المشورة القانونية
نتيجة للتطور والتحولات الاجتماعية عبر التاريخ والأدوار الإضافية المختلفة التي تؤديها القوانين والعدالة الآن، ظهرت العديد من الوسائل ذات الصلة بسبل تحقيق العدالة وتقديم رؤى لاسترداد الحقوق، ومن هذه السبل ما يسمى بالمشورة القانونية، بحيث أصبحت محطة ضرورية على نحو منتظم مع حياتنا اليومية وعلى وجه الخصوص قيما يتعلق بالقضاء والقانون، وهي تأتي على نهج توسيع المناظير والرؤى والوسائل المتاحة والتفكير لإيجاد وسائل قانونية تقليدية كانت أو تقنية من شأنها إجلاء الغموض المتعلق بمسألة معينة من ذوات الطابع القانوني أو القضائي، وأن معظم من يقومون بها هم أشخاص متخصصون في مجال القانون بفروعه ومتخصصو العلوم السياسية في بعض الأحيان، وقد يعتبر متلقي المشورة شخصا عاديا أو من ذوو الاختصاص ولكنه ليس لديه دراية بما هو مطروح أمامه وفق ظاهر الأسانيد القانونية، وسنتناول ذلك بنحو أكثر تفصيلا وفق النقاط التالية:-
ويأتي التفصيل وفق التالي:
أولا: التعريف بماهية المشورة القانونية:
ثانيا: أنواع المشورة القانونية:
ثالثا: مميزات المشورة القانونية:
رابعا: مستلزمات المشورة القانونية:
خامسا: شروط المشورة القانونية:
سادسا: قواعد إعداد المشورة القانونية:
أولا: التعريف بماهية المشورة القانونية:
المشورة في الاصطلاح القانوني: هي استكشاف رأي القانون في صدد مسألة معينة قد تكون محل نزاع جدي أمام القضاء أو نزاع ممكن أن يقع مستقبلا، وأن الهدف من المشورة في هاتين الحالتين هو معرفة حكم القانون والآراء القضائية والوقوف على احتمالات صدور حكم لصالح طالب المشورة من عدمه، وقد يكون دافع المشورة هي مسألة معينة ليست محل نزاع، حينها يطلب المستشير ممن هو أدرى منه قانونا المشورة حتى يكون على بصيرة عند تعاملاته، فلا يتعرض للمساءلة أو الخسارة، أو قد تكون المشورة لسد ثغرات حيث يمكن أن يستفيد منها من يتعاقد مع طالب المشورة ويتعامل معه، غيره أنه تأتي أحيانا من بوابة الثقافة القانونية العامة وحب الاستطلاع.
ثانيا: ما هي أنواع المشورة القانونية؟
تنقسم المشورة القانونية إلى نوعين، فهي إما حيادية عامة أو مشورة مخصصة، ويأتي ذلك بنحو أكثر تفصيلا كالاتي:
1ـ مشورة حيادية عامة:
حيث أن الغرض من المشورة الحيادية العامة هي توجيه طالب المشورة بشأن المسائل والقضايا القانونية محل الاستشارة، إذ يقوم فيها المستشار بتحليل موضوعي عام للعناصر والوقائع المتعلقة بتلك المسألة أو القضية المطروحة، بحيث تهدف المشورة الحيادية إلى تنوير المستشير بجميع الثغرات والنقاط الإيجابية والسلبية المرتبطة بالمسألة أو القضية القانونية محل النزاع، أي بيان جميع النقاط التي من المتوقع أن تعود بالنفع على المستشير وكذلك ما يمكن إلحاق الضرر به، ومدى إمكانية تدارك الضرر أي التقليل منه.
2ـ المشورة المخصصة:
وتكون المشورة مخصصة في حالة نشوء نزاع بين طرفين أو أكثر أو نزاع يحتمل وقوعه في المستقبل، ونجد أنه في هذه الحالة تكون المشورة أكثر تحليلا وعمقا، إذ لا يكتفي فيها المستشار بتنوير طالب الاستشارة فحسب، بل يبين فيها رأي القانون بدقه لترجيح كفة طالب المشورة أمام القضاء بحيث يبرز فيها المستشار النتائج والآثار القانونية المؤكدة والمحتملة بخصوص المسألة تحت الدراسة، وتوضيح ما يتعين إتباعه من قبل طالب المشورة لحصر آثار ذلك في أضيق نطاق، حتى يكون هنالك مجال للرأي الإيجابي.[1]
ثالثا: ما هي مميزات المشورة القانونية؟
تتميز المشورة القانونية بأربعة مميزات وتبرز في أنها تحليل لقانون وأنها من اختصاص رجل قانون قادر على الدراسة والتكييف القانوني وأنها تلزم بإعطاء رأي موضوعي ومتجرد، وننتقل لذلك تفصيلا كالتالي:
1ـ أنها تحليل قانوني:
حيث تقوم المشورة القانونية على الإلمام بموضوعها، بغية تحديد مجالها ضمن القواعد القانونية، وذلك لتحديد مدى تعلقها بالمجالات القانونية، كالمجال التجاري و المدني والعقاري والأسري والاجتماعي والجنائي أو إلى غير ذلك من المجالات، وإعطائها الدراسة والتكييف القانوني الملائم وفق القواعد القانونية التي تحتويها، ذلك مراعاة لتباين التشريعات بين الدول.
2ـ الاختصاص القانوني للقائم بها:
حيث تتطلب المشورة القانونية لطرحها، مختص في مجال القانون، كأستاذ جامعي يدرس القانون أو محامي ذو تجربة عملية لسنوات أمام المحاكم أو موثق مرموق في ممارسته أو مستشار قانوني مختص، فهؤلاء الذين سبق ذكرهم أكثر إدراكا ودراية بالقواعد القانونية لإبداء الحل والرأي المناسب لكل واقعة قانونية بناء على مقتضيات القانون المختص بها.
3- القيام بها يتطلب التكييف والدراسة القانونية:
نجد أنه لا يمكن إعطاء أي مشورة قانونية إلا ويقتضي ذلك إيجاد مجال لها في البحث بتأني ودقه ضمن القواعد القانونية لحل المشاكل المطروحة، وذلك تفاديا لكل ما قد يترتب عنه من عراقيل واحتمالات غير متوقعة، فهي دراسة شاملة لكل جوانب الواقعة، الإيجابية منها والسلبية والإجابة على كل الاحتمالات بالاستناد على النصوص القانونية والاجتهادات القضائية وأراء فقهاء القانون أو الاتجاه الأحدث والأرجح بينهما.
ويرى بعض الباحثين إنه إذا تعذرت الحلول فلا يمتنع المستشار عن إعطاء الرأي الشخصي على ضوء الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية في موضوع الاستشارة، وهذا لا يأتي إلا في حالة غياب النص الذي يمكن تطبيقه على الواقعة تحت الدراسة، ويجب في ذلك مراعاة تدرج مصادر القواعد القانونية، والعرف والمبادئ العامة للقوانين.
4- أنها موضوعية ومجردة:
إذ تتطلب الاستشارة القانونية الابتعاد عن العواطف والميول الذاتية وإن كان طالب المشورة من أقارب المستشار المختص بإعطائها، وذلك لأن الأمر هنا يستلزم إعطاء الرأي السليم لكل واقعة قانونية تعرض على رجل مختص في القانون، والمشورة الموضوعية والمتجردة عن كل انحياز تبرز منذ البدء في التحليل القانوني دون انفصام مرورا بالمقتضيات القانونية وتفسيرها وتأويلها إلى غاية إعطاء الرأي الملائم للواقعة محل الدراسة.
فالخروج عن الموضوعية في إبداء المشورة القانونية يؤدي إلى ترتيب آثار غير واقعية مما يجعل المشورة ذات دور سلبي على طالبها.
رابعا: ما هي مستلزمات المشورة القانونية؟
تتطلب المشورة القانونية لإعطاء حل سليم للمسألة تحت الاستشارة، أن تكون هنالك مستلزمات في شخص طالبها وفي مقدمها وذلك وفق ما هو تالي:
1ـ ما يتعلق بطالب المشورة القانونية:
يجب على طالب المشورة القانونية الإدلاء وتقديم كافة العناصر والوقائع محل النزاع للمستشار القانوني حتى يكون حكم القانون موافقا لواقع المسألة، كما يتعين على طالب المشورة تقديم دوافعه وحججه، حيث على إثرها يكيف المستشار أساسه القانوني السليم بكل وضوح ودقة، وبنحو عام يجب على طالب المشورة أن يحيط المستشار بأسباب الواقعة وكافة العناصر المتعلقة بالواقعة وملحقاتها حتى ما كان تافها بالنسبة لطالبها وهي ذات أهمية بالنسبة للمستشار لإعطاء الإجابة الصحيحة وفق مقتضيات القانون والقضاء.
2ـ ما يتعلق بمقدم المشورة:
يجب على مقدم المشورة أن يحدد قانونا وبدقة إطار المشورة والإشكالات التي تثيرها، وبناء على ذلك يقوم المستشار بفحص الطلب جيدا لتحديد العناصر الواقعية التي يرتب عليها القانون نتائج معينة ومحددة، إضافة للاحتمالات الأخرى الأقل توقعا.
خامسا: ما هي شروط المشورة القانونية؟
تتطلب المشورة القانونية توفر عدة شروط عامة كالأهلية، والكفاءة والتجربة، والمقصود بالأهلية هنا الأهلية القانونية والتي تعني صلاحية المستشار في إعطاء استشارته قانونا، وكذلك الكفاءة والتجربة في المجال القانوني وهو أن تطرح على مختص في القانون كأستاذ في القانون أو موثق أو محامي أو مستشار قانوني، وذلك لأن هؤلاء أكثر دراية بالقواعد القانونية، كما يشترط الكفاءة في اللغة العربية بالإضافة إلى إتقان بعض اللغات الحية كاللغة الفرنسية أو الإنجليزية.
وللاعتداد بالمشورة القانونية، تفرض ضرورة اللجوء إلى شخص مختص في تقديمها ومتجرد أي بعيد كل البعد عن أي مشاعر أو عواطف بشأنها، وعليه تتطلب المشورة القانونية أربعة شروط تتمثل في الحياد والصراحة والتحليل القانوني والإفادة ، وهي كالاتي:
1ـ الحياد:
يجب على المستشار تقديم رائه دون انحياز لأي من أطراف النزاع، وذلك لأن العواطف والمشاعر لا تتوافق مع إعطاء الحل للمشاكل القانونية بل ويتطلب منه دراسة الواقعة من كل جوانبها، فوضع المستشار في ذلك مثله مثل موقف القاضي الذي ينظر في نزاع ما، حيث تقدم له البراهين والحجج من قبل المتخاصمين، وما عليه إلا تطبيق أحكام القانون عن وضعية كل طرف، لكل حسب الأدلة والبينات.
2ـ الصراحة:
يستلزم على مقدم المشورة “أي المستشار” أن يعطي تفسيرا واضحا دقيقا للوقائع المعروضة عليه وفق ما تقتضيه أحكام القانون بلغة سليمة وواضحة وصريحة لا يكتنفها غموض ولا تناقض مخل.
3ـ التحليل القانوني:
يتعين على المستشار أن يعطي رأيه في الواقعة المعروضة عليه بالشرح والتفسير وإعطاء أدلة قوية وحديثة ومواكبة قانونا مع مراعاة المقتضيات القانونية الأخرى، ويكون التحليل تحليلا قانونيا وقضائيا إضافة للأخذ بعين الاعتبار الاجتهاد الفقهي والقضائي الذي يكون قد أعطي في مثل هذه الوقائع أي (دلالات السوابق القضائية).
4ـ الإفادة:
ويقصد بذلك أن تكون المشورة مفيدة لطالبها وتقدم له الحل المناسب لواقعته، ولا تتحقق الإفادة إلا بتقديم المستشار الأدلة والبراهين في موضوع الإفادة أي أنه لابد من الانتهاء لرأي قانوني سديد يفسر طبيعة المسألة المستشار فيها على نحو أكثر واقعية لها.
سادسا: كيفية إعداد المشورة القانونية:
تعتبر منهجية المشورات القانونية كباقي منهجيات العلوم القانونية التي تتطلب هياكل عامة في تحليلها، لذلك اقتضي الأمر وضع قواعد لتحرير المشورات القانونية، حيث هنالك ضوابط لمقدمة المشورة وعرضها إضافة للخاتمة، وذلك أكثر تفصيلا وفق النقاط التالية:-
1- الضوابط المتطلبة في المقدمة:
- تحديد الإطار القانوني العام للواقعة محل الاستشارة.
- تكييف الواقعة وفق الأحكام القانونية.
- تناول وسرد الوقائع بشكل واضح وفق تسلسل الأحداث من الناحية الزمنية.
- تعيين المشاكل القانونية.
- تقديم الرأي الملائم المنسجم مع التحليل المقدم.
2- الضوابط المتطلبة في العرض:
إذ تقوم الاستشارة على التحليل والدراسة الدقيقة لوقائع المسألة من أجل تكييف وتطبيق حكم القواعد القانونية على الوقائع المعروضة أو المفترضة وتحديد الحلول أو الآراء الممكن إعطاؤها، وذلك لغرض تقديم رأي مجرد من كل العواطف، وهذا يفيد ضرورة العودة إلى الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية للإحاطة بالمشاكل القانونية للواقعة المعروضة، وهذا النطاق يتطلب من المستشار ضبط القواعد القانونية بالاكتفاء بما لها من صلة مباشرة بالواقعة، كذلك محاولة استجلاب سوابق في الموضوع لمعرفة أوجه التقارب بينهما وبين الواقعة محل المشورة، فضلا عن تفسير القواعد القانونية تفسيرا حكيما بقصد الوصول للرأي السليم.
وبالرجوع إلى الآراء الفقهية السابقة قد تكون هنالك اختلافات، لهذا يجب على المستشار أثناء تحليله عرض الآراء الفقهية وإبداء ملاحظاته حولها، وإذا انتقد أحدها؛ عليه أن يبين أسباب هذا الانتقاد أو أسباب استبعاده، وإذا ما أقام رأيا مستقلا وجب تدعيمه وتعليله تعليلا منطقيا وقانونيا بشكل يكسب هذا الرأي والقوة الدلالية والقانونية التي تجعله مقنعا بصوابه وتفوقه على سائر الآراء بشأن المسألة محل الدراسة.
3- الضوابط المتطلبة في الخاتمة:
عند الختام وبعد دراسة كافة النقاط القانونية وإعطاء الآراء القانونية المتوقعة حول موضوع المشورة في مرحلة العرض، يتعين على المستشار القانوني إعطاء توقع لحل نهائي بأسلوب موجز وواضح ليشكل بناء لما يمكن اتخاذه أو دليلا لطالب المشورة حتى يكون على بصيرة فيما يتخذه من مسلك تجاه المسألة محل النزاع.[2]
سابعا: نماذج لمشورات قانونية:
1ـ كأن يتقدم شخص ما طبيعي كان أم اعتباري لشركة محاماة ملتمسا معرفة مدى إمكانية تحصيل ديونه من شخص أخر أردني الجنسية أو شركة أردنية محلية حال العجز المالي، فنجد أنه ما لم يلم المستشار بالنصوص المتعلقة بالمدين المفلس كالمادة (375) من القانون المدني الأردني التي تولت تعريف المدين المفلس وبكافة المعلومات المحددة والمثبتة للدين إضافة لبعض نصوص القانون المدني الأردني المتعلقة بكيفية الوفاء بالديون حال العجز أو تجاوز الآجال والإجراءات التي يمكن اتخاذها حال امتناع المدين عن السداد فلن يستطع المستشار إعطاء المشورة القانونية السليمة التي من شأنها تحقيق الغرض بتحقيق المنفعة أو تفادي الضرر الواقع أو المحتمل.
2ـ كأن تطلب شركة معينة من محام أو من مستشارها القانوني معرفة حكم القانون في نزاع حاصل بينها وبين مجموعة من العمال، لتتعرف على ما إن كان في مقدورها اللجوء للقضاء من عدمه، ومدى سلامة مسعاها حال لجأت إلى القضاء – فهنا أيضا يتضح أنه ما لم يكن المستشار محيطا بالقواعد المحددة للاختصاص وقوانين العمل وفق تشريعات دول جنسيات الأشخاص أطراف النزاع إضافة للوائح المنظمة لعمل الشركات في الدول محل النزاع؛ فلن يستطع إبداء الرأي المناسب للوقائع محل الطرح.
ـ بذلك يمكن القول أنه بقدر سلامة سرد الوقائع تأتي النتيجة، بحيث يستطع المستشار بيان توقعاته للحكم القانوني بوضوح ودقة بالغتين لطالب المشورة، وبقدر الغموض في طرح الوقائع محل المشورة تأتي الإجابة أكثر بعدا عن الواقع الفعلي للنزاع المستشار فيه.[3]
إعداد/ المحامي والباحث أ. عادل عثمان عشر .
[1] STARTIMES- ستار تايمز، الاستشارة القانونية، أرشيف الشؤون القانونية، 25/1/2012م.
[2] المكتبة القانونية الإلكترونية، الاستشارة القانونية، 5 مارس 2020م
[3] ستار تايمز، الاستشارة القانونية، 25/1/2012م/ مرجع سابق.

