القانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله
مما لا شك فيه أن القانون وضع من حيث الأصل لتنظيم حياة الأفراد، وحماية مصالحهم وحقوقهم بشتى أنواعها، فكل فرع من فروع القانون تصب أحكامه في تنظيم وحماية كافة الحقوق العامة منها والخاصة، وتتغير تلك القوانين وتتطور ويتم إدخال التعديلات عليها لتتناسب مع التطور الذي يطرأ على المجتمع واحتياجاته وطبيعة تلك الاحتياجات التي تتغير بمرور الزمان، والتي قد تصل إلى إلغاء قانون – أو نص قانوني – بإصدار قانون – أو نص قانوني – أحدث منه يلغيه ويحل محله.
وقد استقر العمل على ترسيخ قاعدة قانونية هامة مناطها أن القانون يحكم ما تم في ظله من وقائع، ولكن قد تكون تلك القاعدة غامضة وغير مفهومة تحتاج إلى بعض التوضيح، نظراً لأن مغزاها الحقيقي أعمق بكثير مما يمكن أن يستشف من ظاهرها، وبالتالي خصصنا هذا المقال لبيان مفهوم هذه القاعدة وفقاً لمغزاها الحقيقي.
جدول المحتويات
أولاً: ماهية قاعدة (القانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله)
ثالثاً: الحالات الاستثنائية على قاعدة الأثر الفوري للقانون
خامساً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: ماهية قاعدة (القانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله)
تجسد تلك القاعدة مبدأ قانوني هام يتم تداوله بين رجال القانون تحت مسمى (الأثر الفوري للقانون)، وترجع أهمية هذا المبدأ لكونه الضابط الرئيسي لأي تنازع زمني قد يتحقق بين القوانين، وقد يتساءل البعض كيف يمكن أن تتنازع القوانين الوطنية باعتبارها جميعها قد وضعت بغرض واحد وهو تحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، وهو ما يستلزم سيرها في اتجاهات متوازية لا يتصور تقاطعها أو تعارضها؟
إجابة ذلك السؤال تتمثل في الإجابة بنعم، يمكن أن تقع بعض حالات التنازع الزمني بين قانونين، حيث أنه ومن المنطقي أن تكون الوقائع الخاضعة للقانون هي الوقائع التي تمت في ظله، فلا يعقل أن يتم تطبيق قانون ما ينزع عن فعل أو تصرف ما صفة المشروعية على تلك التصرفات التي تمت في ظل القانون الذي أقر لها بالمشروعية، فالقانون لا يخضع له إلا المخاطبين به فقط.
مما مؤداه أيضاً أن الفترة السابقة على صدور القانون الجديد لا يخضع أي فعل تم فيها لأحكام ونصوص هذا القانون، وذلك باعتبارها قد تمت قبل صدوره وتطبيقه ولم يكن القائمين عليها مخاطبين بأحكامه بل بأحكام القانون الذي يسبقه، وهو ما يسمى بمبدأ (عدم سريان القانون بأثر رجعي)، إلا أن الأمر لا يمنع من وجود حالات استثنائية تسمح بموجبها وحال تحققها بسريان أحكام القانون الجديد بأثر رجعي على الوقائع التي تمت قبل صدوره.
مما يتبين معه أن قاعدة القانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله لها جانبين، الجانب الأول يخص الفترة التالية لصدور هذا القانون وإنفاذه والتي يحكمها مبدأ الأثر الفوري، والفترة السابقة على صدور القانون وإنفاذه والتي يحكمها مبدأ عدم سريان القانون بأثر رجعي.
ثانياً: الأثر الفوري للقانون
1- تعريفه
كما سبق وأن أوضحنا فإن هذا المبدأ مناطه أن القانون الذي يتم إصداره من السلطة المختصة بالتشريع تسري أحكامه بشكل مباشر وحال وفوري بمجرد إنفاذه، وذلك عن طريق نشره بالجريدة الرسمية، إلا أن ذلك لا يحول دون تحديد موعد مؤجل لإنفاذ القانون شريطة أن يتم النص في القانون على هذا الموعد، ومن أهم الأمثلة على ذلك قانون محكمة الجنايات الكبرى الأردني رقم 19 لسنة 1986، والذي على الرغم من صدوره ونشره في الجريدة الرسمية الصادرة في 16/3/1986، إلا أن تطبيقه وإنفاذه كان مؤجلاً ليبدأ بعد ذلك بثلاثة أشهر أي في تاريخ 16/6/1986، وذلك وفقاً لما ورد بنص (المادة 1) من هذا القانون.
مما يمكننا معه القول بأن الأصل في القوانين هو تطبيقها وإنفاذها بمجرد صدورها ونشرها بالجريدة الرسمية، والاستثناء من هذا الأصل هو تطبيق وإنفاذ القانون بشكل مؤجل لما بعد صدوره، شريطة أن يكون ذلك محدداً بشكل صريح في القانون، سواء من حيث اشتراط تأجيل إنفاذه وتطبيقه، أو من حيث تحديد تاريخ بدء سريانه وتطبيقه.
كما أنه من أهم آثار قاعدة التطبيق الفوري للقانون ليس فقط تطبيق القانون الجديد، ولكن أيضاً وقف العمل بالقانون السابق سريانه على هذا القانون الجديد، فمن الطبيعي أن يكون للقانون الجديد أثراً لاغياً للقانون القديم، إلا أن صدور القانون الجديد قد لا يكون له هذا الأثر على القانون القديم متى كان قد صدر لتعديل بعض مواد القانون السابق، فيظل القانون السابق سارياً في ظل ما أدخل عليه من تعديلات بموجب القانون الجديد، وعلى سبيل المثال لذلك في المملكة الأردنية الهاشمية نجد قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 23 لسنة 2016 هو القانون الساري في المملكة بشأن جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية وعقوباتها، فهذا القانون هو القانون الساري حتى الآن على الرغم من صدور القانون المعدل له رقم 24 لسنة 2021، حيث ورد بالقانون الأخير في (المادة 1) منه ما يلي (يسمى هذا القانون قانون معدل لقانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 2021 ويقراً مع القانون رقم 23 لسنة 2016 المشار إليه فيما يلي بالقانون الأصلي قانوناً واحداً ويعمل به بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية)، وبالتالي فقد ظل القانون القديم سارياً على الرغم من صدور قانون جديد، وذلك لأن القانون الجديد هو مجرد قانون معدل له فقط.
ولا يقتصر الأمر على تطبيق القانون الجديد على ما يقع في ظله من وقائع ولا يحكم فقط المراكز القانونية التي تكونت في ظله، ولكنه أيضاً يمتد ليطبق على الآثار القانونية التي نشأت في فترة سريان القانون الملغي وتمتد خلال فترة تطبيق القانون الجديد[1].
2- دواعي وأسباب تقريره
يمكننا أن نعزي أسباب ودواعي الأخذ بقاعدة الأثر الفوري للقانون إلى عدة مبررات نوجزها فيما يلي.
أ- المبرر الأول
تعتبر قاعدة الأثر الفوري للقانون هي تكملة وامتداد لقاعدة – والتي سنناقشها لاحقاً في هذا المقال – عدم رجعية القانون أو عدم تطبيقه بأثر رجعي، حيث أن الأخيرة تحكم القانون الجديد من حيث عدم تطبيقه على ما سبقه من وقائع، بينما تنصب قاعدة السريان الفوري له على ضبط أحكام الوقائع التي تمت بعد صدوره، وبالتالي فإن القاعدتين مجتمعتين يحافظ على استقرار الأوضاع والمراكز القانونية بين أفراد المجتمع، كما يحافظ على مبدأ العدالة والمساواة من حيث تحقيقه لخضوع المجتمع لقانون موحد يسري على الكافة[2].
ب- المبرر الثاني
تحول قاعدة الأثر الفوري للقانون دون وجود أكثر من قانون يتم تطبيقهم على ذات الواقعة في فترة زمنية واحدة، حيث أنه متى صدر قانون جديد وتم تطبيقه وإنفاذه دون تطبيق هذه القاعدة سيكون أمامنا قانونين يتم تطبيقهما على ذات الوقائع، وكل منهما له أحكام تختلف عن الآخر، وبالتالي سيكون هناك تضارب واختلاف في المراكز القانونية باعتبار أن بعضها سيطبق عليه القانون الجديد، بينما يخضع الجانب الآخر منها لأحكام القانون القديم، وبالتالي فإن تلك القاعدة تعد ذات أثر هتم في منع هذا التضارب.
ج- المبرر الثالث
تحقق هذه القاعدة المصلحة العامة لجميع أفراد المجتمع، حيث أن إصدار قانون جديد – سواء كان لاغياً لسابقه أو معدل له – هو تصريح من الجهة التشريعية بأن القانون السابق على هذا القانون لم يعد مجد لضبط وتنظيم الأوضاع التي صدر لينظمها من حيث الأصل، وبالتالي فقد أصبح قاصراً في تحقيق الغرض منه، ولذلك يكون الصالح العام متحققاً عبر النفاذ الفوري للقانون الجديد، وإخضاع الآثار القانونية المترتبة على القانون القديم للقانون الجديد، وذلك حتى يكون تقويم الأوضاع ليس قاصراً فقط على الأوضاع الجديدة التي تنشأ بعد نفاذ القانون الجديد، ولكن على ما نشأ من مراكز وأوضاع قانونية نشأت في ظل القانون القديم، ليكون التقويم والإصلاح شاملاً كافة المراكز القانونية في المجتمع.
3- نطاق تطبيقه بشأن بعض المراكز القانونية
أ- في مسائل الأحوال الشخصية
فيما يخص مسائل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونفقات وغيرها، فإن قاعدة سريان القانون بشكل فوري تنطبق على كافة تلك المسائل حتى وإن كانت قد وقعت واستقرت في ظل القانون السابق، وعلى سبيل المثال فإذا كان القانون الجديد يقرر ضوابط وإجراءات على حالات الزواج والطلاق لم يتضمنها القانون السابق، وكانت هناك حالات زواج وطلاق قد وقعت في ظل سريان القانون القديم، فإن حالات الزواج تلك تعد صحيحة ولا يمسها القانون الجديد بما تضمنه من إجراءات وضوابط للزواج، ولكنه ينطبق عليها في حالة – لا قدر الله – أن وقع طلاق بين الزوجين، فيطبق على الطلاق هنا القانون الجديد، كما أن حالات الطلاق التي تمت خلال فترة سريان القانون القديم تظل صحيحة[3].
ب- في مسائل الملكية بوجه خاص والحقوق العينية بوجه عام
متى أصدر المشرع قانوناً جديداً ينظم به حق الملكية ويغير فيما ترتبه من آثار، فإن أثره الفوري ينطبق على جميع حقوق الملكية التي تم اكتسابها بالفعل في ظل القانون السابق عليه، ولكن سريانه وانطباقه على تلك الحقوق يكون منذ تاريخ صدوره وما بعده فقط، إلا في حالة أن يكون القانون الجديد قد تضمن في نصوصه ما يفيد صراحة تطبيقه بأثر رجعي.
بينما إذا كان القانون الجديد يشتمل على بعض الضوابط الجديدة التي تمثل قيداً مستحدث أو أكثر من قيد على ملكية الفرد، فهو يطبق على الملاك الذي اكتسبوا ملكياتهم حتى قبل صدور هذا القانون، ولا يجوز لهم الاحتجاج على ذلك بأن ملكيتهم تسبق في تحققها تاريخ صدور القانون الجديد وتطبيقه.
وما يسري على حق الملكية يسري على باقي الحقوق العينية في شأن قاعدة الأثر الفوري للقانون، وذلك باعتبار أن حق الملكية من أهم الحقوق العينية التي قررها القانون.
ج- المسائل المتعلقة بعلاقات العمل
يطبق القانون الجديد الصادر بشأن علاقات العمل بصورة فورية من تاريخ نفاذه، وتكون أحكام هذا القانون هي السارية سواء على علاقات العمل التي أبرمت قبل صدوره أو بعد صدوره، وسواء كان ذلك بشأن علاقات العمل الخاصة أو في الوظائف العامة، فتكون كافة علاقات العمل المستمرة أو المبرمة حديثاً خاضعة لأحكام القانون الجديد[4].
ثالثاً: الحالات الاستثنائية على قاعدة الأثر الفوري للقانون
غالباً ما تكون هناك استثناءات على القواعد القانونية، بحيث يترك مجال لمعالجة أي حالة خاصة قد يكون هناك فائدة ومصلحة في عدم إخضاعها لأحكام هذه القاعدة، إلا أن تلك الاستثناءات يجب أن يكون النص عليها واضحاً في القانون حتى يمكن إقرارها.
وقاعدة الأثر الفوري للقانون باعتبارها قاعدة قانونية فهي الأخرى قابلة ليرد عليها استثناءات، وبالفعل فإن هذه القاعدة يرد عليها استثناء كثيراً ما يعرض لنا على صعيد الساحة العملية، ويتمثل هذا الاستثناء في الحالة التي يتم فيها إبرام تعاقد من التعاقدات التي تستمر أداءاتها لفترة زمنية، بحيث تكون قد أبرمت في ظل قانون إلا أنها وأثناء تنفيذها يتم إلغاء القانون التي أبرمت في ظله، ويصدر قانوناً جديداً بدلاً عنه، وتكون أحكام القانون الجديد الخاصة بهذا العقد مختلفة عن أحكام القانون التي تمت في ظله، كما هو الحال في عقد القرض الذي يتم بين شخصين في ظل فائدة قدرها 12% والتي تدخل في الحد المسموح به في ظل القانون القديم، ثم يصدر قانون جديد يقر حد أقصى للفائدة 10%، فهل يتم تطبيق القانون الجديد بشكل فوري ويتم تخفيض الفائدة إلى 10%؟ أم يستمر حكم القانون القديم وتظل الفائدة كما هي (12%)؟ أم ماذا؟
وقد ثار خلاف فقهي حول ذلك التساؤل، وتحديداً فقد انقسم الفقه القانوني إلى اتجاهين حول وضع الحل القانوني له.
1- الاتجاه الأول
رأى جانب من فقهاء القانون أنه لكي نحدد ما إذا كان القانون القديم أم الجديد هو الذي يطبق في تلك الحالة، فيجب علينا أن نحدد ما إذا كان الوضع هو مركز عقدي أو مركز قانوني، بمعنى آخر هل هو وضع نشأ عن تعاقد بين طرفين يحكمه مبدأ سلطان الإرادة، أم هو وضع ينشئه وينظمه القانون ولا تكون إرادة الأفراد معتبرة إلا في قبول تلك العلاقة وفقاً لتنظيمها القانوني.
وكمثال على ذلك فإن عقد القرض باعتباره عقد تتدخل إرادة طرفيه في تحديد أحكامه المتفق عليها، وبالتالي فإن وضع طرفيه يعد وضعاً عقدياً يمكن لصاحبه التحكم في شروط العقد وأحكامه، وبالتالي فإن أحكام القانون التي نشأت في ظله تظل هي الحاكمة لهذه الأوضاع العقدية، بينما إذا كان الوضع هو وضع قانوني كما هو الحال في عقود الزواج، والتي ينظمها القانون ويضع لها نموذجاً موحداً ينظمه قانون موحد للكافة، فيكون تطبيق القانون الجديد على تلك الأوضاع فورياً.
2- الاتجاه الثاني
أما الجانب الآخر من الفقه القانوني فقد رأى أن تحديد سريان القانون بأثر فوري أو استمرار سريان القانون القديم لا يمكن ضبطه استناداً إلى التفرقة بين المركز القانوني والمركز التعاقدي، واستندوا في ذلك إلى أن التمييز بين هذين المركزين لا تعد دقيقة بأي حال من الأحوال، حيث تختلط بعض المراكز العقدية بنظيرتها القانونية قلا يمكن تحديد وصفها الحقيقي هل هي عقدية أم قانونية.
ومن أجل ذلك فقد اتجه أنصار هذا الاتجاه – والذي نرى أنه الأقرب إلى الصحة – إلى الأخذ بمعيار يتمثل في مبدأ النظام العام وتغليب المصلحة العامة على الخاصة، وقوام هذا الاتجاه أنه متى كانت القواعد القانونية التي يتضمنها القانون الجديد بشأن هذا الوضع هي قاعدة غير آمرة بل قاعدة قانونية تكميلية، فإن أحكام القانون القديم تظل سارية على هذا الوضع، فالقواعد المكملة لا تتعلق بالنظام العام ويمكن لأطراف القرض الاتفاق على ما يخالفها، ومن ضمن ما يخالفها استمرار سريان أحكام القانون القديم، أما إذا كانت القواعد الواردة بالقانون الحديد آمرة وتتعلق بالنظام العام، فإن القانون يسري بشكل فوري على هذا الوضع باعتبار أن القواعد القانونية الآمرة هي قواعد تتعلق بالنظام العام ولا يجوز بأي حال الاتفاق على ما يخالفها.
3- بعض تطبيقات استثناء الأثر الفوري للقانون في القانون الأردني
أ- فيما يخص الأهلية
نصت (المادة 6) من القانون المدني الأردني على أنه (1- تسري النصوص المتعلقة بالأهلية على جميع الاشخاص الذين تنطبق عليهم الشروط المقررة في تلك النصوص. 2- وإذا توافرت الأهلية في شخص طبقاً لنصوص قديمة ثم أصبح ناقص الأهلية بمقتضى نصوص جديدة فلا أثر لذلك في تصرفاته السابقة).
ومن نص المادة سالفة البيان يتضح أن هناك أثر فوري للقانون الجديد الخاص بتحديد شروط الأهلية، فيطبق على الكافة بشكل فوري بحيث تكون الأهلية التي تثبت للشخص في أي تصرف تالي على صدور القانون هي الأهلية المنصوص عليها وعلى ضوابطها وشروطها في القانون الجديد، أما أي تصرفات قد تمت بالفعل في ظل توافر الأهلية التي أقرها القانون السابق وقبل صدور القانون الجديد تكون صحيحة، ولا يمس بصحتها القانون الجديد، فتكون آثاره فورية على المستقبل دون أي مساس بأهلية الشخص التي ثبتت له في ظل القانون القديم، وما تم إنشاؤه من تصرفات بناء عليها قبل صدور القانون الجديد، فيصبح الشخص الذي توافرت فيه شروط الأهلية أثناء سريان القانون القديم عديم الأهلية أو ناقصها بعد صدور القانون الجديد متى لم تتوافر فيه شروطه الخاصة بالأهلية، مع بقاء تصرفاته التي أتمها في ظل القانون القديم قائمة وصحيحة ونافذة.
ب- فيما يخص التقادم
فرق القانون المدني الأردني في شأن التقادم بين فرضين.
a– الفرض الأول: القاعدة العامة في التقادم
أورد المشرع الأردني في نص (المادة 7) من القانون المدني ما مفاده أنه (تسري النصوص الجديدة المتعلقة بالتقادم من وقت العمل بها على كل تقادم لم يكتمل. 2- على ان النصوص القديمة هي التي تسري على المسائل الخاصة ببدء التقادم ووقفه وانقطاعه وذلك عن المدة السابقة على العمل بالنصوص الجديدة).
ومن نص هذه المادة يتضح أن المشرع الأردني قد أخضع التقادم بوجه عام إلى قاعدة عامة ذات وجهين، الوجه الأول يتمثل في أن القانون الجديد يطبق بأثر فوري منذ صدوره على جميع حالات التقادم التي تكون في فترة سريانها ولم تكتمل بعد، والوجه الثاني أن القانون القديم هو الذي يسري على تلك الحالات للتقادم بشأن بدئها ووقفها وانقطاعها متى كانت قد نشأت في ظله، وبالتالي إذا صدر قانون جديد تمتد معه مدة التقادم وتصبح أطول مما نص عليه القانون القديم، فإن تلك المدة تنطبق على حالات التقادم التي نشأت في ظل القانون القديم، ولكن القانون القديم هو الذي يطبق عليها في شأن الشروط الخاصة ببدايتها ووقفها وانقطاعها.
b– الفرض الثاني: الاستثناء في التقادم
قرر المشرع الأردني في (المادة 8) من القانون المدني على استثناء يخرج عن تطبيق القاعدة المذكورة سلفاً في الفرض الأول، ويتمثل ذلك الاستثناء في الحالة التي يكون فيها التقادم الذي ينص عليه القانون الجديد أقصر من التقادم المنصوص عليه في القانون القديم الذي نشأت حالات التقادم في ظله، حيث نصت المادة المذكورة في ذلك الشأن على أنه (إذا قرر النص الجديد مدة للتقادم أقصر مما قرره النص القديم سرت المدة الجديدة من وقت العمل بالنص الجديد ولو كانت المدة القديمة قد بدأت قبل ذلك. 2- أما إذا كان الباقي من المدة التي نص عليها القانون القديم أقصر من المدة التي قررها النص الجديد فإن التقادم يتم بانقضاء هذا الباقي).
وبالتالي فإن المشرع في هذا الشأن الخاص بالاستثناء قد قرر سريان القانون الجديد بأثر فوري على حالات التقادم الناشئة في القانون القديم والتي لم تكتمل بعد، إلا أنه استثنى من ذلك التطبيق حالات التقادم التي تكون المدة المتبقية لاكتمالها – وفقاً لمدة التقادم المنصوص عليها في القانون القديم – هي أقل من المدة المقررة للتقادم الأقصر في القانون الجديد كاملة، فأخضع التقادم عندئذ لأحكام القانون القديم، وتعتبر مدة التقادم كاملة متى مر المتبقي منها حتى بعد صدور القانون الجديد.
ومثال على ذلك أن يكون القانون القديم قد نص على مدة تقادم قدرها خمس عشرة سنة، ولم يتبق على اكتمالها سوى سنتين، ثم جعل التشريع الجديد المدة ثلاث سنين، ففي هذه الحالة يعتبر التقادم مكتملاً بانقضاء هاتين السنتين، وتكون ولاية التشريع القديم قد امتدت بعد زواله إمعانا في تحقيق العدالة[5]، وبالتالي إذا كانت المدة المتبقية من التقادم أطول من المدة الأقصر المقررة للتقادم في القانون الجديد، فإن مدة التقادم الواردة بالقانون الجديد هي التي تسري على هذا التقادم.
ج- فيما يخص أدلة الإثبات
قرر المشرع الأردني قاعدة ثابتة في شأن قواعد الإثبات ومدى تأثرها بصدور قانون جديد، حيث نص في (المادة 9) من القانون المدني على أنه (تطبق على أدلة الإثبات النصوص السارية عند إعدادها أو في الوقت الذي كان يجب أن تعد فيه).
ويتضح من ذلك أن المشرع قد جعل القاعدة بشأن أدلة الإثبات أنها تخضع للقانون الذي بدأ إعدادها أثناء سريان أحكامه، فلا تخضع للقانون الجديد الذي يصدر خلال إعدادها، فالأدلة التي تم تهيئتها للتمسك بها لإثبات الحق لا تتأثر بأحكام ما يصدر من قوانين جديدة تخص مسائل الإثبات.
رابعاً: الأثر الرجعي للقانون
1- تعريفه
القاعدة العامة في تطبيق وإنفاذ القانون – كما سبق وأن أشرنا سلفاً – هي تطبيقه على الوقائع التي تحدث في ظله وأثناء سريان أحكامه، والقاعدة العامة التي أقرها الدستور الأردني في هذا الشأن هو أن مفعول القانون يسري بمرور ثلاثين يوماً على نشرها بالجريدة الرسمية عدا القوانين التي ينص فيها على تاريخ العمل بها، وذلك وفقاً لما ورد بنص (المادة 93/2) من الدستور الأردني والتي تنص على أنه (2- يسري مفعول القانون بإصداره من جانب الملك ومرور ثلاثين يوماً على نشره في الجريدة الرسمية إلا إذا ورد نص خاص في القانون على أنه يسري مفعوله من تاريخ آخر).
مما يمكننا معه القول بأن الأثر الرجعي للقانون يقصد به الحالة التي يجيز فيها المشرع أن يتم تطبيق أحكام القانون على وقائع تمت قبل صدوره وأثناء سريان وتطبيق أحكام القانون القديم، وهو بذلك يمثل استثناء على القاعدة العامة التي تمنع القوانين الجديدة من التطبيق على الوقائع المتحققة قبل صدورها.
وهذا الاستثناء قلما نجده في أفرع القانون المختلفة كالمدني والتجاري والأحوال الشخصية، ولكن في القانون الجنائي نجد أن الوضع مختلف، حيث يقرر استثناء على هذه القاعدة، وهذا الاستثناء يظهر في عدة أشكال.
2- الاستثناء الوارد في قانون العقوبات الأردني
على الرغم من إقرار المشرع لقاعدة التطبيق الفوري للقانون، إلا أنه قد أقر استثناء يعرفه القانون باسم (الأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم)، ويقصد بذلك القانون الجديد الذي يصدر مشتملاً على أحكام إما بإلغاء أو تخفيف العقوبات أو التدابير الاحترازية الواردة بالقانون القديم، والتي تجعل المركز القانوني للمتهم أفضل من مركزه الذي يقره له القانون القديم[6].
فوفقاً لنص (المادة 4) من قانون العقوبات الأردني نجد أن المشرع قد قرر بعض الصور التي يتم من خلالها تطبيق القانون الأصلح للمتهم، وتتمثل تلك الصور في:
– صدور قانون جديد يكون من شأنه تعديل شروط التجريم ليجعلها تصبح في صالح المتهم، فيتم تطبيقه بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة في ظل القانون القديم، عدا الجرائم التي صدر بها حكماً مبرماً.
– صدور قانون الجديد يكون من شأنه تعديل حق ملاحقة المتهم بصورة تعد أكثر مراعاة للمتهم، فيكون تطبيقه بأثر رجعي أيضاً على الجرائم السابقة على صدوره.
كما قرر صورة أخرى من صور تطبيق القانون الأصلح للمتهم بموجب نص (المادة 5) و(المادة 6) منه وذلك على النحو التالي:
– نصت المادة (5) على أنه (كل قانون جديد يلغي عقوبة أو يفرض عقوبة أخف يجب أن يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه وإذا صدر قانون جديد بعد حكم مبرم يجعل الفعل الذي حكم على فاعله من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجزائية).
ومن نص هذه المادة يتضح أن المشرع قرر أن القانون الذي يصدر أثناء محاكمة متهم عن جريمة ما، ويكون مقرراً عقوبة أخف من العقوبة المقررة في القانون القديم، أو يكون قد ألغى تلك العقوبة تماماً، فإنه يطبق على ذلك المتهم وتخضع جريمته للعقوبة الواردة بالقانون الجديد (العقوبة الأخف).
بينما في حالة أن يكون هناك حكماً مبرماً قد صدر بالفعل عن جريمة ما ثم صدر قانون جديد، فلا يستفيد المحكوم عليه هنا من العقوبة الأخف، ولكنه يستفيد من القانون متى كان يلغي العقوبة تماماً ويرفع صفة التجريم عن الفعل الذي ارتكبه المحكوم عليه، وعلى إثر ذلك يتم إيقاف تنفيذ الحكم الذي يقم المحكوم عليه بتنفيذه، وتنتهي آثاره الجزائية.
– وتعتبر (المادة 6) من ذات القانون هي امتداد لنص (المادة 5)، حيث قررت عدم تطبيق القانون الجديد بأثر رجعي نهائياً على الجرائم التي تم ارتكابها قبل صدوره، وذلك في حالة أن يكون القانون الجديد متضمناً على عقوبة أشد من العقوبة التي كان يقررها القانون القديم، فيتم تطبيق العقوبة الأخف الواردة بالقانون القديم.
مما يتبين معه أن مناط الاستثناء الخاص بسريان أحكام القانون الجنائي بأثر رجعي هو أنه رهناً بموقف المتهم، فإذا كان نص القانون الجديد يضعه في موقف أفضل من موقفه في ظل نص القانون القديم، ويحسن من مركزه القانوني، فإن نص القانون الجديد هو الذي يسري على المتهم، أما إذا كان الأمر على وجه النقيض فإن القانون القديم الذي ارتكب المتهم جريمته في ظله يظل هو الساري على المتهم باعتباره هو القانون الأصلح له.
خامساً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 4875 لسنة 2019 تمييز حقوق والصادر بجلسة 9/10/2019، والذي قرر أن (وحيث إن مدة التقادم والتي يجوز للمدين/ المدعي إبطال إجراءات البيع على عقاره فيها قد بدأت بتاريخ تسجيل العقار باسم المزاود الأخير في 14/1/2004 وأن هذا التقادم لم يكتمل وفقاً للقانون الذي نشأ في ظله ثم صدر أثناء ذلك القانون المعدل رقم 8 لسنة 2009 والذي بدأ نفاذه بتاريخ 1/3/2009 والذي حدد مدة سنة واحدة للمدين للطعن بإجراءات البيع تبدأ من تاريخ إحالة العقار باسم المزاود الأخير فإن المدة المتبقية للتقادم وفقاً للقانون قبل التعديل هي أكثر من مدة التقادم التي نص عليها القانون المعدل من تاريخ نفاذه وترتيباً على ذلك فإن مدة التقادم التي يجوز للشركة المدعية الطعن بإجراءات البيع التي جرت على عقاره هي سنة تبدأ من نفاذ القانون المعدل بتاريخ 1/3/2009 وعلى الشركة المدعية إقامة دعواها خلالها وإلا سقطت مطالبتها بالتقادم).
– حكم محكمة الجنايات الكبرى رقم 995 لسنة 2019 جنايات كبرى والصادر بجلسة 23/1/2020، والقاضي في منطوقه بأنه (عطفاً على قرار التجريم تقرر المحكمة وعملاً بأحكام (المادة 296/1) عقوبات الحكم بوضع المجرم …………… بالأشغال المؤقتة مدة أربع سنوات والرسوم والنفقات محسوبة له مدة التوقيف، ولظروف القضية ولإسقاط المشتكية حقها الشخصي الذي تعتبره المحكمة من الأسباب المخففة التقديرية فتقرر المحكمة وعملا بأحكام المادة 99/3 من قانون العقوبات النافذ وقت ارتكاب الجريمة كونه الأصلح للمتهم تخفيض العقوبة بحقه لتصبح وضعه بالأشغال مدة سنتين والرسوم والنفقات محسوبة له مدة التوقيف).
وحكم
ذهب الفقه والقضاء إلى أن القانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله وعليه فإن مطالبة المدعي بعلاوة الخطر الإشعاعي المنصوص عليها بالمادة (35) من قانون الطاقة النووية والوقاية الإشعاعية رقم (14) لسنة 1987 لا تخضع لحكم قرار ديوان تفسير القوانين رقم (5) لسنة 2003 تاريخ 21/5/2003 الذي اعتبر بدل العمل الخطر يدخل في مفهوم الأجر وذلك أعمالاً لقاعدة عدم رجعية القوانين حماية للحقوق المكتسبة ما لم يرد نص صريح على أعمالها على الوقائع والدعاوى السابقة على صدور القانون الجديد.
ويكون قانون الطاقة النووية رقم (14) لسنة 1987 وقرار ديوان تفسير القوانين رقم (7) لسنة 1980 تاريخ 5/5/1980 هما الواجبي التطبيق عند إقامة المدعي لدعواه بتاريخ 29/7/2001 اللذان لم يعتبرا علاوة الخطر المنصوص عليها في المادة (35) من قانون الطاقة النووية داخله في مفهوم الأجر ولذلك فإن دعوى المدعي لا تعتبر مطالبة بأجر أو بجزء منه ولا تعتبر بالتالي الدعوى ناشئة عن قد العمل الفردي الذي تحكمها المادة (137/أ) من قانون العمل طالما أن عقد العمل بين المدعي والمدعى عليها لم يتضمن منح المدعي علاوة الخطر وإنما هي مطالبة بمبالغ استحقها المدعي بحكم القانون وتدخل في اختصاص محكمة البداية لأن قيمتها تتجاوز الحد الصلحي وحيث توصلت محكمة التمييز بالهيئة العادية إلى خلاف ذلك وقد أتبعتها فيه محكمة الاستئناف فيكون القرارين في غير محلها مما يتقضي الرجوع عن قرار النقض السابق ونقض القرار المميز.
سادساً: الخاتمة
يعتبر موضوع حكم القانون للوقائع التي تمت في ظله موضوعاً ذو تشعبات وتشابكات متعددة ومختلفة، خاصة وأن آراء الفقه القانوني وإن كانت قد توافقت على بعض منها، إلا أنها قد اختلفت ولا تزال مختلفة حول باقيها، لذلك فإننا نأمل أن نرى مستقبلاً المزيد من الكتابات والمؤلفات التي تتناول هذا الموضوع، وتحاول أن تضع فيه قاعدة ثابتة يتوافق عليها غالبية الفقه القانون وإن لم يكن الفقه القانوني بأسره.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – غالب الداودي – المدخل إلى علم القانون – ط7 – دار وائل – الأردن – 2004 – ص300.
[2] – محمد حسين منصور – المدخل إلى القانون: القاعدة القانونية – ط1 – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2010 – ص305.
[3] – خليل حسن قدادة – شرح النظرية العامة للقانون في القانون الجزائري – ط5 – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر – 2010 – ص158.
[4] – همام محمود زهران – المدخل إلى القانون: النظرية العامة للقانون – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2006 – ص498.
[5] – المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني – المادة رقم (7) – المذكرة الإيضاحية للمادة رقم (7 و8) من القانون المدني.
[6] – سلطان عبد القادر الشاوي وآخر – المبادئ العامة في قانون العقوبات – ط1 – دار السنهوري القانونية والعلوم السياسية – بغداد – 2015 – ص 65.

