خيار التعيين في عقد البيع
نظم المشرع الأردني أحكام خيار التعيين في القانون المدني بالمواد من (المادة 189) إلى (المادة 192)، وتعد المواد من (المادة 407) وحتى المادة (410) هي امتداد لها تحت مسمى التخيير في المحل، وهو مسمى لا يختلف في معناه عن خيار التعيين، إلا أن المسمى الذي إتخذه المشرع الأردني مستمد من الفقه الإسلامي، وقد تأثر المشرع الأردني كثيرا بأحكام خيار التعيين في الفقه الإسلامي وجعلها أساسا للنصوص التشريعية الخاصة بهذا الموضوع، خاصة فيما يتعلق بعدد الأشياء التي يمكن أن تكون محلا للتعيين، ولا شك أن تأثر المشرع الأردني بأحكام الشريعة الإسلامية لهو أمر حميد، ويظهر مدى تطور وتقدم الفقه الإسلامي، ومدى احترام المشرع الأردني لأحكامها.
أولاً: تعريف خيار التعيين وفائدته
ثانياً: التمييز بين خيار التعيين وما يختلط معه
ثالثاً: الاشتراطات الواجب توافرها في خيار التعيين
خامساً: أثر استخدام خيار التعيين من قبل من تقرر له
أولاً: تعريف خيار التعيين وفائدته
1- تعريف خيار التعيين
التعيين في اللغة يقصد به تحديد شيء بذاته من ضمن عدة أشياء، وقد عرفه أبو بكر الرازي في مختار الصحاح بأنه تخصيص الشيء من الجملة فيقال عين اللؤلؤة تعيينا، وهو مأخوذ من عين الشيء)[1].
بينما يعرف خيار التعيين قانونا بأنه حق من قرر لصالحه الخيار أن يختار شيئا من أحد الأشياء محل التعيين، ويصبح الشيء الذي اختاره هو محل الالتزام في العقد[2].
كما عرفه الفقه القانوني بأنه بيع يتفق فيه المتعاقدان على أن يقوم المشتري بشراء أحد الأشياء من ضمن شيئين أو ثلاثة، وذلك بعد أن يتفقا على سعر كل منهم وبعد أن يأخذ من تقرر لصالحه الخيار وقته في تحديد الشيء الذي سوف يشتريه من الأشياء محل الاختيار.
ومن آراء الفقه في شأنه أن وصف التخيير يقوم متى شمل محل الالتزام أشياء متعددة تبرأ ذمة المدين براءة تامة إذا أدى واحدا منها لدائنه[3].
وقد نصت (المادة 189) من القانون في تعريف خيار التعيين على أنه (يجوز أن يكون محل التصرف
عدة أشياء على أن تبرأ ذمة المدين إذا أدى واحدا منها).
2- فائدة خيار التعيين
لخيار التعيين فائدة كبيرة حيث يتيح للمشتري فرصة المفاضلة واختيار أفضل الأشياء المخير بينها لشراء أحدها، بحيث يكون لديه الوقت الكافي لتحديد أفضلها من حيث جودتها متى كان معيار اختياره هو الجودة، أو أكثرها تناسبا مع ما يمتلكه من مال إذا كان معياره الثمن، فالمشتري لديه الوقت الكافي لتحديد خياره، بخلاف البيع المنجز الذي يتم في مجلس العقد، ولاشك أن هذه فائدة عظيمة للمشتري، كما تظهر أيضاً أهمية خيار التعيين في حالة هلاك أحد الأشياء محل الخيار، فإن هلاك أحد الأشياء محل التعيين لا ينفسخ معه العقد، بل يبقى حق من تقرر الخيار لصالحه قائما فيما بقى منها دون هلاك.
ثانياً: التمييز بين خيار التعيين وما يختلط معه
1- الفرق بين خيار التعيين وخيار الشرط
يختلف خيار التعيين عن خيار الشرط في أن خيار التعيين لازم بالنسبة لمن كان له الخيار، ولا يجوز له التراجع عنه، فحقه يقتصر فقط على اختيار أحد الأشياء محل التعيين وله حرية اختيار أحدهما دون تدخل من الطرف الآخر، أما خيار الشرط فيكون العقد فيه متوقفا على قبول من فرض له الشرط، بحيث لا يكون العقد ملزما لطرفيه إلا بتحقق خيار الشرط، فمن تقرر له خيار الشرط له الحق في قبول إتمام العقد أو التراجع عنه.
كما يختلفان أيضا في أن خيار التعيين يكون لأحد طرفي العقد فقط سواء كان البائع أو المشتري، ولا يمكن أن يكون لكليهما الحق فيه، بخلاف خيار الشرط الذي قد يثبت لطرفي التعاقد أو للغير ممن يعد أجنبياً عن العقد، ويختلفان أيضاً فيما يخص الانتقال إلى الورثة، فبينما نجد أن خيار التعيين يقبل توريثه، بمعنى أن ينتقل الحق في التعيين إلى ورثة من تقرر الخيار لصالحه طالما لم يستخدم خياره قبل وفاته، فإن خيار الشرط يعد متعلق بشخصية من ثبت له الخيار، بحيث إذا توفى لم ينتقل الخيار إلى ورثته.
2- الفرق بين خيار التعيين والشرط الجزائي
يقصد بالشرط الجزائي الاتفاق بين طرفي التعاقد على ان يلتزم الطرف الذي يخل بأحد بنود العقد بدفع تعويض للطرف الآخر كجزاء على إخلاله بالتزامه، وعلى ذلك يمكن التفرقه بينهما على أساس هلاك الشيء لسبب أجنبي، فلا مجال لإعمال الشرط الجزائي إذا كان هلاك المبيع بسبب أجنبي، وكان من المستحيل تنفيذ الالتزام الواقع على المدين، أما خيار التعيين فيبقى لمن تقرر له ويقوم بالاختيار بين باقي الأشياء التي لم يصبها الهلاك.
3- الفرق بين خيار التعيين والالتزام البدلي
عرفت (المادة 411/1) من القانون المدني الأردني الالتزام البدلي بأنه (يكون التصرف بدليا إذا كان محله شيئا واحدا، ولكن تبرأ ذمة المدين إذا أدى بدلا منه شيئا آخر)، أي أن أساس الالتزام فيه هو شيئا واحداً، حيث يكون الإتفاق فيه بين الطرفين على شيء وبدله، ومتى تعذر على المدين تسليم الشيء المتفق عليه، فإنه يلتزم بتسليم بدله المعين بذاته وتبرأ ذمته بتسليمه.
وعلى أساس ذلك فالفارق الرئيسي بين خيار التعيين والالتزام البدلي أن خيار التعيين يكون المدين فيه ملتزما بتسليم أحد الأشياء محل التعيين، أو أن يختار المشتري بين أكثر من شيء تم الإتفاق على خيار التعيين بينهم، أما الالتزام البدلي فلا يكون تسليم البديل مبرء لذمة المدين إلا في حالة تعذر تسليم الشيء المتفق عليه أصلياً.
ثالثاً: الاشتراطات الواجب توافرها في خيار التعيين
1- أن يكون هذا الشرط وارداً في العقد
وهذا الشرط لازم في خيار التعيين، فلا يمكن تصور وجود خيار التعيين دون أن يكون هناك اتفاق مسبق بين طرفي التعاقد على حق أحدهما في الاختيار بين أشياء متعددة ومحددة بذاتها، فمتى لم يتم الإتفاق على خيار التعيين في العقد، أو لم يتم تحديد الأشياء محل التعيين بالذات، يكون العقد قد خلا من شرط الاختيار بالتعيين، باعتبار أن المحل مجهول وغير معلوم، ولا يجوز المطالبة به من قبل الدائن.
2- أن يقع خيار التعيين على أشياء متعددة
يجب أن يكون الاختيار بين أشياء متعددة بحيث يكون للمشتري اختيار أحدها، فإذا كان محل الاختيار شيئا واحدا أو أشياء متعددة لكنها ليست على سبيل الخيار بل على سبيل الإلزام، يكون العقد قد خلا من خيار التعيين، وفي شأن عدد الأشياء التي يرد عليها العقد لتكون محلاً لخيار التعيين فقد اختلفت القوانين في ذلك، فمنها من لم يحدد العدد بحد أقصى كما فعل القانون المدني المصري الذي لم يشترط عدد معين أو حد أقصى لعدد الأشياء محل التعيين، في حين أن المشرع الأردني قد اشترط ألا يتجاوز عدد الأشياء محل التعيين ثلاثة أشياء، وفي ذلك نصت (المادة 189) من القانون المدني على أنه (يجوز الاتفاق على أن يكون المعقود عليه أحد شيئين أو اشياء ثلاثة ويكون خيار تعيينه من بينها لأحد العاقدين وذلك بشرط بيان بدل كل منها ومدة الخيار).
3- أن تكون مدة خيار التعيين محددة
يلزم أن يكون لخيار التعيين مدة محددة، إلا أن القانون لم يحدد المدة أو حدها الأقصى بل ترك الأمر لظروف الحال وفقاً لما هو متعارف عليه، ويشترط في المدة بوجه عام أن تكون معقولة وليست شاذة على ما تعارف عليه الناس، ويترتب على تحديد مدة لخيار التعيين أن من تقرر له خيار التعيين سواء البائع أو المشتري له الحق خلال هذه المدة أن يعين ويختار الشيء الذي يريده من الأشياء المخير بينها، أما إذا مر الوقت المتفق عليه دون أن يحدد من تم تقرير خيار التعيين لصالحه ما يريده فعندئذ يسقط حقه في خيار التعيين، ولا يجوز له المطالبة به بسبب فوات ميعاده المتفق عليه بين طرفي العقد.
أما إذا خلا التعاقد المبرم من أي اتفاق على مدة الخيار، ومر زمن طويل أضير منه أحد المتعاقدين، كان لمن تقرر لصالحه خيار التعيين أن يلجأ للقضاء لتحديد مدته، فإن لم يختار من تقرر لصالحه الخيار خلال المدة المحددة من القاضي، كان للقاضي تعيين محل الالتزام بنفسه تنفيذا للعقد المبرم بين الطرفين.
رابعاً: أحكام هلاك وتعيب الأشياء محل خيار التعيين
بداية يجب أن نفرق بين هلاك الشيء عندما يكون خيار التعيين مقرراً لصالح المشتري، أو كان مقرراً لصالح البائع، فالقانون المدني الأردني لم يتطرق إلى فرضية أن يكون المشتري (الدائن) هو من يتقرر لصالحه خيار التعيين، فالنص في (المادة 407) من القانون المدني قد جاء على النحو التالي (يجوز أن يكون محل التصرف عدة اشياء على ان تبرأ ذمة المدين إذا أدى واحدا منها)، أي أن الأصل هو أن يكون خيار التعيين مقرراً لصالح البائع (المدين)، إلا أن القواعد العامة لا يوجد فيها ما يتعارض مع أن يكون خيار التعيين مقررا لصالح المشتري.
1- هلاك محل خيار التعيين المقرر للمشتري
تتباين أحكام الهلاك إذا كان الخيار للمشتري باختلاف السبب المؤدي إلى الهلاك، وما إذا كان الهلاك بفعل المشتري أو البائع أو عائداً إلى أجنبي عن العقد.
أ- إذا كان الهلاك بسبب البائع وقبل تسليم الشيء المباع إلى المشتري:
لا ريب أن تبعة الهلاك ترجع على البائع في تلك الحالة، وللمشتري الحق في الرجوع على البائع في باقي الأشياء محل التعيين ليختار من بينها، ولا ينفسخ العقد نظراً لوجود محل آخر أو أكثر غير الذي هلك، أما إذا طال الهلاك كافة الأشياء محل التعيين، فينفسخ العقد وجوبا لانعدام المحل في العقد، إلا أن ذلك لا يعفي البائع من تبعة الهلاك، وللمشتري أن يرجع على البائع كون عقد البيع مع خيار التعيين عقدا نافذا وملزما للطرفين منذ الإتفاق عليه، وليس عقدا متوقفا على شرط لنفاذه كما في عقد البيع بشرط التجربة، أو غيرها من العقود التي لا يتم نفاذها إلا بتحقق الشرط.
ب- إذا كان الهلاك بسبب المشتري وبعد استلام المشتري للشيء المبيع
أما إذا سلم البائع الأشياء محل التعيين إلى المشتري ثم هلك أحدها بخطأ المشتري، كان للمشتري إما ان يختار الشيء الذي هلك ويدفع ثمنه المتفق عليه وتبرأ ذمته، أو أن يختار شيئا آخر من الأشياء التي لم تتعرض للهلاك، لكن في هذه الحالة يجب عليه أن يدفع للبائع قيمة الشيء الذي تسبب بخطئه في هلاكه[4].
أما إذا تسبب خطأ المشتري في هلاك جميع الأشياء محل خيار التعيين، فللمشتري الحق في إختيار أحد الأشياء الهالكه تنفيذا لعقد البيع بخيار التعيين، وتبرأ ذمة المشتري بالنسبة لما اختاره من الأشياء الهالكة، ولكن يظل حق البائع قائماً في مطالبة المشتري بدفع قيمة الأشياء الأخرى التي هلكت بسبب خطأه.
ج- إذا كان الهلاك بسبب مشترك
يثور تساؤل عما إذا هلكت بعض الأشياء بسبب خطأ من البائع، وباقي الأشياء قد هلكت بسبب أجنبي، فيجب في هذه الحالة تعيين آخر الأشياء تعرضا للهلاك، فإن كان آخر الأشياء تعرضا للهلاك بفعل البائع كان لزاما على المشتري الرجوع على البائع بآخر شيء تعرض للهلاك، أما إذا كان آخر شيء تعرض للهلاك كان السبب فيه أجنبي، فالمشتري له الخيار عندئذ إما أن يختار أحد الأشياء التي هلكت بفعل البائع ويرجع عليه بقيمتها، أو أن يختار أحد الأشياء التي هلكت بسبب أجنبي وفي هذه الحالة تبرأ ذمة البائع من تبعة الهلاك.
– أما إذا كان هلاك أحد الأشياء يرجع إلى فعل المشتري نفسه أما الباقي فقد هلك بسبب أجنبي، فللمشتري الحق في أن يختار أحد الأشياء التي هلكت بسبب أجنبي ويلزم البائع بتبعة الهلاك، فيكون للبائع عندئذ الرجوع عليه بمطالبته بتبعة هلاك الشيء الذي هلك بسبب خطأه، أو أن يختار المشتري الشيء الذي هلك تحت يده وبسببه، وفي هذه الحالة تكون ذمته قد برأت ولا يجوز للبائع مطالبته بتبعة الهلاك طالما أن ثمن المبيع تم سداده، ويجب أن نضع في الاعتبار أن هذا الحكم في حالة أن يكون هلاك الشيء بسبب المشتري سابقا على هلاك باقي الأشياء بسبب أجنبي، أما إذا كان آخر ما هلك كان بفعل المشتري المخطئ فلا مجال لإعمال الحكم السابق، حيث يكون المشتري ملزم بتبعة هلاك الشيء الذي أتلف بسببه وليس له الحق في الخيار، وذلك تطبيقا للقواعد العامة.
– وإذا هلك أحد الأشياء بسبب الفعل الخاطئ للمشتري، وهلك باقي الأشياء محل التعيين بسبب الفعل الخاطئ للبائع، ففي هذه الحالة يكون المشتري قد برأت ذمته من الشيء الذي هلك تحت يده ولا يجوز للبائع مطالبته بتبعة الهلاك، كون الشيء الهالك أحد الأشياء المتفق عليها في عقد البيع مع خيار التعيين، لكن مع وجوب تسديد الثمن المتفق عليه عند إنعقاد العقد.
2- تعيب أحد الأشياء محل التعيين والخيار للمشتري
أ- حدوث العيب وهو تحت يد البائع
يكون للمشتري هنا أن يختار أحد الأشياء التي لم يلحقها العيب، إلا أنه إذا إختار المشتري الشيء المعيب وليس له الرجوع عندئذ على البائع بدعوى إنقاص ثمن المبيع، ذلك أن المشتري باختياره للمبيع المعيب يكون قد ارتضاه بعيبه، ولا يحق له الرجوع بالضمان على البائع، أما إذا لحق العيب بجميع الأشياء محل التعيين، فالحق للمشتري هنا إما أن يفسخ العقد، وإما أن يختار أحد الأشياء محل التعيين مع مطالبة البائع بإنقاص ثمن المبيع المعيب.
ب- حدوث العيب وهو في يد المشتري
في هذه الحالة يكون للمشتري إما أن يختار الشيء الذي تسبب في إصابته بالعيب، أو أن يختار شيئا آخر من الأشياء محل التعيين، مع بقاء حق البائع في مطالبته بالتعويض، وإذا إختار المشتري الشيء الذي تسبب في إصابته بالعيب فلا يجوز له مطالبة البائع بإنقاص الثمن على قدر العيب، كون العيب الذي حدث كان بفعل المشتري نفسه، وإذا تسبب فعل المشتري الخاطئ في تعيبب كل الأشياء محل الإختيار، فللمشتري اختيار أحد الأشياء المعيبة وتكون ذمته قد برأت منه، مع التزامه بتعويض البائع عن فعله الخاطئ الذي تسبب في تعييب باقي الأشياء.
ج- حدوث العيب بسبب مشترك
متى تسبب المشتري في تعيب أحد الأشياء محل التعيين، وتسبب البائع في تعيب باقيها، فللمشتري تعيين واختيار الشيء الذي تسبب في تعيبه وتبرأ ذمته منه، أو أن يختار شيئا مما تسبب فعل البائع في تعيبه، وفي هذه الحاله يكون له الحق بمطالبة البائع بإنقاص الثمن على قدر العيب، إلا أنه يكون من حق البائع أيضا مطالبة المشتري بالتعويض عن العيب الذي أحدثه بسبب فعله الخاطئ في الشيء الآخر.
3- هلاك محل خيار التعيين المقرر للبائع (المدين)
يرجع السبب الرئيسي للتفرقة بين ثبوت خيار التعيين للبائع أم للمشتري أنه في حالة أن يكون الخيار للبائع يحق له أن يفرض على المشتري شراء أحد الأشياء محل التعيين وليس العكس، فإن اتفق الطرفان على بيع سيارة من ثلاث سيارات مع احتفاظ البائع بحق التعيين، يكون للبائع الحق في اختيار السيارة التي يأخذها المشتري في مقابل الثمن المتفق عليه، فلا يجوز للمشتري أن يرفض اختيار البائع بل يكون ملزما به، ويشترط لذلك أن يكون الشيء الذي إختاره البائع من أحد الأشياء التي تم الاتفاق عليها في العقد.
أ- إذا هلك أحد الأشياء محل التعيين وهو تحت يد البائع
يكون من حق البائع اختيار أحد الأشياء التي لم تهلك وتسليمها إلى المشتري باعتبار أن الخيار مقرر لصالحه، أما إذا هلكت جميع الأشياء تحت يد البائع أَصبح العقد مفسوخا من تلقاء نفسه لانعدام المحل، ولا يجوز للمشتري في هذه الحالة مطالبة البائع بتبعة الهلاك أو بتنفيذ العقد لأن الخيار إنما شرع لصالح البائع فقط، إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك.
ب- إذا هلك أحد الأشياء محل التعيين وهو تحت يد المشتري
في هذه الحالة يكون للبائع الاختيار بين أن يختار الشيء الذي هلك تحت يد المشتري وفي تلك الحالة تبرأ ذمته، أوأن يختار شيئا آخر لم يهلك ويطالب المشتري بضمان ما هلك تحت يده[5]، أما إذا هلكت جميع الأشياء فيكون للبائع أن يختار أحد الأشياء ليوفي بها دينه قبل المشتري، ويرجع على المشتري بباقي الأشياء التي هلكت تحت يده.
ج-وإذا هلك أحد الأشياء محل التعيين بفعل المشتري والباقي بفعل أجنبي
فإذا كان ما هلك من الأشياء بفعل المشتري يسبق ما هلك منها بالفعل الأجنبي، في هذه الحالة يكون للبائع إما اختيار الشيء الذي هلك بفعل الأجنبي ويرجع على المشتري بالتعويض على ما هلك تحت يده، أو أن يختار الشيء الذي هلك بفعل المشتري وتكون ذمته قد برأت، ولا يجوز له الرجوع على المشتري بالتعويض، أما في حالة أن يكون ما هلك من الأشياء بسبب أجنبي سابق على هلاك باقيها بفعل المشتري، أي أن آخر الأشياء هلاكاً كان بفعل المشتري، فيكون البائع قد برأت ذمته وليس له الخيار، ويكون المشترى قد استوفى حقه لدى البائع.
4- تعيب أحد الأشياء محل التعيين والخيار للبائع (المدين)
في هذه الحالة إما أن يكون الشيء قد تعيب أثناء وجوده تحت يد البائع وبسببه، أو أن يتعيب وهو تحت يد المشتري وبسببه، أو أن يكون ذلك العيب بسبب أجنبي.
أ- حدوث العيب بسبب البائع وأثناء وجود الشيء تحت يده
في تلك الحالة يكون للبائع اختيار أحد الأشياء التي لم يلحق بها العيب وتكون ذمته قد برأت منه، أو أن يختار الشيء المعيب مع بقاء حق المشتري في قبوله أو رفضه باعتبار أن المشتري له حق خيار العيب، وأن الشيء المعيب لم يصبح على الحالة التي كان عليها وقت الإتفاق، كما يبقى من حق المشتري قبول المبيع المعيب مع بقاء حقه في مطالبة البائع بإنقاص ثمن المبيع بالقدر الذي يتناسب مع العيب الذي لحق بالمبيع، وإذا لحق العيب بجميع الأشياء محل التعيين أصبح الخيار من حق المشتري بحيث يكون له الحق في قبول ما يختاره البائع أو رفضه، وإعمالاً لحقه في خيار العيب، وله الحق في هذه الحالة أن يطلب فسخ العقد طبقاً للقواعد العامة، ويرى بعض الفقه أن وجود عيب في جميع الأشياء بسبب البائع، لا ينقل الخيار إلى المشتري، بل يبقى الخيار للبائع مع حق المشتري في إعمال خيار العيب[6].
ب- حدوث العيب أثناء وجود الشيء تحت يد المشتري
عندئذ يلتزم المشتري بالشيء الذي تسبب في إصابته بالعيب وليس له المطالبة بإنقاص الثمن، وإذا اختار البائع شيئا آخر غير الذي لحقه العيب كان له الحق في الرجوع بالتعويض في الشيء الذي تسبب فعل المشتري بتعييبه، وإذا لحق العيب بجميع الأشياء محل التعيين بسبب فعل المشتري الخاطئ، كان من حق البائع اختيار أحد الأشيء المعيبة وتلزم المشتري، ولا يجوز للمشتري المطالبة بنقصان الثمن، أو فسخ عقد البيع لأنه المتسبب في تعييب الأشياء محل التعيين.
5- أثر وفاة من تقرر لصالحه خيار التعيين
إذا توفي من تقرر لصالحه خيار التعيين قبل أن يحدد اختياره، انتقل حقه في التعيين إلى ورثته، بحيث يكون من حق ورثته أن يختاروا من بين الأشياء محل التعيين في العقد لتسليمها إلى المشتري، وتبرأ ذمتهم بأدائها إذا كان خيار التعيين مقرر لصالح البائع (المدين)، أما إذا كان خيار التعيين مقررا لصالح المشتري (الدائن) وتوفي قبل تحديد اختياره، ينتقل حق الاختيار إلى ورثته ويصبح لهم أن يختاروا شيئا من الأشياء محل التعيين المتفق عليها في العقد، بحيث تبرأ ذمة البائع باختيارهم لأحد الأشياء محل التعيين وتسليمها لهم، ويشترط في كلتا الحالتين أن يكون جميع ورثة من تقرر لصالحه خيار التعيين متفقين على الشيء المختار.
خامساً: أثر استخدام خيار التعيين من قبل من تقرر له
متى حدد من تقرر لصالحه خيار التعين خياره في الأشياء محل التعيين واختار أحد الشيئين أو الأشياء الثلاثة، أصبح العقد نافذا، وبشأن ما ثار من جدل حول انسحاب آثار هذا الاختيار لتاريخ نشوء العقد أو اقتصاره على الفترة التالية لاستخدام حق التعيين، فقد حسم المشرع الأردني هذا الجدال فيما قرره من أن العقد يكون ساري منذ نشوئه، فمن إشترى من آخر بضاعه واشترط المشتري على البائع أن يكون له الخيار في تعيين البضاعة من ثلاثة أنواع منها، فعند إكمال العقد بإختياره نوع من الثلاثة يصبح العقد ساريا بأثر رجعي من وقت إبرامه، حيث نص على ذلك صراحة في (المادة 191) من القانون المدني الأردني والتي تنص على أنه (يستند تعيين الخيار الى وقت نشوء العقد ).
سادساً: الخاتمة
أوضحنا في هذا المقال أحكام البيع مع خيار التعيين وفوائده، وقد نظم المشرع الأردني مسألة خيار التعيين في عقد البيع تنظيما يتناسب مع مدى أهمية هذا النوع من البيوع، خاصة مع حاجة الأفراد إليه وشيوعه في التعامل بينهم، وحتى يتمكن المتعاملين بهذا الشرط من معرفة ما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات.
كتابة: محمد إسماعيل حنفي
[1] – مختار الصحاح لأبى بكر الرازي، ص218
[2] – سليمان مرقس: أحكام الالتزام – مطابع دار النشر للجامعات العربية – بدون بلد نشر – 1987- ص365
[3]– عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني – أحكام الالتزام بوجه عام – ط1 – ج3 – دار الشروق- مصر – ٢٠١٠ – ص ١١٩.
[4]– شكري سرور – أحكام الالتزام – دار إحياء التراث العربي – بدون سنة طبع – بند 252-57
[5]– عبد القادر الفار – أحكام الالتزام: آثار الحق في القانون المدني – ط4 – مكتبة دار الثقافة للنشر – الأردن – 1997 – ص159.
[6] -منير القاضي – شرح المجلة – ج1 – مطبعة السريان والعاني – بدون بلد نشر – 1947 – ص301

