الإثبات حق للخصوم

الإثبات حق للخصوم

الإثبات حق للخصوم، فالإثبات هو الدور الإيجابي للخصوم في الدعوى، وحق الإثبات من الحقوق التي كفلها القانون للخصوم في الدعوى حتى يتمكن كل منهم من إقامة الدليل على ما يدعيه أمام القضاء، وقد أكد المشرع على حق كل خصم في الاطلاع على أدلة خصمه ومناقشته، كما قد قيد المشرع حق الخصم في الإثبات فمنعه من اصطناع دليل لصالح نفسه إلا في استثناءات معينه، كما لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه إلا في حالات معينه، وأن يراعي الإجراءات التي حددها القانون عند تقديمه لأي دليل في الدعوى، وقيد حقه أيضا بما للقاضي من سلطة تقديرية وزن البينة و الأدلة التي يقدمها كل خصم.

أولا: مفهوم الإثبات:

ثانيا: مظاهر حق الخصوم في الإثبات:

ثالثا: القيود الواردة على حق الخصوم في الإثبات:

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بحق الخصوم في الإثبات:

أولا: مفهوم الإثبات:

عرف الدكتور عبد الرزاق السنهوري الإثبات بأنه: ” إقامة الدليل أمام القضاء، بالطرق التي حددها القانون، على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها”.[1]

كما عرفه أيضا دكتور سمير عبد السيد تناغو بأنه: ” إقامة الدليل أمام القضاء بطريقة من طرق الإقناع التي يحددها وينظمها القانون على صحة واقعة متنازع فيها بقصد الوصول إلى النتائج القانونية التي تترتب على صحة الواقعة المذكورة”.[2]

ثانيا: مظاهر حق الخصوم في الإثبات:

من مظاهر حق الخصم في الإثبات إعطاء كل خصم الحق في إثبات ما يدعيه، وإعطاء الحق للخصم الآخر في إثبات عكس ما أثبته خصمه، وأيضا حق كل خصم في الاطلاع على أدلة خصمة ومناقشته وأن يمكن القاضي كل خصم من ممارسة حقه في الإثبات.

1- حق الخصم في إثبات ما يدعيه:

يُعد الإثبات حقا للخصم وبنفس الوقت يعد واجبا عليه حتى لا يخسر دعواه، فمن خلال الإثبات يتمكن المدعي من توفير الحماية القانونية لحقه الذي ينازع فيه، وبالتالي على المدعي تقديم كل الأدلة التي تؤيد ما يدعيه بالوسائل التي نص عليه القانون، ويجب على القاضي عدم منعه من ذلك، وإلا كان حكمه معيب، ولكن يجوز للقاضي تقدير قيمة هذه الأدلة والأخذ بما يراه ملائماً وطرح ما لا يطمئن له في حدود ما قرره القانون.

وحق الخصم في الإثبات يقابله واجب يلقى على عاتق الخصم الآخر، بل على عاتق الغير، في ألا يعطل هذا الحق بعنت منه أو سوء نية، ويصل هذا الواجب إلى مدى بعيد، فيفرض في بعض الحالات على الخصم الآخر أو الغير أن يقدم مستندات في حوزته لتمكين المدعي من إثبات حقه.[3]

2- حق الخصم الآخر في إثبات عكس ما أثبته خصمه:

وحق الخصم في الإثبات يقابله أيضا حق للخصم الآخر في إثبات العكس، فإذا كان للمدعي الحق في إثبات حقه فإن الإثبات أيضا حق ووسيلة للمدعى عليه تمكنه من دحض ما قدمه المدعي من أدلة، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (31) من قانون البينات الأردني لسنة 1952 حيث ورد بها أن:” الإجازة لاحد الخصوم بإثبات واقعة بشهادة الشهود تقتضي دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق”.

وتطبيقا لذلك أيضا إذا أثبت الخصم حقه بكتابة في ورقة رسمية فإن الخصم الآخر يكون له أن يطعن على هذه الورقة بالتزوير، وأما إذا أثبت الخصم حقة بورقة عرفية فإن الخصم الآخر يكون له أن ينكر خطه أو الإمضاء أو أن يطعن بالتزوير، ويجوز للخصم الآخر أيضا إثبات حقه بما ورد بكاتبة في ورقه أخرى مماثلة للتي أثبت بها خصمه وفقا لما نص عليه القانون.

كما أنه إذا أثبت الخصم حقه من خلال إقامة قرينة قضائية فإن للخصم الآخر إثبات عكس هذه القرينة أو أن يثبت عكسها بأي طريقة أخرى، وينطبق نفس الأمر بالنسبة للقرائن القانونية التي تقبل إثبات العكس، أما بالنسبة للقرائن القانونية التي لا تقبل إثبات العكس فإنه لا يجوز إثبات عكسها.

وإذا تمسك الخصم بالإقرار الصادر من الخصم الآخر، جاز لهذا الخصم الآخر أن يتمسك ببطلان هذا الإقرار لعدم الأهلية أو للغلط أو لغير ذلك من العيوب، وإذا وجه الخصم اليمين الحاسمة للخصم الآخر، جاز لهذا الخصم الآخر أن يرد على خصمه اليمين.[4]

3- حق الخصوم في مناقشة الأدلة التي تقدم في الدعوى:

يعد حق الخصوم في مناقشة الأدلة التي تقدم في الدعوى أحد مظاهر حق الخصوم في الإثبات، ولكي يتمكن الخصم من مناقشة هذه الأدلة يجب إعلامه بأدلة الإثبات التي يقدمها الخصم الآخر، كما يترتب على حق الخصوم في مناقشة الأدلة أنه يجب على القاضي ألا يقضي بعلمه الشخصي:

أ- إعلام الخصوم بأدلة الإثبات:

إن حق الخصم في الإثبات يتضمن أن يتم إعلامه بكل الأدلة التي قد يقدمها خصمه في الدعوى، حتى يتمكن من مناقشة هذه الأدلة، وذلك بغض النظر إذا كان الدليل خطياً أو شهادة أو قرينة أو كان معاينة فنية، فلا يجوز للمحكمة الأخذ بأي دليل لم يتم عرضه على الخصوم لمناقشته، كما لا يجوز الأخذ بدليل قد نوقش في قضية أخرى ولم يتم مناقشته في هذه الدعوى، وذلك وفقا لما نص عليه المشرع في الفقرة الأولى من المادة (148) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث ورد بها أن:” لا يجوز للقاضي أن يعتمد إلا البينات التي قدمت أثناء المحاكمة وتناقش فيها الخصوم بصورة علنية”.

كما أنه لا يجوز للخصم تقديم طلبات جديدة عند غياب الخصم الآخر، إلا إذا كانت هذه الطلبات لمصلحة الخصم الآخر أو لا تؤثر في حقوقه، وذلك وفقا لما جاء بالمادة (68) من قانون أصول المحاكمات المدنية حيث ورد بها أنه:” لا يجوز للمدعى أو المدعى عليه أن يبدي في الجلسة التي تخلف فيها خصمه طلبات جديدة، أو أن يعدل أو يزيد أو ينقص في الطلبات الأولى، ما لم يكن التعديل متمخضا لمصلحة خصمه وغير مؤثر في أي حق من حقوقه”.

ب- يجب على القاضي ألا يقضي بعلمه:

يترتب على حق الخصوم في مناقشة الأدلة التي تقدم في الدعوى أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، ذلك أن علم القاضي هنا يكون دليلا في القضية، ولما كان للخصوم حق مناقشة هذا الدليل اقتضي الأمر أن ينزل القاضي منزلة الخصوم، فيكون خصما وحكما، وهذا لا يجوز، فامتناع القاضي عن القضاء بعلمه لا يرجع إلى موقفه المحايد في الإثبات، فحياد القاضي لا يتعارض مع القضاء بعلمه، وإنما يرجع لحق الخصوم في مناقشة الدليل.[5]

فالقاضي في الدعوى يجب أن يقف موقفا حياديا من الخصوم، فيجب على القاضي أن يمكن كل خصم من تقديم الدفوع والأدلة التي تؤيد حقه طالما أنها لا تخالف الإجراءات القانونية، فلا يجوز للقاضي أن يحكم بناء على معلوماته الشخصية التي كونها خارج مجلس القضاء، كما لا يجوز للقاضي أن يساهم في جمع أدلة جديدة لم تناقش في الدوى المطروحة أمامه، ولا يجوز أيضا أن يؤسس القاضي حكمه على وقائع لم تكن محل نقاش في الدعوى، وقد أكد المشرع الأردني على ذلك بالمادة (3) من قانون البينات الأردني حيث ورد بها أنه:” ليس لقاض أن يحكم بعلمه الشخصي”.

فوفقا لحق الخصوم في الإثبات فإن كل خصم يتولى إثبات حقه بطرق الإثبات التي حددها القانون، ويكون دور القاضي هو تقدير ما يقدمه الخصوم من أدله، التي يجب أن تكون متوافقة مع القانون، وأن يقوم القاضي من التحقق صحة الإجراءات التي سلكها الخصوم في إقامة أدلتهم أو نفيها، ليصل في النهاية إلى تقرير حق كل خصم في الدعوى.

ثالثا: القيود الواردة على حق الخصوم في الإثبات:

من القيود التي ترد على حق الخصم في الإثبات أنه لا يجوز للخصم أن يصطنع دليلا لنفسه، كما لا يجوز إجبار الخصم لتقديم دليل ضد نفسه، كما يتقيد حق الخصم في إثبات الدليل بالإجراءات التي رسمها القانون للأخذ بهذا الدليل، كما يتقيد حق الخصم أيضا بما يتمتع به القاضية من سلطة تقديرية لتقدير الأدلة التي يتم تقديمها.

1- لا يجوز للخصم أن يصطنع دليل لنفسه:

إن منع الخصم من اصطناع دليل لنفسه تعد قاعدة منطقية، فلا يمكن للخصم أن يستفيد من دليل هو من صنعه، كأن يكون دليل الخصم مجرد أقواله أو ادعاءاته، أو يكون دليل الخصم مجرد ورقه أو محررات صادرة منه، ولا يجوز كذلك الأخذ بيمين الخصم إذا لم يوجه إليه اليمين، ولا يجوز أيضا أن يشهد الخصم لصالح نفسه ضد خصمه، والقول بغير ذلك يؤدي إلى التسليم بأي ادعاء يصدر عن الخصم بدون إقامة الدليل عليه.

وإذا كان القانون يشترط الكتابة للإثبات، فلابد أن تكون هذه الكتابة صادرة من الخصم الذي يتم التمسك بالكتابة في مواجهته، أما إذا كان الإثبات جائز بالبينة، فلا يجوز للخصم أن يشهد لنفسه ضد خصمه.[6]

وإذا كانت القاعدة العامة تقرر منع الخصم من اصطناع دليل لنفسه، فإن القانون قد أباح في استثناءات معينة للخصم الاحتجاج ضد خصمه بدليل اصطنعه لنفسه، وذلك مراعاة لاعتبارات معينة، حيث أجاز المشرع للتاجر بأن يتمسك بما دونه في دفاتره كدليل لصالحه، فيجوز أن تكون هذه الدفاتر أساسا للقاضي لتوجيه اليمين المتممة لكلا الطرفين، وذلك وفقا لما ورد بنص المادة (15) من قانون البينات الأردني حيث ورد بها أن:” دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار إلا إن البيانات الواردة فيها عما أورده التجار تصلح أساسا يجيز للمحكمة أن توجه اليمين المتممة لأي من الطرفين”.

كذلك جاء أيضا بالمادة (16) من قانون البينات الأردني أن:” دفاتر التجار الإجبارية:

  • تكون حجة على صاحبها سواء أكانت منظمة تنظيماً قانونياً أم لم تكن ولكن لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلاً لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه.
  • تصلح لان تكون حجة لصاحبها في المعاملات المختصة بتجارته إذا كانت منظمة وكان الخلاف بينه وبين تاجر”.

2- لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه:

إذا كان لا يجوز للخصم اصطناع دليل لصالح نفسه فإنه لا يجوز أيضا إجباره لتقديم دليل ضد نفسه، وذلك لا يمنع الخصم من أن يستمد دليلا لصالحه من مستند قدمه خصمه إذا كان قد قدمه من تلقاء نفسه في الدعوى، ويجوز للمحكمة أن تستخلص من هذا المستند دليلا ضد من قدمه، ولا يجوز للخصم الذي قدم المستند سحبه إلا برضا من الخصم وبإذن من رئيس المحكمة، وذلك وفقا لما جاء بنص المادة (24) من قانون البينات الأردني حيث ورد بها أنه: ” إذا قدم الخصم ورقة أو سند للاستدلال به في الدعوى فلا يجوز له سحبه إلا برضاء خصمه وبإذن خطي من رئيس المحكمة بعد أن تحفظ صورة مصدقة عنه في إضبارة الدعوى”.

فالقاعدة العامة أنه لا يجوز إجبار الخصم لتقديم دليل يرى أنه ليس في مصلحته، فمن حق كل خصم الاحتفاظ بأوراقه الخاصة به، ولا يجوز لخصمه أن يجبره لتقديم مستندات يملكها ولا يريد تقديمها.[7]

وإذا كان الأصل عدم جواز إجبار الخصم لتقديم دليل ضد نفسه فإنه في حالات استثنائية يجوز إجبار الخصم أو الغير لتقديم ما في حوزته من أدلة، وذلك في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك، وقد اشترط المشرع على الخصم الذي يطلب إجبار خصمة بتقديم دليل بحوزته، أن يبين أوصاف هذه السند أو الورقة التي بحوزة خصمه، وأن يوضح ما يتضمنه هذا السند على قدر الإمكان، وأن يبين الواقعة التي يستشهد بالسند عليها، كذلك أيضا يوضح الدلائل التي تؤيد وجود السند تحت يد خصمه.

وقد نص على ذلك المشرع الأردني بالمادة (21) من قانون البينات الأردني حيث جاء بها أن: ” للخصم أن يطلب ضمن قائمة بيناته إلزام خصمه بتقديم أسناد أو أوراق منتجة في الدعوى تكون تحت يده على أن يبين في القائمة ما يلي: أ- أوصاف السند أو الورقة. ب- فحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل. ج- الواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها. د- الدلائل أو الظروف التي تؤيد أن الورقة أو السند تحت يد الخصم.”

وإذا استطاع الخصم إثبات ما يحوزه خصمه من سندات، أو أقر خصمه بما يحوزه، أو سكت خصمه، ورأت المحكمة أهمية هذا السند في الدعوى فإن لها أن تأمر بتقديم هذا السند، أما إذا لم يستطيع الخصم إثبات ما يحوزه خصمه من سندات، وأنكر الخصم أنه يحوز هذا السندات، فإنه يجب تحليف الخصم المنكر يمينا بأنه لا يحوز هذا السند ولا يعلم مكانه.

وقد نص على ذلك المشرع الأردني بالمادة (22) من قانون البينات حيث ورد بها أنه:” إذا اثبت الطالب طلبه أو أقر الخصم بأن السند أو الورقة في حوزته أو سكت قررت المحكمة لزوم تقديم السند أو الورقة في الحال أو في أقرب موعد تحدده وإذا أنكر الخصم ولم يقدم الطالب إثباتا كافياً لصحة الطلب وجب أن يحلف المنكر يميناً بأن الورقة أو السند لا وجود له وأنه لا يعلم وجوده ولا مكانه وأنه لم يخفه أو لم يهمل البحث عنه ليحرم خصمه من الاستشهاد به”.

وفي حالة إذا امتنع الخصم عن تقديم السندات التي طلب خصمه تقديمها في الموعد الذي حددته المحكمة، أو أنه قد امتنع عن حلف اليمين فإن المحكمة تأخذ بالصورة التي قدمها الخصم وتعتبرها صحيحة، فإذا لم يكن هناك صورة فإنه يجوز للمحكمة أن تأخذ بأقوال الخصم بما يتعلق بمضمون وشكل هذا السند.

وقد ورد ذلك بنص المادة (23) من قانون البينات الأردني حيث جاء بها أنه:” إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة أو السند في الموعد الذي حددته المحكمة أو امتنع عن حلف اليمين المذكورة اعتبرت الصورة التي قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها فان لم يكن خصمه قد قدم صورة عن الورقة أو السند جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكله أو بموضوعه”.

وإذا كان يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل تحت يده حتى ولو كان هذا الدليل ضد نفسه، فإن القانون أجاز إجبار شخص آخر غير الخصم في الدعوى لتقديم دليل تحت يده، وهو ما نص عليه المشرع الأردني بالفقرة الأولى بالمادة (25) حيث ورد بها أنه:” يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى أن تدعو الغير لإلزامه بتقديم ورقة أو سند تحت يده وذلك في الأحوال والأوضاع المنصوص عليها في المواد السابقة مع مراعاة أحكامها”.

وإذا امتنع الغير عن تقديم دليل تحت يده فلا يجوز اعتبار امتناعه دليل على وجود المستند تحت يده، وذلك لأن هذا الشخص قد يتواطأ مع أحد الخصوم ليصل هذا الخصم إلى الحكم له بما يدعيه.

3- التقيد بإجراءات الإثبات التي رسمها القانون:

يحدد القانون إجراءات الإثبات التي يجب على الخصوم اتباعها عند إثبات ادعاءاتهم أمام القضاء، فإذا كان لكل خصم في الدعوى الحق في أن يلجأ لأي طريق لإثبات ما يدعيه، كما له أيضا الحق في تقديم ما تحت يده من أدلة تؤيد ما يدعيه، إلا أنه لا يحد من هذا الحقوق ولا يقيدها سوى إتباع ما يحدده القانون من طرق الإثبات وما يسمح به القانون من أدلة وذلك وفقا للإجراءات التي رسمها القانون للإثبات.

وحتى يكون للخصم إثبات واقعة معينة فيجب أن يتوافر بها عدة شروط، حيث يجب أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى، ومنتجة، وجائزة الإثبات، وهو ما أكد المشرع عليه في الفقرة الأولى من المادة (4) من قانون البينات الأردني حيث ورد بها أنه:” يجب أن تكون الوقائع التي يراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة في الإثبات وجائزاً قبولها”.

ولا يجوز للخصوم الالتجاء إلى الإثبات بالبينة حيث يكون الواجب الإثبات بالكتابة، ولا يجوز للخصم تجزئة إقرار خصمه إذا كان هذا الإقرار غير قابل للتجزئة، ولا يجوز لأي خصم أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه إذا كان متعسفا في توجيها.[8]

4- التقيد بما يتمتع به القاضي من سلطة تقديرية:

كما يتقيد أيضا حق الخصم في الإثبات بما يتمتع به القاضي من دور إيجابي في تنظيم إجراءات الإثبات وأيضا ما يتمتع به من سلطة تقديرية فيما يقدمه الخصوم من أدلة في الدعوى، فقد يري القاضي عدم الاستمرار في السير في الدعوى إذا ما وجد أن وقائع الدعوى ومستنداتها تفي بتكوين قناعته، كما يجوز للقاضي أن يحكم ببطلان أي محرر إذا ظهر بجلاء أنه مزور ولو لم يطلب ذلك الخصم الآخر، كما يجوز للقاضي عند تقديره لأي دليل أن يقرر بطلانه بالكامل أو أن يقرر إنقاص قيمته في الإثبات.

 ويجوز للقاضي إذا رأى أن الدعوى في غير حاجة إلى استجواب رفض طلب الاستجواب، وكذلك يجوز للقاضي من تلقاء نفسه أن يأمر بالإثبات بشهادة في الأحوال التي يجيز فيها القانون الإثبات بشهادة الشهود، وله أن يستدعي من يرى لزوما لسماع شهادته إظهارا للحقيقة ولو لم يستشهد به أحد من الخصوم، وله أن يرفض الإثبات بالشهادة إذا لم يعد لذلك فائدة.[9]

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بحق الخصوم في الإثبات:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4254 لسنة 2021 ما يلي:

“وفي ذلك نجد ما جاء بهذا السبب غير سديد ذلك على ضوء ما توصلنا إليه من حيث التناقض في دفوع المدعى عليهم ولأنهم لم يدفعوا صراحة بالوفاء، كما أن إفهام الخصم بأن من حقه توجيه اليمين في حال عجزه عن إثبات دعواه أو دفعه بمقتضى المادة 53/2 من قانون البينات هي مسالة جوازيه يعود أمر تقديرها إلى محكمة الموضوع، بالإضافة إلى أن ما تضمنته قائمة بينات المميزين بأنهم يحتفظون بحقهم بتوجيه اليمين الحاسمة لا تعني أنهم أبدوا رغبتهم بتوجيه اليمين خاصة وأن وكيلهم ترافع أمام المحكمة ولم يطلب توجيهها لأي سبب كان فيكون ما جاء بهذا السبب غير وارد على القرار الطعين مما يستوجب رده”.

وكذلك جاء في حكم لمحكمة التمييز بصفته الحقوقية رقم 2675 لسنة 2021الآتي:

المستفاد من المادة (31) من قانون البينات أن الإجازة لأحد الخصوم بإثبات واقعة شهادة الشهود تقضي دائماً بأن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق، وأن مجال تطبيق هذه المادة يكون في حال أن تكون الواقعة المراد دفعها هي الواقعة التي أجازت المحكمة لأحد الخصوم بالاستشهاد عليها، أما إذا كانت الواقعة التي سمحت للخصم بالاستشهاد عليها مغايرة لواقعة الخصم الآخر فليس بالضرورة السماح للخصم الآخر بتقديم البينة الشخصية”.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 219 لسنة 2019 ما يلي:

“إن من حق الخصم أن يختار الطريقة التي يرغب إثبات دعواه بموجبها طالما كانت الطريقة موافقة للقانون وحيث إن اليمين هي إحدى وسائل الإثبات التي يستقل كل خصم بحق طلبها طالما كانت منتجة ومتعلقة بوقائع الدعوى وواردة على واقعة غير ممنوعة بالقانون أو مخالفة للنظام العام ولا يوجد في القانون ما يمنع من توجيه الخصم اليمين لخصمه إلا بشرط اعتبار المحكمة له عاجزاً عن الإثبات وعليه وحيث إن الطاعنين لم يطلبوا من محكمة الموضوع توجيه مثل هذه اليمين فإن المحكمة وطالما توصلت من خلال البينات المقدمة في الدعوى أنها كافية للاستناد إليها في إصدار حكمها فلا يكون لزاماً عليها بإفهام أحد الخصوم أن من حقه توجيه المين الحاسمة لخصمه”.

إعداد/ مصطفى كامل.

[1] دكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات – آثار الالتزام، طبعة 1967، ص 13.

[2] دكتور سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، الطبعة الأولى، 2009، ص 3.

[3] دكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات – آثار الالتزام، طبعة 1967، ص 35.

[4] دكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات – آثار الالتزام، طبعة 1967، ص 36

[5] دكتور عبد الرازق أحمد السنهوري، نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات – آثار الالتزام، طبعة 1967، ص 33

[6] دكتور سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، الطبعة الأولى، 2009، ص 27

[7] أنظر دكتورة أمل مصطفى رمزي شربا، قانون البينات، 2019-2020، ص29

[8] دكتور سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، الطبعة الأولى، 2009، ص 24

[9] دكتور سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، الطبعة الأولى، 2009، ص 26

Scroll to Top