إثبات العقد الإلكتروني
تعتبر العقود الإلكترونية أحد أهم إفرازات التكنولوجيا الحديثة خاصة بعد دخول شبكة الإنترنت لمجال العمل التجاري، وباتت التجارة الإلكترونية هي أحد سبل التبادل التجاري عبر الحدود، واتخذت من العقود الإلكترونية وسيلة إبرام عمليات التجارة الإلكترونية، هذه العقود التي يتم إبرامها عبر شبكة الإنترنت والتي تعتبر العمود الفقري لتلك العمليات.
وقد تباينت الآراء ووجهات النظر حول مدى إمكانية ضبط عملية إثبات العقود الإلكترونية، ووضع رؤية قانونية لذلك في ظل حداثة العقود الإلكترونية، والوسائل التي يتم من خلالها إثبات هذا النوع من العقود بشكل سريع يتناسب مع طبيعتها التجارية، لاسيما كونها تبرم إلكترونياً عبر التوقيع الإلكتروني والكتابة الإلكترونية، ويتم إثباتها أيضاً من خلالهما، لذلك فنحن في هذا المقال سنوضح الموقف الذي اتخذه المشرع الأردني من العقود الإلكترونية، والكيفية والآلية التي قررها في مجال إثبات هذا النوع المستحدث من العقود.
ثانياً: عناصر إثبات العقد الإلكتروني
ثالثاً: حجية عناصر العقود الإلكترونية في إثبات العقد
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: ماهية العقد الإلكتروني
قبل الخوض في موضوع إثبات العقد الإلكتروني يجب علينا بداية توضيح ماهية العقد الإلكتروني، باعتباره هو محل الإثبات الذي نتعرض إيه في هذا المقال، وبالتالي يجب قبل أن نتحدث عن عملية إثباته أن نكون على علم بماهيته.
1- التعريف بالعقد الإلكتروني
يعد العقد الإلكتروني صورة مطابقة للعقد التقليدي، ولا يختلف كلاً منهما عن الآخر إلا في طرق الانعقاد، حيث أن العقد الإلكتروني تتم عملية إبرامه عبر الوسائل الإلكترونية المختلفة، وباعتبار أن العقود الإلكترونية من الصور المستحدثة للعقود، فقد اهتم فقهاء القانون بوضع تعريف يوضح ماهية تلك العقود، ويبين ما يعتريها من اختلاف عن العقود التقليدية، خاصة وأن هناك جدلاً واسعاً حول مفهومها ومغزاها، وتعددت الآراء وتباينت في هذا الشأن.
فقد ذهب جانب من الفقه القانوني الذي ينظر إلى العقود الإلكترونية من حيث طريقة وآلية انعقادها إلى تعريفها بأنها العقود التي يتم إبرامها عن طريق عملية تبادل رسائل سابقة الإعداد تم إعدادها بشكل إلكتروني بين طرفي التعاقد، ويترتب عليها التزامات تعاقدية في حق كل منهما[1].
كما عرفت في رأي البعض الآخر بالنظر إلى الوسيلة التي يتم من خلالها إبرامها على أنها العقود التي تتم بموجب اتفاق يقع بين طرفيها يتضمن تلاقي الإيجاب مع القبول عن بعد من خلال إحدى شبكات الاتصال الدولية، وذلك عبر إحدى الوسائل التفاعلية لتلك الشبكات سواء المسموعة منها أو المرئية[2].
وبالرجوع إلى قانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم 15 لسنة 2015 نجد أن المشرع الأردني لم يضع تعريفاً صريحاً للعقد الإلكتروني، ولكنه عرف السند الإلكتروني بوجه عام ودون تخصيص في نص (المادة 1) منه على أنه (السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونياً)، وهو هنا في هذا التعريف قد وضع تعريفاً عاماً جامعاً لأي مستند إلكتروني، ويدخل تحت مظلة هذا التعريف العقد الإلكتروني، كما أشار في تعريفه لرسالة المعلومات الإلكترونية في ذات المادة أنها (المعلومات التي يتم إنشاؤها أو إرسالها أو تسلمها أو تخزينها بأي وسيلة إلكترونية ومنها البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة أو أي تبادل للمعلومات إلكترونياً)، وهو يعد تعريفاً للوسيلة التي يتم من خلالها إنشاء العقد الإلكتروني وتبادل المعلومات والبيانات الخاصة بإبرامه.
بينما نجد اختلاف في موقف بعض المشرعين العرب الذين تصدوا لتعريف العقد الإلكتروني بشكل صريح، كما هو الحال في شأن المشرع السعودي الذي وضع تعريفاً خاصاً بالعقود الإلكترونية، حيث أنه بالرجوع إلى نظام التجارة الإلكترونية السعودي نجد أنه قد عرف العقد الإلكتروني في (المادة 1) منه بأنه (الاتفاق الذي يبرم إلكترونياً بين الأطراف الذين يتعاملون بالتجارة الإلكترونية)، بل نجد أن العقد الإلكتروني قد تم تعريفه بالفعل في قانون المعاملات الإلكترونية الأردني المؤقت رقم 85 لسنة 2001 والذي تم إلغائه بموجب قانون المعاملات الإلكترونية الجديد، حيث كان يضع تعريفاً خاصاً بالعقد الإلكتروني في (المادة 2) منه بأنه (الاتفاق الذي يتم انعقاده بوسائل إلكترونية كلياً أو جزئياً)، إلا أن ذلك التعريف لم يقابله نص مماثل في القانون الجديد، بل اقتصر الأمر على التعاريف المبينة سلفاً للسند الإلكتروني ورسالة المعلومات الإلكترونية، وهو ما يعد قصوراً في قانون المعاملات الإلكترونية الأردني يستوجب أن يتدخل المشرع لمعالجته، خاصة وأن وضع تعريف صريح ومستقل للعقد الإلكتروني هو بلا شك أفضل من الناحيتين النظرية والعملية من وضع تعريف مجمل لأي سند إلكتروني أو مجرد وصف لكيفية إبرامه.
2- السمات المميزة للعقود الإلكترونية
يتسم العقد الإلكتروني بعدة سمات تميزه عن العقد التقليدي، ويمكننا أن نعدد أبرز تلك السمات فيما يلي من نقاط متتالية.
أ- من حيث مجلس العقد
يتميز مجلس العقد في العقود الإلكترونية بأنه ينعقد زمانياً لا مكانياً، حيث أن طرفي التعاقد الإلكتروني يتلاقيان بمجلس العقد في ذات الوقت والزمن، ولكن يكون كل منهما في مكان مختلف عن الآخر، ويرجع الاختلاف في المكان إلى طبيعة العقود الإلكترونية التي تجعل انعقادها عن بعد، فيكون انتقال كلاً من الإيجاب والقبول بين الطرفين عن طريق وسيلة الاتصال الإلكترونية المستخدمة، وفي شكل رسائل إلكترونية متبادلة تتضمن البيانات والمعلومات الخاصة بهما.
ب- من حيث الطبيعة
الطبيعة الغالبة على معظم العقود الإلكترونية هي أنها عقود تتسم بالسمة التجارية، ويرجع ذلك إلى أن العقود الإلكترونية هي عصب التجارة الإلكترونية، إلا أن ذلك لا يمنع من كونها قد تتسم بالطابع المختلط في بعض الأحيان، فيمكن أن تكون تجارية لطرف من طرفيها، بينما تكون مدنية للطرف الآخر، فالعبرة هناك بصفة أطراف العقد – تجار أم لا – والهف من إبرام العقد هل هو للربح أم لاقتضاء حاجات شخصية أو أياً من سائر الأغراض الأخرى التي لا تتضمن الربح.
ج- من حيث نطاق العقد
يعتبر العقد الإلكتروني عقداً عابراً للحدود، فهو يتسم بالسمة الدولية التي يكتسبها من كونه يتم عن بعد بين طرفين قد يكون كل منهما في الأغلب بدولة تختلف عن دولة الطرف الآخر.
د- من حيث الرضائية والتسمية
يعتبر العقد الإلكتروني هو عقداً رضائياً من العقود المسماة، فهو رضائي لأنه ينعقد بالتقاء الإيجاب مع القبول كسائر العقود الرضائية، كما أنه يعد من العقود المسماة كونه قد حظي بتسمية خاصة ونصوص قانونية مستقلة تتولى تنظيمه من قبل المشرع.
ثانياً: عناصر إثبات العقد الإلكتروني
تستند العقود الإلكترونية في عملية إثباتها إلى عنصرين رئيسيين تنصب علهما كامل عملية إثبات العقد الإلكتروني، ويعتبر هذين العنصرين هما قوام العقد الإلكتروني، ويتمثل هذين العنصرين في السجل الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني، لذلك يلزم أن نتعرف بكل عنصر منهما قبل الخوض في مسألة إثباتهما.
1- التوقيع الإلكتروني
أ- تعريفه
يعد التوقيع الإلكتروني هو الأداة التي يمنح صاحبها العقد الإلكتروني قيمته وقوته القانونية، مثله في ذلك مثل التوقيع على العقود العادية، فلا يصبح الشخص ملتزماً بالعقد إلا بعد تذييله بتوقيعه، سواء كان التوقيع في شكل كتابي أو باستخدام بصمة الإبهام أو عن طريق الختم عليه بختمه الخاص.
وباعتبار أن التوقيع الإلكتروني هو العنصر الأهم في مسألة إثبات العقود الإلكترونية، فقد اهتم الفقه القانوني بالتصدي له بالتعريف الذي يبين ماهيته ومضمونه، فاختلفت التعريفات التي نتجت عن ذلك التصدي، وفيما يلي أهم وأبرز تلك التعريفات.
عرف التوقيع الإلكتروني بأنه مجموعة من المعطيات المحددة التي تظهر في صورة إلكترونية بحيث تعد دليل على سلامة وصحة ما يرتبط بها من معطيات أخرى تظهر أيضاً في شكل إلكتروني[3].
وعرف أيضاً بأنه جملة الإجراءات والسبل الإلكترونية والتقنية التي تمنح مستخدمها القدرة على إنتاج علامة يمكن من خلالها تمييز رسائله الإلكترونية ونسبتها إلى نفسه، وذلك من خلال استخدام حروف أو أرقام أو رموز أو شفرات إلكترونية[4].
وقد تعرض قانون الأونستيرال في (المادة 2/1) منه إلى تعريف التوقيع الإلكتروني بأنه (بيانات في شكل إلكتروني مدرجة في رسالة بيانات أو مضافة إليها أو مرتبطة بها منطقياً، يجوز أن تستخدم لتعيين هوية الموقع بالنسبة إلى رسالة البيانات ولبيان موافقة الموقع على المعلومات الواردة في رسالة البيانات).
كما عرف قانون المعاملات الإلكترونية الأردني التوقيع الإلكتروني في (المادة 1) منه على أنه (البيانات التي تتخذ شكل حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو أي وسيلة أخرى مماثلة في السجل الإلكتروني، أو تكون مضافة عليه أو مرتبطة به بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع وانفراده باستخدامه).
ب- شروطه
لا يعد أي توقيع إلكتروني بمثابة توقيع إلكتروني يعتد به في إثبات العقود الإلكترونية، بل يجب أن تتوافر في هذا التوقيع جملة من الشروط، والتي بتحققها يصبح هذا التوقيع توقيعاً إلكتروناً معتمداً في عملية الإثبات، وهذه الشروط أقرتها (المادة 15) من قانون المعاملات الإلكترونية، حيث نصت على أن (يعتبر التوقيع الالكتروني محمياً إذا توافرت فيه الشروط التالية مجتمعة: أ-إذا انفرد به صاحب التوقيع ليميزه عن غيره. ب- إذا كان يحدد هوية صاحب التوقيع. ج- إذا كان المفتاح الخاص خاضعاً لسيطرة صاحب التوقيع وقت إجراء التوقيع. د- إذا ارتبط بالسجل الإلكتروني بصورة لا تسمح بإجراء تعديل على ذلك السجل الالكتروني بعد توقيعه دون إحداث تغيير على ذلك التوقيع).
وفي هذا الشأن لم يكن مسلك المشرع الأردني في شأن اشتراط تحقق بعض الشروط في التوقيع الإلكتروني ليخضع للحماية القانونية مختلفاً عن المسلك الذي اتخذته كافة القوانين والتشريعات الأخرى، حيث أجمعت جميع القوانين والتشريعات على ضرورة توافر شروط محددة في التوقيع الإلكتروني – تختلف في مضمونها من قانون لآخر – حتى يتمتع هذا التوقيع بالحجية، وهذه الشروط وإن كانت تختلف من قانون لآخر، إلا أنها تدور حول ربط التوقيع الإلكتروني بصاحبه، واستئثاره به، وأن يكون متمتعاً بالسيطرة الفعلية عليه، وأن يكون التوقيع الإلكتروني قابلاً للتثبت من سلامته وصحته من خلال المعلومات والبيانات المرتبطة به.
أن ينفرد به صاحبه ليميزه عمن سواه
يجب أن يكون التوقيع الإلكتروني مميزاً لصاحبه عن أي شخص آخر، بمعنى أن يكون ذلك التوقيع مميزاً لهذا الشخص ويمكن التعرف على صاحبه عن طريقه، ويعد هذا الشرط من الشروط الهامة التي تكفل منع أي شخص خلاف صاحب التوقيع من استخدامه، بحيث تكون كافة مفاتيح هذا التوقيع في يد صاحبه فقط.
أن يكون دالاً على هوية صاحبه
حتى يكون التوقيع الإلكتروني ذو حجية في إثبات العقد الإلكتروني المذيل به، يجب أن تكون هناك دلالة من ذلك التوقيع يمكن من خلالها تحديد هوية صاحبه ونسبته إليه، فيكون مجرد ظهور التوقيع الإلكتروني كاف في حد ذاته لمعرفة صاحبه، بغض النظر عما إذا كان هذا التوقيع يشتمل على اسم صاحبه من عدمه، حيث يكفي أن يتيح التوقيع إمكانية التثبت من شخص صاحبه من خلال الجهات التي تمنح شهادات توثيق معتمدة.
ويختص كل تشريع بتحديد الآلية التي يعتمدها في شأن ثبوت نسبة التوقيع الإلكتروني لصاحبه، وقد اعتمد المشرع الأردني في هذا الشأن ما يعرف بشهادة التوثيق الإلكتروني، وهي شهادة تعرض لها المشرع بالتعريف في (المادة 2) من قانون المعاملات الإلكترونية على أنها (شهادة التوثيق الإلكتروني التي تصدرها جهات التوثيق الإلكتروني لنفسها لتمكين جهات التوثيق الأخرى من الوثوق بالشهادات الصادرة عنها).
خضوع المفتاح الخاص بالتوقيع لسيطرة صاحبه عند التوقيع
يقصد بالمفتاح الخاص كما عرفته (المادة 2) من قانون المعاملات الإلكترونية (الرمز الذي يستخدمه الشخص لإنشاء توقيع إلكتروني في معاملة إلكترونية أو رسالة معلومات أو سجل إلكتروني)، وفحوى هذا الشرط هو أن يكون صاحب التوقيع هو من قام بإنشائه وفقاً لرؤيته الحرة، ويحتفظ تحت يده بالمفتاح أو الرمز المشفر الذي يمكنه من خلاله استخدام توقيعه الإلكتروني، بحيث لا يتمكن أحد سواه من استخدام هذا التوقيع.
أن يكون التوقيع مرتبطاً بالسجل الإلكتروني
يشترط المشرع في التوقيع الإلكتروني أن يكون مرتبطاً بالسجل الإلكتروني الذي يذيل به بالشكل الذي لا يمكن أن يصح أحدهما دون أن يصح الآخر، وإذا ما تم إدخال أي تعديل على أي منهما – التوقيع أو السجل – فإن هذا الارتباط يجعل هذا التعديل يترك أثره على الآخر، وذلك بما يمنع من التعديل سواء في التوقيع أو السجل بعد تمام التوثيق.
2- السجل الإلكتروني
أ- تعريفه
يعتبر السجل الإلكتروني في نظر الكثيرين بمثابة أحد أشكال المستندات الإلكترونية، وهي أقرب إلى تطبيق لها أو نوع من أنواعها، لذلك عرفه جانب من الفقه بأنه ما يتم تدوينه من بيانات ومعلومات على وسط إلكتروني ما بحيث يمكن استخراجها على صورة يمكن فهمها[5].
كما عرف السجل الإلكتروني أيضاً بأنه المستند الإلكتروني الذي ينشأ أو يخزن أو يرسل أو يتم استلامه عن طريق إحدى الوسائل الصوتية أو الإلكترونية أو أياً من الوسائل التي تشابه ذلك.
وقد تعرض المشرع الأردني للسجل الإلكتروني بالتعريف فيما جاء بنص (المادة 2) من قانون المعاملات الإلكترونية على أنه (رسالة المعلومات التي تحتوي على قيد أو عقد أو أي مستند أو وثيقة من نوع آخر يتم إنشاء أي منها أو تخزينها أو استخدامها أو نسخها أو إرسالها أو تبليغها أو تسلمها باستخدام الوسيط الإلكتروني).
وبالتالي يتبين لنا أن السجل الإلكتروني يقصد به الرسالة الإلكترونية التي تحمل الاتفاق الممثل للعقد المبرم بين طرفيه، ويكون مستخدماً فيه التوقيع الإلكتروني لكلاً من طرفيه.
ب- شروطه
أوضحت (المادة 7) من قانون المعاملات الإلكترونية الشروط اللازم توافرها في السجل الإلكتروني ليعد بمثابة الأصل الورقي للعقد، وتتمثل تلك الشروط في:
– أن يكون السجل الإلكتروني محفوظاً بذات الشكل الذي تم إنشاؤه أو إرساله أو تسلمه عليه، وبصورة تكفل ضمانة عد وقوع أي تعديلات أو تغييرات على محتواه.
– أن يكون حفظ السجل الإلكتروني قد تم شكل يتيح إمكانية الوصول إلى ما جاء به من بيانات ومعلومات، واستخدام تلك البيانات والمعلومات أو الرجوع إليها في أي وقت، ويعتبر ذلك الشرط من أكثر الشروط تأثيراً في حجية السجل الإلكتروني في الإثبات، حيث أن أهم قواعد الإثبات هو إمكانية مراجعة الدليل دون التقيد بمدة معينة، ويعرف ذلك في المحررات والعقود التقليدية المكتوبة بمبدأ استمرارية الكتابة[6].
– أن تتوافر السبل التي تتيح القدرة على معرفة المنشئ والمرسل إليه وتاريخ ووقت إنشائه أو إرساله أو تسلمه.
ثالثاً: حجية عناصر العقود الإلكترونية في إثبات العقد
منح المشرع الأردني للتوقيع الإلكتروني والسجل الإلكتروني القوة والحجية في إثبات العقد الإلكتروني، إلا أنه في هذا السبيل قد وضع مجموعة من الضوابط والشروط التي تمنحهما تلك القوة والحجية.
1- حجية التوقيع الإلكتروني في إثبات العقد
يعد التوقيع على العقد الإلكتروني مؤدياً لذات المهمة التي يؤديها التوقيع العادي على العقد التقليدي (المفرغ في شكل كتابي)، فهو يعد الدليل الدامغ على أن العقد قد صدر من صاحبه، ويمكن عن طريقه نسبة هذا العقد إليه، إلا أن التوقيع الإلكتروني نظراً لطبيعته الخاصة فهو يخضع لضوابط خاصة تمنحه تلك الحجية متى توافرت فيه.
وبالرجوع إلى قانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم 15 لسنة 2015 سيتبين لنا أن المشرع قد منح الحجية للتوقيع الإلكتروني في عملية إثبات العقد الإلكتروني متى كان هذا التوقيع موثقاً، فقد منح المشرع الأردني السجل الإلكتروني الحماية التي تمنحه حجية إثبات العقد وفقاً لتحقق توثيق التوقيع الإلكتروني أو حمايته فقط أو انتفاء التوثيق والحماية معاً، أي بشكل متدرج تبعاً لحالة التوقيع الإلكتروني، وهو ما سنبينه في موضعه عند التعرض لحجية السجل الإلكتروني.
ولا يتحقق شرط التوثيق للتوقيع الإلكتروني إلا في ظل توافر الشروط والضوابط المحددة على النحو التالي:
– أن يكون التوقيع الإلكتروني محمياً، وذلك بتوافر الشروط التي نصت عليها (المادة 15) من القانون فيه، وهذه الشروط سبق وأن أوضحناها في البند (ثانياً/1/ب) من هذا المقال، والمتعلقة بحماية التوقيع الإلكتروني من انفراد صاحبه به ودلالته على هويته وغيرها من الشروط التي يرجى الرجوع إليها في القسم المبين سلفاً من المقال.
– لم يكتفي المشرع في الاعتداد بالتوقيع الإلكتروني لإثبات العقد الإلكتروني بمجرد كونه محمياً فقط، ولكنه استلزم أمر آخر وهو أن يكون التوقيع الإلكتروني – وفقاً لنص (المادة 16) من قانون المعاملات الإلكترونية – مرتبطاً بشهادة توثيق إلكتروني، وقد سبق وأن أشرنا إلى تعريف هذه الشهادة وحجيتها في إثبات نسب التوقيع الإلكتروني لصاحبه في صلب هذا المقال، ويشترط في تلك الشهادة ما يلي:
* أن تكون هذه الشهادة صادرة طبقاً لما يتضمنه قانون المعاملات الإلكترونية والتعليمات والأنظمة التي يتم إصدارها بموجبه.
* أن تصدر تلك الشهادة عن إحدى خمس جهات حددها القانون على سبيل الحصر وهي
- أياً من الجهات المرخص لها في المملكة الأردنية بمهمة التوثيق الإلكتروني.
- أي جهة من الجهات المعتمدة في الدولة للقيام بالتوقيف الإلكتروني.
- الجهة الحكومية التي يجيز لها مجلس الوزراء على القيام بالتوثيق الإلكتروني متى استوفت كافة المتطلبات الخاصة بذلك والتي تحددها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.
- وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
- البنك المركزي الأردني (وذلك فيما يخص التعاملات المصرفية أو المالية الإلكترونية).
فإذا ما توافر للتوقيع الإلكتروني تلك الشروط فإنه يعتبر توقيعاً موثقاً، وينتج آثاره في إثبات العقد الإلكتروني.
2- حجية السجل الإلكتروني في إثبات العقد
منح قانون المعاملات الإلكترونية الأردني للسجل الإلكتروني حجية في إثبات العقد الإلكتروني، فالسجل الإلكتروني كما سبق وأن أوضحنا يكون له قوة في إثبات العقد الإلكتروني بمجرد توافر الشروط التي تطلبها القانون في السجل الإلكتروني والتي أوضحناها سلفاً عند الحديث عن شروط السجل الإلكتروني، إلا أن القانون قد حدد حجية وقوة السجل الإلكتروني في إثبات العقد من حيث نطاق الاحتجاج بتلك الحجية استناداً إلى التوقيع الإلكتروني المرتبط بهذا السجل، حيث فرق بين أكثر من حالة بموجب نص (المادة 17) من قانون المعاملات الإلكترونية، والتي سنوضحها في النقاط الآتي بيانها.
أ- أن يكون التوقيع الإلكتروني المرتبط بالسجل محمي
تتمثل الحالة الأولى في أن يكون السجل الإلكتروني مرتبطاً بتوقيع إلكتروني محمي، وقد حدد القانون حدود ونطاق حجية السجل الإلكتروني عندئذ بأنها لا تكون إلا بين طرفيه، فيمكن الاحتجاج بالعقد من قبل أياً من طرفيه في مواجهة الآخر، وذلك طبقاً لنص (المادة 17/أ) معاملات إلكترونية، ولا تتعدى حجية العقد في تلك الحالة نطاق طرفيه.
ب- أن يكون التوقيع الإلكتروني المرتبط بالسجل موثق
وتعتبر تلك الحالة هي الحالة التي يكون فيها السجل الإلكتروني ذو حجية مطلقة في إثبات العقد الإلكتروني، وذلك متى كان التوقيع الإلكتروني المرتبط به هو توقيع إلكتروني موثق، فهنا يكون الاحتجاج به متاحاً لطرفيه سواء في مواجهة بعضهما البعض أو في مواجهة الغير، حيث تصبح حجيته في مواجهة الكافة وفقاً لما جاء بنص (المادة 17/ب) معاملات إلكترونية.
ج- أن يكون التوقيع الإلكتروني المرتبط بالسجل غير محمي أو موثق
متى كان السجل الإلكتروني مرتبطاً بتوقيع إلكتروني لا تتوافر له صفتي الحماية أو التوثيق، فإن حجية هذا السجل تكون قائمة ولكن وفق نطاق وضوابط محددين، فمن حيث النطاق فهو لا يتمتع بحجية لإثبات العقد الإلكتروني إلا بين طرفيه فلا يحتج به أياً من طرفيه إلا تجاه الطرف الآخر فقط دون الغير، ومن حيث ضوابطه فإنه في حالة أن ينكر أحد طرفي السجل تلك الحجية يكون عبء إثبات ذلك على عاتق من يتمسك بالسجل الإلكتروني ويحتج به، وذلك طبقاً لنص (المادة 17/ج) معاملات إلكترونية.
د- أن يكون السجل الإلكتروني غير مرتبط بأي توقيع إلكتروني
متى انتفى أي ارتباط بين السجل الإلكتروني وأي توقيع إلكتروني آخر من أي نوع، فإن المشرع قد قرر له في نص (المادة 17/د) حجية تماثل حجية المستندات غير الموقعة، كما هو الحال في حجية الرسائل ومستخرجات الحاسوب وغيرها من الحالات الأخرى التي قررها قانون البينة الأردني في شأن حجية الأوراق غير الموقعة في الإثبات، وتطبق على السجل الإلكتروني في تلك الحالة، بحيث لا يثبت العقد الإلكتروني إلا في حدودها ونطاقها.
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية 7876 لسنة 2018 تمييز حقوق والصادر بجلسة 13/12/2018 والمتضمن أن (وحيث إن تقرير الخبرة بني على حسابات قانونية باستخدام أجهزة الحاسوب في تنظيم سجلات الشركة المدعية ومستنداتها وبياناتها المالية وهي مدققة من قبل مدقق حسابات قانوني وتحتفظ الشركة بأصل المستندات المالية والوثائق المعززة وأنه تم اختبار البرنامج المحاسبي وتبين أنه يعمل بحيث إنه لا يسمح بإجراء أي تعديل أو حذف لمعززات البيانات المدخلة وتتضمن البيانات المدخلة التوقيع الإلكتروني لمدخلها ولا يوجد أوامر تسمح بحذف القيود وتعديلها بعد التدقيق وإن الشركة تمسك حسابات باستخدام أجهزة الحاسوب في تنظيم حسابات المخزون السلعي باستخدام الجرد المستمر ويوجد مستندات إخراج للمواد المباعة وبالتالي فإن هذه الحسابات تصلح لإجراء الخبرة عليها).
خامساً: الخاتمة
في ختام هذا المقال وبعد أن تعرضنا لعناصر العقد الإلكتروني التي تتمتع بالقوة والحجية الكافية لإثباته، فإننا نود أن نهيب بالمشرع الأردني وضع تعريف مستقل وصريح للعقد الإلكتروني اقتداء بالتعريف الذي نص عليه قانون المعاملات الإلكترونية المؤقت (الملغي)، كما يجب أن يكون تنظيم آلية إثبات العقد الإلكتروني أكثر وضوحاً، نظراً لأن تنظيم تلك الآلية في قانون المعاملات الإلكترونية المؤقت والملغي قد تم بشكل أكثر وضوحاً من تنظيمها في القانون الحالي.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – خالد ممدوح – إبرام العقد الإلكتروني – الطبعة الأولى – دار الفكر الجامعي – مصر – 2006 – ص52.
[2] – أسامة مجاهد – الوسيط في قانون المعاملات الإلكترونية – دار النهضة العربية – مصر – 2007 – ص120.
[3] – محمد إبراهيم أبو الهيجاء – التحكيم بواسطة الإنترنت – الطبعة الأولى – دار الثقافة – عمان – 2002 – ص83.
[4] – لورنس عبيدات – إثبات المحرر الإلكتروني – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2009 – ص 52 ، و( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )
[5] – جمال عبد العزيز – الدفاتر التجارية التقليدية والإلكترونية وحجيتها في الإثبات – دار النهضة العربية – مصر – 2006 – ص142. مقال كيفية كتابة العقد وفق الأنظمة السعودية ، ومقال كيفية مراجعة العقود وتدقيقها من ناحية قانونية ومقال كيفية كتابة وصياغة العقد التجاري.
[6] – سهى الصباحين – التوقيع الإلكتروني وحجيته في الإثبات – رسالة دكتوراة غير منشورة – جامعة عمان العربية – الأردن – 2005 – ص 63.

