الديون الداخلية

الديون الداخلية

يرتبط مفهوم الديون الداخلية بمصطلحات عدة في منظومة الاقتصاد، التي تبدو معقدة وتحتاج للجهد في التعرف على قواعدها واحكامها، عند كثير من المهتمين بعلم الاقتصاد عامة، والعلوم المالية المتفرعة عنه خاصة، وذلك على المستوي العلمي والعملي، والدولة كشخص قانوني مثلها مثل الشخص الطبيعي لديها نفقات تقوم بإدائها، ولديها إيرادات تعتمد عليها للقيام بأداء هذه النفقات، وعليها متي زادت نفقاتها على إيراداتها اضطرت للاقتراض من الغير.

فمفهوم الاقتراض مرتبط ارتباط وثيق الصلة بمفهوم الديون الداخلية موضوع هذا المقال، فما هي الديون الداخلية؟ وماهي مصادرها؟ وما هو الاقتراض وعناصره وآثاره؟ وما هي إجراءات إقراض الدولة؟

أولا: المقصود بالديون الداخلية

ثانيا: مصادر الديون الداخلية

ثالثاً: كيفية الحصول على الدين الداخلي وأثره على ميزانية الدولة

رابعاً: الخاتمة

أولا: المقصود بالديون الداخلية

فالدولة ككيان قانوني لها شخصية معنوية تكسبها ذمة مالية مستقلة، مثلها مثل الشخص الطبيعي العادي، وكلاهما – الدولة والانسان الطبيعي – لديه احتياجات يسعي لإشباعها، وحتى يستطيع ذلك لابد له من نفقات ينفقها لأجل تحقيق تلك الحاجات، وهو ما يطلق عليه مصطلح “الإنفاق العام”، ولكي تحقق الدولة ذلك فلابد لها من إيرادات تعتمد عليها للأنفاق على مواطنيها، وهو ما يطلق عليه مصطلح “الايراد ات العامة”.

لذلك كلما قلت الإيرادات وزادت النفقات اضطرت الدولة للاقتراض من الغير، مثلها مثل الانسان الطبيعي، وقد يتم الاقتراض هذا الاقتراض إما من الداخل أو من الخارج، ومجمل هذين الدينين هو ما يعرف بمصطلح “الدين العام”، وتقع مسئولية الالتزام بالوفاء بالقروض التي تحصل عليها الدولة علي ميزانيتها، وغالبا ما يشكل ذلك عجز في الموازنة العامة للدولة.

1- تعريف الديون الداخلية

هي عبارة عن قروض تضطر الحكومة إلى الحصول عليها من جهات التمويل المحلية كالبنوك، وذلك من خلال إصدار أوراق مالية في شكل سندات أو أذون خزانة، وعادة ما تكون بالعملة المحلية للبلاد، وهي تعتبر جزء من الديون الاجمالية للدولة التي تدين بها للمقرضين، وهو مكمل للدين الخارجي[1].

ولقد تعرض قانون الدين العام وإدارته الأردني رقم 26 لسنة 2001 لتعريف الدين العام في (المادة 2) منه بانه (الرصيد القائم للالتزامات المباشرة وغير المباشرة، المقيم بالدينار الأردني غير المسدد والمترتب على الحكومة دفعه تسديدا لالتزاماتها).

وقد صنف القانون الدين الي قسمين رئيسيين وهما الدين الداخلي وهو الدين الواجب تسديده بالدينار الأردني، والدين الخارجي وهو الدين العام الواجب تسديده بالعملة الأجنبية وليس بالدينار الأردني.

فالدين القومي ينقسم إلى قسمين، القسم الأول هو الدين الداخلي والمقصود به ما تدين به الحكومة داخليا بين قطاعاتها المختلفة، ويعرف بما تستثمره (تستدينه) الحكومة من أموال التأمينات الصحية والاجتماعية التي تقتطعها من أموال الضرائب.

أما القسم الثاني فهو الدين العام ويشمل هذا التعريف دين الحكومة وكذلك ديون كل الهيئات المحلية التي تمتلكها جهات أخرى، سواء كانت تلك الجهات أفراد أو مؤسسات أشترت سندات حكومية، أو صناديق الاستثمار والمعاشات، أو حكومات ومؤسسات أجنبية مقرضة.

2- تعريف الدين العام الداخلي

هو مبلغ نقدي من المال تقترضه الدولة أو أحد أشخاص القانون العام من الأفراد أو المؤسسات المالية الخاصة أو العامة الوطنية منها أو الدولية أو من الدول الأخرى، بموجب اتفاق يستند في أساس مشروعيته إلى قاعدة قانونية عامة صادرة عن السلطة التشريعية يتضمن مقابل الوفاء والتعهد برده، ودفع فائدة عنه وفقاً لشروط الاتفاق[2].

وعلية يمكننا تعريف الدين الداخلي بانه عبارة عن القروض التي تحصل عليها الدولة من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين داخل الدولة، بغض النظر عن جنسياتهم، فهو يمثل اجمالي الديون القائمة في ذمة الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة بالدولة تجاه الاقتصاد الوطني[3].

ومن ثم يمكن تقسيم الدين العام الى دين داخلي يمتلكه أفراد أو مؤسسات محلية، ودين خارجي تمتلكه جهات أجنبية، وإزاء ذلك هناك اتجاه سائد يري أن ارتفاع قيمة الدين القومي هو دلالة بالضرورة على تأخر النشاط الاقتصادي بدولة ما، فإذا راجعنا قائمة البلاد صاحبة أعلى نسب للدين القومي بالنسبة لأجمالي الناتج المحلي، فسنجد أن اول هذه الدول هي (اليابان) حيث أن نسبة الدين قومي بها تتعدى 226% من مجمل إنتاجها المحلي، في حين نجد أن دولة سيراليون تقع في المرتبة 116 محققة نسبة قدرها 31.1% فقط، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى مقدار ثقة السوق في الدولة المدينة، ومدى استطاعتها أن تسدد ديونها.

ثانيا: مصادر الديون الداخلية

يتبادر الي الذهن للوهلة الاولي سؤال هام يتمثل في ماهية مصادر الديون الداخلية وكيفية الإقراض بشأنها؟

والإجابة تتمثل في أن الدولة تلجأ للاقتراض الداخلي من مصدرين، المصدر الأول هو المؤسسات المحلية الموجودة داخل الدولة، مثل البنوك، أو مؤسسات التأمين، أو مؤسسات الاحتياط الجماعي ومنها على سبيل المثال صندوق المعاشات، والمصدر الثاني وهو الافراد العاديين المقيمين بالدولة مواطنين كانوا أو أجانب، وذلك من خلال شرائهم لما يطرح من أوراق مالية للشراء، وتسمى تلك الأوراق المالية بالسندات وأذون الخزانة.

وعندما تتخذ الدولة قرار الاقتراض الداخلي، تعلن عن قرارها لوزارة المالية، التي تقوم بدورها بطرح أوراق مالية بالمزاد على المؤسسات المحلية داخل الدولة، لشراء هذه الأوراق المالية مقابل عائد تلتزم الدولة به.

ومن الملاحظ عمليا أن المصدر الرئيسي لتمويل هذه المؤسسات هو المواطن، فالبنوك تقرض الافراد والمؤسسات على اختلاف أنواعها مقابل فائدة، ولعل السبب في ذلك مرده تعدد أنواع التأمين المنتشرة بالسوق الاقتصادي في الدولة، كما أن قوانين التأمينات الاجتماعية والمعاشات تسمح بالاقتراض من أموالها المدخرة، وهو ما دفع الدول إلى التفكير في مد فترة التقاعد لتجاوز الستين عاما للإحالة للمعاش من الوظيفة أو العمل بالقطاع العام أو الخاص على حد سواء.

1- وسائل الاقتراض الداخلي

تعتمد الدولة في الاقتراض من المؤسسات المحلية على وسيلتين لذلك وهما السندات وأذون الخزانة، وبينهما اجل محدد تلتزم الدولة بالوفاء بقيمة السند للمشتري، وبقيمة إذن الخزانة المسجلة بالسجلات المعدة لذلك لمالكها، فمدة السندات تتراوح بين الاجل المتوسط الذي تقل مدته عن عشر سنوات، والاجل الطويل الذي تزيد مدته عن عشر سنوات، أما مدة أذون الخزانة القصيرة لا تتجاوز السنة الواحدة.

أ- أذون الخزينة

هو صك مديونية يتم اللجوء إلى استعماله من قبل الدولة ممثلة في الحكومة، وذلك ليكون أداة تمكنها من الاقتراض، والذي يكون في الغالبية العظمى بهدف سداد مديونيات متنوعة عليها، أو للقيام بعملية إعادة هيكلة بمواعيد استحقاق تلك المديونيات، وفي الغالب يتم بيع الإذن بخصم، ويقصد بذلك أن عملية البيع تتم بثمن يقل عن القيمة الإسمية للإذن، وبحلول تاريخ الاستحقاق تصبح الحكومة ملتزمة بسداد قيمة الإذن الإسمية، ويكون الفارق بينهما هو العائد الذي يدره الإذن على مالكه.

ب- السندات الحكومية

هو صك مديونية تستخدمه الحكومة كوسيلة للاقتراض لغرض الإنفاق العام، وتتعهّد الحكومة أن تدفع لحامل السند فائدة، وأن ترد القيمة الاسمية للسند عند حلول تاريخ الاستحقاق[4].

كما تقوم الدولة بجذب المقرضين بالعديد من المزايا للأقبال علي الاكتتاب في هذه القروض منها:

– وجود فائض في المدخرات المحلية عن حاجة السوق.

– وجود استعداد للمدخرين للاكتتاب في سندات القروض.

– قدرة الدولة على المحافظة على التوازن الداخلي، وتمنع اختلاله من جميع الجوانب[5].

2- إيجابيات وسلبيات الدين الداخلي

أ- الايجابيات

يمتاز الدين الداخلي بأنه إذا استخدم بالشكل المناسب، فسوف يؤدي إلى تنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة، والمساهمة خصوصاً في الاستثمارات الرأسمالية؛ وتنمية رأس المال البشرى.

كما أن عوائده التي تلتزم الدولة بدفعها عند السداد يعود أثرها على المؤسسات المقرضة داخل الدولة، بجانب أنه لا يتسبب في استنزاف العملات الأجنبية داخل الدولة، علاوة على عدم اقترانه بإملاءات أو شروط من قبل الجهات المقرضة كما هو الحال في التمويل من خلال القروض الخارجية.

ولا يعاني من مشكلة مخاطر أسعار الصرف وتقلباتها لأنه يسدد بالعملة المحلية.

ب- السلبيات

الدين الداخلي يؤدي إلى مخاطر تفاقم المديونية الداخلية وأعبائها وتراكمها، وترحيلها من عام إلى آخر دون تسديد الفوائد، أو إعادة أصل القرض لظروف قاهرة، كما هو حال الوضع القائم في مصر، حيث تترتب عليها آثار سلبية محتملة على مجمل الأداء الاقتصادي.

 كما قد يؤدي الدين الداخلي إلى إضعاف استثمارات القطاع الخاص كما هو الحال في اقتراض الحكومة من البنوك، خاصة عندما تتوسع بشكل غير مدروس مما يقلل من مصادر التمويل المتاحة للقطاع الخاص، من خلال التأثير على حجم السيولة، وهذا يؤدي إلى حرمان الاقتصاد من مشاريع تولد فرص عمل جديدة وتساهم في رفع نسبة النمو.

وترتيباً على ذلك فإن التعامل مع الدين الداخلي يفترض أن يتم في إطار واضح، يخضع للمراجعات المستمرة التي تنفذ في مجال المالية العامة، بما يضمن سلامة الإطار الكلي للاقتصاد، لأن اقتصاد المستقبل ليس كما سبقه، والالتفات إلى الآثار المتوقعة لأدوات الدين الداخلي على أسعار الفائدة وإمكانية تفضيل المؤسسات المالية والبنوك لإقراض الحكومة بدلا من القطاع الخاص، باعتبار أن الدين الحكومي الداخلي مضمون، وليس له مخاطر مرتفعة مقارنة بالاستثمار الخاص.

وعلية فإن التوازن بين مختلف أشكال الاقتراض لتحقيق الانسجام بين السياسة المالية والنقدية مطلوب، وذلك لتحقيق التوازن بين القطاعين العام والخاص، وفي كل الأحوال لا بد من تفعيل أدوات الرقابة على الاقتراض الحكومي[6].

3- مخاطر الدين الداخلي

رغم أهمية الحاجة إلى الدين الداخلي بصفه خاصة والديون بصفة عامة، إلا أن مخاطرها تكمن في تراكمها وقت الاستحقاق، وترحيلها من سنة إلى أخرى سواء بأصل القرض أو فوائده والرسوم الأخرى، مما يجعل الحكومة تخصص جزءاً كبيراً من أموالها لسداد الأقساط المترتبة عن القروض والأتعاب الإدارية من الميزانية السنوية للدولة، وهذا يؤدي إلى زيادة العبء على النفقات العامة.

فالارتفاع الدائم لمعدلات نسب الدين الداخلي وما يترتب على أثرها من فوائد ثد يدفع الدولة ناحية بنكها المركزي، وذلك متى تعدت الأرقام القياسية التي تم تقديرها على مستوى العالم مقارنة بإجمالي الناتج المحلي في كل المراحل، ويكون ذلك إما بهدف طبع كميات أخرى من النقد، أو المضي في طريق الاقتراض ولو كانت الفائدة صفر، حيث أنه في الحالة الأولى ينتج ارتفاع في عدلات المعروض من النقد في الأسواق، وفي الحالة الثانية تؤدي إلى اندماج بين التضخم والانكماش، وفي جميع الاحوال يترتب على ذلك ضعف الاقتصاد.

ولكي نستطيع تجاوز هذه المخاطر وتوقيها، فيلزم أن يدار الدين الداخلي للدولة من خلال منظومة واعية وحكيمة ومطلعة على مجريات السوق واحواله، ووضع صياغة وحوكمة جديدة لتسييرها تتوافق مع خلق صيغة ملائمة للدين الحكومي الداخلي.

ثالثاً: كيفية الحصول على الدين الداخلي وأثره على ميزانية الدولة

1- إجراءات الحصول على الدين الداخلي

هذا الموضوع يختلف من دولة لأخري، ففي أغلب الدول والحكومات يتم طرح موضوع الالتجاء للحصول على قرض داخلي من الحكومة على المجلس النيابي المختص – حسب النظام السياسي لكل دولة – للمناقشة من اعضائه باعتبارهم ممثلين عن الشعب، ويتم طرح مخاطر الاقتراض ومخاطر سداده المحتملة، وبعد ذلك يصدر المجلس النيابي قرار بأغلبية اعضاءه بالموافقة على حصول الحكومة على القرض الداخلي أو ترفضه.

وبالنسبة للمؤسسات التي تمنح القرض فهي تطرح شروط خاصة للحصول على القرض، وتلتزم الحكومة بتنفيذها، ولكن هذا في حالة الاقتراض من الخارج كما حدث في مصر عام 2017 بحصول الحكومة المصرية على قرض من صندوق النقد الدولي، وهو أحد المؤسسات الدولية المتخصصة في إقراض الدول، مما دفع الحكومة لاتباع تطبيق سياسة التقشف مثل (رفع الدعم عن عدد من السلع والخدمات)، وفي نفس الوقت تتابع المؤسسة الخارجية نسبة المخاطر، وذلك عن طريق مقارنة ديون الدولة بالناتج القومي الإجمالي.

ومن هنا كان حرص المشرع الأردني على وضع آلية إدارية ورقابية على الاقتراض الحكومي، فنص في (المادة 21) من القانون رقم 26 لسنة 2001 الخاص بالموازنة العامة للملكة الأردنية الهاشمية، بعدم جواز ان يزيد صافي الرصيد القائم للدين العام الداخلي عن 40% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في أي وقت من الأوقات، وذلك بالأسعار الجارية للسنة الأخيرة التي تتوافر عتها البيانات.

الامر الذي نري معه ان المشرع الأردني وضع قاعدة قانونية هامة في إدارة الدين العام، حيث قام بوضع وتحديد الأغراض التي يقتصر عليها الاقتراض الحكومي، كما قام بتحديد آليات وإجراءات وصلاحيات الاقتراض الحكومي، من أهمها أن القانون حصر الاقتراض الحكومي الداخلي بالسندات الحكومية بما فيها اذون الخزانة، وحظر الاقتراض المباشر من البنوك التجارية أو أي مؤسسة أخري.

كما جاء نص (المادة 10) من القانون 26 لسنة 2001 ليحدد الغرض من الاقتراض الحكومي بالدينار الأردني، حيث حصره في تمويل عجز الميزانية، أو دعم ميزان المدفوعات، أو تمويل المشاريع ذات الأولوية الوطنية المدرجة في الموازنة العامة، أو توفير التمويل اللازم المدرج في الموازنة العامة، أو أي قانون مؤقت لمواجهة الكوارث وحالات الطوارئ (كما هو الحال في الوضع الراهن بالمملكة الأردنية الهاشمية في ظل انتشار وباء كورنا العالمي)، أو إعادة هيكلية المديونية الداخلية والخارجية.

ولقد منح المشرع الأردني حق الاقتراض الحكومي لوزير المالية مفوضا من مجلس الوزراء، مع ضرورة أخذ موافقة المجلس على كل حالة يتخذ بحقها قرار الاقتراض الداخلي، كما أجازت (المادة 9) من ذات القانون لوزير التخطيط حق الاقتراض الحكومي ولكن بشرطين اساسين، الشرط الأول هو الحصول على موافقة مجلس الوزراء على الاقتراض، والشرط الثاني هو وجوب التنسيق المشترك بين وزيري التخطيط والمالية حول الاقتراض المطلوب.

كما أحسن المشرع الأردني صنعا عندما نص بالفقرة الأخيرة من نفس المادة بإلزام جميع أجهزة الدولة بتزويد المديرية المختصة بالدين العام (مديرية الدين العام بالوزارة) بجميع البيانات المتعلقة بما يخصها من الدين العام، وهذا نوع من أنواع الرقابة الصارمة على مفردات الدين العام للدولة.

ومع ذلك فقد تلاحظ لنا رغم إعطاء مجلس الوزراء الصلاحية في تحديد بدء سريان إجمالي الدين العام والدين الخارجي، إلا أن ذلك لم يتضمن المادة المنظمة للرصيد القائم للدين الداخلي، وهذا يدل على ان الحكومة في ضوء برامجها وخططها في إدارة الدين العام لم تستطع ان تلتزم بنص القانون فيما يتعلق بالنسب المقررة لرصيد الدين الداخلي.

2- الآثار المترتبة على الدين الداخلي وأثره على الموازنة العامة

يعد الدين الداخلي أحد أهم أدوات التمويل الحكومي للمؤسسات العامة بالدولة، وذلك من أجل تحقيق غرض من الأغراض السابق ذكرها، والمحددة على سبيل الحصر، حيث يتم التمويل من خلال حشد المدخرات المحلية للمواطنين والأشخاص الاعتبارية كالبنوك وشركات التأمين، وذلك لتغطية عجز الموازنة العامة للحكومة، أو المؤسسات المستقلة، ومن الآثار الهامة لهذا التمويل أنه يساعد على تنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة داخل الدولة، كما يساهم بشكل كبير في الاستثمارات الرأسمالية، ويساعد في تنمية وتطوير رأس المال البشري، فضلا عن أن العائد الملزم للحكومة على الاقتراض يعود أثره بالنفع على المؤسسات المقرضة داخل الدولة، لأنه لا يتسبب في استنزاف العملة الأجنبية من الدولة، والتي تمثل جانب هام في تقوية الاقتصاد القومي لها.

كما أن الحكومة لا تفرض شروط معينة على المؤسسات المقرضة أو الأفراد المالكة للسندات أو أذون الخزانة المطروحة للاكتتاب، ولا يتعرض الاقتراض الحكومي الداخلي إلى تقلبات أسعار الصرف، لأنه مرتبط بالعملة الوطنية، وتلتزم الحكومة بالوفاء به بذات العملة الوطنية عند حلول الأجل.

ومن الأهمية بمكان إدارة الدين الداخلي في سياق متكامل ووفق أهداف محددة وفي إطار الحاجة الموجبة له، لتحقيق السياسة المالية للدولة أهدافها من تنفيذ المشروعات الاقتصادية الكبرى، مع الوضع في الاعتبار استثمارات القطاع الخاص بالشراكة الاقتصادية لتحقيق التنمية، فاقتراض الحكومة من البنوك خاصة عندما تتوسع في الاقتراض بشكل غير مدروس، يؤدي إلى تقليل مصادر التمويل المتوفرة للقطاع الخاص، عن طريق التأثير على حجم السيولة من النقد.

كما قد يؤدي الى حرمان الاقتصاد من مشروعات اقتصادية وتجارية هامه، يترتب عليها توفير فرص عمل للمواطنين، وتقلل من مشكلة البطالة من ناحية، وتزيد من الناتج المحلي للدولة من ناحية أخري، وذلك كله يتحقق معه زيادة في نسبة النمو الاقتصادي.

3- أثره على الموازنة العامة للدولة

لعل التعامل مع الدين الداخلي يفترض أن يتم في إطار محدد وواضح، ويخضع للإصلاحات التي تقوم الدولة بتنفيذها في مجال السياسية المالية العامة، لضمان استقرار منظومة الاقتصاد الكلي داخل الدولة، وعليه يؤثر الدين الداخلي بصفة خاصة والدين العام بصفة عامة علي الحكومات لتخصيص جزء كبير من ميزانيتها لدفع الأقساط الناشئة عن القروض، مما يؤثر بالسلب في الانفاق العام على القطاعات الحيوية بالدولة كالتعليم والصحة.

والزيادة المستمرة في حجم الدين الداخلي تدفع الحكومات في اتجاه قيام البنك المركزي القائم على السياسية النقدية بالدولة لطبع المزيد من العملة الوطنية، مما يؤدي إلى زيادة المعروض في السوق، ويترتب على ذلك فقد العملة لقيمتها السوقية، فيزداد التضخم، وترتفع معه أسعار السلع والخدمات.

فالتوازن بين مختلف أشكال الاقتراض هو أمر ضروري وحتمي لتحقيق الانسجام بين السياسة المالية والسياسة النقدية للدولة من جانب، وتحقيق التوزان بين القطاع العام والقطاع الخاص من جانب اخر.

وفي كل الأحول يجب الوضع في الاعتبار أن المديونية سواء كانت داخلية أو خارجية، إذا تجاوزت الحدود المقررة قانونا ولم تستغل إلا كوسيلة لتمويل النفقات الجارية فقط، أصبحت خطرا على الإنجازات التنموية التي تحققت على أرض الواقع، بدلا من أن تصير وسيلة تعزيز ومساعدة لها، كما تقلل من قدرة السياسة المالية على القيام بدورها التنموي في الاقتصاد القومي للدولة.

ونحن نرى أن السبب في ذلك أن الدين العام للدولة يمكن أن يكون أداة تمويل تسهم في بناء المشروعات الاستثمارية الكبرى، وتساعد على إنشاء بنية تحتية قوية تساعد في تحقيق أهداف تلك المشروعات، عكس مستوي القطاع العام والخاص.

وهنا نشيد بالحكومة الأردنية لحرصها على معالجة الأسباب المؤدية لارتفاع الدين الداخلي بالاستفادة من أدوات التمويل الإسلامي، وإمكانية استخدامها في إقامة مشروعات تنموية واستثمارية كبري في مجال مشروعات الشراكة، بإصداره قانون صكوك التمويل الاسلامية في عام 2012.

 كما تسعى المملكة الأردنية الهاشمية لتوفير وسيلة جديدة تعزز من إدارة الدين العام، ويمكن من خلالها توفير التمويل اللازم للمشروعات القومية، والتي قد لا يمكن للموازنة العامة للدولة أن توفر التمويل اللازم لأنشاء مثلها داخل الدولة.

وتلجأ الدول لتقليل الدين الداخلي من خلال تخفيض الإنفاق الحكومي من ناحية، وزيادة الضرائب على اختلاف أنواعها من ناحية أخرى، بل وإدخال أوعية ضريبية تخضع لها لم تكن خاضعة من قبل، لأن ذلك يؤدي إلى ارتفاع دخل الدولة وزيادة إيراداتها، ويجعلها قادرة على مواجهة أعبائها المالية بالأنفاق العام، ويعطيها القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية مثل تسديد الدين الحكومي الداخلي في مواعيد استحقاقه، حتى لا تتعرض الدولة لأخطار تصل إلى حد إشهار إفلاس الدولة ذاتها.

وفي نهاية المقال قد يسأل سائل هل الديون بين مواطني الدولة أو بينهم وبين الأجانب سواء كانوا طبيعيين او معنويين يندرج تحت مصطلح الديون الداخلية؟

الجواب على ذلك أنه لا تندرج الديون القائمة بين أفراد المجتمع الواحد طبيعيين او معنويين، او بينهم وبين الأجانب الناتجة عن تعاملاتهم اليومية مدنية كانت او تجارية او حتى اقتصادية، تحت الديون الداخلية، لأن هذه الديون تؤثر فقط على الفرد الملتزم بها سلبا او إيجابا، نتيجة احتياجاته اليومية أو الاقتصادية، فهي متعلقة بشخصيته القانونية، وإن اتحدت الوسيلة وهي الاقتراض سواء من شخص مثله أو من شخص معنوي كالبنوك، فتحكمها نظرية الالتزام العامة الواردة بالقانون المدني أو التجاري، ولا يمكن ان نطلق عليها ديون داخلية، ولكن يطلق عليها ديون شخصية لالتصاقها بشخص صاحبها، مع الاختلاف البين بين الطبيعة القانونية للدين الحكومي الداخلي، والدين الشخصي لأفراد الدولة.

بينما الدين الداخلي قاصر على ما تستدينه الدولة من الأشخاص الطبعيين أو المعنويين بوسيلة الاقتراض، باعتبارها شخص قانوني معنوي له ذمة مالية مستقلة، تتمثل في الميزانية العامة للدولة والتي تعبر عن مدى التوازن الاقتصادي لها.

رابعاً: الخاتمة

تعد الديون الداخلية مصطلح مرتبط بعلم الاقتصاد القانوني، وهي من الوسائل التي تلجأ اليها الدولة لمواجهة الانفاق العام متى زاد عن الايراد العام، لتمويل المشروعات التنموية والاستثمارية داخل الدولة، ويتميز بإمكانية الحصول عليه بالاقتراض من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين المقيمين داخل الدولة ولو كانوا أجانب، ويسدد بالعملة الوطنية للدولة، وحدده المشرع الأردني بانه الدين الواجب تسديده بالدينار الأردني.

وتتحصل الدولة علية بطريق الاقتراض من خلال طرح أوراق مالية بالمزاد على جمهور المتعاملين، بوسيلتين هما السندات الحكومية وأذون الخزينة، وتلتزم الدولة بالوفاء بقيمتها خلال اجل معلوم قد يقصر أو يطول، كما يخلو من الشروط المقيدة للدولة عند تنفيذ مشروعاتها الاقتصادية ولا يتعرض لتقلبات سعار العملة.

ولقد حرص المشرع الأردني على وضع قاعدة قانونية هامة في إدارة الدين العام، حيث قام بوضع وتحديد الأغراض التي يقتصر عليها الاقتراض الحكومي، كما استفاد من أدوات التمويل الإسلامي، وإمكانية استخدامها في إقامة مشروعات تنموية واستثمارية كبرى، بإصداره قانون صكوك التمويل الاسلامية.

كتابة: د. نهاد احمد إبراهيم

[1]– أحمد عبد الرحيم زردق – اقتصاديات المالية العامة: دراسة نظرية تطبيقية – جامعة الزقازيق – مصر، ص163.

[2]– محمود حسين الوادي – مبادئ المالية العامة – دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة – الأردن – ص93.

[3]– راضي محمد العضايلة وآخرين – هيكل الدين العام في الأردن وتأثيره على النمو الاقتصادي (1980 – 2012) – بحث منشور بمجلة العلوم الإدارية – الجامعة الأردنية – 2015 – ص 517.

[4]– أحمد عبد السميع علام – المالية العامة: المفاهيم والتحليل الاقتصادي والتطبيق – مكتبة الوفاء القانونية – الإسكندرية – مصر – 2012 – ص196.

[5]– خالد عبد المجيد دراز – مبادئ المالية العامة – الدار الجامعية للنشر – الإسكندرية – مصر – 2002 – ص 301.

([6]) عبد الحميد محمد القاضي، مبادئ المالية العامة دراسة في الاقتصاد العام، دار الجامعات المصرية، مصر، الإسكندرية، صـ180

Scroll to Top