قانون الإرادة
لما كانت التصرفات القانونية لا تحدث أثارها القانونية إلا بتوفر إرادة أطرافها، وبرضاهم التام إلى إحداث الأثر القانوني ،وهو ما عبر عنه القانون بمسمى قانون الإرادة ويسمى باللغة الإنجليزية choice of law ، والذي جعل لأطراف العلاقة القانونية الحرية التامة في تكوينها، وتحديد شروطها، وآثارها القانونية.
إلا أنه ومع تطور التصرفات القانونية، أدى ذلك إلى ظهور قيود تتحكم في هذا المبدأ، فأحيانا قد تلغيه وأحيانا قد تحد من إستخدامه، تبعا لظروف التصرف القانوني نفسه، وطبيعته وبناء على ذلك سوف يتمحور مقالنا الوجيز حول :
ثانيا: دور مبدأ قانون الإرادة في مرحلة تكوين التصرف القانوني
ثالثا : دور مبدأ قانون الإرادة في تحديد مضمون التصرف القانوني وآثاره
رابعا: دور مبدأ قانون الإرادة بعد تمام التصرف القانوني
خامسا: القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة في العقود
سادسا : القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة والمتعلقة بشكل العقد
سابعا: القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة من حيث الموضوع
ثامنا : القيود التي ترد على مبدأ قانون الإرادة في عقد الإذعان
أولًا: تعريف مبدأ قانون الإرادة
يُعرف مبدأ قانون الإرادة، أو كما أشتهر بمبدأ سلطان الإرادة بـأنه: (( أن تتجه إرادة طرفي التعاقد لإحداث الأثر القانوني للعقد تنفيذا لإرادتهما )) بحيث أن الأصل أن تكون إرادة طرفي العقد هي السبب الرئيس في إنشاء العقد، ولا يتوقف الأمر عند مجرد إنشاء العقد بإجتماع إرادتهما، بل تمتد إرادتهما إلى تحديد آثار العقد، وما يترتب على ذلك من إلتزامات على كل من طرفي العقد، وقد تتجه إرادتهما أيضاً إلى تحديد المحكمة التي تكون صاحبة الحق في نظر موضوع العقد في حالة أن نشأ عن ذلك العقد أي مشكلات عقدية تتعلق بشروطه وما توافقت عليه إرادة أطرافه، فمبدأ قانون الإرادة أساسه هو حرية أطراف العقد في إبرام التصرفات القانونية، وتحديد شروطها ونتائجها ،وما يترتب عليه من أثار.
ويظهر دور مبدأ قانون الإرادة في المرحلة الأول للتصرف القانوني، وهي مرحلة تكوين التصرف ثم في مرحلة تحديد مضمون التصرف القانوني وآثاره، وأيضا يظهر دور مبدأ قانون الإرادة بعد تمام التصرف القانوني، وسوف نقوم بتوضيح هذه الأدوار لمبدأ قانون الإرادة في المراحل الثلاثة على التفصيل الآتي
ثانيا: دور مبدأ قانون الإرادة في مرحلة تكوين التصرف القانوني
لمبدأ قانون الإرادة دور قوي في المرحلة الأولى من إنشاء وتكوين التصرف القانوني وذلك من خلال مظهرين أساسيين
1- حرية الفرد في إنشاء التصرف القانوني أو رفضه :
حيث أنه وفقا لمبدأ قانون الإرادة فالشخص لديه الحرية الكاملة في إنشاء التصرف القانوني، وذلك بتعبيره عن رغبته الواضحة بإنشائه، كما أن له الحق في رفض إنشاء التصرف القانوني، وسواء كان التصرف القانوني يتوقف على رغبته فقط كالوعد بتقديم جائزة، أو عقد الهبة، أو يتوقف التصرف القانوني على تلاقي إرادتين مثل عقد الإيجار أو البيع أو الإنتفاع .
وإذا نشأ التصرف دون وقوفه على إرادة الفرد كما في الفضالة، فإننا لانكون أمام تصرف قانوني بل نكون أمام علاقة قانونية ينشأها القانون، بصرف النظر عن إرادة المالك، أو الفضولي وقد نصت (المادة 301 ) من القانون المدني الأردني على أن: ( الفضالة : من قام بفعل نافع للغير دون أمره، ولكن أذنت به المحكمة أو أوجبته ضرورة أو قضى به عرف فانه يعتبر نائبا عنه وتسري عليه الأحكام التالية)) ويظهر جليا من النص أن العلاقة والرابطة القانونية بين الطرفين هنا، لا تخضع لمبدأ قانون الإرادة، بل تخضع لأحكام القانون .
2- حرية الفرد في إنشاء التصرفات القانونية دون توقف حريته على نوع معين من العقود :
ويعني ذلك أن للفرد كامل الحرية في إبرام كافة التصرفات القانونية والعقود، سواء كان العقد من العقود المسماه، والتي وضع المشرع لها أحكام خاصة بها، أو في إبرام العقود الغير مسماه ، وهذه الحرية تستند لمبدأ قانون الإرادة إلا أنها حرية مقيدة بكون العقد غير مخالف للنظام العام، ومشروعية محله وغيرها من القيود التي ترد على مبدأ قانون الارادة والتي سوف نتطرق لها في المبحث الثاني.
3- حرية الفرد في التعبير بطريقة معينة عن إرادته :
ويقصد بذلك أن الفرد وفق لمبدأ قانون الإراده له الحق في تعبير عن إرادته بالطريقة التي يراها، وينصرف هذا التعبير إلى إحداث الأثر القانوني ، سواء كان ذلك عن طريق العقود الرضائيه وهي العقود التي تتم بمجرد الإتفاق بين طرفي التعاقد على البنود الجوهرية فيها، ودون التوقف على أن يكون هذا التراضي بألفاظ معينة أو مكتوبا بأي طريقة تشير إليه[1] . إلا أن هذه الحرية قد تكون مقيدة بشرط في القانون لا يكون العقد فيها نافذا إلا بالكتابة، أو بالتسجيل كما في عقد الهبة، والذي اشترط المشرع الأردني أنه في حالة كون الشيء الموهوب عقارا أن يخضع عقد الهبة للتسجيل، بخلاف إذا كان منقولا فيتم نفاذ عقد الهبة بمجرد القبض.
ثالثا : دور مبدأ قانون الإرادة في تحديد مضمون التصرف القانوني وآثاره
لا يتوقف دور ومظهر مبدأ قانون الإدارة على مرحلة إنشاء وتكوين العقد فقط، بل يمتد إلى المرحلة التالية وهي مرحلة الإتفاق على بنود العقد وآثار هذا الإتفاق، بحيث يكون لأطراف العقد سلطة تعديل مضمون العقد وآثاره التي نص عليها القانون، طالما كان التعديل لا يخالف النظام العام، أو لقاعدة آمرة كأن يتفق المتعاقدان على إعفاء البائع حسن النية من ضمان المبيع، أو الإتفاق على على تخفيف المسئولية العقدية، فهذه الأنواع من الشروط وإن كانت مخالفة للقواعد القانونية، إلا أنها تخضع لمبدأ قانون الإرادة بحيث يظل التصرف القانوني صحيحا طالما لم يكن مخالفا للنظام العام، أو لقاعدة من القواعد الآمرة، التي لا يجوز الإتفاق على ما يخالفها، ولا شك أن حق الأطراف في تعديل مضمون التصرف القانوني، ينتج عنه تباعا تغيراً في الأثار القانونية المترتبة على التصرف القانوني .
رابعا: دور مبدأ قانون الإرادة بعد تمام التصرف القانوني
ويقصد بدور مبدأ قانون الإرادة بعد تمام العقد، أنه يحق لكلا طرفي العقد التمسك به في مواجهة الآخر ومطالبة أي منهما للأخر بالوفاء بإلتزاماته التي إلتزم بها بإرادة حرة ،وأن يرفض أي تدخل من القضاء لتعديل العقد أو تقليل إلتزامات أحد أطرافه مادامت غير مخالفة للنظام العام وليس فيها غش أو تدليس أو غبن، وقضت محكمة التمييز في حكمها رقم 1400/2006 بتاريخ 30/11/2006 أنه : ((يعود تفسير العقود ووصفها الوصف القانوني للمحكمة وليس إلى إرادة الأشخاص، شريطة أن يكون هذا الوصف يتفق مع إرادة المتعاقدين الحقيقية بمقتضى المادة 239/2 من القانون المدني، وأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني بمقتضى المادة 213 من القانون المدني وإعمال الكلام أولى من إهماله بمقتضى المادة 216 من ذات القانون )).
خامسا: القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة في العقود
رغم أن مبدأ قانون الإرادة له حجيته القوية والتي تكفي لإبرام التصرف القانوني وإنتاج آثار هذا التصرف، إلا أن هناك بعض القيود القانونية التي تقيد هذا المبدأ بحيث لا تكون إرادة وحرية الأفراد وحدها كافية في تمام العقد، ومنها أن يشترط القانون شكل معين لنفاذ العقد، مثل إشتراط الشكلية، أو التسجيل في بعض العقود، ولا شك أن هذه القيود والإستثناءات تضيق المجال أمام إعمال مبدأ قانون الإرادة إلا أنها لها ما يبررها من الناحية القانونية والإجتماعية خاصة من حيث المحافظة على الحقوق وإستقرار المعاملات المادية بين الأفراد .
والقيود التي ترد على مبدأ قانون الإرادة قد تكون متعلقة بشكل العقد، وقد تكون متعلقه بموضوع العقد وسنتطرق إليهما في مبحثين .
سادسا : القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة والمتعلقة بشكل العقد
لما كانت الرضائية هي أحد نتائج ومظاهر إعمال مبدأ قانون الإرادة خاصة، إذا كان محل التصرف القانوني عقدا من العقود و ما ترتب عليه من جعل الرضا أحد أركان العقد، والذي لا يمكن الإستغناء عنه أو التأثير عليه بأي طريقة، فيلزم أن يكون الرضا متوفرا وخاليا من أي عيب قد يصيبه مثل الإكراه أو غيره من عيوب الرضا، إلا أنه في بعض العقود لا يكفي رضا أطراف التعاقد وحده لتمام العقد بل يشترط أن يتم إفراغ الرضا في شكل معين لتمام العقد، وهو ما يسمى الشكلية المباشرة وقد يكون إشتراط المشرع القيام بإجراءات معينة بعد صدور التصرف القانوني حتى تصبح دليلا لإثبات التصرف القانوني .[2]
المقصود بالشكلية المباشرة : هي التي لا يصح العقد بدونها بحيث لا يصح العقد بدونها، وتصبح ركنا في العقد كباقي أركان العقد الأصلية من ركن ومحل وسبب والشكلية المباشرة قد تكون رسمية، وقد تكون عرفية وهي أحد القيود التي ترد على مبدأ قانون الإرادة .
وقد إشترط المشرع الأردني صراحة وجوب أن يتوافر في عقد البيع إذا كان واردا على عقار شكلا معينا وهو التسجيل بالدائرة المختصة للتسجيل، حتى لا يعرض العقد للبطلان، أو أن يكون قابلا للإبطال ولاشك أن الغرض من إشتراط الشكلية في هذا النوع من العقود، هو تنبيه أطراف التعاقد إلى مدى خطورة الأثر القانوني المترتب على تصرفهم، وقد نصت (المادة 16 ) من قانون تسوية الأراضي والمياه الأردني في الفقرة 3 على أن (( في الأماكن التي تمت التسوية فيها ، لا يعتبر البيع والمبادلة والإفراز والمقاسمة في الأرض،أو الماء صحيحاً إلا إذا كانت المعاملة قد جرت في دائرة التسجيل. كل من كان فريقاً في معاملة أجريت خلافاً لما ذكر يكون عرضة بعد الأدلة من قبل المحكمة التي تنظر في القضية لدفع غرامة لا تتجاوز خمسة دنانير)) وأيضا ما نصت عليه (المادة 2 ) من قانون التصرف في الأموال الغير منقولة، من حصر التعاملات في الأراضي على التسجيل في دوائر التسجيل حيث نصت أن: ((ينحصر إجراء جميع معاملات التصرف في الأراضي الأميرية والموقوفة والأملاك والمسقات والمستغلات الوقفية وإعطاء سندات التسجيل بها في دوائر تسجيل الأراضي))
وكذلك ما إشترطه المشرع الأردني في (المادة 566 ) من القانون المدني، من وجوب تسجيل عقد الهبة في دوائر التسجيل، حتى تكون نافذة وناقلة للملكية إذا كان الشيء الموهوب عقارا حيث نصت على أن: ((1-يتوقف نفاذ عقد الهبة على أي إجراء تعلق النصوص التشريعية نقل الملكية عليه ويجوز لكل من طرفي العقد استكمال الاجراءات اللازمة ، 2- وتتم في المنقول بالقبض دون حاجة الى تسجيل ))
وعلى ذلك فيكون إشتراط المشرع لشكل معين لعقد ما هو في الأصل تقييدا لمبدأ قانون الإرادة، بحيث إذا تخلف عن العقد شرط الشكلية الذي فرضه المشرع كان العقد باطلا، ولا يمكن تصحيح هذا البطلان بالإجازة وذلك وفقا لنص (المادة 168) من القانون المدني الأردني .
سابعا: القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة من حيث الموضوع
إعمالا لمبدأ قانون الإرادة، لا يجوز للغير التدخل في إرادة المتعاقدين بإنقاصاها، أو تعديلها طالما أن المتعاقدين قد صدر منهما إيجابا وقبولا صحيحين لا يشوبه أي عيب، وإعمالا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين المنبثقة عن مبدأ قانون الإرادة، وبالتالي فلا يجوز للقضاء أن يتدخل في عقد من العقود بالتعديل، أو الإضافة ،أوالإلغاء طالما كان العقد غيرمخالف للنظام العام، وهذه هي القاعدة العامة والتي تستمد قوتها من المبدأ، إلا أن المشرع قد أجاز تدخل القاضي في العلاقة العقدية بناء على طلب أحد أطرافها، لإنهاء العقد أو تعديله وذلك إستثناء من القواعد العامة [3] ومن ضمن القيود الموضوعية التي ترد على مبدأ قانون الإرادة ، القيود المتعلقة بمشروعية المحل والسبب .
1_ تقييد مبدأ قانون الإرادة بمشروعية المحل :
حيث يقيد مبدأ قانون الإرادة ،بأن تكون الإرادة والتراضي بين الطرفين قد تمت على محل مشروع، فلا يجوز التعامل في الأشياء التي يعتبر التعامل فيه مخالفا للنظام العام، أو الأداب العامة كأن يكون المحل في عقد البيع مواد مخدرة، أو غيرها من الأشياء التي حرم القانون التعامل فيها بسبب عدم مشروعيتها .
2_ تقييد مبدأ قانون الإرادة بأن يكون السبب مشروعا :
والمقصود بالسبب : هو ما يبغي طرفي التعاقد تحقيقه من التعاقد،ويشترط في السبب أن يكون مشروعا بأن لا يكون المقصود منه مخالفة القانون، أو النظام العام ،أو الأداب العامة، مثل أن يكون الغرض من إيجار مكان ما إستخدامه في توزيع المواد المخدة، أو تأجيره كبيت للبغاء، أوأي شيئ يكون الباعث من التعاقد فيها غير مشروع .
3_ القيد المتعلق بإلزام الأفراد التأمين على السيارات :
أحد القيود على مبدأ قانون الإرادة وحرية الفرد في التعاقد، أو رفض التعاقد، هو إلزام الدولة للأفراد بتحرير عقود تأمين للسيارات بحيث يكون التأمين قادرا على تغطية الأضرار الناتجة عن الحوادث التي قد تتسبب فيها قيادة السيارة ، وهذه العقود ليس للأفراد فيها حق إبداء إرادتهم بالتعاقد من عدمه، إذ هي عقود إلزامية يترتب على عدم تحريرها عدم السماح لمالك السيارة السير بسيارته، وقد نص قانون السير الأردني رقم 49 لسنة 2008 في المادة الخامسة منه الفقرة (أ)على ((بإستثناء المقطورات وأنصاف المقطورات ، لا يجوز تسجيل أي مركبة ،أو ترخيصها ،أو تجديد ترخيصها إلا بعد تقديم عقد تأمين يغطي مدة الترخيص لدى شركة تأمين مجازة في المملكة لممارسة أعمال تأمين المركبات، ليغطي هذا العقد المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحق بالغير، الناجم عن استعمال تلك المركبة وفقا لأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الساري المفعول )).
ثامنا : القيود التي ترد على مبدأ قانون الإرادة في عقد الإذعان
من المستقر عليه أن مبدأ قانون الإرادة كأساس في العقد يعني نشأة العقد بالتفاوض بين طرفيه، بحيث يكون لكل طرف فيها واجبات ، وعليه التزامات إلا أنه في عقود الإذعان يكون أحد الأطراف هو صاحب الحق في فرض بنود العقد دون أن يكون للطرف الآخر حق تعديلها، وغالبا ما تكون هذه العقود في السلع المحتكرة وفي المرافق العامة، كالتليفونات والكهرباء ، ولا يكون أمام الطرف الأضعف في العقد سوى قبول الشروط التي قد تكون مجحفة وتعسفية أو يرفض إتمام العقد كاملا، كما لا يحق له مناقشة البنود.
ولا شك أن هذه العقود فيها تغول واضح لمبدأ قانون الإرادة ، لكن الملاحظ أن هذا التغول لا يكون بالتساوي بين طرفي العقد بل يكون للطرف مالك السلعة أو المرفق فقط دون الطرف الآخر، ورغم أن الأصل العام أن العقد شريعة المتعاقدين، وأنه طالما عبر الطرفان عن إرادتهما لإتمام العقد فلا يجوز تعديل أو إعفاء أي منهما من التزاماته، إعمالا لمبدأ قانون الإرادة ومقتضياته ،إلا أنه في عقود الإذعان قد يتدخل القضاء لتعديل بعض بنود العقد، أو حذفها إذا كانت هذه الشروط تعسفية مجحفة بشكل خطير بحق الطرف الأضعف في التعاقد .
1_ ماهية الشروط التعسفية في عقد الإذعان
لم يعرف المشرع الأردني الشرط المتعسف في عقد الإذعان، وقد عرفه بعض الفقه بأنه (( الشرط المجحف بحق أحد الأطراف بقدر يجعله يتنافى مع مبادئ الحق والعدل )) [4]
أما القضاء فقد تشدد في تحديد الشروط التعسفية رغبة منه في الحفاظ على المراكز القانونية المستقرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من محاولة تحقيق التوازن العقدي وحماية الطرف الأضعف من الشروط المجحفة .[5]
وقد نص المشرع الأردني على جواز التدخل من قبل القضاء وتعديل الشروط التعسفية في عقد الإذعان وذلك في القانون المدني المادة 204 حيث نصت على أن ((إذا تم العقد بطريق الإذعان وكان قد تضمن شروطا تعسفية جاز للمحكمة أن تعدل هذه الشروط، أو تعفي الطرف المذعن منها ،وفقا لما تقضي به العدالة، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ))
والمشرع الأردني رغم عدم تحديده لمفهوم الشروط التعسفية إلا أنه لجأ إلى طريقة أخرى لتمييز الشروط التعسفية، حيث قررأن تشكل لجنة بمعرفة وزير الصناعة والتجاري تتولى بحث عقود الإذعان وبيان مابها من شروط مجحفة، إن وجدت، وأن تقوم هذه اللجنة بإصدار توصية عما وجدته من شروط تعسفية ،ويطلق على هذه اللجنة مسمى لجنة الشروط المجحفة في العقود النمطية .
إلا أن المشرع الفرنسي كان له إتجاه آخر وهو منح القاضي سلطة تقديرية في بحث العقد وتحديد الشروط التعسفية .[6]
وقد أورد المشرع الأردني بعض الشروط التعسفية في مجال عقود التأمين وقيد مبدأ قانون الإرادة حيث نص في (المادة 924 ) من القانون المدني الأردني على أن: ((يقع باطلا كل ما يرد في وثيقة التامين من الشروط التالية )) وعددت المادة سابقة الذكر عدة شروط لا تصلح أن تكون موجودة بعقد التأمين
كالشرط الذي يقضي بسقوط الحق في التأمين إذا كانت المخالفة المرتكبة جناية أو جنحة ، وسقوط الحق المؤمن إذا تأخر في إعلان الحادث المؤمن منه، وكذلك يقع باطلا أن ينص عقد التأمن على اللجوء إلى التحكيم إذا لم يكن منصوص عليه في إتفاق خاص ومنفصل عن عقد التأمين، وأي شرط تعسفي آخر لا يترتب على مخالفتة أثر في وقوع الحادث .
ويتضح من النص السابق أن المشرع فيما يتعلق بعقود التأمين قد عبر بشكل صريح عن بعض الشروط التي قد يتفق عليها طرفي التعاقد إعمالا لمبدأ قانون الإرادة ، إلا أنها في حقيقتها شروط باطلة ولا يجوز الإستناد فيها إلى مبدأ قانون الإرادة، وأن النص القانوني قد قيد هذا المبدأ إذا إحتوى عقد التأمين على الشروط السابق ذكرها، فلا يجوز التمسك بالمبدأ في مواجهة الإبطال، ويقيد مبدأ قانون الإرادة في هذه الحالة ولا يحتاج إلى سلطة القاضي التقديرية، أو لجنة مشكلة لتحديده فبمجرد إحتواء عقد التأمين على أحد الشروط السابق ذكرها يكون باطلا ولا تصححه الإجازة.
وقد قضت محكمة التمييز في قرارها رقم 837 لسنة 2010 هيئة خماسية بتاريخ 20-12- 2010 على ما يلي: (( جرى الاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز على أن الشروط والإستثناءات الواردة في عقد التأمين الشامل التي تستثني نقصان القيمة وفوات المنفعة والمتمثلة ببدل عطل سيارة المؤمن عن مدة التصليح ، باطلة بمقتضى نص المادة 924 من القانون المدني الأردني ،لأنها تهدف إلى إسقاط حق المؤمن له أو الإنتقاص منه وتتعارض والغاية التي من أجلها شرع عقد التأمين وهي شروط تعسفية غير واجبة الإعمال )).
2_ سلطة القاضي في تعديل الشرط التعسفي أو الإعفاء منه كأحد القيود الواردة على مبدأ قانون الإرادة
ويقصد بتعديل العقد إجراء بعض التغيرات الجزئية على الشرط التعسفي سواء بالإضافة، أو الحذف بشرط ألا يؤدي التعديل إلى إزالة العقد كليا .
وهذا ما نصت عليه (المادة 204) من القانون المدني، ووضحته المذكرة الإيضاحية بقولها أن للقاضي الحق في إرجاع التوازن إلى العقد، إذا ماتضمن عقد الإذعان شروطا تعسفية فللقاضي في سبيل تخفيف العبء عن الطرف المذعن، أن يعدل الشرط، أو يعفي المذعن منه إعملا لقواعد العدالة، ورغم أن حق القاضي في تعديل الشروط التعسفية يساهم بلا شك في تحقيق التوازن التعاقدي ويسهل من تنفيذ العقد، إلا أن هناك بعض الشروط التي لا تصلح للتعديل بطبيعتها ،كأن يشترط في عقد الإذعان شرطا تعسفيا كالإعفاء من المسئولية العقدية، في هذه الحالة يجوز للقاضي حذف هذا الشرط من العقد وإعفاء المذعن منه [7]
ثامنا: الخاتمة
ختاما فالناظر إلى مبدأ قانون الإرادة يجد أن هذا المبدأ رغم أهميته في تكوين العلاقة العقدية بين أطرافها ، إلا أنه لا يجب التوسع في إستخدامه، حتى لايمكن أحد أطراف العقد من إستغلال حاجة وضعف الطرف الآخر وقبوله شروطاً تعسفية، تهدر حقه وتجعله مغلول الأيدي أمام الطرف الأكثر قوة في العلاقة العقدية ،وحسنا فعل المشرع الأردني عندما أتاح للقضاء سلطة تعديل الشرط التعسفي ،أو إلغائه وعدم السماح لأطراف العقد بفرض شروطهم التعسفية تحت ذريعة قانون الإرادة وحرية التعاقد .
كتابة : محمد إسماعيل حنفي
[1] أمجد منصور، النظرية العامة للالتزامات – مصادر الالتزام، دار الثقافة، عمان، ط7، 2015، ص46
[2] – فياللي علي، النظرية العامة للعقود، موفم للنشر ، الجزائر، 2001 ،ص 291 -293.
[3] وليد صلاح مرسي رمضان – القوة الملزمة للعقد والاستثناءات الواردة عليها دراسة مقارنة بين الفقه الاسلامى- كلية الشريعة والقانون – جامعة الأزهر – القاهرة – 643
[4] حمدي محمد إسماعيل سلطح – سنة 2006 – القيود الواردة على مبدا قانون الإرادة في العقود المدنية – دار الفكر الجامعي – الاسكندرية ص 184
[5] محسن عبدالحميد البيه – مصادر الالتزام – مكتبة الجلاء الجديدة سنة 1993- المنصورة ص 153
[6] غازي أبو عرابي – بحث في حماية رضا المستهلك – دراسات علوم الشريعة والقانون – الجامعة الأردنية – المجلد 36 العدد 1 ص 194
[7] غازي السلايطة –سلطة القاضي التقديرية في تعديل مضمون العقد – رسالة ماجستير – جامعة مؤتة سنة2005- ص 121

