الإقرار حجة قاصرة على المقر

الإقرار حجة قاصرة على المقر

جبلت الطبيعة البشرية على حب الذات، حيث نجد أن الإنسان دائماً ما يسعى إلى الأمور التي تعود عليه بالنفع والربح، ويتحاشى أي أمور قد يصيبه منها أي ضرر أو خسارة، لذلك فعندما نجد إنسان يقر بأي حق من الحقوق التي يكون فيها صالح الغير مقدم على صالحه، فإن المنطق والعقل يجعلنا نصدق هذا الإنسان ونضع ما أقر به في موقع المصداقية، لأن ما يقر به هنا لا يتعلق بثمة مصلحة له وبالتالي لن يفيد منه، فيؤخذ بما أقر به ويصبح هذا الإنسان مقيداً بإقراره، ويستطيع الغير أن يحتج بإقراره هذا عليه متى كان هذا الإقرار قد تم في معرض الطرح على القضاء.

وقد وضع المشرع الأردني قاعدة عامة في تلك المسألة تتمثل فيما نص عليه بالمادة (51) من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، وقد صاغ تلك القاعدة في شكل مجمل قوامه أن (الإقرار حجة قاصرة على المقر)، فما هو المقصود بتلك القاعدة؟

أولاً: ماهية الإقرار بوجه عام

ثانياً: شروط ثبوت الحجية للإقرار

ثالثاً: نطاق حجية الإقرار

رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

خامساً: الخاتمة

أولاً: ماهية الإقرار بوجه عام

1- التعريف بالإقرار

يسمع الكثيرون منا في معرض الحديث عن التحقيقات التي تجريها المحكمة أو النيابة العامة أو حتى المرافعات التي تتم أمام المحكمة خلال نظر المنازعات القضائية لفظ الإقرار، ويتم التعامل معه باعتباره دليلاً على درجة بالغة من الأهمية، فما هو المقصود بالإقرار قانوناً؟

الإقرار على الصعيد اللغوي يقابل في معناه الاعتراف، حيث أنه يتشارك معه في توضيح الحق وإظهاره بأي وسيلة كانت، سواء كان ذلك عن طريق استخدام الألفاظ أو الكتابة أو حتى تمامه باستخدام لغة الإشارة، والإقرار يعد أحد أهم وسائل الإثبات لكونه يثبت الأمر الذي يتم الإقرار به في ذمة من أقره.

ولم تخرج التعاريف التي وضعها الفقه القانوني للإقرار عن إطار المعنى اللغوي له، ومن تلك التعاريف نذكر أبرزها فيما يلي:

– الإقرار هو الاعتراف الصادر من شخص ما بأمر أو واقعة معينة، والتي يترتب على اعترافه بها واتجاه نيته إلى تأكيد صحتها تحميله بآثار وتوابع قانونية تؤخذ عليه وتستخدم ضده[1].

– وهو أيضاً ما يدلي به الشخص من اعتراف بحق لشخص آخر في ذمته، وذلك استهدافاً لجعل هذا الإقرار دليلاً في ثبوت هذا الحق في ذمته، ورفع مشقة إثباته عن كاهل هذا الشخص الآخر[2].

– وهو اعتراف الإنسان بحق لخصمه وبثبوته في حقه بغض النظر عن اتجاه نية المقر لترتيب ذلك الحق في ذمته من عدمه[3]، فيكون الإقرار صحيحاً سواء كان المقر قد اتجهت نيته إلى ترتيب حق للغير على نفسه أو لم تتجه، فالإقرار لا يشترط فيه النية ولكنه ينتج أثره القانوني في حق صاحبه بمجرد إدلائه به.

وقد عرفه المشرع الأردني صراحة في نص المادة (44) من قانون البينات على أنه (هو إخبار الإنسان عن حق عليه لآخر)، وبالتالي فإن مضمون الإقرار في رأينا – باعتباره وسيلة من وسائل الإثبات – هو أنه شهادة يدلي بها الإنسان على نفسه، وباعتبار أن الشهادة على الغير لها حجية في الإثبات، فإن الشهادة على النفس هي أقوى وسائل الإثبات، ومن هنا جاءت الأهمية القانونية له.

2- الطبيعة القانونية للإقرار

تعددت آراء الفقه القانوني بشأن تحديد الطبيعة القانونية التي يمكن توصيف الإقرار كوسيلة للإثبات استناداً إليها، إلا أننا يمكننا وبإيجاز أن نورد تلك الآراء في أربعة آراء أساسية تعد هي أهم وأبرز الآراء التي فسرت الطبيعة القانونية للإقرار.

أ- هو إجراء يعفي من الإثبات

اتجه بعض فقهاء القانون إلى اعتبار الإقرار بمثابة إجراء يعفي المدعي من العبء الواقع على كاهله والخاص بإثباته لما يدعيه من حقوق أو وقائع، ومتى صدر عن خصمه إقرار بالحق أو الواقعة المدعى بها عليه، فإن المدعي في تلك الحالة يعفى من عبء إثباتها.

ب- هو تصرف قانوني

رأى البعض الآخر من فقهاء القانون أن الإقرار يعد تصرف قانوني، وفي وصف هذا التصرف القانوني أفادوا بأن الإقرار في مضمونه ما هو إلا اتجاه نية المقر وإرادته إلى ترتيب أثر قانوني في حق نفسه، وهو إثبات تحمله بالحق أو الواقعة التي يقر بها، وبالتالي فهو تصرف قانوني باعتباره تصرف يترتب عليه آثار قانونية.

ج- هو قرينة قانونية

سار على درب آخر جانب ثالث من الفقه في تعريفهم للإقرار، حيث وضعوا له تعريفاً من منظور يراه مشتملاً على واقعتين متلازمتين، الأولى هي الإقرار والثانية هي الحق أو الواقعة التي ينصب عليها الإقرار، بحيث أن الحق أو الواقعة لا تثبت إلا باقترانها بالإقرار، والتي من الطبيعي أن تتوافق وتتطابق مع الحق أو الواقعة المدعى بثبوت أولها أو تحقق ثانيها، وهو ما يجعل الواقة المنصب عليها الإقرار ذات قوة قانونية قاطعة بثبوت الحق أو سلامة الواقعة في حق المقر.

د- هو دليل ثبوتي في حق صاحبه

ويعد هذا الرأي هو الرأي الأقرب إلى الواقع والمنطق، فالإقرار يصنع باعتباره أحد أهم أدلة الإثبات، إلا أنه يتمتع بخصوصية تتمثل في كونه يقدم من قبل أحد طرفي الخصومة دون غيره وهو الخصم المدعى عليه بثبوت الحق أو الواقعة في حقه، ولا نقصد بذلك أنه يقتصر في صدوره على من يحمل صفة المدعى عليه في الدعوى فقط، ولكنه قد يقع على المدعي فيها متى تم توجيه طلب مقابل من المدعى عليه ضده بثبوت حق أو واقعة في حقه، حيث أن الإقرار يرتبط ليس بمن أقيمت الدعوى عليه ولكن يرتبط بمن يدعى عليه بثبوت حق أو واقعة في حقه أياً كان مركزه الأصلي في تلك الدعوى.    

3- أنواع الإقرار

بعيداً عن التقسيمات التي وضعها الفقه القانوني للإقرار من وجهات نظر متنوعة، والتي تنوعت بين تقسيمه إلى جزئي وكلي، وشفهي وكتابي، وغيرها من التقسيمات الأخرى الي تعد في مضمونها تقسيمات فرعية، فإننا سنعرض للتقسيم القانوني للإقرار والذي يعد هو التقسيم العام لكافة التقسيمات الأخرى سالفة الإشارة والمتمثل في تقسيمه إلى نوعين وهما الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي.

أ- الإقرار القضائي

بمطالعة نص المادة (45) من قانون البينات الأردني نجد أن المشرع قد عرف الإقرار القضائي بأنه (اعتراف الخصم أو من ينوب عنه إذا كان مأذوناً له بالإقرار بواقعة ادعي بها عليه وذلك أمام القضاء أثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة).

وبالتالي فإن الإقرار القضائي في التعريف القانوني له لم يختلف كثيراً عن تعريفه في رأي الفقه القانوني الذي عرفه بأنه ما يصدر من اعتراف عن خصم لصالح خصمه بالحق المدعى به في مجلس القضاء[4]، فيرفع عن الخصم عبء إثبات حقه ويوقعه في ذمة المقر مباشرة.

وهذا النوع من الإقرارات قد يحدث بشكل شفهي خلال مرافعات الخصوم، أو أن يتم بشكل كتابي كما لو جاء بإحدى مذكرات الدفاع المقدمة للمحكمة، أي أياً من الطرق الأخرى التي يمكن أن يتم من خلالها الإقرار بمجلس القضاء أي أمام المحكمة.

ب- الإقرار غير القضائي

لم يترك المشرع الأردني الإقرار غير القضائي دون أن يتعرض له بالتعريف، حيث عرفه بنص المادة (46) من قانون البينات على أنه (هو الذي يقع في غير مجلس الحكم أو يقع في مجلس الحكم في غير الدعوى التي أقيمت بالواقعة المقر بها).

مما يستدل معه أن الإقرار غير القضائي هو أي إقرار خلاف الإقرار القضائي، باعتبار أن الأخير يتم أمام المحكمة، بينما الإقرار غير القضائي يتم خارج مجلس القضاء وبعيداً عن المحكمة، إلا أن القانون حدد حالة استثنائية جعل فيها من القرار المثبت أمام المحكمة إقراراً غير قضائي، وهذه الحالة هي حالة ألا يكون الأمر المنصب عليه الإقرار متعلقاً بالحق أو الواقعة المتنازع عليها في المنازعة التي تم فيها هذا الإقرار.

وعلى سبيل المثال التوضيحي لذلك فإذا ما افترضنا أن هناك نزاعاً قائماً بين زيد (المدعي) وعمرو (المدعى عليه) على ملكية سيارة، وأثناء تداول النزاع أمام المحكمة وبإحدى الجلسات أقر عمرو بحق لعلي (وهو ليس خصماً في الدعوى) في ذمته يتعلق بمنزل ما، فإن هذا الإقرار على الرغم من وقوعه أمام محكمة – مجلس قضاء – إلا أنه منبت الصلة عن أطراف وموضوع الدعوى، وبالتالي يعد فيما بين عمرو وعلي إقراراً غير قضائي.

ثانياً: شروط ثبوت الحجية للإقرار

قرر قانون البينات الأردني في مادتيه (47) و(48) الشروط الواجب في الإقرار ليكون له حجية في الإثبات، وقد وردت تلك الشروط بشكل مجمل في نص هاتين المادتين، لذلك سوف نضع بياناً توضيحياً لتلك الشروط بشكل مفسر وموجز.

1- أن يتمتع المقر بالعقل والبلوغ وألا يكون قيد الحجر عليه

باعتبار أن الإقرار يمثل ترف من التصرفات القانونية، حيث يلقي على عاتق المقر عبء تحمل الحق أو الواقعة التي تضمنها إقراره، وتصبح ذمته مشغولة به، فيمكن اعتبار الإقرار بمثابة أعمال التصرف التي نص عليها القانون[5]، خاصة وأن ما يترتب من نتائج قانونية على الإقرار تماثل ما ينتج عن التصرف في الحق من آثار ونتائج.

لذلك فإن القانون قد تطلب بعض الشروط في المقر حتى يكون إقراره متمتعاً بالحجية ومنتجاً للآثار القانونية، حيث استلزم أن يكون عاقلاً، والعقل هنا يقصد به أن يكون متمتعاً بأهلية كاملة لجعله مدركاً بتبعة إقراره وقادراً على تحمل المسؤولية القانونية الناشئة عنه.

كما يلزم أيضاً أن يكون بالغاً أي بلغ السن القانوني الذي حدده القانون للبلوغ، فإذا قام بالإقرار صغيراً فإنه يعد إقراراً غير ملزماً له لكونه صدر عن شخص لم يتوافر فيه شرط البلوغ.

ويجب أن يكون المقر قد تمتع بالعقل والبلوغ ولم يفقدهما حتى لحظة إقراره، فلا يكون قد قام لديه أي عارض يزيل صفة العقل والبلوغ عنه، كما هو الحال في الحجر على الشخص والذي يفقده الأهلية القانونية كما هو الحال في المجنون والسفيه.

إلا أن القانون قد استثنى من تلك الشروط الحالة التي يكون فيها المقر صغيراً مميزاً، فاعتبر إقراره صحيحاً ومنتجاً لكافة آثاره القانونية متى كان إقراره هذا قد تم بشأن حد الأمور المأذون للصغير أن يقوم بها، فترتبط هنا صحة الإقرار بصدور الإذن للصغير بممارسة الأمر الذي تم الإقرار بشأنه.

2- ألا يكذب ظاهر الحال

يقصد بذلك الشرط أن الإقرار يجب أن يكون متوافقاً مع الواقع القائم فلا يكذبه، كما أنه لا يمكن اعتبار الإقرار إقراراً متى كان مستحيلاً، لأنه في تلك الحالة يقع في مرتبة الإقرار الصوري الذي لا يتمتع بأي قيمة كانت في الإثبات.

ومن أهم الأمثلة على الإقرارات الصورية التي لا قيمة لها لكونها تكذب واقع الحال أن يقر شخص بأنه والد لشخص آخر يقاربه في عمره، أو أن يقر أحد الزوجين بقيام علاقة زوجية صادر بشأنها وثيقة طلاق رسمية[6].

ثالثاً: نطاق حجية الإقرار

متى تم الإقرار في صورة سليمة ووفق الشروط التي تطلبها القانون فإنه يعد إقراراً يتمتع بالحجية، إلا أن التساؤل يثور هنا عما هو نطاق تلك الحجية؟

1- المقر وخلفه العام

الإقرار يمثل إعفاء يقدمه المقدر لخصمه بحيث يرفع عنه عبء إثبات الحق، كما يحول المقر بإقراره دون عودته للمطالبة بهذا الحق بأي صورة كانت، وبالتالي يعد الإقرار في مرتبة التصرف القانوني، وهو بدوره ما يجعل نطاق آثار هذا التصرف ممثلة في دائرة مغلقة لا تتعداها تضم المقر ذاته ومن يتقيد بتصرفاته ويخلفه فيها، كالنائب أو الخلف العام، فيمكن التمسك في مواجهتهم بما صدر من المقر من إقرار.

وعلى سبيل المثال نجد أن ورثة المقر يعتبرون بمثابة الخلف العام له، ولذلك يمكن أن يحتج من قبل الغير المقر له في مواجهتهم بإقرار مورثهم، ويكون ذلك الإقرار ثابتاً في حقهم وفي مواجهتهم إلى أن يتمكنوا من إثبات عدم صحة هذا الإقرار.

وإذا كان الإقرار صادراً من وريث ضمن الورثة ومتضمناً إقراره بدين للدائن على تركة مورثه، فلا يلتزم بهذا الإقرار أو يتقيد به سوى الوارث المقر فقط دون سائر الورثة الآخرين، في حين أنه متى تمكن المقر له بإثبات دينه بأي وسيلة من وسائل الإثبات الأخرى – الوسائل المتعدية – فإنه يستطيع إلزام كافة الورثة بهذا الدين لثبوته في مواجهتهم جميعاً.

وجدير بالذكر أن إقرار كافة الورثة بدين شخص ما على التركة، فإن هذا الإقرار يخص هذا الدائن وحده، ولا ينسحب على أي دائن آخر لمورثهم[7].

وفي إطار المنازعات القضائية فإذا كان المدعى عليهم بالحق أكثر من خصم، وأقر أحد هؤلاء الخصوم المدعى عليهم بالحق المدعى به لصالح الخصم، فإن ذلك الإقرار لا ينسحب على أحد سواه، فلا يتأثر به باقي المدعى عليهم ممن لم يقروا بذلك الحق.

وفي حالة إقرار الموصي بحق للغير، فإن هذا الإقرار لا يقتصر على نفسه أو ورثته فقط، ولكنه يمتد أيضاً إلى من يوصي لهم بتركته كلها أو بجزء منها، ويكون التزامهم هذا قائماً على كونهم خلف عام له، ولكن التزاماهم به لا يكون إلا في حدود ما آل إليهم من ماله بموجب وصيته.

2- الشركاء على الشيوع والدائنين المتضامنين ودائن المقر

في حالة وجود مجموعة من الشركاء على الشيوع في مال شائع، وقامت مجموعة من الشركاء بالتصرف في هذا المال دون الرجوع لباقي الشركاء الآخرين، فإن إقرار أحد هؤلاء الشركاء الآخرين لهذا التصرف لا تنصرف حجيته إلى باقي من لم يوافق من الشركاء، حيث يظل الشريك المقر هو وحده الملتزم بإقراره، ويظل حق من لم يقر البيع من الشركاء قائماً في الاعتراض على هذا التصرف.

وهناك حالة يجب أن نتعرض إليها وهي الحالة الخاصة بدائن المقر، فإذا كان الإقرار الذي قام به المقر يضر بدائنه، فإن هذا الإقرار لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره حجة على ذلك الدائن، وكمثال على ذلك فإذا كان المقر هو المدعى عليه في دعوى مطالبة بعقار ما، وأقر المدعى عليه بحق المدعي في العقار، فإن دائن المدعى عليه في تلك الحالة لا يلتزم بإقراره، وله الحق أن يتدخل هجومياً في تلك الدعوى ليثبت أن هذا الإقرار غير صحيح، أو أنه تم إضراراً بالدائن حتى يخرج المدعى عليه العقار من الضمان العام لهذا الدائن، وله أن يطعن على هذا الإقرار بالصورية لإثبات عدم صحته، شريطة أن تكون الشروط الخاصة بالصورية متوافرة في هذا الإقرار.

كما أنه في حالة التضامن بين المدينين إذا أقر أحدهم بالدين فيكون هو وحده الملتزم بهذا الإقرار، ولا يسري إقراره في حق الباقين، وذلك طبقاً لما جاء بنص المادة (437) من القانون المدني الأردني والذي نص على أنه (إقرار المدين المتضامن بالدين لا يسري في حق الباقين ولا يضار باقي المدينين المتضامنين إذا وجه إليه الدائن يميناً فنكل عنها أو وجه إلى الدائن يمينا فحلفها، أما إذا وجه إليه الدائن يميناً فحلفها فإن باقي المدينين يفيدون من ذلك).

ويرجع ذلك إلى أن إقرار الشخص يحمله بالتزامات، وبالتالي فإن القاعدة العامة هي أن الشخص لا يكون مسؤولاً إلا عن أفعاله الشخصية، ولا يمكن أن يقيد شخص بإقراره شخص آخر، وإلا كان في ذلك مفسدة للناس باعتباره يفتح الباب أمام مضارة الغير عن طريق الإقرار بأمور غير صحيحة للكيد بهم وإضرارهم، ولذلك فقد قصر القانون سريان آثار الإقرار على المقر نفسه وعلى خلفه العام فقط دون غيرهم.

3- المقر له

المقر له هو الشخص الذي يصدر الإقرار لصالحه ويسلم له بحق ما على المقر، وعلى الرغم من أن الإقرار له حجية على المقر ويصدر لصالح المقر له، إلا أنه لا يجوز أن يكون حجة على المقر له، فالقانون حينما أقر قاعدة أن الإقرار حجة على المقر، فهو لم يحسبه حجة له على الغير حتى وإن كان هذا الغير هو الصادر لصالحه الإقرار، ولو أباح القانون اتخاذ الإقرار حجة على المقر له، فسيكون ذلك مخالفاً للقاعدة القانونية المستقرة والتي قوامها أنه (لا يجوز أن يصطنع الشخص دليلاً لنفسه)[8]، حيث سيكون الإقرار عندئذ دليلاً للمقر اصطنعه لنفسه ليتمسك به في مواجهة المقر له.

رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

– حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3043 لسنة 2021 تمييز حقوق والصادر بجلسة 9/8/2021 والمتضمن أن (وحيث إن المميز تقدم بهذا العقد كبينة له والمميز ضدها أقرت بوجودها ورتبت آثارها مما يجعل التصرف الناشئ هو من قبيل الإقرار القضائي مما يتوجب ترتيب الأثر القانوني عليه كواقعة مادية).

– حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4680 لسنة 2020 تمييز حقوق والصادر بجلسة 2/12/2020 والمتضمن أن (وقد استقر الفقه والقضاء على أنه يشترط لقبول اعتراض الغير توفر شرطين أساسيين بالإضافة لما أسلفناه: 1- أن يكون الحكم المعترض عليه مبنياً على البينة لأنها حجة متعدية بعكس ما إذا كان الحكم مبنياً على إقرار المدعى عليه أو على نكوله عن حلف اليمين فإن اعتراض الغير لا يكون مقبولاً لأن الإقرار والنكول حجة قاصرة على الشخص الناكل فلا يمس الحكم حقوق الغير لكونه لا يتعدى النية).

– حكم محكمة استئناف عمان رقم 8354 لسنة 2019 استئناف حقوق عمان والصادر بجلسة 17/3/2019 والمتضمن أن (وحيث أن مورث المدعى عليهم قد أقر أمام المدعي العام بالوقائع المتعلقة بهذه الدعوى وبالتالي فإن هذا الاقرار حجة قاصرة عليه ويكون الورثة ملزمون بحدود ما آل إليهم من التركة بإعادة المبلغ 35 ألف دينار).

خامساً: الخاتمة

يعتبر الإقرار بمثابة الاعتراف، وهو ما يضع الإقرار على رأس أدلة الإثبات باعتباره سيد الأدلة، حيث أنه يمثل قيداً ذاتياً يقيد به الشخص نفسه قبل خصمه، وذلك بأن يقر بثبوت الحق في ذمته الشخصية، ولذلك أراد المشرع توضيح حدود ونطاق حجية هذا الإقرار بالشكل الذي يقيد المقر فقط دون أن يمتد إلى أي شخص آخر، ولا تعد قاعدة أن الإقرار حجة قاصرة على المقر قاعدة قانونية فقط، بل إنها قاعدة شرعية أيضاً لكونها تجد أصولها في الفقه الإسلامي.

كتابة: أحمد عبد السلام.

[1] – عبد المنعم الصدة – الإثبات في المواد المدنية – ط2 – مطابع مصطفى الحلبي – مصر – 1954 – ص378.

[2] – سليمان مرقس – أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية – الجزء الأول – دار النشر للجامعات – مصر – بدون عام نشر – ص113.

[3] – رزق أنطاكي – صكوك الإجراءات في المواد المدنية والتجارية – الطبعة الثانية – سوريا – بدون دار أو عام نشر – ص599.

[4] – حسين المؤمن نظرية الإثبات: القواعد العامة والإقرار واليمين – دار الكتاب العربي – مصر – 1948 – ص 92.

[5] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: نظرية الالتزام بوجه عام: الإثبات – دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ج2 – ص 486.

[6] – محمد الصوري – التعليق على قانون الإثبات: دراسة مقارنة – مطابع شفيق – العراق – 1983 – ج2 – ص 570.

[7] – محمد الصوري – المرجع السابق – 611.

[8] – منير القاضي – شرح المجلة – مطابع العاني – العراق – 1949 – ص69.

Scroll to Top