سماع الشاهد إلكترونيا

الشهادة الإلكترونية “سماع الشاهد عن بُعد”

تُعد الشاهدة وسيلة من أهم وسائل الإثبات سواء في المواد المدنية أو الجنائية، حيث أنها تُساعد على إجلاء الحق ومحق الباطل بشهادة من حضروا الواقعة محل النزاع، وسابقاً كان يُعد سفر الشاهدة أو عدم تمكنه من الحضور للإدلاء بشهادته أمام المحكمة من المُعضلات التي تحول دون إدلائه بشهادته والتي قد يكون لها وزنها في الإثبات في الدعوى المنظورة.

ولكن بعد التطور الذي طرأ على المجتمع وعلى وجه الخصوص في وسائل الاتصالات أصبح أنه ليس من الضروري أن يكون الشاهد حاضراً بنفسه أمام هيئة المحكمة ليدلي بشهادته، بل يمكن أن يُدلي بشهادته بصورة إلكترونية سواء من خلال تسجيل وسائطي لشهادته أو الإدلاء بها بصورة مباشرة “Live” أثناء المحكمة من خلال وسائل الاتصال المرئية والمسموعية “Video Call”.

أولاً: التعريف بالشهادة الإلكترونية:

ثانياً: شروط الإثبات بالشهادة الإلكترونية:

ثالثاً: حجية الإثبات بالشهادة الإلكترونية:

رابعاً: الشروط الخاصة لأداء الشهادة إلكترونياً:

أولاً: التعريف بالشهادة الإلكترونية:

لا يوجد ثمة اختلاف بين الشهادة التقليدية والشهادة الإلكترونية إلا من حيث الوسيلة المستخدمة في إبداء الشهادة الإلكترونية، حيث أن تلك الشهادة يتم إبدائها بوسائل تقنية ممغنطة مرئية ومسموعة، بحيث لا تتطلب حضور الشاهد إلى ساحات القضاء، بل يمكن أن يُسجل شهادته أو يبدي شهادته بصورة مباشرة أمام القضاء ولكنه يكون في مكان أخر خارج المحكمة التي يُعرض أمامها النزاع.

ومن ثم يمكن تعريف الشهادة الإلكترونية بأنها: إخبار الشخص  بما اتصل لعلمه بواسطة أي حاسة من حواسه التي تمكنه من المشاهدة أو السمع أو التذوق أو اللمس أو الشم أو غيرها ممن تتوفر من وسائل أخرى تمكنه من إدراك أي أمر يتعلق بالجريمة،[1] ويكون هذا الإخبار بوسائل تقنية من شأنها إيصال الشهادة إلى القضاء.

وتجدر الإشارة إلى أن الشهادة – بصفة عامة – تنقسم إلى نوعين:

1- الشهادة المباشرة:

وهي التي يقوم فيها الشاهد برواية ما اتصل بعلمه اتصال مباشر بواسطة أي حاسة من حواسه سواء الرؤية أو السمع أو اللمس أو التذوق أو الشم.

كأن يدلي الشاهد بشهادته أنه رأى الجاني وهو يرتكب جريمته، أو يشهد بأنه سمع صراخ المجني عليها في مكان ارتكاب الجريمة، أو أنه استنشق رائحة المخدر تتصاعد من سيارة الجاني.

2- الشهادة الغير مباشرة:

والشهادة الغير مباشرة تنقسم إلى نوعين وهما:

أ- الشهادة السماعية:

وهي التي تتعلق بما سمعه الشاهد من غيره، حيث يدلي بأنه سمع نبأ الجريمة من غيره الذي كان مدرك لها حال ارتكابها.

ب- الشهادة بالتسامع:

وهي التي تنطوي على مجرد ترديد لإشاعة انتشرت بين الناس دون جزم بصحتها، وهذا النوع من الشهادة لا يمكن التعويل عليه لعدم التمكن من التيقن من صحته.

ثانياً: شروط الإثبات بالشهادة الإلكترونية:

حتى يتمكن الشخص من الإدلاء بشهادته من خلال الوسائل الإلكترونية يجب أن يتوافر في شأنه الشروط العامة الواجب توافرها في الشاهد بالإضافة إلى التقدم بطلب للإدلاء بشهادة إلكترونية وذلك على النحو التالي:

1- التمتع بالأهلية القانونية:

حتى يتمكن الشاهد من الإدلاء بشهادته يجب أن يكون متمتعاً بالأهلية القانونية وذلك وفقاً لما قررته (المادة 32) من قانون البينات الأردني والتي نصت على أن: (تسمع المحكمة شهادة كل إنسان ما لم يكن مجنوناً أو صبياً لا يفهم معنى اليمين ولها أن تسمع أقوال الصبي الذي لا يفهم معنى اليمين على سبيل الاستدلال فقط).

ومن ثم فلا يوجد ثمة تلازم بين الأهلية القانونية وإمكانية الإدلاء بالشهادة، حيث قد يكون الشخص متخطياً لسن الأهلية القانونية ولكنه مُصاب بآفة عقلية مما يؤدي إلى الحيلولة دون تمكنه من الإدلاء بشهادته.

وفيما يتعلق بالصبي فيكون له الحق في أن يُدلي بشهادته إلا أن شهادته لا تُعد دليل كامل، ولكن يمكن للمحكمة أن تأخذ بها – فقط – على سبيل الاستدلال.

2- ألا يكون ممنوع من الشهادة:

هناك بعض الأشخاص المحددين من قبل القانون ممن لا يجوز لهم الإدلاء بشهادتهم في وقائع معين، حيث قرر قانون البينات الأردني بعدم جواز قيام موظفي الدولة بالشهادة عن أي معلومات أو مضمون أوراق تتعلق بشئون الدولة إلا إذا كانت قد نشرت بالطريق القانوني أو كانت السلطة المختصة قد أذنت بإذاعة تلك المعلومات.[2]

وفي هذا الصدد ينص قانون البينات الأردني في (المادة 36) منه على أن: (الموظفون والمستخدمون والمكلفون بخدمة عامة لا يشهدون ولو بعد تركهم العمل بما يكون قد وصل إلى علمهم أثناء قيامهم بالعمل من معلومات لا تجوز إذاعتها ومع ذلك فللسلطة المختصة أن تأذن لهم بالشهادة بناء على طلب المحكمة أو أحد الخصوم).

فضلاً عن أن (المادة 37) من ذات القانون شملت أشخاص آخرين يحظر عليهم الشهادة في أحوال معينة حين نصت على أن: (من علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء أو من ماثلهم عن طريق مهنته أو صنعته بواقعة أو بمعلومات لا يجوز له أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته ما لم يكن ذكرها له مقصوداً به ارتكاب جناية أو جنحة ويجب عليهم أن يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم من أسرها اليهم على أن لا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم).

وكذلك لا يجوز لكل من الزوجين أن يشهد على الأخر حتى ولو بعد انفصام عُرى الزوجية بينهم إلا إذا كانت الخصومة قائمة بينهم أو إذا أقيمت دعوى على أحدهم بسبب جناية أو جنحة وقعت منه على الأخر.

3- عدم وجود مصلحة للشهاد في الشهادة:

ورد هذا الشرط بموجب (المادة 80) من القانون المدني والتي نصت على أن: (كل شهادة تضمنت جر مغنم للشاهد أو دفع مغرم عنه ترد).

4- أن يكون عدد الشهود اثنين أو أكثر:

نصت (المادة 34/2) من قانون البينات على أن: (لا يجوز للمحكمة أن تصدر حكماً في أية قضية بالاستناد إلى شهادة شاهد فرد إلا اذا لم يعترض عليها الخصم أو تأيدت ببينة مادية أخرى ترى المحكمة أنها كافية لإثبات صحتها).

ومن ثم يتجلى لنا أنه وفقاً للقاعدة العامة فلا يكون للمحكمة أن تأخذ بشهادة فرد واحد إلا إذا كان هناك بينة أخرى تؤيد شهادته وتَقدر للمحكمة أن هذه البينة كافية لإثبات صحة الشهادة، وتلك البينة قد تتمثل في سند كتابي أو غيره من البينات التي تعرض على المحكمة.

5- تقديم طلب الإدلاء بشهادة إلكترونية:

أجازت (المادة 81/7) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني الإدلاء بالشهادة الإلكترونية وذلك عندما نصت على أن:(للمحكمة بناء على طلب أحد الخصوم، سماع وبموافقة خصمه الآخر أقوال أي شاهد باستخدام وسائل الاتصال الحديثة بدون مثوله أمام المحكمة وفقاً لنظام يصدر لهذه الغاية)[3].

ومن ثم يتضح أنه حتى يتمكن أحد الخصوم من إثبات ادعائه بشهادة تدلى بواسطة وسائل إلكترونية أن يُقدم طلب للمحكمة ينال قبول الأخيرة، فضلاً عن ضرورة موافقة الخصم الأخر في الدعوى على قبول الإثبات بتلك الوسيلة.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم 95 لسنة 2018 قد أجاز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم أن تقرر سماع الشاهد بالوسائل الإلكترونية وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 9/أ) من هذا النظام والتي نصت على أن: (للمحكمة أن تقرر من تلقاء ذاتها أو بناء على طلب أحد أطراف الدعوى سماع الشهود باستعمال الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة المعتمدة من الوزارة في حال كان الشاهد يقيم في منطقة خارج اختصاص المحكمة المختصة أو في حال تعذر حضور الشاهد إلى المحكمة المختصة لأي سبب كان).

ولما كان هذا النص يُعد نصاً خاصاً فإنه يُقيد ما ورد بقانون البينات ويصبح من الجائز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الخصوم أن تجيز سماع أحد الشهود بالوسائل الإلكترونية حال تعذر حضوره لمقر المحكمة.

ثالثاً: حجية الإثبات بالشهادة الإلكترونية:

1- الشهادة الإلكترونية حجة للخصوم أو عليهم في حال اتفق طرفي الدعوى على أداء الشهادة إلكترونيا ، ويكون للمحكمة حق وزن البينة كما في الشهادة بالطريق المعتاد )

لمحكمة الموضوع مطلق الحرية في تقدير قيمة شهادة الشهود التي أدليت عبر الوسائل الإلكترونية دون أن تكون خاضعة في تقديريها لرقابة محكمة التمييز، حيث يكون للمحكمة أن تقدر قيمة تلك الشهادة وفقاً لما يتراءى لها من تصرفات الشهود وأفعالهم، ويكون لها أن تأخذ بأقوال الشهود بصورة جزئية حال اقتناعها بجزء فقط من أقوالهم.

فكون الشاهد لا يمثل أمام المحكمة فإن ذلك من شأنه أن يؤثر على اقتناع المحكمة بما يدليه الشاهد، ذلك أن مثول الشاهد أمام المحكمة وخضوعه لرقابتها قد يؤثر على أقواله مما يجعل القاضي يستشعر مدى صدقه من عدمه، أما كونه بعيد عن المحكمة فإن ذلك من شأنه أن يمنحه الطمأنينة التي تمكنه من إحكام خداعه للمحكمة.

2- الشهادة الإلكترونية حجيتها غير قاطعة كما في الشهادة الحضورية:

الشهادة الإلكترونية ليس لها حجة قاطعة مما يترتب عليه أن يجوز نفي ما تم إثباته بواسطتها بأي طريق أخر، ومن ثم يمكن القول أن الشهادة الإلكترونية تقبل دحضها بشهادة أخرى سواء أكانت عادية أم إلكترونية أو بأي طريق آخر ترجحه محكمة الموضوع.

وجديرٌ بالذكر أن ذلك ليس قاصراً فقط على الشهادة الإلكترونية ولكنه ينطبق على الشهادة بصفة عامة وذلك لعمومية ما ورد (بالمادة 31/1) من قانون البينات الأردني والتي نصت على أن: (الإجازة لاحد الخصوم بإثبات واقعة بشهادة الشهود تقتضي دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق).

3- الشهادة الإلكترونية كما في الشهادة الحضورية ، ذات حجة مُقيدة:

يُقصد بذلك أنه لا يجوز اللجوء إلى الإثبات سواء بالشهادة العادية أو الإلكترونية إلا في أحوال معينة، حيث يتعين أن تكون قيمة النزاع أقل من مائة دينار وذلك وفقاً لما قرره قانون البينات الأردني بموجب (المادة 30).

بالإضافة إلى أن الشهادة الإلكترونية لا يجوز أن تؤدى من المنزل ولكن يجب أن يتم أداؤها من خلال أقرب محكمة للشاهد  وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 9/ب) من نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية والتي نصت على أن: (يتم سماع المحكمة المختصة للشهود وفقاً لأحكام الفقرة (أ) من هذه المادة عن بعد باستعمال الوسائل الإلكترونية من خلال المحكمة الأقرب للشاهد).

وكذلك فإن الشهادة الإلكترونية مُقيدة بأنها لا تصلح إلا إذا تمت من خلال وسائل مرئية ومسموعة، حيث يتم رفضها إذا كان الإدلاء بها من خلال وسائل مسموعة فقط.

4- شهادة الشهود الإلكترونية شهادة متعدية:

الحجية المتعدية لشهادة الشهود تعني أن كل ما يثبت عن طريقها يتعدى إلى الغير ولا يقتصر عليه، فالشاهد يخبر بما يعلمه عن الواقعة التي ترتب حقاً للغير وهي بذلك تختلف عن الإقرار، حيث أن ما يثبت بالشهادة – سواء الإلكترونية أو العادية – لا يقتصر ثبوته على أطراف الخصومة وإنما يتعدى إلى الكافة.[4]

رابعاً: الشروط الخاصة لأداء الشهادة إلكترونياً:

وردت تلك الشروط في نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم 95 لسنة 2018 والتي تتمثل فيما يلي:

1- يجب أن يكون هناك سبب يحول دون تمكن الشاهد من الحضور بشخصه إلى المحكمة المنظور أمامها الدعوى للإدلاء بشهادته، وذلك بسبب معاناته – مثلاً – من مرض يحول دون تمكنه من الحركة أو أن يكون مرض معدي يخشى على من حوله من أن ينتقل لهم.

فجديراً بالذكر أن المشرع الأردني لم يضع أسباب محددة لقبول الشهادة بالوسائل الإلكترونية وإنما ترك ذلك لتقدير المحكمة.

2- أن يتم أداء الشهادة الإلكترونية من أقرب محكمة للشهاد، حيث لا يكون للشاهد أن يسجل شهادته في مكان خارج المحاكم.

3- أن يتم استخدام وسائل فعالة لتسجيل الشهادة حتى يتسنى للمحكمة المنظور أمامها الدعوى أن تقدر مدى صدق كلام الشاهد.

4- يجب أن يدلي الشاهد بشهادته بوسائل مرئية ومسموعة حيث لا يجوز أن يقتصر الأمر على مجرد استخدام الصوت فقط، ويجب أن تكون الوسيلة التي سيستخدمها الشاهد حائزة على ترخيص من وزارة العدل الأردنية.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الأستاذ الدكتور/ أمين مصطفى، الأحكام العامة في قانون الإجراءات الجنائية، 2019، دار المطبوعات الجامعية، ص343.

[2] أنظر لين لؤي عبد الرحيم، أحكام الإثبات بالشهادة الإلكترونية في المسائل الحقوقية وفقاً للقانون الأردني، 2021، ص18.

[3] أضيفت هذه الفقرة بموجب القانون رقم 31 لسنة 2017 المعدل لقانون أصول المحاكمات المدنية.

[4] أنظر لين لؤي عبد الرحيم، مرجع سابق، ص24، 25.

Scroll to Top