمال مرة بعد مرة مع بقائه دون أن يستهلك[4].

وقد عرفت (المادة 57/1) من القانون المدني الأردني الأشياء الاستهلاكية بأنها (الأشياء الاستهلاكية هي ما لا يتحقق الانتفاع بخصائصها إلا باستهلاكها).

وقد يكون الاستهلاك مادياً بمعنى ظهور علامات مادية لاستهلاك الشيء، كزوال منفعته كلية أو نقصانها فقط، مثل استهلاك المأكولات وكذلك المشروبات، وكذلك استهلاك الوقود والسوائل حيث أن استهلاك كل منهما ينقص من قيمته، وقد يكون الاستهلاك له مظهر قانوني كاستهلاك النقود بإنفاقها، فرغم ان هذا النوع من الاستهلاك لا يقلل من قيمتها، إلا أنه ينقص من جنسها لدى منفقها، واستهلاك مثل هذه الأشياء هو استهلاك نسبي، لأن أثره يقع على من قام بالإنفاق فقط، بخلاف الاستهلاك المادي فهو يقع على كنه الشيء فيهلكه بالاستعمال لمرة واحدة أو لمرات معدودة.

2- الأشياء الغير قابلة للاستهلاك

وهي الأشياء التي يمكن استعمالها مرة بعد مرة دون أن تستهلك كليا[5]، وقد عرفت (المادة 57/2) من القانون المدني الأردني الأشياء الغير قابلة للاستهلاك أو الأشياء الاستعمالية بأنها (أما الاستعمالية فهي ما يتحقق الانتفاع بها باستعمالها مرارا مع بقاء عينها).

والأشياء الاستعمالية هي أشياء تتفق طبيعتها مع إعادة استعمالها دون أن تبلى على المدى القريب، فالملابس رغم أنها تبلى إلا أنها من الأشياء الاستعمالية أو الغير قابله للهلاك، لأن المقصود بالهلاك هنا هو المعنى الضيق للهلاك أي فناء الشيء أو فناء منفعته باستهلاكه مرة واحدة أو مرات محدودة جدا، أما الملابس فتستخدم لفترات طويل ولمرات كثيرة دون فناء منفعتها، والأمثلة الأكثر وضوحا للأشياء التي لا يؤدي استعمالها إلى هلاكها المنازل والسيارات والآلات الميكانيكية والكتب وأثاث المنازل.

ورغم التفرقة بين الأشياء الغير قابة للاستهلاك والقابلة للاستهلاك، إلا أنه قد يكون للنية دخلا في تحديد طبيعة الشيء من حيث كونه قابلا للاستهلاك من عدمه، فالنقود إذا تمت إعارتها لصراف لعرضها وإعادتها بنفس قيمتها تتحول من شيء قابل للاستهلاك إلى شيء غير قابل للاستهلاك، كذلك عرض الأشياء للبيع يجعلها قابله للاستهلاك بالنسبة لبائعها، فمن يعرض سيارة للبيع أو ملابس فبمجرد بيعها تصبح قابلة للاستهلاك بالنسبة له، وهنا المقصود بالاستهلاك الاستهلاك القانوني، أي خروجها من ملكيته إلى ملكية المشتري وليس الاستهلاك المادي[6]، فالنية في الحالتين السابقتين هي المعيار في تحديد طبيعة الشيء من حيث كونه مستهلك أو غير قابل للاستهلاك .

3- الفائدة من التمييز بين الأشياء القابلة للاستهلاك والأشياء الغير قابله للاستهلاك

يمكن تقدير أهمية هذا التمييز في عدة نقاط تتمثل في:

– هناك بعض العقود التي لا تتفق طبيعتها مع الأشياء الغير قابلة للاستهلاك كعقود الإيجار مثلاً، حيث أنها عقود تنبع من قدرة المستأجر على استعمال الشيء المؤجر له، وهذا لا يتصور بشأن الأشياء التي تستهلك بالاستعمال كالطعام مثلا والشراب، لأن باستعمالها تفنى منفعتها، ولا يستطيع المستأجر إعادتها إلى مالكها فيكون العقد مستحيل التنفيذ.

– حق الانتفاع لا يجوز تقريره على الأشياء القابلة للاستهلاك، لأنه عقد يتيح للمنتفع بالانتفاع بالشيء لمدة محددة، وذلك في ظل التزام المنتفع برد الشيء إلى مالكه متى انتهت مدة الانتفاع، وهو امر لا يتصور تطبيقه على الأشياء القابلة للاستهلاك.

رابعاً: الفرق بين الشيء المثلي والشيء القيمي

1- الشيء المثلي

عرفت (المادة 56/1) من القانون المدني الأردني الأشياء المثلية بأنها (الأشياء المثلية هي ما تماثلت آحادها أو أجزاؤها أو تقاربت بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض عرفاً بلا فرق يعتد به وتقدر في التعامل بالعدد، أو القياس، أو الكيل، أو الوزن).

ويعرفها الفقه القانوني بأنها الأشياء التي تكون صالحة لكي يقوم كل منها مقام الآخر في الوفاء بالدين كما يكون قابلا للاستهلاك في ذاته ولكنه يكون مثليا بالقياس إلى مثيله [7].

فالأشياء المثلية هي التي لها مثيلها في الأسواق، ولا يوجد تفاوت بينها وبين مثيلتها بشكل كبير، وإن وجد تفاوت بينها وبين مثيلتها يكون بسيطا لا يعتد به، وبالتالي يمكن أن يقوم بعضها مكان بعض في استيفاء الدين من جنسها، وعادة يكون التعامل في هذه الأشياء بالكيل كالأرز، أو القمح، أو الدقيق، أو الشعير، أو التعامل فيها بالعدد كالنقود، أو البيض، أو بالوزن كالذهب، والفضة، أو يكون التعامل فيها بالقياس كالأقمشة، والخيوط، والحبال، فالمقصود بالأشياء المثلية أن تكون الأشياء منتمية لنفس النوع، فيلزم أن يكون هناك تماثل نوعي بين الشيء ومثيله، حتى يصلح للوفاء ولو اختلفا في الجودة اختلاف بسيط لا يعتد به، بشرط تماثلها في المقدار الكمي.

ويجب لكي يعتبر الشيء مثلي القيمة أن يكون بالفعل له مثيل في السوق، فإذا لم يكن له مثيله في السوق لم يكن الشيء مثليا بل يكون قيميا، وعلى ذلك فيمكن القول إن الشيء المثلي يتميز بخاصيتين وهما:

الأولى: أنه لا يكون شيئا مثليا في ذاته بل بالقياس إلى شيء أخر مثله.

الثانية: أنه يقدر عادة عن طريق العد، أو الكيل، أو الميزان، أو القياس، إذ لا تتفاوت آحاده تفاوتا يعتد به بل تتماثل فيقوم بعضها مقام البعض[8].

-والأصل في تحديد مدى إمكانية اعتبار الشيء له مثيله في السوق من عدمه، هو العرف السائد الذي يجعل من الشيء ومثيله متقابلان ويصلحان للوفاء ببعضهما البعض دون فرق يعتد به بينهما.

2- الشيء القيمي

عرفت (المادة 56/2) من القانون المدني الأردني الشيء القيمي بأنه (والقيمية ما تتفاوت أفرادها في الصفات أو القيمة تفاوتاً يعتد به أو يندر وجود أفراده في التداول)، وعرف الفقه القانوني الشيء القيمي بأنه الشيء المعين بالذات والذي لا يقوم شيء آخر مقامه في الوفاء[9].

فالأشياء القيمية هي التي ليس لها نظائر في السوق ولا مثيل لها، وإن وجد ما يشبهها في السوق يكون التفاوت بينهما في النوعية والجودة، أو القياس يكون معتبر، ولا يقوم بعضها مكان البعض في الوفاء، والأشياء القيمية تكون معينة بالذات، ولا يغني عنها غيرها، مثل المنازل والأراضي والحيوانات وغير ذلك من الأشياء التي لا تتماثل، فمن اشترى من غيره منزلا وجب على البائع تسليم المنزل نفسه الذي تم الاتفاق عليه، ولا يجوز للبائع أن يعرض منزل آخر بحجة أنه مماثل للمنزل المتفق عليه، ذلك لخروج هذه الأشياء عن المثلية، وحتى لو كانت قيمة البديل تزيد عن قيمة المتفق عليه أو تزيد عنه في المساحة، لأن الأشياء القيمية لا يصلح أن يكون غيرها مقابلا لها في الوفاء.

ويرجع بعض الفقه القانوني التمييز بين الشيء المثلي والقيمي إلى نية الأفراد، حيث يمكن اعتبار الشيء مثلي رغم أنه في الأصل قيمي، وإن معيار كون الشيء قيمي أو مثلي معيار نسبي، وقد ساق أصحاب هذا الاتجاه مثالا لتبرير رأيهم، فاعتبروا أن من يشتري سيارة موديل معين قد لا يلتزم البائع بتسليمه السيارة المعينة بالذات طالما سلمه مثيلتها في كل شيء من حيث الموديل والنوع بحيث لا يمكن التفريق بينها، وبالتالي يكون تحول الشيء القيمي المعين بالذات إلى مثلي بإرادة الطرفيين[10]، إلا أن هناك اتجاهاً يرى أنه لا يمكن تحويل صفة الأشياء من قيمية إلى مثلية بإرادة الأفراد، إذا كان من ناحية العرف قيميا وليس مثليا ولم تتوفر فيه شروط الشيء المثلي[11].

3- أهمية تقسيم الأشياء إلى مثلية وقيمية

لتقسيم الأشياء إلى قيمية ومثلية أهمية كبيرة من عدة اتجاهات، فمثلا إذا كان الشيء المباع مثليا، فلا تنتقل ملكيته إلى المشتري بمجرد انعقاد العقد، بل يجب أولا أن يتم فرز المبيع وعده، أو قياسه، أو وزنه على حسب نوعه حتى يتم تحديده بالذات، بخلاف الأشياء القيمية فبمجرد تمام العقد تنتقل ملكيتها إلى المشتري مالم يكن هناك شرط واقف للملكية كالتسجيل، ذلك لأن الأشياء القيمية معينه بالذات فلا تحتاج إلى فرز أو تعيين، بخلاف الأشياء المثلية التي تحتاج إلى ذلك.

وأيضا إذا كان الشيء المتفق على شرائه شيئا قيميا، فلا يجوز للبائع أن يسلم للمشتري شيئا آخر غير المعين بذاته عند الاتفاق، ويتوقف إتمام العقد في هذه الحالة على رضا المشتري حتى لو كان الشيء الآخر مساويا للشيء محل الاتفاق أو تزيد قيمته، لكن إن كان الشيء مثليا فيجوز للبائع أن يسلم للمشتري مثيله ولا يتوقف الأمر على رضا الدائن.

وإذا كان محل العقد شيئا قيميا وهلك، ينفسخ العقد لاستحالة تنفيذه، ولا يلتزم المدين بتسليم الثمن مالم يكن قد تسلم الشيء القيمي المبيع، لكن إذا كان الشيء مثليا فلا ينفسخ العقد كونه ما زال من الممكن تنفيذه، ولا يكون تنفيذه مستحيلا كما هو الحال في الشيء القيمي.

كذلك لا تقع المقاصة القانونية في الأشياء القيمية، إلا أنها تقع في الأشياء المثلية طالما كانا متماثلين في النوع والجودة والمقدار[12].

4- الفرق بين تمييز الأشياء باعتبارها قابله للاستهلاك وغير قابله للاستهلاك وكونها قيمية أو مثليه

يتمثل الفارق بين تمييز الأشياء بوصفها مثلية وقيمية عن وصفها قابلة للاستهلاك من عدمه أن الشيء المثلي  لا يكون مثليا في ذاته، بل يكون مثليا بالنسبة لقياسه على ما يماثله في النوع، أما الشيء القابل للاستهلاك فهو قابل لذلك في ذاته، ولا يحتاج لمثيل للقياس عليه، ومع ذلك يغلب أن يكون الشيء المثلي قابلا للاستهلاك، فالحبوب كالقمح والشعير والأرز، والسوائل كاللبن أيضاً هي أشياء مثلية وفي نفس الوقت قابلة للاستهلاك، وغالبا ما يكون الشيء القيمي غير قابلا للاستهلاك، كالمنازل والآلات الميكانيكية فهي قيمية وغير قابلة للاستهلاك، وبالتالي يكون أساس التمييز بين القيمي والمثلي هو نفسه أساس التمييز بين الشيء القابل للاستهلاك والشيء الغير قابل للاستهلاك، وهذا الأساس يتمثل في طبيعة الشيء نفسه.

خامساً: الخاتمة

ختاما فقد استعرضنا في هذا المقال الوجيز ماهية الأموال والأشياء، ومعيار التمييز والتفرقة بينهما، وفائدة معرفة هذا الفرق، ثم تطرقنا إلى تقسيم الأشياء من حيث طبيعتها، وأوضحنا الفرق بينهما ومعيار التمييز بينهما والفائدة من هذه التفرق، وسنتطرق فيما هو قادم من مقالات بإذن الله عن باقي تقسيمات الأشياء والأموال.

 كتابة: محمد إسماعيل حنفي

1 – أنور طلبة – المطول في شرح القانون المدني – الجزء الثاني – شركة ناس للطباعة – مصر – 2019 – ص 138.

[2]– عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء الثامن – مطبعة بيروت – لبنان – ص 1832

 [3] – أنور طلبة – المرجع السابق – ص 136 وما بعدها.

[4] – عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق – ص84.

[5] – المرجع السابق ذاته – نفس الصفحة.

[6] – المرجع السابق ذاته – ص 85.

[7] – عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق – ص 87,

[8] – المرجع السابق ذاته – نفس الصفحة.

 [9] – عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق – ص 87.

[10]  – مازو وجكلار – دروس في القانون المدني – ط3 – ج1 – باريس – 1968 – ص237

11- عبد الحي حجازي – المدخل لدراسة العلوم القانونية: الحق – ج2 – الكويت – ص219.

 [12] – أنور طلبة – المرجع السابق – ص 187.

Scroll to Top